اليمين واليسار اليوم .... بأي معنى؟
1- ضرورة إعادة تحديد المفاهيم!
محمد عابد الجابري
أثار انتصار حزب "العدالة والتنمية" في الانتخابات الأخيرة بتركيا اهتما كبيرا لدى جميع الملاحظين، والسبب الرئيسي في هذا الاهتمام هو انتماء هذا الحزب إلى التيار الإسلامي في الجمهورية التركية العلمانية، إن لم يكن الممثل الرسمي لهذا التيار في الظرف الحاضر. ولكي ينفي زعماء هذا الحزب عن حزبهم هذه الصفة، صفة تمثيل التيار الإسلامي، بادروا منذ اللحظة التي ظهر فيها انتصارهم إلى التخفيف من علاقتهم بـما يعرف دوليا بـ "الإسلام السياسي" والتصريح بكونهم لا يناهضون العلمانية بل يحترمون دستور البلاد الذي ينص عليها وأنهم متمسكون برغبة تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي الخ.
وسواء كانت هذه التعهدات والتصريحات تعبر عن أهداف استراتيجية أو عن تحركات تكتيكية ظرفية اقتضتها طبيعة الوضع السياسي في تركيا، فإن اللافت للنظر هو أن التعريف الإيجابي الذي اختاره زعماء هذا الحزب لمنظمتهم هو وضعها في خانة "اليمين المحافظ". ومع أن هناك أحزابا "يمينية" في تركيا خسرت الانتخابات ولم تحصل حتى على نسبة
10% التي تؤهلها للدخول إلى البرلمان فإن "حزب العدالة والتنمية" الإسلامي التوجه، قد خاض الحملة الانتخابية بوصفه كذلك ولم نسمع عن وصف "اليمين" المحافظ الذي خلعه على نفسه إلا بعد نجاحه الساحق في الانتخابات!والسؤال الذي يهمنا هنا هو التالي: بأي معنى يجب فهو "يمينية" هذا الحزب "اليميني" الإسلامي المنتصر في تركيا، الذي لم يتردد في التصريح باحترام النظام العلماني القائم؟
قبل شهر ونصف جرت انتخابات حرة نزيهة –في جملتها- بالمغرب، وقد فوجئ الملاحظون ببروز حزب مغربي يحمل الاسم نفسه (حزب العدالة والتنمية) وينتمي إلى التيار عينه (تيار الإسلام السياسي). لقد حصل هذا الحزب على عدد من المقاعد يقترب من العدد الذي حصل عليه الحزبان الوطنيان الكبيران حزب الاتحاد الاشتراكي "اليساري" وحزب الاستقلال "اليميني". ولو أن هذا الحزب –حزب العدالة والتنمية- اضطر إلى تعريف نفسه تعريفا سياسيا إيجابيا، لقال إنه حزب "يميني محافظ"، تماما كما فعل سميه التركي. ذلك أن هذه الحزب لا يخفي خصومته للاتحاد الاشتراكي "اليساري" والتقاءه مع حزب الاستقلال "اليميني".
والسؤال الذي يطرح نفسه علينا هنا هو السؤال السابق نفسه: بأي معنى يجب فهم "يمينية" هذا الحزب "اليميني" الإسلامي الذي احتل موقعا معتبرا في الانتخابات الأخيرة بالمغرب، والذي لا يحتاج إلى التصريح باحترام النظام الملكي في المغرب لأن رئيسه الدكتور الخطيب هو أحد شخصيات القصر المعروفة منذ عام 1955، ولأن أطر هذا الحزب الذين كانوا يشكلون في الأصل جمعية إسلامية لم يسمح الحكم لهم، على عهد المرحوم الحسن الثاني، بالتحول إلى حزب إلا بـ" الدخول الجماعي" في حزب الدكتور الخطيب، الذي كان مجرد إطار فارغ تماما يوم دخلوه؟ ليس هذا الحزب إذن في حاجة إلى الإعلان عن احترامه للنظام الملكي في المغرب –كما فعل سميه بالنسبة للنظام العلماني في تركيا- فوجوده قائم أصلا على الاعتراف المسبق بالملكية في المغرب كما هي.
ولو قدر للعملية الانتخابية في الجزائر في أوائل التسعينات أن تتابع طريقها بسلام لما ترددت جبهة الإنقاذ الإسلامية في وصف نفسها بـ "اليمين" بهذا المعنى الذي وصف به حزب العدالة والتنمية في تركيا نفسه. ولو أنه أجريت انتخابات نزيهة شفافة في الأقطار العربية الأخرى لحصل فيها الشيء نفسه، إما بمقدار ما حصل في تركيا وإما بمقدار ما حصل في المغرب، أو بمقدار ما حصل في البحرين... والمهم هو أن الأحزاب والجماعات الإسلامية لن تترد في قبول وصفها بـ"اليمينية"؟
أما إذا انتقلنا إلى أوروبا فسيكون من السهل علينا أن نلاحظ أن حزب العمال اليساري قد تحول إلى حزب يميني في سياسته الخارجية وربما في كثير من مرافق السياسية الداخلية، ولولا أنه خصم تقليدي لحزب "المحافظين اليميني" لما تردد زعيمه الحالي في قبول وصف "يميني" أو "يساري محافظ". وفي فرنسا فوجئ الجميع في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بتقدم زعيم الحزب اليميني المتطرف "لوبان" بصورة أدخلت الرعب في قلوب الفرنسيين مما جعلهم، وفي مقدمتهم اليسار الفرنسي- يتجندون للتصويت في الدورة الثانية لشيراك الذي يمثل أصلا "اليمين" (المعتدل، قياسا إلى المتطرف لوبان). وأخيرا وليس آخرا أسفرت الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة الأمريكية عن فوز الحزب الجمهوري الذي يصنف في "اليمين" مقارنة مع منافسه الحزب الديموقراطي "اليساري".
والسؤال الذي يطرح نفسه مرة أخرى هو السؤال السابق نفسه: بأي معنى يجب فهم "يمينية" هذه الأحزاب؟
قبل محاولة تلمس الجواب عن هذا السؤال ينبغي استحضار معنى "يسار" و"يمين" في الخطاب السياسي الحديث. ولنبدأ بمفهوم: اليسار، ومن خلاله سنتعرف على مفهوم "اليمين" بصورة أوضح، "فبضدها تتميز الأشياء".
معروف(1) أن كلمة "اليسار" ظهرت كمصطلح سياسي عندما استعملت أول مرة في أحد برلمانات أوربا، إشارة إلى النواب الذين كانوا يجلسون على يسار الرئيس، بينما سمي الذين كانوا على يمينه بـ "اليمين". وكان من المصادفة أن الذين كانوا يجلسون على يساره كانوا يمثلون بصورة عامة الطبقة العاملة والقوى الكادحة على العموم، في حين كان الذين يجلسون على يمينه يمثلون قوة الرأسمال والأغنياء وأصحاب الأموال على العموم أيضا. من هنا إذن بدأ مصطلح "اليسار" يأخذ مضمونا أو بعدا إيديولوجيا، فصارت إيديولوجيا اليسار تعبر بصورة أو بأخرى عن هذه الواقعة الاجتماعية. وعندما انتشرت الماركسية بين صفوف المثقفين وصفوف العمال، وكان هذا في أوربا بطبيعة الحال، ارتبط اليسار نوعا ما من الارتباط بالفلسفة الماركسية نفسها. وبما أن رجال الكنيسة عموما كانوا مع القوى القديمة أي مع القوى المالكة لزمام الأمور الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أي مع اليمين، فلقد صنفت الكنيسة وبالتالي الدين بالمفهوم الأوربي مع اليمين وربط به، بينما اعتبر اليسار ممثلا لتلك الطبقة الكادحة وعلى العموم للفئات الاجتماعية المتحررة نوعا ما من الهواجس الدينية.
هكذا إذن، أصبح مفهوم يسار/يمين ذا بعدين، بعد اقتصادي يتحدد أساسا بالعلاقة مع وسائل الإنتاج (بملكيتها: اليمين، أو عدم ملكيتها: اليسار)، وبعد إيديولوجي يتحدد أساسا بنوع النظرة الميتافيزيقية للكون، النظرة الدينية (اليمين)، والنظرة المادية الموسومة بالعلماية (اليسار). وبالارتباط مع هذين البعدين، ومع البعد الإيديولوجي بصفة خاصة، ظهر مرادفان، أو رديفان، لمصطلح يسار/يمين هو مصطلح تقدمي/رجعي، فأصبحت التقدمية سمة لليسار والرجعية سمة لليمين. وحيثما يكون البعد الاقتصادي في التصنيف ضعيفا أو منعدما كان البعد الإيديولوجي يقوم مقامه، وهكذا غدا التقدمي هو المتحرر دينيا، والرجعي هو المتمسك بالدين. فصار التقدمي بهذا المعنى يساريا حتى ولو لم يكن من صفوف الكادحين، وصار الرجعي بهذا المعنى أيضا يمينيا، حتى ولو لم يكن من صفوف الأغنياء.
وتعزز هذا التمييز المزدوج مع قيام الاتحاد السوفيتي وتزعمه للمعسكر الاشتراكي على الصعيد الدولي أي للطبقة العاملة كطبقة واحدة عبر العالم: "أيها العمال في جميع أنحاء العالم اتحدوا". فأصبح اليسار –أو مصطلح اليسار- يتحدد إضافة إلى ما سبق بالارتباط مع الاتحاد السوفيتي، واليمين يتحدد بالارتباط مع الغرب الرأسمالي. هكذا أضيف بعد ثالث هو البعد الدولي إلى مضمون يسار/يمين.
وسيلعب هذا البعد الدولي دورا هاما خلال حقبة ما سمي بالحرب الباردة بين المعسكرين، إذ سيصبح الانتماء إلى اليسار يتحدد أساسا بمناصرة الاتحاد السوفيتي، والانتماء إلى اليمين يتحدد بالارتباط بالغرب الرأسمالي! وسيلعب هذا البعد الدولي دورا كبيرا وخطيرا في العالم الثالث حيث تحتفظ القبيلة والطائفة بمكانة في المجتمع تسمو أحيانا على مكانة الطبقة، نظرا لضعف الاقتصاد وتخلفه وغياب طبقة عاملة حقيقية صناعية تستحق هذا الاسم، وغياب طبقة رأسمالية مالكة لوسائل الإنتاج. فصار اليسار إذن يدل على انتماء دولي أكثر منه تعبيرا عن واقع اقتصادي اجتماعي! لقد أصبح دالا على مشروع مستقبلي يتحقق "في الحاضر"، في الاتحاد السوفيتي. وبما أن الاتحاد السوفيتي قد قام من أجل تحقيق الاشتراكية، فلقد ارتبط الكفاح من أجل الاشتراكية بالانتماء إلى معسكره. وصارت مناصرته مؤشرا على الاختيار الاشتراكي.
هذه المحددات الثلاث تغيرت اليوم أو على الأقل تعدلت كثيرا: فمن جهة، الاتحاد السوفيتي لم يعد قائما والمعسكر الاشتراكي الشيوعي أصبح في خبر كان. ومن جهة ثانية تعثر تطبيق الاشتراكية بل فشل عندما أصبح رهين بيروقراطية جامدة. وها نحن نشاهد "كفاحا" مريرا في روسيا من أجل العودة إلى الرأسمالية. أضف إلى ذلك أن الطبقات لم تعد كما كانت من قبل، لا من حيث تركيبها ولا من وظيفتها. فالصراع في المجتمعات المصنعة يميل اليوم إلى الكفاح من أجل توازن المصالح، مصالح العاملين والفنيين والفلاحين، ومصالح شركائهم في عملية الإنتاج من مدراء الشركات وأصحاب الأسهم وغيرهم. إنه لم يعد صراعا طبقيا بالمعنى الماركسي التقليدي للكلمة!
وهكذا لم يعد أحد، يسلم اليوم، بأن الصراع بين الطبقات سيؤدي إلى مجتمع لا طبقي أو إلى غياب الدولة. هذه فكرة لم تعد تحظى بأي اهتمام، على الأقل في أوساط المفكرين الذين في عقولهم متسع لآراء أخرى وقابلية للمراجعة. كذلك أصبحت الطبقات الاجتماعية التي كان ينظر إليها على أنها البديل التاريخي للقبيلة وبالتالي للقومية وللطائفة، وبالتالي للدين، أصبحت الطبقة الاجتماعية بهذا المعنى "تنهزم" أمامنا: تنهزم أمام كل من القبيلة والطائفة، أمام كل من القومية والدين. وها نحن نشاهد انبعاث الكنيسة في أوربا الشرقية وروسيا كما نشاهد صراع القوميات في كل مكان وبصورة دموية في أقطار كانت تنتمي عضويا وإيديولوجيا إلى ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي، إلى بؤرة معسكر اليسار.
وفي العالم العربي نشاهد بصورة خاصة أن الدين قد صار ملاذا وشعارا للقوى التي تصنف موضوعيا ضمن اليسار. إن الجماعات الإسلامية ليست مجرد جماعات متشددة في الممارسات الدينية، وليست مجموعة، أو مجرد مجموعات، من رجال الدين الذين يمثلون بقايا المجتمع القديم! كلا إن مثال الجزائر في أوائل التسعينات من القرن الماضي ومثال تركيا اليوم الخ واضح للعيان: فتحت لواء الأحزاب التي توصف بـ"الإسلامية" انضوت كل القوى المطالبة بالتغيير، القوى التي كانت ولا زالت مهمشة، القوى المحرومة المهددة في مصيرها، المغتالة في طموحاتها، سواء درس هؤلاء في أقطارهم أو درسوا في أوربا، سواء كانوا ينتمون بتفكيرهم إلى الحقل العربي الإسلامي أو ينتمون إلى الحقل الثقافي الأوربي. كثيرون منهم مهندسون وأطر متخرجة من الكليات العلمية! فأين نضع هذه الجماعات التي تقود أوسع الجماهير المتعلمة وغير المتعلمة؟ هل نضعها في اليمين؟ أم نضعها في اليسار؟
إن الوضع الاجتماعي لهذه الجماعات، وجلها من الطبقة الكادحة (ولنقل من "الجماعات المستضعفة") التي تنشد التغيير، يتناقض مع مفهوم "اليمين" بالمعنى الاقتصادي الاجتماعي للكلمة، ولكنه يتناقض أيضا حسب إيديولوجيا اليسار مع ارتباطها التعبوي بالدين وبالزعامات الرافعة لشعار الدين! فكيف نفهم هذا "التناقض"؟
إن الأمر يطرح ضرورة إعادة تحديد مفهوم "اليسار" ومفهوم "اليمين"؟
ـــــــــــ
1- نستعيد هنا فقرات من نص مداخلة ساهمنا بها في ندوة عقدتها الكتابة الإقليمية للاتحاد الاشتراكي بالدار البيضاء في 30 يناير 1993 في موضوع : "مستقبل اليسار في المغرب !"