ًص1         السابق

 

الانتقال إلى الديموقراطية : المغرب نموذجا!

4- الديمقراطية المغربية ليست مسألة محلية..!

محمد عابد الجابري
عندما أقال الملك محمد الخامس، في مايو ،1960 الحكومة التي كانت تمثل الاتجاه الإصلاحي الراديكالي في الحركة الوطنية المغربية، الذي كان يمثله آنذاك حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، فعل ذلك بكره منه: فقد نجحت القوة الثالثة بتحالف مع الأوساط الاستعمارية والمتعاملين معها في الارتباط بولي العهد آنذاك (الحسن الثاني فيما بعد) والتأثير فيه وحمله على التدخل لدى والده بقصد إقالة تلك الحكومة· وهكذا أصبح ولي العهد هو الرئيس الفعلي للحكومة وبجانبه مدير ديوانه أحمد رضا كديرة رأس القوة الثالثة يومئذ· ولم تمر سوى بضعة أشهر حتى تنبه الملك محمد الخامس إلى مخاطر القرار الذي اتخذه تحت ضغط ابنه وولي عهده، فأخبر قيادة الاتحاد الوطني أنه عاقد العزم على إعادة الأمور إلى مجاريها، أعني إلى التعاون مع القوة الإصلاحية الراديكالية بمجرد ما يخرج من المصحة التي دخلها في فبراير 1961 لتجرى له عملية جراحية بسيطة·
لكن الذي حدث هو أن الملك توفي في المصحة أثناء العملية الجراحية، فخلفه ابنه الحسن واحتفظ بمنصبه كرئيس للحكومة· ثم قام بمشاورات مع الأحزاب وفي مقدمتها حزب الاتحاد الوطني الذي رفع إليه مذكرة (نشرت فيما بعد) يقول فيها ما معناه: ليس هناك سوى طريقتين في الحكم: الطريقة الأولى هي الحكم الديمقراطي ويعني في حال المغرب إقامة ملكية دستورية يضع دستورها ممثلو الشعب المنتخبون انتخاباً حراً نزيها في مجلس تأسيسي لهذا الغرض، ولكي يكون الدستور ديمقراطيا يجب أن يعتبر الشعب مصدر السلطات، ويوكل للملك مهمة القيام بدور الحكم بين الأحزاب فضلا عن كونه رمزا للبلاد وضامنا لوحدة أراضيها··· إلخ· أما الطريقة الثانية فهي الحكم الفردي المطلق كما هو قائم (آنذاك) في المغرب على صورة ملكية رئاسية يمارس فيها الملك سلطات تنفيذية واسعة و يتحزب لفريق ضد آخر·
رفض الحسن الثاني في نهاية مشاوراته الطريق الديمقراطي واختار الحكم الفردي ، ثم أقر دستوراً يكرس هذا النمط من الحكم· وقد عارض الاتحاد الوطني للقوات الشعبية هذا الدستور معارضة شديدة وبقي متمسكا بـ المجلس التأسيسي لوضع دستور يعتبر الشعب مصدر السلطات · وبطبيعة الحال قاطع الاستفتاء وقام بحملة ضده· ولكن حدث ما يحدث عادة في الاستفتاءات التي هي من هذا النوع، إذ أعلن عن تصويت الشعب لفائدة الدستور بالأغلبية الساحقة التي حددت نسبتها وزارة الداخلية التي كان على رأسها أحمد رضا كديرة مدير الديوان الملكي ورئيس القوة الثالثة ·
بعد هذه التطورات عقد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مؤتمره الثاني (25/27 مايو 1962)، بعد سنتين بالضبط من ذلك التناوب الذي أقصي فيه الاتحاد عن الحكومة· كانت قد مضت ست سنوات على استقلال المغرب، كان خلالها مسرحا لعدة تجارب، فكان لابد من إلقاء نظرة على هذه التجارب واستخلاص الدروس منها· ذلك ما فعله المهدي بن بركة عضو الكتابة العامة للاتحاد في تقرير بعثه من منفاه الاضطراري، وقد حجبت الكتابة العامة هذا التقرير، لأسباب داخلية إذ اعترضت عليه قيادة الاتحاد المغربي للشغل لكونه يطرح مسألة العلاقة بين الحزب والنقابة طرحا يقضي بتبعية النقابة للحزب في المجال السياسي، مع استقلالها في مجال المطالب الاقتصادية الاجتماعية·
ومن المفيد هنا أن نقف مع ما يقرره تقرير المهدي، الذي اشتهر أولا بـ النقد الذاتي ثم فيما بعد بـ الاختيار الثوري ، في المسألة الديمقراطية لأنها هي التي تتصل بموضوع التناوب اتصالا مباشرا·
أكد الشهيد المهدي في البرنامج المرحلي تأكيدا خاصا على مسألة الديمقراطية التي افتتح بها هذا القسم من التقرير: كان المغرب إلى ذلك الوقت بدون دستور· وكان الاتحاد قد رفض المشاركة في مجلس عينه الملك الراحل محمد الخامس لوضع الدستور (نوفمبر 1960)، ورفع شعار انتخاب مجلس تأسيسي لوضع الدستور ، مما سهل -ربما- على متزعمي تلك القوة الثالثة تفجير ذلك المجلس بالاعتراض على رئاسة علال الفاسي لـه، فأجلت قضية الدستور إلى تاريخ لم يعين· وإلى هذه المسألة أشار الشهيد المهدي بلغة النقد الذاتي إذ كتب يقول: ويجب الاعتراف هنا أن الخطر المزعوم لثورة الإقطاع المصطنعة (تمردات بعض كبار الموظفين من رؤساء القبائل 1957) على كيان الدولة قد استفاد منها القصر كوسيلة للضغط علينا للتعاقد معه عند تأسيس حكومة عبد الله إبراهيم، وكانت نتيجة هذا التعاقد الرمزي بين القوى الشعبية وبين الملك أن وضعت على الرف المشكلة الدستورية، وقد كنا ممثلين ببعض إخواننا المسؤولين في الحزب داخل هذه الحكومة· ويحق لنا اليوم أن نتساءل إلى أي حد لم نكن مخطئين في تجميد المطلب الدستوري حتى أظهرت التجربة بعد سنتين (من الاستقلال) بصفة قاطعة أنه يستحيل نجاح أي إصلاح في دائرة الحكم المطلق القائم· وأخيرا أدركنا بعد إقالة حكومة عبد الله إبراهيم أن كل تعاقد مع القوى المحافظة لا قيمة له ما لم يكن على أساس برنامج واضح ومحدد، وإلا يصبح ممثلو الحركة التقدمية في الحكم بمثابة رهائن تستغلها الرجعية لتزكية سياستها وتضليل الرأي العام · ويقول بصدد البرنامج المرحلي: إن الشرط الضروري كحد أدنى لنجاح أي برنامج هو حل المشكل الديمقراطي· أما عناصر التحريك فهي تتلخص في النقاط الآتية: التضامن ضد الاستعمار على الصعيد الدولي· التضامن الفعلي مع الجزائر (التي كانت تخوض غمار حرب التحرير)· الإصلاح الزراعي كشعار فوق الشعارات تُضمن به الديمقراطية الواقعية بالبلاد (=العدالة الاجتماعية)· ثم أضاف: إن مثل هذا البرنامج صالح ليكون إطار عمل مشترك مع الهيئات السياسية الأخرى بل ومع الحكم نفسه ·
يحمل هذا التقرير تاريخ 2 مايو ،1962 أي بتاريخ 25 يوما قبل انعقاد المؤتمر الذي لم يسمع المنتدَبون إليه عن هذا التقرير، بل قدم إليهم تقرير مذهبي آخر حرره عبد الله إبراهيم ورد فيه بشأن المسألة الديمقراطية ما يلي: إن تجربتنا في الحكومة قد أتاحت للجماهير المغربية أن تقتنع اقتناعا جازما بأنه يستحيل بصفة موضوعية متابعة سياسة هادفة في التحرر الوطني وإصلاح الأنظمة الاقتصادية داخل أسلوب في الحكم عتيق، فاقد لكل امتداد، وفي نطاق إدارة متحجرة غير مسؤولة ومتعفنة · ويضيف التقرير: وقد سبق للاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ 4 أبريل ،1960 عندما لاحظ المأزق الذي كان يرزح فيه المغرب، أن أكد بقوة ضرورة انتخابات عامة لإقامة مجلس تأسيسي، وأن التجربة ما انفكت تثبت في الميدان السياسي صواب هذا الموقف ·
وفي مقابل ذلك أعد الملك الحسن الثاني دستورا قدمه للاستفتاء في 7 ديسمبر ،1962 وقف الاتحاد منه موقفا معارضا فقرر مقاطعة الاستفتاء· أما حزب الاستقلال الذي، صار الجناح المحافظ في الحركة الوطنية، فقد كان مشاركا في الحكومة وبالتالي أيد هذا الدستور الممنوح وتجند قادته وأطره للدعاية له بما فيهم رئيس الحزب المرحوم علال الفاسي الذي نزل بكل ثقله في حملة الاستفتاء· ولم يمر شهر واحد على الاستفتاء الذي أقر به هذا الدستور حتى أجري تعديل وزاري ضُمَّتْ بموجبه وزارة الاقتصاد إلى السيد كديرة الذي كان يقوم أيضا بمهام رئيس الحكومة (الملك) بوصفه مديرا للديوان الملكي، إضافة إلى وزارة الداخلية، كما نُزعت فيه وزارة المالية من حزب الاستقلال وعوضت بوزارة الأشغال العمومية· وأمام هذا التعديل الوزاري الذي اعتبره الوزراء الاستقلاليون إهانة لهم، بعد أن تجندوا للاستفتاء على الدستور الممنوح، اضطروا إلى تقديم استقالتهم· ويبدو أن هذا الدفع بحزب الاستقلال خارج الحكومة كان مقصودا أيضا· فلقد ترتب عن اقرار الدستور اجراء أول انتخابات برلمانية في المغرب· وقبل اجرائها بشهرين أعلن السيد كديرة عن تأسيس حزب باسم جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية ·
بالفعل أجريت هذه الانتخابات في 17 مايو 1963 في جو من التدخل الإداري السافر خصوصا في القرى والأرياف، فأسفرت عن فوز الحزب الجديد، حزب كديرة، بأغلبية المقاعد· أما الاتحاد، الذي شُدِّد الخناق على مرشحيه ومناضليه أثناء الحملة الانتخابية، فقد حصل عند فرز الأصوات على 46 مقعدا· أما النتيجة الرسمية التي أعلنت في اليوم التالي فقد أعطته 22 مقعدا· كان من المفهوم، إذن، أن يقرر الاتحاد عدم المشاركة في أية حكومة تؤسس على هذه النتائج·
ولم يمر سوى شهرين على هذه الانتخابات حتى شنت حملة واسعة من الاعتقالات شملت جميع كوادر الحزب في مختلف المدن (ولم تمس الجهاز النقابي)، وذلك بتهمة القيام بمؤامرة ضد النظام (16 يوليو 1963)، (لقد حوصر أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد داخل مقر الحزب حيث كانوا مجتمعين للنظر في المشاركة في الانتخابات الجماعية التي كانت على الأبواب، ومن هناك اعتقلوا جميعا كما طالت الاعتقالات أطر الحزب في جميع أنحاء البلاد)· وتشهد السنتان التاليتان محاكمات متواصلة لقادة الاتحاد وأطره· وتحل سنة 1965 التي عرفت انفجارا شعبيا هائلا، في الدار البيضاء خاصة (23 مارس 1965)، أعلنت بعده حالة الاستثناء فحل البرلمان، وبدأت اتصالات مع من بقي من قادة الاتحاد خارج السجن: عبد الرحيم بوعبيد في المغرب والمهدي بن بركة في المنفى الاضطراري· ولاشك في أن هذه الاتصالات كان لها دور في إقدام الشهيد المهدي لأول مرة على نشر تقريره النقد الذاتي الذي أشرنا إليه آنفا·
التناوب في المغرب لم يكن مجرد مسألة محلية : على أن قضية الديمقراطية في المغرب، وفي كثير من أقطار العالم الثالث، لم تكن وليست هي الآن، مسألة داخلية محض· وهذا ما أبرزه الشهيد المهدي بن بركة في المقدمة الجديدة التي كتبها لتقريره المذكور بتاريخ يوليو ،1965 بمناسبة نشره تقريره على العموم· فبعد الإشارة إلى التطورات التي عرفها منذ مؤتمر الحزب 1962 وبالخصوص منها انفجار الدار البيضاء ،1965 تساءل: ما هو الحل الذي نراه صالحا في الظروف الراهنة؟ ثم أجاب: سيجد القارئ في تقرير سنة 1962 الشروط التي كنا نعتبرها ضرورية إذ ذاك لتسوية ممكنة مع القصر على أساس تحقيق ديمقراطية سليمة وتطبيق إصلاح زراعي جذري والسهر على سياسة التضامن مع النظم الثورية في البلاد العربية والإفريقية· وإن هذه الشروط -التي هي بمثابة التزامات يجب احترامها كل يوم- ما تزال قائمة في الوقت الراهن رغم أن الظروف التي ستنطلق منها قد زادت تدهورا، بعد ثلاث سنوات من الأخطاء والتلاعب في الميادين السياسية والديبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية ·
ذلك ما كتبه الشهيد المهدي بتاريخ يوليو ،1965 في موضوع استئناف التناوب على أسس جديدة· ولاشك أن ذلك هو فحوى المباحثات التي جرت آنذاك بين جلالة الملك الحسن الثاني والمرحوم عبد الرحيم بوعبيد عضو الكتابة العامة للاتحاد· وبينما كان المتتبعون للشأن المغربي ينتظرون انفراجا حقيقيا على مستوى التناوب ، خصوصا وقد راجت أخبار عن استعداد المهدي بن بركة للعودة إلى المغرب من منفاه الاضطراري، إذا بالجميع يفاجأ باختطاف المهدي في باريس (29 أكتوبر 1965)· لقد اتهمت السلطات الفرنسية وزير الداخلية المغربي آنذاك الجنرال أوفقير ومدير الأمن الوطني أحمد الدليمي بأن لهما يدا في هذا الاختطاف وطلبتهما للتحقيق· أما الأول فقد ذهب إلى باريس في رحلة مسرحية حيث استمع إليه وبرئ· وأما الثاني فقد بقي في الداخل على رأس وزارة الداخلية التي بقيت صاحبة الأمر في البلاد· وقد اتضح فيما بعد أن اختطاف المهدي قد ساهم فيه أيضا كل من الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) ووكالة الاستخبارات الأميركية (السي آي إيه) مع تواطؤ عناصر من الاستخبارات الفرنسية· لقد كان المهدي آنذاك المحرك الأول لحركة مؤتمر القارات الثلاث من جهة، وكان قد أقام علاقات متينة مع الرئيس جمال عبد الناصر، ولفت الانتباه في محاضرة ألقاها في القاهرة إلى ضرورة التصدي لتوسع إسرائيل في إفريقيا على حساب القضية العربية· ومن جهة أخرى كانت قد توطدت علاقته مع قادة العالم الثالث من تيتو إلى شي جيفارا وكاسترو· نذكر هذا لنلفت الانتباه إلى أن مسألة التناوب في المغرب لم تكن مسألة محلية، بل كانت جزءا من صراع بين قوى التحرير في الوطن العربي والعالم الثالث من جهة، وبين الاستعمار والصهيونية من جهة أخرى· ولم يكن أحمد رضا كديرة، متزعم القوة الثالثة في المغرب، يخفي ارتباطه، لا بالاستعمار الفرنسي ولا بالصهيونية·
وتستمر الأزمة في النصف الثاني من الستينيات، والمناضلون الاتحاديون يساقون من محاكمة إلى أخرى· ويستشري الفساد في جميع مرافق الحياة وينتشر التذمر في كل مكان وفي جميع المرافق، ويفاجأ الناس بمحاولة انقلاب الصخيرات في صيف ،1970 التي فشلت بالصدفة· ثم تلتها محاولة ثانية بقيادة الجنرال أوفقير هذه المرة (1971)، التي فشلت هي الأخرى بالصدفة· ثم تلا ذلك تمرد في بعض المناطق الجبلية اتهمت فيه عناصر من المغتربين الاتحاديين في الجزائر وليبيا، فترتبت عن ذلك حملة واسعة وشرسة من الاعتقالات، لم يسبق لها مثيل إذ طالت جميع كوادر الحزب والنشطاء في قواعده·
ويحدث ما لم يكن في الحسبان· لقد قررت إسبانيا منح استقلال صوري للصحراء الغربية التي كانت تحتلها، وهي من جملة الأراضي المغربية التي تأخر استرجاعها لأسباب ليس هنا مكان شرحها· المهم أن وحدة التراب الوطني صارت مهددة· ووحدة التراب الوطني في المغرب قضية تعلو على جميع الخلافات السياسية· كان لابد إذن من وحدة الصف إزاء هذه القضية الأساسية· وهكذا دشن القصر سنة 1974 مسلسلا جديدا من الاتصالات مع قادة الاتحاد الوطني الذي كان في حالة منع فعلي منذ ·1973 وقد أسفرت هذه الاتصالات عن رفع المنع عنه وإطلاق ما كان قد بقي في السجون من مناضليه وصار يسمى منذ ذلك الوقت بـ الاتحاد الاشتراكي لقوات الشعبية · وهكذا تحقق الإجماع مرة أخرى حول الملك في موضوع استرجاع الصحراء الغربية التي كانت إسبانيا على وشك منحها استقلالاً ذاتيا صوريا· وكان ذلك بداية جديدة لمسلسل من محاولات إقامة التناوب لم تثمر إلا في سنة 1998 مع عهد عبد الرحمن اليوسفي ككاتب عام للاتحاد·