ص1         السابق

 

الانتقال إلى الديموقراطية: المغرب نموذجا!

 

6- بعد الانتخابات الأخيرة : المغرب إلى أين؟

 

 

لعل أول ما يجب ملاحظته هو إجماع المراقبين داخل المغرب وخارجه، وكذا الأحزاب المشاركة، على كون هذه الانتخابات قد جرت -عكس سابقاتها التي عرفها المغرب خلال نيف وأربعين سنة مضت- في جو من الشفافية والتزام الإدارة الحياد شبه التام، وأن النزاهة التي طبعت هذه الانتخابات لا تقل مصداقية عن النزاهة التي تتميز بها الانتخابات في الأقطار الأوروبية العريقة في الديموقراطية. كانت هناك مخالفات فعلا، ولكنها كانت محدودة متفرقة، وكان مقترفوها هم المرشحون أو معاونوهم وليس الإدارة. والأهم من ذلك كله أن المسطرة التي اتبعت في إجراء الانتخابات (نظام اللوائح مع اعتبار النسبية) قد ساعدت على الحد إلى درجة كبيرة، تكاد تكون شاملة، من تدخل "المال". وبالتالي يصح القول إنها انتخابات نظيفة فعلا.

لنضف إلى ذلك أن هذه الانتخابات قد عكست بالفعل من خلال نتائج التصويت الخريطة السياسية في المغرب كما كانت يوم التصويت، سواء من خلال نسبة المشاركة ونسبة الأوراق الملغاة أو من خلال النتائج التي حصلت عليها مختلف الأحزاب. أقول عكست خريطة المغرب السياسية كما كانت "يوم التصويت" وليس كما هي في واقع الأمر. ذلك أن نسبة الأوراق الانتخابية التي لم يسحبها أصحابها من المكاتب الإدارية، ونسبة الذين شاركوا في التصويت من الذين سحبوا أوراقهم الانتخابية، ثم نسبة الذين اعتبرت أصواتهم ملغاة (15% مما يعني أن نسبة هامة قد صوتت بورقة بيضاء، وبالتالي أمسكت عن التصويت قصدا)، كل ذاك جعل نسبة المشاركة بالتصويت الإيجابي منخفضة إلى نحو 37%.

وإذن فالخريطة السياسية في المغرب "يوم التصويت" قد كشفت عن المعطيات التالية:

1- لم يكن هناك حماس إزاء هذه الانتخابات. بل ربما جاز القول إن جل المغاربة قد عبروا عن خيبة أملهم في هذه الانتخابات قبل إجرائها. وقد تجلى ذلك واضحا خلال الحملة الانتخابية التي تميزت بالهدوء وتكرار الشعارات وعدم تمايز البرامج وتقلص حجم المهرجانات الانتخابية خلال الحملة بشكل لافت للنظر (حسب بيان وزير الداخلية ضمت مختلف المهرجانات التي عقدتها جميع الأحزاب خلال الحملة الانتخابية نحوا من 250 ألف شخص. هذا في أن مهرجانات الاتحاد الاشتراكي وحده وفي الدار البيضاء وحدها قد تجاوزت هذا العدد في انتخابات 1977 مثلا).

2- إن شفافية الانتخابات ونزاهتها قد جاءت نتيجة توافق وتراض : فجميع النصوص التشريعية وجميع عمليات الانتخاب قد تم الاتفاق عليها بين وزارة الداخلية والأحزاب. وهذا التوافق الذي كرس الحلول الوسطى كان له دوره في النتائج. فالاقتراح الذي تقدم به الاتحاد الاشتراكي الذي يقود حكومة التناوب، والقاضي بتبني نظام اللوائح على الصعيد الوطني في دورتين وإعطاء حق التصويت للبالغين 18 سنة، قد أفرغ من محتواه من خلال التراضي والتوافق الذي أقر نظاما يجمع بين النظام الفردي ونظام اللوائح، بينما لم يستدع البالغون لـ18 و19 سنة للمشاركة. وكان المتضرر من هذا هو الاتحاد الاشتراكي نفسه، لأن النظام الذي أقر كان في صالح الأحزاب الصغيرة. وهكذا فبينما يفوز مرشح الاتحاد أو أي حزب كبير آخر بمقعد واحد من أصل أربعة مقاعد مثلا في دائرة انتخابية معينة بما يناهز 28 ألف صوت تفوز الأحزاب الصغيرة ببقية المقاعد في نفس الدائرة بخمسة آلاف صوت مثلا. وهكذا فبدلا من أن يفوز الحزب الكبير في هذه الدائرة بالمقاعد الأربعة كلها في نظام التصويت الفردي أو التصويت باللائحة على الصعيد الوطني، فاز في النظام المزدوج المطبق على مقعد واحد.

3- ولابد من الإشارة إلى أن نتائج هذه الانتخابات قد تأثرت إلى حد كبير بالأزمات الداخلية التي عرفتها معظم الأحزاب بل جميعها. إن عدد الأحزاب المشاركة بلغ 26 حزبا، أربعة منها فقط كان لها وجود في الانتخابات الأولى التي أجريت في المغرب عام 1960 (انتخابات محلية) والانتخابات الثانية 1963 (انتخابات برلمانية). أما الأحزاب الأخرى وعددها 22 حزبا فقد خرجت كلها من جوف الأحزاب الأربعة القديمة عن طريق الانشقاق والانفصال الخ. إن هذا يعني أن الدولة لم تنشئ لنفسها حزبا جديدا خاصا بالانتخابات كما جرت بذلك العادة من قبل، خلال الأربعين سنة الماضية، بل اكتفت بما تناسل من الأحزاب الإدارية القديمة.

4- إن أغلب المقاعد قد فازت بها الأحزاب الأربعة القديمة الوطنية منها والإدارية: حزبا وطنيان قديمان: الاتحاد الاشتراكي وحزب الاستقلال، وحزبان إداريان : التجمع الوطني للأحرار، وفصائل الحركة الشعبية. وهذا يعني أن الخريطة السياسية بالمغرب قد عادت إلى ما كانت عليه في السبعينات والثمانينات (قبل قيام الاتحاد الدستوري الذي خلف التجمع الوطني للأحرار كقائد للأحزاب الإدارية، وقد انهزم هذا الحزب وعاد الثقل إلى التجمع الذي من جوفه كان قد خرج).  

5- وأخيرا وليس آخرا، كشفت هذه الانتخابات عن فوز حزب إسلامي هو "حزب العدالة والتنمية" بعدد من المقاعد لافت للنظر. وتطلق وسائل الإعلام الغربية على هذا الحزب اسم "الحزب الإسلامي الملكي" باعتبار أن رئيسه هو الدكتور الخطيب الذي كان منذ إعلان الاستقلال من شخصيات القصر). والسبب في ظهور هذا الحزب بمظهر الفائز غير المنتظر يرجع أولا إلى أن حصته في الانتخابات السابقة (1997) قد تصرفت فيها وزارة الداخلية فقلصتها، مما جعل المقارنة تشير إلى أن ما حصل عليه هذا الحزب اليوم  أعلى بكثير مما حصل عليه سنة 1997 (38 مقعدا بدل 14). ومن العوامل التي جعلت حصة هذا الحزب تقفز هذه القفزة سلوكه استراتيجية ذكية: فقد اقتصر على الترشيح في 56 لائحة محلية (بدل 91) وركز جهوده عليها وأعطى تعليمات لأنصاره في الدوائر التي لم يترشح فيها بالتصويت إما لحزب الاستقلال وإما للحركة الشعبية، ضدا على الاتحاد الاشتراكي الذي يعتبره يساريا علمانيا، وهذا رفع من حصة هذين الحزبين على حساب الاتحاد الاشتراكي الذي تضرر أيضا على مستوى تشتيت الأصوات من انفصال ما يعرف بـ"مجموعة الأموي" التي لم تحصل إلا على مقعد واحد، ومع ذلك فالقليل من الأصوات التي حصل عليها هذا الحزب والأحزاب اليسارية الأخرى الصغيرة قد أثر تأثيرا بالغا في حصة الاتحاد الاشتراكي نتيجة نظام النسبية في توزيع المقاعد. أضف إلى ذلك ما يقوله الذين يتتبعون تحركات الإسلاميين بالمغرب من أنهم جميعا –بما فيهم جماعة العدل والإحسان- قد صوتوا لمرشحي حزب العدالة والتنمية، بحيث يمكن اعتبار النتيجة التي حصل عليها هذا الحزب تعود إلى تجند التيارات الإسلامية بمختلف فصائلها.

6- يمكن القول إذن إن المتضرر من نتائج الانتخابات الأخيرة هو حزب الاتحاد الاشتراكي، رغم أنه جاء على رأس  الأحزاب سواء على مستوى المقاعد التي حصل عليها أو مستوى عدد الأصوات التي نالها. ولا بد من التأكيد على أن الضرر جاءه من ثلاث جهات: جهة وضعه الداخلي الفاتر وشبه المأزوم، وجهة الأحزاب المنافسة، وجهة النظام الانتخابي الذي خضع للتوافق كما بينا .

وطبيعي أن تنشغل الصحف و"المحللون" والمراقبون بنوع الحكومة التي ستشكل على أساس نتائج هذه الانتخابات. إن الدستور يعطي للملك الحق في اختيار وزير أول من أية جهة، من الفائزين في الانتخابات أو غير الفائزين، المرشحين وغير المرشحين. هذا على مستوى منطوق الدستور، أما على مستوى المفهوم –في الأحوال العادية- فإن الوزير الأول يعين من الحزب الذي نال أكثر من غيره. وفي هذه الحالة فالمرشح للوزارة الأولى هو الاتحاد الاشتراكي. ولكن فقط إذا قرر الأستاذ اليوسفي متابعة المسيرة التي بدأها. أما إذا قرر الانسحاب من المشاركة في الحكومة نظرا لسنه وصحته، كما كان قد صرح لجريدة لوموند الفرنسية قبل بضعة أشهر، فإن المسألة حينئذ لن تكون بهذه البساطة. ذلك لأن تقارب نتائج الأحزاب القديمة (الاتحاد الاشتراكي 50 مقعدا، حزب الاستقلال 48 مقعدا، العدالة والتنمية 42 مقعدا، التجمع الوطني للأحرار 41 مقعدا، الحركة الشعبية والحركة الوطنية الشعبية 45 مقعدا، وقد اتحدتا في فريق واحد بعد إعلان النتائج)، يجعل التوافق ضروريا. وإذا كان اليوسفي أقدر من غيره على ربح رهان التوافق فإن أحدا غيره لا يحظى بهذه المزية، لا من الاتحاد الاشتراكي ولا من حزب الاستقلال ولا من غيرهما. وفي جميع الأحوال سيكون اختيار الملك لوزيره الأول، (سواء اليوسفي أو غيره) هو العامل الحاسم في الأمر. وبالتالي فنتائج الانتخابات تعطي الملك حرية الاختيار بين الأحزاب: أيها سيكون في الحكومة وأيها سيكوون في المعارضة.

هذا شيء واضح.

لكن الذي ليس واضحا هو أية معارضة "ستكون ضرورية للمك" بعد تجربة "التناوب التوافقي"؟

سؤال يعيدنا إلى نقطة البدء. ولربما يزكي بعض التزكية المقولة التي ترددت منذ سنوات بخصوص المغرب، والقائلة: "في المغرب كل شيء يتغير من أجل أن لا يتغير شيء"؟

مقولة مثيرة فعلا ولكنها تحتاج إلى فحص.