ص1         السابق

 

  الانتقال إلى الديمقراطية: المغرب نموذجاً:

2-  في "القوة الثالثة" …

محمد هابد الجابري

من طبيعة الاستعمار، والاحتلال الأجنبي عموما، أنه يحرص على أن يقيم بينه وبين القوى الوطنية المقاومة لوجوده ما يعبر عنه بـ "القوة الثالثة" يختار أعضاءها من بين سكان البلد المحتل. وهؤلاء يكونون في الغالب من الذين يرتبطون به نوعا من الارتباط (من خلال الوظائف والمناصب أو من خلال التبعية الثقافية أو المصالح الاقتصادية من تجارة وغيرها الخ) كما قد يكونون من خصوم الجهة أو الجهات المتزعمة للحركة الوطنية… مهمة هذه "القوة الثالثة" هو أن تكون "جسرا" بين السكان والإدارة المحتلة الأجنبية، وفي نفس الوقت بديلا محتملا عندما يضطر المحتل للاستجابة، بصورة من الصور، لمطالب الحركة الوطنية والمقاومة التحريرية، بدعوى أنها تمثل "الوسط"، أي الجهة غير المتطرفة، وبالتالي يمارس من خلالها "الحل الوسط" الذي يبقي على مصالحه الأساسية في البلد المحتل.

أعتقد أن ما تطلبه إسرائيل والولايات المتحدة اليوم في فلسطين هو "خلق" مثل هذه "القوة الثالثة" التي ستكون إن وجدت "خارج" فصائل المقاومة وخارج العناصر "المتشددة" في منظمة فتح والمنظمات الأخرى… هذا هو السبيل الذي سلكته القوى الاستعمارية مع مستعمراتها كلما تعلق الأمر بـ "الاستقلال الممنوح"، من خلال مفاوضات مع "المعتدلين" من الوطنيين.

وقد يتساءل القارئ وما علاقة هذا بموضوعنا الذي نناقشه في هذه المقالات، موضوع "الانتقال إلى الديموقراطية". والجواب هو أنه عندما يكون الاستقلال من هذا النوع الممنوح تكون السلطة، في الظاهر على الأقل، في أيدي هذه "القوة الثالثة"، التي يختفي ورائها الماسك بالسلطة الحقيقية، أعني المحتل الذي "رحل" ولم يرحل. والانتقال إلى الديموقراطية يصبح حينئذ عملية مزدوجة: إزاحة "القوة الثالثة" المصطنعة من مراكز القرار ووضع حد لهيمنتها، الشي الذي يعني في نفس الوقت فك الارتباط مع المستعمر واستكمال الاستقلال. فقضية الديموقراطية هنا متلاحمة مع القضية الوطنية، بمعنى أن الخصم ليس هو الخصم الداخلي وحده بل هو أيضا الخصم الخارجي. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو سؤال إشكالي نظريا وعمليا: كيف يمكن الانتقال إلى الديموقراطية في ظل الدعوة التي تصدر من القوى الكبرى، الاستعمارية أصلا، وهي لا تقبل من تأتي به الديموقراطية إذا كان ذا مرجعية وطنية، إنها تقبل فقط "الديموقراطية" التي تأتي بـ "القوة الثالثة"، الوسيطة، "المعتدلة"، حتى لا نقول العميلة؟

سنترك الجواب عن هذا السؤال إلى مناسبة أخرى، لنعود إلى شرح أصول وفصول "القوة الثالثة" في المغرب الذي نتخذ تجربته مثالا، نطرح من خلاله مشكل الانتقال إلى الديموقراطية.

نجحت فرنسا في أوائل الخمسينات، عندما اشتد الكفاح الوطني السياسي من أجل الاستقلال بقيادة حزب الاستقلال وتجاوب تام من جانب الملك محمد الخامس، في تشكيل "قوة ثالثة" من القواد (حكام النواحي من زعماء القبائل وزعماء الطرقية وبعض الموظفين في الإدارة الاستعمارية إلى جانب بعض المتعاملين مع المصالح الاقتصادية الفرنسية. وقد بررت هذه "القوة الثالثة" –بإملاء من سلطات الحماية- بكون الملك محمد الخامس لم يعد ملك جميع المغاربة بتحالفه مع حزب الاستقلال، قائد حركة المطالبة بالاستقلال التام بدون قيد ولا شرط. وكان ذلك هو الطريق الذي سلكته سلطات الحماية الفرنسية لعزل محمد الخامس وتنصيب شخص آخر، شيخ غفل، مكانه سنة 1953.

كان هذا التصرف من طرف فرنسا هو السبب المباشر في قيام المقاومة المسلحة المغربية التي توجت بقيام جيش التحرير في جبال الأطلس والريف سنة 1955. وعندما رأت فرنسا أن الأمور تتطور بسرعة نحن تلاحم جيش التحرير المغربي مع جيش التحرير الجزائري وبالتالي مع القوات الوطنية التونسية الحاملة للسلاح، قررت أن تمنح نوعا من الاستقلال لمحميتيها، المغرب وتونس، بهدف الاحتفاظ الدائم بمستعمرتها الجزائر.

هكذا دخلت فرنسا مع الوطنيين المغاربة والتونسيين في مشاورات ثم "في مفاوضات". وبالنسبة للمغرب كانت إعادة محمد الخامس إلى عرشه من منفاه في كورسيكا أمرا صعبا على الحكومة الفرنسية لما فيه من اعتراف بالهزيمة، فاقترحت على الوطنيين المغاربة أن "يأخذوا" الاستقلال ويضعوا دستورا ويؤسسوا ديموقراطية، ثم بعد ذلك إذا ظهر أن المغرب الديموقراطي يريد رجوع الملك فذلك سيكون شأنه. أما الوطنيون الذي كان يربطهم مع محمد الخامس حلف وطني فقد رفضوا الاقتراح وطالبوا بعودة محمد الخامس والاستقلال في آن وحد.

هنا استعملت فرنسا "القوة الثالثة" كطرف بين فرنسا من جهة والملك محمد الخامس وحزب الاستقلال من جهة ثانية. فكان قبول فرنسا لإعادة محمد الخامس على حساب الاستقلال الذي يحققه ويتسلمه الوطنيون، وقد قبل الوطنيون ذلك لأنهم كانوا مؤمنين بأن الملك الذي كافح من قبل ضد الحماية الفرنسية وعملائها والذي تحالف معهم في أصعب الأوقات سيعمل الشيء نفسه، ولذلك اعتبروا عودته "ضمانة" للديموقراطية ولتحقيق الاستقلال الحقيقي.

غير أن الأمور سارت على غير ما تشتهيه سفن الوطنيين المغاربة. لقد فرض الفرنسيون على المغرب رئيس الحكومة الأولى والثانية في عهد الاستقلال وكذلك الوزراء الممارسين للسيادة (الداخلية، والدفاع، والأمن والعدل، والأوقاف) من "المعتدلين" في "القوة الثالثة" وبعض الذي كانوا يبدون تعاطفا مع الحركة الوطنية. وقد قبل حزب الاستقلال ذلك مقابل "تأجيل الديموقراطية"، الشي الذي يعني إسناد جميع السلطات، التشريعية والتنفيذية مع الإشراف على جهاز السلطة القضائية، إسناد كل ذلك إلى للملك باعتباره "الضمانة" التي تمنع "القوة الثالثة" من ممارسة أية سلطة ترهن مستقبل المغرب.

لقد أوضحت التجربة بعد بضعة أشهر فداحة الخطأ الذي ارتكبته قيادة حزب الاستقلال بقبولها "القوة الثالثة" طرفا في العملية. لقد أخذت هذه القوة تحتل مواقع داخل القصر نفسه وفي جميع أجهزة الدولة مما تسبب في أزمة حادة داخل هذا الحزب اضطر معها إلى الخروج من الحكومة "الائتلافية" والمطالبة بـ "حكومة منسجمة" من حزب الاستقلال وتكون مهمتها تنفيذ برنامجه الوطني. كان رد فعل "القوة الثالثة" ومن أصبح يحركها من القصر، التنديد بميول "حزب الاستقلال إلى الديكتاتورية"، والمطالبة بالتالي "بالحريات الديموقراطية" التي تنزع عن حزب الاستقلال الامتياز الذي اكتسبه من خلال النضال من أجل الاستقلال وعودة محمد الخامس. لقد أصبحت "القوة الثالثة" الآن واجهة لجميع القوى "المحلية" والأجنبية التي من مصلحتها إقصاء حزب الحركة الوطنية وكسر شوكته الخ.

لقد أعيد تشكيل هذه "القوة الثالثة" في السنة الثانية من الاستقلال باسم "جبهة الدفاع عن الحريات الديموقراطية"، وباركها رئيس الحكومة "المحايد"، الذي لم يعد محايدا. كانت قوة مصطنعة يراد منها تكسير تلك الوحدة الحميمة التي جمعت العرش و الحركة الوطنية في صف واحد للكفاح من أجل الاستقلال. وقد عمد دهاقنة الاستعمار إلى مختلف الأساليب من أجل تحقيق هذا الغرض. فإضافة إلى تمردات مسلحة مصطنعة في بعض الجهات كانت هناك حرب سيكولوجية جهنمية وظفت ما قام به "الضباط الأحرار" في مصر من إلغاء للملكية، وما قام به بورقيبة من عزل للباي وتصفية لنظامه، إلى جانب بعض الأخطاء المحلية، وظفت كل ذلك في إدخال الشك لدي القصر في نوايا حزب الاستقلال، مع التحوف مما قد يفعله غدا… فكانت النتيجة أن أخذت تجربة لـ"التناوب" تلوح في الأفق: تناوب قوامه إقصاء الحركة الوطنية من الحكومة وإسنادها لـهذه "القوة الثالثة" التي كانت قد وضعت موضع "المعارضة". ودون إغفال العوامل الذاتية في الموضوع فإن دور العوامل الخارجية كان هو المحرك لهذا التحول الذي كان يجري في أواخر الخمسينات. يكفي أن نذّكر بالأهداف التي حددتها الحركة الوطنية كبرنامج لها، والتي أكد عليها المهدي بن بركة في محاضرة له في كوادر الحزب في بالدار البيضاء في إطار توضيح الموقف غداة تقديم الوزراء "الوطنيين" استقالتهم في 15 أبريل 1958، كما ذكرنا. قال شارحا أبعاد تلك الأزمة الوزارية الأولى التي عرفها المغرب المستقل: "فالأزمة إذن أزمة تطور ورغبة في التحرر من الأوضاع الاستعمارية الموروثة" وتقحيق الأهداف الوطنية. وقد ركز المهدي في محاضرته على الأهداف الثلاثة التالية:

1) "تحقيق الوحدة المغربية"، وكانت فرنسا وأسبانيا قد اقتطعتا أجزاء واسعة من المغرب التاريخي، جنوب وشرقا، بما في ذلك "موريتانيا" التي كانت تحت حكم الاستعمار الفرنسي، والتي كان المغرب يطالب بها بوصفها امتدادا طبيعيا وتاريخيا له، مثلها مثل ما يسمى اليوم بـ "الصحراء الغربية" التي كانت من نصيب أسبانيا في إطار الترضيات التي سبقت فرض الحماية الفرنسية على المغرب ككل.

2) "تحقيق وحدة المغرب العربي"، ومعلوم أن المناداة بتحقيق وحدة المغرب العربي في ذلك الوقت (1958) والثورة الجزائرية في أوج شبابها معناه انخراط المغرب العربي كله في هذه الثورة ضد فرنسا، وبالتالي القضاء على النفوذ الفرنسي في شمال إفريقيا قضاء ثوريا.

3) والهدف الثالث: "بناء اقتصاد متين وتوسيع نطاق هذا الاقتصاد في الفلاحة والتصنيع وبناء ديموقراطية حقيقية". وهذا يعني، أولا وقبل كل شيء، وضع حد للهيمنة الاقتصادية الفرنسية التي شملت جميع الميادين، بما في ذلك ميدان الفلاحة: إذ كان معظم الأراضي الخصبة في المغرب ضيعات للمعمرين الفرنسيين.

وإذا نحن أضفنا إلى ذلك "مؤتمر الوحدة" في طنجة ( أبريل 1958)، المؤتمر الذي عقدته الحركات الوطنية في كل من المغرب والجزائر وتونس، والذي كان موضوعه "وحدة المغرب العربي" والوسائل الكفيلة بتحقيقها، وفي مقدمتها المساندة العملية والفعالة للثورة الجزائرية، وأخذنا بعين الاعتبار تأثير المد التحرري الذي كان يجتاح المنطقة العربية كلها، والذي كان من أبرز مظاهره آنذاك قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسورية، أدركنا كيف أن الاستراتيجية الاستعمارية كان لابد أن تركز في المغرب على فصم عرى ذلك الحلف الوطني بين العرش والحركة الوطنية، الحلف الوطني الذي حقق للمغرب استقلاله وجعل منه مركز جذب للتحرر في إفريقيا كلها. إن "القوة الثالثة" التي شكلها الفرنسيون سنة 1950 كطرف مناهض للجالس على العرش وللحركة الوطنية، والتي أعادوا تشكيلها سنة 1955 حين اضطروا للتفاوض ليجعلوا منها درعا واقيا يفاوضون من خلاله الحركة الوطنية، هي نفسها التي أعيد تشكيلها سنة 1957 للحيلولة دون استمرار ذلك الحلف الوطني بين العرش والحركة الوطنية في التحامه ونضاله الموحد لتحقيق الأهداف الوطنية المذكورة.

فعلا، نجحت الاستراتيجية الاستعمارية الفرنسية في استقطاب بعض الشخصيات التي لم تكن داخل الحركة الوطنية واحتفظت مع ذلك بنوع من الولاء للعرش، فنصبتها على رأس هذه الصيغة الأخيرة من "القوة الثالثة". وقد أشرنا قبل إلى المرحوم مبارك البكاي، أول رئيس للحكومة في المغرب المستقل، وعلينا أن نذكر الآن المرحوم أحمد رضا كديرة الذي كان على رأس "حزب"، بل "نادي سياسي"، أنشئ عقب الاستقلال مباشرة باسم "الأحرار المستقلين"، والذي كان اسما بدون مسمى. لقد وضع هذا الرجل نفسه في الطرف المقابل والمواجه للقوات التي تشكلت منها حركة التحرير الوطني في المغرب، فتزعَّم "القوة الثالثة" بعد إعادة تشكيلها في أواخر الخمسينات. كان هذا الرجل معروفا لدى الخاص والعام بميوله الفرنسية وارتباطه الشديد بكل ما هو فرنسي، والإعراض عن كل ما هو عربي أو إسلامي أو تحرري. وكان ذلك منه موقفا صريحا وعلنيا. إن الدور الذي لعبه هذا الرجل -الذي كان مديرا لديوان ولي العهد (الحسن الثاني فيما بعد)- في قيام "التناوب" لأول مرة في المغرب، والذي كان يعني في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات إقصاء الحركة الوطنية من الحكومة ومراكز السلطة وتخصيصها للأحزاب التي شكلت لتكون البديل، أقول إن الدور الذي لعبه هذا الرجل في الفصل بين العرش والحركة الوطنية، لا يوازنه إلا الدور الذي لعبه في الاتجاه نفسه، وللغرض ذاته، ذلك الشخص الذي تقلد بعده مسؤولية وزارة الداخلية : الجنرال محمد أفقير، صاحب المحاولة الانقلابية الفاشلة سنة 1972.