الانتقال إلى الديموقراطية: المغرب نموذجا!
5- "المعارضة ضرورية للملك ·· والملك ضرورياً للمعارضة"!
محمد عابد الجابري
عرضنا في المقالات السابقة لأهم مفاصل التجربة الديمقراطية في المغرب منذ
الاستقلال سنة 1956 إلى يومنا هذا، ونحن على مشارف نهاية المرحلة التي توصف في
المغرب بكونها مرحلة انتقالية، مرحلة يطبعها التناوب التوافقي في انتظار التناوب
الديمقراطي، الذي يفترض أن يبدأ مع الانتخابات المقبلة التي تؤكد التصريحات
الرسمية أنها ستجري في موعدها القانوني أي في أواخر شهر سبتمبر المقبل·
لقد كان عرضنا للتجربة المغربية بهدف إعطاء نموذج عما أسميناه في بداية تحليلنا
لمسألة التحول إلى الديمقراطية بـخاص الخاص، وذلك تمييزا لـه عن كل من الخاص
والعام في هذه المسألة· لقد عنينا بـالعام كون الأزمة التي تعاني منها
الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي هي نفسها الأزمة التي تعم سائر أقطار
العالم الثالث -تقريبا- في هذا المجال، مجال التحول نحو الديمقراطية، وقد بينا
أسباب ذلك· وعنينا بـالخاص ما يخص العالم الإسلامي، أعني الدور الذي يمكن أن يعزى
للموروث الثقافي الإسلامي في هذا الشأن· وأما الدور الذي يمكن أن يعزى لأوضاع كل
قطر على حدة وخصوصية تجربته فقد وسمناه بـخاص الخاص، وقد عرضنا للتجربة المغربية
كنموذج عن هذه الخصوصية·
وكما رأينا فخصوصية التجربة المغربية في مجال النضال الديمقراطي خصوصية غنية·
يكفي أنها استمرت متواصلة -وما تزال- طوال الخمسين سنة الماضية· والسؤال الذي
يطرح نفسه الآن كخاتمة هو التالي: إلى ماذا ترجع هذه الخصوصية؟ وبعبارة أخرى ما
هي المعطيات الخاصة التي تفسر هذه الخصوصية؟
لعل أول ما ينبغي التنبيه إليه بخصوص هذا الموضوع أن المغرب هو البلد الوحيد
-تقريبا- من بين بلدان العالم الثالث الذي لم تتسلم فيه الحركة الوطنية التي حققت
الاستقلال الحكم، أعني السلطة، بل لقد تسلمها ملك البلاد بتفويض من الحركة
الوطنية تلك، بجناحيها السياسي والعسكري: حزب الاستقلال وحركة المقاومة وجيش
التحرير· لقد ركز كل من هذين الجناحين على ربط اعتراف فرنسا باستقلال المغرب
بإعادتها محمد الخامس إلى العرش، بعد أن كانت قد عزلته وأبعدته، هو وأسرته، إلى
مدغشقر، ونصبت آخر مكانه، وذلك حينما أصر على عدم توقيع قوانين تجيز لسلطات
الحماية الفرنسية تصفية الحركة الوطنية (حزب الاستقلال يومئذ)· كان التحالف بين
محمد الخامس وحزب الاستقلال قد ترسّم وتكرس منذ سنة 1944 حينما قدم هذا الحزب
عريضة المطالبة بالاستقلال إلى السلطات الفرنسية باتفاق مع الملك· وقد بقي الملك
وفيا لهذا التحالف وضحى بعرشه في سبيله، وفي المقابل رفضت الحركة الوطنية
بجناحيها السياسي والعسكري قبول الاستقلال بدون محمد الخامس· كما أنها كانت قد
قررت تأجيل المسألة الديمقراطية، وبالتحديد المسألة الدستورية التي تطرح سلطات
الملك للنقاش، إلى ما بعد الاستقلال·
وعندما رضخت السلطات الفرنسية لمطلب الحركة الوطنية وقبلت إعادة محمد الخامس إلى
عرشه والاعتراف للمغرب بالاستقلال فعلت ذلك بعد أن أبرزت في الميدان ما عبرنا عنه
سابقا بـالقوة الثالثة، وأصرت على أن تكون مناصب السلطة في الحكومة الانتقالية،
التي تتولى التفاوض مع فرنسا في شأن الاستقلال، من المحايدين أي من القوة
الثالثة· ولكي تقطع الحركة الوطنية، بجناحيها السياسي والعسكري، الطريق أمام هذه
المناورة أصرت على إسناد السلطة كل السلطة إلى الملك، باعتبار أنه السلطة
الشرعية، وأنه الضمانة في أن لا تستغل القوة الثالثة النفوذ الذي تريد فرنسا
منحها إياه في تثبيت دعائم الوجود الفرنسي في المغرب· وهكذا لم تتسلم الحركة
الوطنية التي حققت الاستقلال الحكم بل نالت حقائب وزارية في حكومة أسندت رئاستها
إلى شخصية محايدة من القوة الثالثة، لم تكن لـه سلطة رئيس الحكومة، بل كان مجرد
وزير أول، أما السلطة فقد كانت كلها في يد الملك·
وشيئا فشيئا أخذ يتضح أن العناصر المحايدة التي كانت قد عبرت عن نوع من الاحتجاج
على عزل محمد الخامس وهي داخل أجهزة دولة الحماية، قد أصبحت على رأس القوة
الثالثة فعلا، كل همها كسر التحالف بين الملك والحركة الوطنية التي حققت
الاستقلال، والقيام بدور الخادم بدون شروط للسلطة الملكية· وكان من ورائها عملاء
الاستعمار وأصحاب المصالح المرتبطة به· وقد نجحوا في التشكيك في نوايا رجال
الحركة الوطنية استنادا إلى الثورة المصرية التي أطاحت بفاروق، وبصفة أخص إلى عزل
الباي (ملك تونس) من طرف بورقيبة وحزبه· بل لقد نجحوا أيضا، وهذا كان أكثر خطورة،
في إيهام ولي العهد آنذاك -الحسن الثاني فيما بعد- أنه لن يكون لـه الملك مستقبلا
إذا بقيت الحركة الوطنية قوية كما هي مؤثرة في الملك محمد الخامس المتحالف معها·
وكانت النتيجة أن حدثت أزمة مضاعفة: أزمة في العلاقة بين القصر والحركة الوطنية،
وأزمة داخل حزب الاستقلال نفسه، وكان جوهر الأزمة يتعلق بكيفية التعامل مع الوضع
الجديد، مع القصر بالتحديد· من هنا برز الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (يضم
الجناح اليساري في حزب الاستقلال وحركة المقاومة وجيش التحرير ونقابات العمال)
كحزب معارض يطالب بالديمقراطية، فطرح سنة 1960 مطلب انتخاب مجلس تأسيسي لوضع
دستور يعتبر الشعب مصدر السلطات·
إن الديمقراطية التي تم تأجيلها على عهد الحماية الفرنسية وفي السنوات الأولى
للاستقلال أصبحت ابتداء من عام 1960 على رأس المطالب التي يناضل الاتحاد الوطني
للقوات الشعبية من أجلها· ومع أن الصراع (الصامت غالبا) بين القصر وحزب القوات
الشعبية قد وصل نقطة الحرج في كثير من الأحيان فإن أيا منهما لم يدفع بالصراع إلى
نقطة اللارجوع· وهذا ما لاحظه كثير من المحللين السياسيين الأجانب المهتمين
بالشأن المغربي: فقد لاحظ أحدهم منذ عقود أن ما يميز الوضع السياسي في المغرب، هو
أن المعارضة ضرورية للعرش، والعرش ضروري للمعارضة· يقول أحدهم: يشتد الصراع في
المغرب بين القصر والمعارضة إلى درجة يبدو معها حتميا أن الواحد منهما على أهبة
ذبح الآخر، ولكن الذي يحدث هو ألا أحد منهما يقطع هذه الخطوة، بل إن ما يحدث دوما
هو التوقف والرجوع القهقرى، ولذاك تبقى الأمور في المغرب بدون تبدل·
وهذه حقيقة يعيها حق الوعي كل من العرش والمعارضة· فقد صرح المرحوم الحسن الثاني
يوما للصحفيين قائلا: إنه لو لم تكن المعارضة قائمة في البلاد لأنشأتها· أما
المعارضة نفسها، سواء يوم كانت تتمثل في حزب الاستقلال قبل إنشاء الاتحاد، أو
بعده، فقد كانت دوما معارضة للقوى التي تريد أن تحتوي العرش وتبعده عن الارتباط
بالشعب وأهدافه، أو أن تلغيه إلغاء· لقد عرضت فرنسا على الوطنيين المغاربة عندما
اضطرت للدخول معهم في مفاوضات الاستقلال أن يقبلوا الاستقلال دون إرجاع محمد
الخامس من المنفى، فكان رد الوطنيين وعلى لسان أولئك الذي قادوا المفاوضات،
والذين سيصبحون قادة للاتحاد، أنه لا مفاوضة ولا نقاش في عودة الملك الشرعي· ولا
زال كاتب هذه السطور يتذكر صوت المهدي بن بركة في تجمع جماهيري بالدار البيضاء
سنة 1955 وهو يروي ما يجري في المفاوضات مع فرنسا، قال: طلب منا الفرنسيون أن
نقبل الاستقلال أولا، ثم تقوم الحكومة المغربية بعد ذلك بوضع الدستور ثم بطلب
إعادة محمد الخامس· أما أن تعيده الحكومة الفرنسية نفسها في هذا الظرف بالذات
فذلك ما لا يقبله كبرياء الرأي العام الفرنسي· قال المهدي: ونحن كذلك قلنا لهم:
إن كبرياء الرأي العام المغربي لا يقبل الاستقلال دون رجوع محمد الخامس الذي كان
نفيه مسّا بكرامة المغاربة·
لقد ارتكبت فرنسا خطأ جسيما عندما اعتقدت أن القوة الثالثة التي أنشأتها من بعض
الإقطاعيين وأعوانها من شيوخ القبائل وغيرهم يمكن أن تفرض بواسطتها على الشعب
المغربي ملكا آخر غير الملك الوطني محمد الخامس· وجوهر الخطأ الذي ارتكبته
الحكومة الفرنسية هو أنها اعتقدت أن المغاربة يتشبثون بالملك فقط لأنه ملك، ونسيت
أن هذا الملك نفسه، أعني محمد الخامس، الذي فضلته فرنسا على غيره من الأمراء لصغر
سنه، لم يكن شيئا مذكورا قبل أن يتبنى قضية بلده وشعبه، قضية الاستقلال في أوائل
الثلاثينيات من القرن العشرين· ويجب أن نضيف إلى ذلك أن علاقة قادة المعارضة
بالملك الحسن الثاني، سواء منهم المهدي بن بركة أو عبد الرحيم بوعبيد أو عبد
الرحمن اليوسفي، ترجع إلى ما قبل الاستقلال، حينما كان ولي العهد الشاب يقوم بصلة
الوصل بين والده والقادة الوطنيين، وحين كانت السلطات الاستعمارية تعتبره متطرفا
يحرض والده على فرنسا· وأكثر من ذلك كان من الممكن أن يكون اليوسفي مديرا لديوان
ولي العهد منذ بداية الاستقلال، لو أنه قبل ذلك المنصب· غير أن الرياح تجري
أحيانا بما لا تشتهي السفن· ومن أنواع العبث الذي يرافق السياسة دوما، منذ غابر
العصور، أن الرياح المفاجئة هي التي تقرر في اتجاه التاريخ· ومع أن التاريخ لا
يكرر نفسه فهناك في مختلف العصور سلسلة من التحولات تتكرر بصور جديدة، ولكن
متشابهة·
من هنا ندرك أن التناوب في المغرب لا يتعلق مضمونه بمن سيكون على رأس هذه الوزارة
أو تلك، بل بمن سيكون إلى جانب الملك ويكون الملك إلى جانبه: هل الحركة الوطنية
وامتداداتها أم القوة الثالثة التي أراد الاستعمار أن يرهن الملك بواسطتها في فلك
مصالحه· وعندما تغيرت الظروف في التسعينيات من القرن الماضي ولم تعد المصالح
الأجنبية محكومة بالحرب الباردة وصراع القوى الدولية، كان لا بد أن يتخذ التناوب
مضمونا آخر: إما الفراغ الذي تعمره الانتهازية التي برهنت التجربة أنها أول من
يتخلى عن العرش وصاحبه عند الشدائد (سواء زمن الحماية أو ساعات المحاولتين
الانقلابيتين الفاشلتين 1971-1972)، وإما إعادة ترتيب العلاقة بين العرش والقوى
الوطنية الحقيقية بما يجعل من كون الواحد منهما ضروريا للآخر جسرا سلميا ونموذجيا
لعملية الانتقال نحو الديمقراطية في إطار ملكية دستورية، تجسد تاريخ الملكية
وتاريخ الوطنية في المغرب، وهما تاريخ واحد يمتد على أكثر من اثني عشر قرنا·
إن الوضع الذي حكم مسألة التحول الديمقراطي في المغرب منذ خمسين سنة، هو هذه
العلاقة المعقدة التي تختزل في كون المعارضة ضرورية للملك والملك ضروري للمعارضة،
والمقصود بـالمعارضة هنا تلك المنحدرة من الحركة الوطنية التي تجر معها كتاريخ
مشترك بينها وبين الملك ذلك الحلف الذي قام بينهما منذ ،1943 والقاضي بالتعاون من
أجل تحرير المغرب وبناء استقلاله فهي معارضة شريك·
هذه المعارضة الشريكة ضرورة للملك لأن الملك في المغرب لا قبيلة له· فهو يستمد
قوته من مواقفه الوطنية والتفاف الشعب حوله تدعيما لهذه المواقف· والملك ضروري
لهذه المعارضة لأن قوتها ليست راجعة إلى كونها تمثل طبقة خاصة أو عشائر معينة بل
قوتها هي الأخرى مستمدة من مواقفها الوطنية التي تجعل الملك لا يمكن ولا يستطيع
أن يكون ضدا عليها على طول الخط· الملك يتمتع بشرعية تاريخية لا ينازع فيها أحد·
والمعارضة -التي لـه بمثابة الشريك- تتمتع هي الأخرى بالشرعية الوطنية التي لا
يمكن إلا أن يشهد لها بها الملك نفسه، قبل غيره· والمسألة الديمقراطية في المغرب
تتلخص اليوم في الإشكال المركب التالي:
- إن الشرعية التاريخية لم تعد تكفي، وذلك لأن الشرعية الوطنية التي منحتها القوة
لم يعد لها ذلك الوزن الذي كان لها في الخمسين سنة الماضية· إن رجال الحركة
الوطنية الذين كانوا سندا للشرعية التاريخية قد انسحبوا من المسرح نتيجة التقدم
في العمر والأجل المحتوم، واليوسفي ربما هو آخرهم· وبالمثل، فالملك الحسن الذي
عاش مفعول الشرعية الوطنية وتربى في حضنها قد فارق الحياة·
- لقد دخل المغرب، إذن، في عهد ملك جديد لم يلحق عهد الاستعمار وما تخلله من
بطولات والتزامات وطنية· والأجيال التي تعمر الساحة اليوم تعاني من فقدان الذاكرة
الوطنية، أو هي تشعر بأنها متحررة منها·
- والسؤال المطروح يمكن صياغته في العبارة التالية: كيف يمكن الارتفاع بالشرعية
التاريخية الخاصة بالملك، وبالشرعية الوطنية الخاصة بـالمعارضة الشريك، إلى مستوى
الشرعية الديمقراطية التي تتجاوزهما وفي الوقت نفسه تحتفظ بهما؟
إن قيمة الانتخابات المقبلة ستكون مرهونة بمدى مساهمتها في الجواب إيجابيا على
هذا السؤال!