ص1         السابق

 

 

2- بدلا من التصنيف إلى يسار ويمين:

الكتلة التاريخية...!

 

محمد عابد الجابري

منذ عقدين من الزمن و"اليسار" موضوع سؤال! إن المستجدات التي عرفها العالم عامة، والعالم العربي والإسلامي خاصة، بعد الثورة الإيرانية 1978 وبالخصوص منذ تضعضع الكتلة الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفيتي (1985-1991) جعلت اليسار العربي يعاني من أزمة، أزمة هوية وأزمة وجود! لقد بات مطالبا، بينه وبين نفسه قبل أن يطالبه غيره، بتعيين حدوده ومقابلاته: كيف يحدد نقيضه الاجتماعي وبالتالي التاريخي؟ كيف يحدد يمينه؟ هل يمينه هو الذي كان من قبل؟ أم أن الخريطة تغيرت وتستوجب إعادة النظر؟ هل يعتمد في التصنيف البعد الاقتصادي، أم البعد الإيديولوجي؟ أم سيكون عليه أن يبحث عن مقياس آخر؟ أم أن الوضعية الجديدة تفرض تجاوز التصنيف إلى يمين ويسار وإقرار تصور آخر؟

لقد كان اليسار دائما عبارة عن موقع على الخريطة السياسية الاجتماعية يحتله ممثلو الفئات الكادحة والمحرومة وشرائح من المثقفين والطبقات الوسطى إلى جانب صغار الفلاحين ومن لا أرض لهم. كان عموده الفقري دائما هم العمال. غير أن هذه الفئات الكادحة المحرومة، لم تكن تنتمي إلى اليسار فقط بوضعها الاجتماعي ذاك، بل كانت الإيديولوجيا والتنظيم يلعبان دورا أساسيا وحاسما في هذا الانتماء، وبعبارة أخرى كان اليسار دائما شريحة اجتماعية متميزة وإيديولوجيا محددة، إيديولوجيا التغيير التي تهدف إلى نزع السلطة السياسية والاقتصادية من اليمين، وتحقيق مجتمع العدالة والمساواة.

هذا في الحقيقة ما يميز اليسار عن اليمين. فاليمين في معناه السياسي –وليس في معناه اللغوي- محافظ بطبعه، يقاوم التغيير إذا كان في موقع المهيمن، أو يعمل من أجل الرجوع إلى ما كان من قبل، إذا حصل تغيير في اتجاه إيديولوجيا اليسار. اليمين لا يطرح مشروعا مستقبليا بل هو يحافظ على الواقع الحاضر أو يتجه إلى الماضي عندما يكون الحاضر ليس له. وإذن فالمشكلة، مشكلة التعريف والتعرف على الذات لا تطرح نفسها على اليمين، وإنما هي مشكلة خاصة باليسار لأنه هو وحده صاحب مشروع أو مشاريع للمستقبل

المشكلة هي مشكلة اليسار! والمشكلة التي تطرح نفسها عليه اليوم في العالم العربي والإسلامي بصفة خاصة هي مشكلة التطابق بين الموقع الاجتماعي الذي يتحدد به اليسار، وبين الإيديولوجيا التي بها يتميز وما يرتبط بها من أساليب تنظيمية ونضالية. وقوام هذه المشكلة هي أن اليسار لم يعد يستقطب بمفرده –وهذا واقع نشاهده ويجب أن تعترف به- جميع القوى الحية الفاعلة في الموقع الاجتماعي الاقتصادي الذي يتحدد به موقع اليسار تاريخيا، بل لقد تقلص حجم اليسار إلى درجة كبيرة داخل هذا الموقع الذي أصبح فضاء لما يسمى دوليا بـ "الإسلام السياسي". لم يعد اليسار –إذا وجد كتنظيم جدا- في وضع يمكنه من أن يتولى بمفرده قيادة القوى الاجتماعية والفكرية التي هي موضوعيا وتاريخيا في موقع اليسار. لم يعد هناك تطابق ما بين اليسار كإيديولوجيا وتنظيم وبين الموقع الاجتماعي الذي هو موقع اليسار أصلا. وإذا أردنا أن نستعمل تعبيرا آخر قلنا: لم يعد هناك تطابق بين الموضوعي والذاتي في فضاء اليسار.

إذن، كيف يصنف اليسار هذه القوى الجديدة التي تزاحمه على موقعه دون أن تشاركه في إيديولوجيا اليسار التقليدية؟ هل يعتبرها يمينا لمجرد أنها توظف الدين في تعبئة القوى التي هي موضوعيا قوى يسارية؟ وفي هذه الحالة أين نضع اليمين التقليدي أعني الماسكين لزمام السلطة الاقتصادية والسياسية، المستغلين لهما لمصلحتهم الخاصة على حساب مصلحة الأغلبية العظمى من الشعب؟

سؤال جوهري، نظري وعملي يفرض على اليسار مراجعة موقفه من الدين في المجتمعات العربية الإسلامية خاصة، ليس فقط بوصفه مقوما من أهم مقومات المجتمع وأكثرها صلابة كما بينت التجربة ذلك، بل أيضا بوصفه إحدى وسائل التعبئة، بل لعلها اليوم أكثرها تأثيرا وفعالية في تعبئة الجماهير الكادحة المحرومة...

هذا من جهة، من جهة أخرى إن انسحاب المعسكر السوفيتي من الميدان قد جعل طبيعة الصراع تتغير، سواء على المستوى العالمي أو على المستوى القطري الوطني. فعلى المستوى العالمي لم يعد الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية كما كان الشأن من قبل، بل لقد أصبح الصراع يكتسي شكل صراع بين الأقطار المصنعة الغنية والأقطار غير المصنعة الفقيرة، صراع بين الشمال والجنوب، وهو صراع يفتح الباب واسعا لعودة الروابط القومية والدينية والإقليمية لتحل محل الأممية، الشيء الذي تنعكس آثاره على الصراع داخل القطر الواحد، فيتحول هو الآخر من صراع طبقي يلغي القومية والوطنية ويخترقهما، إلى صراع طبقي وطني، قومي إثني مع القوى العالمية المستغلة، قوى الشمال وممثليها وعملائها في الوطن.

واضح أننا هنا أمام وضع جديد أشبه ما يكون بالوضع الذي كان عليه الحال زمن الاستعمار، حيث كان الصراع بين المحتل الأجنبي وعملائه من جهة، وبين القوى الوطنية بمختلف فئاتها واتجاهاتها الفكرية والإيديولوجية من جهة أخرى، هذه القوى التي كانت تشكل حلفا وطنيا ضد المستعمر وأذنابه وعملائه. وإذا أضفنا إلى ما تقدم الطابع الوطني للصراع القائم اليوم مع قوى الرأسمال العالمي، أي الشمال، فإن المهام المطروحة وطنيا هي مهام متعددة وجسيمة. مهام التحرر من التبعية وإقرار الديمقراطية وتحقيق التنمية الحقيقة؛ مهام لا يمكن -في ظل الوضعية الراهنة التي نعرفها جميعا- لا يمكن لفصيل واحد من فصائل القوى الوطنية القيام بها بمفرده، سواء حمل إيديولوجيا يسميها يسارا أو نطق باسم الدين أو باسم شيء آخر.

إذا أدركنا هذا، أدركنا كيف أن الحاجة تدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تحالف وطني جديد على شكل كتلة تاريخية تضم جميع القوى الفاعلة في المجتمع، القوى التي من مصلحتها التغيير في اتجاه تحقيق الأهداف الوطنية التالية: التحرر من التبعية الاقتصادية والثقافية، إقرار ديمقراطية حقيقية سياسية واجتماعية، تحقيق تنمية حقيقة في إطار تكامل إقليمي تجعل تلبية حاجات الجماهير الضرورية على رأس الأولويات.

هذه الكتلة ننعتها بأنها "تاريخية"، ليس فقط لكون الأهداف المذكورة أهدافا تاريخية، بل لأنها تجسيم أو يراد منها أن تكون تجسيما لوفاق وطني في مرحلة تاريخية معينة. إنها إذن ليست مجرد جبهة بين أحزاب حتى ولو سمت نفسها "كتلة"()، بل هي كتلة تتكون من القوى التي لها فعل في المجتمع أو القادرة على ممارسة ذلك الفعل، ولا يستثنى منها بصورة مسبقة أي طرف من الأطراف إلا ذلك الذي يضع نفسه خارجها وضدها. وهكذا يمكن القول: إن القوى المرشحة لهذه الكتلة في بلد مثل المغرب هي:

أولا: الفصائل المنحدرة من الحركة الوطنية والتنظيمات والمجموعات المرتبطة بها من نقابات عمالية وحرفية وتجارية أو فلاحية وجمعيات ثقافية ومهنية ونسوية.

ثانيا: التنظيمات والتيارات التي تعرف اليوم باسم الجماعات الإسلامية التي يجب أن يفتح أمامها باب العمل السياسي المشروع كغيرها من التنظيمات ذات الأهداف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الواضحة التي لا تمس لا وحدة الوطن ولا وحدة الشعب ولا الوحدة الروحية للأمة ولا الانتماء العربي الإسلامي للبلد.

ثالثا: القوى الاقتصادية الوطنية التي تشارك بنشاطها الصناعي والتجاري والفلاحي والسياحي والمالي في خدمة اقتصاد البلاد ككل وتطويره وتنمية قدراته.

رابعا: جميع العناصر الأخرى التي لها فاعلية في المجتمع بما في ذلك تلك التي تعمل داخل الهيئة الحاكمة والمقتنعة بضرورة التغيير في اتجاه تحقيق الأهداف التاريخية المذكورة.

وإذن، فالكتلة التاريخية ليست جبهة معارضة لنوع من الحكم قائم، ولا ضد أشخاص معينين، بل هي من أجل الأهداف الوطنية المذكورة، وهي لا تستثني من صفوفها إلا من يضع نفسه خارجها. الكتلة التاريخية التي نتحدث عنها إذن تفتح صدرها لجميع القوى المذكورة، ولكنها لا تلغي الأحزاب ولا تقوم مقامها. ذلك لأن ما يجعل منها كتلة تاريخية ليس قيامها في شكل تنظيم واحد، بل إن ما يجعل منها كتلة تاريخية هو انتظام الأطراف المكونة لها انتظاما فكريا حول الأهداف المذكورة والعمل الموحد من أجلها.

والسؤال الآن هو كيف السبيل إلى تحقيق هذا الانتظام الفكري حول تلك الأهداف والعمل بالتالي من أجلها؟

إن التحرر من التبعية الاقتصادية والفكرية وإقرار ديمقراطية حقيقية سياسية واجتماعية وتحقيق تنمية مستقلة وجعل تلبية حاجة الجماهير الشعبية على رأس أولوياتها، تلك في الحقيقة هي العناصر التي تشكل المضمون الثابت للقوى الوطنية الشعبية التي يطلق عليها اصطلاحا اسم اليسار. وإذن فعلى هذه القوى سواء حافظنا لها على هذا الاسم أو أطلقنا عليها اسما آخر، تقع مهمة التبشير بالكتلة التاريخية والعمل من أجلها وتدشين عملية الانتظام الفكري حول أهدافها.

إن الفراغ الإيديولوجي القائم الآن (1993)(1) ليس من شأنه إلا أن يفسح المجال للتشرذم الفكري والغلو الطائفي والديني والتعصب القبلي، تماما مثلما أن عدم الارتباط بأهداف وطنية سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية يجعل المجهود الفردي الذي تبذله هذه القوة الفاعلة أو تلك، مهددا بالدوران في حلقة مفرغة، لأن المهام التاريخية المطروحة مهام لا يمكن كما قلنا أن يقوم بها فصيل واحد أو تيار واحد مهما أوتي أصحابه من العزم أو من القدرة على التضحية.

مستقبل اليسار في المغرب، كما في العالم العربي عموما، يتوقف على مدى قدرته على التعرف على نفسه أو إعادة التعرف على نفسه لا كطرف مقابل ليمين ما اقتصادي أو إيديولوجي، بل أولا وقبل كل شيء كمبشر بالأهداف التاريخية التي تطرحها المرحلة الراهنة، كمدشن لعملية الانتظام الفكري حولها وكقوة دفع للعمل على تحقيقها، إن هذا ما يجعل اليسار، أو ما سيجعله، ذا مستقبل.

ــــــــــــ

1- استعدنا في هذا المقال فقرات من مدخلة شاركنا بها في ندوة عقدت بالدار البيضاء يوم 30 يناير 1993. والإشارة أعلاه إلى "الكتلة الديموقراطية" التي تشكلت في المغرب بتاريخ مايو 1992، وقد ضمت خمسة أحزاب هي الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية ومنظمة العمل الديموقراطي الشعبي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية (عبد الله إبراهيم). وقد جمد هذا الأخير عضويته فيها بعد فترة وجيزة من تأسيسها. فهذه الكتلة كانت عبارة عن استعادة موسعة لـ "الكتلة الوطنية" التي جمعت في غشت 1970 بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (والاتحاد المغربي للشغل) وحزب الاستقلال. كانت مطالب هاتين الكتلتين تدور حول إصلاحات دستورية بهدف ضمان انتخابات نزيهة الخ. أما الأطراف المكونة للكتلتين معا فكانت محصورة في الفصائل المنحدرة من الحركة الوطنية. كان الأمر يتعلق بجبهة للمعارضة الوطنية ضد الأحزاب الإدارية التي كانت تنشأ بمناسبة الانتخابات لتنال الأغلبية.

هذا وتجدر الإشارة هنا إلى أننا طرحنا مفهوم "الكتلة التاريخية" كمطلب مرحلي لتجاوز مسألة التصنيف إلى يمين ويسار في بداية الثمانينات، بعد الثورة الإيرانية مباشرة. لقد لاحظنا آنذاك أن استئثار التيار الإسلامي في إيران بالثورة بعد نجاحها -ولو أنه كان يمثل الأغلبية التي قامت على أكتافها- قد كرر الخطأ نفسه الذي ارتكبه التيار القومي في الخمسينات والستينات حينما أسقط من الحساب التيار الإسلامي مع أنه كان له وجود فعلي. والشيء نفسه فعله التيار اليساري الماركسي حين أتيح له البروز! وبما أن المهام المطروحة مهام التحرير وإقرار الديموقراطية وإقامة أسس تنمية متينة وسليمة لا يمكن أن يقوم بها تيار بمفرده لأنه سيعاني ليس فقط من ردود فعل القوى الأجنبية المهيمنة بل أيضا من معارضة ومشاكسة القوى الوطنية التي تتشكل منها التيارات الأخرى فإن الحل كما تبدى لنا –وما يزال- هو هذا النوع من الكتلة التاريخية.