ص1         السابق

الانتقال إلى الديموقراطية : المغرب نموذجا؟

1- في البدء ... كانت مصالح الاستعمار الفرنسي !

 

محمد عابد الجابري

جرت يوم 27 سبتمبر 2002 الانتخابات التشريعية في المغرب. وتكتسي هذه الانتخابات أهمية خاصة، ليس في المغرب فحسب، بل وفي جهات كثيرة خارج المغرب، نظرا لأهميتها: فهي إما أن تسجل نقطة تحول حقيقي نحو الديموقراطية الفعلية، الحقيقة، وإما أن تقيم الدليل مرة أخرى على أن الديموقراطية في أقطار العالم الثالث، وفي العالم العربي والإسلامي، ما زالت مطلبا بعيد المنال!

والذي يعطي لهذه الانتخابات كل هذه الأهمية كونها ستحسم في مسألة أساسية بالنسبة لتاريخ المغرب الحديث، مسألة ما إذا كانت تجربة "التناوب التوافقي" التي عاشها المغرب خلال السنوات الخمس الماضية (نصفها تقريبا على عهد الحسن الثاني ونصفها على عهد ابنه محمد السادس)، ستؤدي فعلا إلى تجربة أرقى منها هي "التناوب الديموقراطي"، أم أنها ستكون مخيبة للآمال التي علقت عليها، مغربيا وعربيا ودوليا. ومع أن الانتخابات القادمة لن تكون لها علاقة مباشرة بتنظيم السلطة في المغرب (كإجراء تعديل في الدستور، مثلا)، وإنما ستقتصر مهمتها على انتخاب أعضاء مجلس النواب فإن مجرد خلوها من التزوير الذي دأبت وزارة الداخلية على ممارسته على الانتخابات السابقة منذ 1963، سيعتبر حدثا من الأهمية بمكان بالنسبة لمستقبل الديموقراطية في المغرب.

ذلك أن "التناوب التوافقي" الذي بني على البرلمان الحالي لم يكن "تناوبا" فرضته الانتخابات السابقة التي اشتكت جميع الأحزاب المشاركة فيها من كونها لم تكن نزيهة، ولا كان نتيجة تحالفات حرة بين الأحزاب التي نالت في تلك الانتخابات حصة ما، وإنما جاء نتيجة اتفاق بين الملك الحسن الثاني الممسك بجميع السلطات، وبين المعارضة التاريخية في المغرب (الاتحاد الاشتراكي الذي يمثل تاريخيا القسم الأكبر والأهم من القوى التي ناضلت من أجل الاستقلال وإعادة الملك الوطني محمد الخامس إلى عرشه بعد أن كان الفرنسيون قد عزلوه ونفوه إلى مدغشقر هو وأسرته عام 1953). إن هذا يعني أن الاتفاق كان بين الطرفين الذين يقتسمان، بصورة ما، الشرعية الوطنية والتاريخية في مغرب ما بعد الحماية الفرنسية، وذلك بعد صراع استمر عمليا منذ الاستقلال عام 1956 واكتسى شكلا علنيا واجتاز أوقاتا حرجة منذ أن أقال القصر سنة 1960 الحكومة التي كانت تمثل التيار التقدمي في حزب الاستقلال (المقاومة، ونقابات العمال، والنخبة السياسية الجديدة) الذي قاد الحركة الوطنية أيام الحماية الفرنسية على المغرب، وهو التيار الذي يشكل الاتحاد الاشتراكي الحالي امتداده الطبيعي والتاريخي.

وليس بخاف على أي مراقب متتبع لتطورات الوضع في المغرب على أن ما يسمى في هذه البلاد منذ ما يقرب من خمس سنوات بـ "حكومة التناوب" لم تكن نتيجة تحالفات حرة بين الأحزاب المشاركة فيها، وإنما كانت نتيجة قرار اتخذه الملك الراحل الحسن الثاني. وكان من نتائج هذا القرار أن أسفرت الانتخابات السابقة عن نتائج وضعت الاتحاد الاشتراكي على رأس القائمة، الشيء الذي يؤهله "ديموقراطيا" لمنصب الوزير الأول، أما الأغلبية البرلمانية فقد كانت بضمانة من الملك. وهذا لم يكن سرا، فلقد سبق للملك الراحل، قبل تجربة "التناوب" الحالية، أن دعا العارضة (وبالتحديد الاتحاد الاشتراكي) من على أمواج الإذاعة والتلفزة إلى الحكومة مؤكدا أنه يضمن لها الأغلبية في البرلمان لمدة ثلاث سنوات! لكن هذه الدعوة التي كانت علنية بهذا الشكل لم تثمر، بينما أثمرت اللقاءات "السرية" التي جرت فيما بعد عن "التناوب" الحالي.

فالأمور في المغرب تجري بـ"صراحة"، تارة "سرية" وتارة علنية. ولذلك يعلق الناس أهمية كبيرة على الانتخابات المقبلة التي ستجري مع وعد قاطع بأنها ستكون نزيهة حرة. وقد قطعت خطوات في هذا الوعد من خلال التغيير الذي أدخلته حكومة التناوب على قانون الانتخابات الذي غير أسلوب الانتخاب من الانتخاب الفردي إلى أسلوب الانتخاب باللائحة مع العمل بقانون التمثيل النسبي، وهذا تم أيضا بطريق "التوافق"، إذ "توافقت" عليه حكومة التناوب و"الأحزاب الممثلة في البرلمان" بما فيها "المعارضة" الحالية.! ويجري الآن إعداد تقطيع جديد للدوائر الانتخابية سيكون هو الآخر موضوع "توافق".

والسؤال الذي يطرح اليوم نفسه هو التالي: هل سيلغي "التوافق" نفسه من خلال هذه الانتخابات؟ وبعبارة أخرى هل سينتقل المغرب فعلا من "التناوب التوافقي" إلى "التناوب الديموقراطي"؟

ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال الآن، لأن المسألة في حقيقة الأمر ليست منحصرة في نزاهة أو عدم نزاهتها، بل المسألة أعمق من ذلك كثيرا! من ذلك مثلا مسألة تركيب الحكومة المقبلة، هل ستبقى حكومة تحكمها الثنائية كما هو الحال في حكومة التناوب الحالية التي تتوزع ما بين وزراء يختارهم الملك (الداخلية والدفاع والعدل والخارجية والأوقاف...) وآخرين يقترحهم الوزير الأول، أم سيتغير هذا الوضع الذي لا سند له في الدستور وإنما كان نتيجة "توافق"؟ وعلى الرغم من أن هذه "الثنائية" قد سارت خلال السنوات الخمس الماضية في إطار من "التوافق" (خصوصا بعد إقالة وزير الداخلية السابق إدريس البصري) فإن النخبة السياسية المغربية تطرح هذه الثنائية اللادستورية بكثير من الإلحاح. ذلك لأن الأمر يتعلق في الحقيقة بمدى السلطة التي ستكون عمليا في يد الوزير الأول؟ وهذا ما يطرح جوهر الديموقراطية، أعني لمن تكون سلطة الحكم: هل لصناديق الاقتراع وحدها، أم لواقع قائم، يستمد قوته من "التوافق" أو من ميزان للقوى لا يخضع الانتخابات، وقد لا يتأثر بها، لأنه ليس موضوع انتخاب؟

المسألة إذن معقدة. وبالتالي فمن الصعب جدا الإجابة الآن عن سؤال "إلى أين؟" بخصوص "تجربة التناوب" في المغرب. لذلك سنقتصر على محاولة الإجابة عن السؤالين الآخرين: "من أين؟"، و"كيف؟". عسى أن يكون في هذه الإجابة ما يجعل القارئ يدرك كم هي معقدة مسألة "الانتقال إلى الديموقراطية" في المغرب، هذا البلد الذي يمكن وصفه بدون الوقوع في خطأ كبير، بأنه الآن أكثر البلدان العربية ديموقراطية؟

***

سنبدأ إذن من السؤال الأول : "من أين التناوب في المغرب، ومع من؟".

إنه سؤال يستنطق التاريخ دون أن يكشف بالضرورة عن المستقبل. ومع ذلك فكاتب هذه السطور يعتقد أن سؤال المستقبل في المغرب مرهون إلى حد كبير بسؤال الماضي!

والواقع أن التاريخ يفرض نفسه كوسيلة ضرورية لفهم أي شأن من شؤون المغرب. إن المغرب بلاد الاستمرارية. والتطور، سواء إلى أمام أو إلى وراء، يحدث فيه داخل الاستمرارية وليس خارجها. إن تعيين أحد أبرز قادة المعارضة في المغرب، الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، على رأس الحكومة سنة 1998، مثله مثل قبول هذا الأخير لهذا المنصب، كان حدثا ينطوي على قدر غير قليل من المفاجأة، حتى بالنسبة لأكثر المحللين المتتبعين للشأن المغربي! غير أن الذي يقرأ الحدث في المغرب، لا كحدث سياسي ظرفي، بل كحلقة في مسلسل من الاستمرارية، فإنه لا يشعر بالمفاجأة عند أي حدث. فـ"الجديد" في المغرب لا يكون عن عدم، بل كل شيء يحدث فيه إنما يحدث عن شيء.

لا ينتمي هذا الكلام إلى عالم "الفلسفة والكلام"، العالم الذي ينتمي إليه كاتب هذه السطور على صعيد المهنة والتخصص، بل هو كلام ينتمي إلى عالم الواقع الذي يعيشه المغرب. أقول هذا لأن شرح "تجربة التناوب" الراهنة في المغرب لا يمكن، و لا يتأتى، بدون الرجوع إلى الوراء، أربعين سنة على الأقل.

بالفعل، في يوم 15 أبريل من سنة 1958 قدم وزراء حزب الاستقلال استقالتهم من الحكومة إلى جلالة الملك محمد الخامس. وكانت هي الحكومة الثانية في المغرب الذي لم يكن قد مضى على استقلاله يومذاك سوى سنتين. كانت تلك الحكومة كالتي سبقتها برئاسة المرحوم مبارك البكاي. كان هذا الرجل من قدماء العاملين في الجيش الفرنسي، وقد عينته الإدارة الفرنسية قائدا (منصب "التصرف"، يليه "المحافظ" مباشرة). وعندما نفى الفرنسيون محمد الخامس (20 أغسطس 1953) قدم استقالته، أو أراد "التاريخ" له ذلك، ولم ينخرط في سلك موظفي الداخلية الذين جندتهم السلطات الفرنسية ضد محمد الخامس والحركة الوطنية. وعندما اضطرت فرنسا إلى الدخول مع المغرب في مفاوضات الاستقلال، تحت ضغط المقاومة وجيش التحرير، النابعين أساسا من صفوف حزب الاستقلال، الذي كان زعيمه علال الفاسي ومن قادته المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد، وعلى رأس حركة المقاومة وجيش التحرير محمد البصري وعبد الرحمان اليوسفي، أقول: عندما اضطرت فرنسا إلى الدخول في مفاوضات الاستقلال وإعادة محمد الخامس من منفاه (18 نوفمبر 1955)، بعد أن تأكد لديها أن حركة المقاومة والتحرير في المغرب آخذة في التلاحم مع الثورة الجزائرية، اشترطت أن يكون على رأس الحكومة شخصية محايدة، أي لا تكون من رجال الحركة الوطنية خصم الاستعمار الفرنسي، بل من أولئك الذين لم يكونوا لا من رجال الحركة الوطنية ولا من أعوان السلطات الفرنسية وعملائها المباشرين، والذين بقوا مخلصين للعرش ظاهريا على الأقل. لقد أطلقت عليهم الأجهزة الاستعمارية في المغرب اسم "القوة الثالثة"، وحركتهم في الخفاء والعلن للاحتجاج على ما ادعوه من "استبداد" حزب الاستقلال بالسلطة. وقد تطور الأمر إلى حد اصطناع تمرد مسلح (في بعض الجهات من المغرب).

كان الهدف واضحا: تكسير وحدة الصف الوطني الذي تشكل منذ الثلاثينات من الحركة الوطنية بقيادة حزب الاستقلال ومن مؤسسة العرش وعلى رأسه الجالس عليه آنذاك محمد الخامس، وبالتالي الحيلولة دون تحول استقلال المغرب إلى استقلال حقيقي، يتحقق فيه جلاء القوات الأجنبية، الفرنسية والأمريكية والأسبانية، والسير قدما في بناء المغرب العربي انطلاقا من مساندة الثورة الجزائرية المساندة القوية المطلوبة، وبناء اقتصاد وطني متحرر، وتشييد حياة ديمقراطية يكون الفاعل السياسي فيها هم رجال الحركة الوطنية والجماهير الشعبية لقطع الطريق على أعوان الاستعمار والوصوليين والانتهازيين. وتلك هي الأهداف التي لم يتردد القادة الوطنيون وفي مقدمتهم علال الفاسي والمهدي بن بركة في التصريح بها وتأكيدها في كل مناسبة، منذ أن أعلن عن الدخول في مفاوضات الاستقلال.

كان الهدف من تشكل "القوة الثالثة" (وسط بين المستعمر والوطنيين) هو ربط استقلال المغرب بفرنسا، بمصالحها وأهدافها الاستراتيجية، كما سنرى. ومعلوم أنه قد تكررت مسألة أيجاد "قوة ثالثة" في كثير من الأقطار، ولعل هذا ما تريده إسرائيل والإدارة الأمريكية من "الإصلاحات" التي تطالب بها السلطة الفلسطينية التي على رأسها عرفات. لقد اقترحت فرنسا على الوطنيين أول الأمر ما أسمته بـ"الاستقلال في إطار التبعية". (Indépendance dans Interdépendance!) وهـذا –في الغالب- مـا تفهمه كل من إسرائيل والولايات المتحدة من "دولة فلسطينية مستقلة" تكون لها حدود على الأرض ولكن بلا حدود على مستوى التبعية.