الانتقال إلى الديموقراطية : المغرب نموذجا!
7- ق د يحدث أن "لا يتغير أي شيء من أجل أن يتغير كل شيء"!
محمد عابد الجابري
من العبارات ما يكون لها وقع خاص يجذب الاهتمام وفي نفس الوقت يعطل القدرة على الفهم بفعل الصياغة اللغوية التي يلعب فيها تقابل الألفاظ الدور نفسه الذي يلعبه "الغريب العجيب المثير"، هذا في حين أن مضمونها المعرفي كثيرا ما لا يتجاوز مضمون العبارات التي يقال فيها: "هذا من باب السماء فوقنا".
من هذه العبارات تلك التي وصف بها كاتب أمريكي (فيما أذكر) الحالة في المغرب منذ أكثر من عقد من السنين، بعد استعراضه لبعض التطورات التي عرفها هذا البلد العربي، والتي قال فيها :"في المغرب، كل شيء يتغير من أجل أن لا يتغير شيء"! لقد وقع استدعاء هذه العبارة مؤخرا من طرف بعض "المحللين" بصدد انتخابات 27 سبتمبر الأخير. ونحن بدورنا نستدعي هنا العبارة نفسها من أجل نفس المناسبة، ولكن لا انبهارا بسحرها اللغوي التعبيري بل بهدف توظيف مضمونها المعرفي العلمي في محاولة تبين خصوصية تجربة "الانتقال إلى الديموقراطية" في المغرب بصورة أوضح.
"كل شيء يتغير من أجل أن لا يتغير شيء"! تلك مقولة تصدق في الحقيقة على كل شيء في هذا الكون. فالتغيرات التي تحدث فيه (الفصول، الأمطار، الجفاف، الكوارث الخ) تحدث "من أجل" أن لا يتغير فيه شيء، من أجل أن يبقى الكون هو هو، أي يحمل نفس "الهوية" إذا جاز التعبير. وتلك خاصية تطبع كل "نظام"، أعني كل مجموعة من العناصر التي تشكل بنية، مثل الجسم البشري (بل الحيواني) الذي يتعرض لما لا يحصى من التغيرات الفيزيقية والفيزيولوجية وغيرها ثم لا يلبث أن يستعيد وضعه الطبيعي، وبعبارة أدق يستعيد توازنه الذاتي. ومن هنا قالوا في تعريف "البنية" إنها "منظومة من العلاقات الثابتة في إطار بعض التحولات".
وعندما يقال عن المغرب –وهذا راج كثيرا- إنه البلد العربي "الوحيد" الذي توجد فيه دولة، أو أن الدولة فيه عمرها اثنا عشر قرنا بدون انقطاع، فإن مدلول مثل هذه الأحكام يجب أن ينصرف إلى هذا المعنى الذي أبرزناه أعلاه: "وجود علاقات ثابتة في إطار بعض التحولات"! والانتخابات الأخيرة قد كشفت بالفعل عن هذه الحقيقة. فلقد حدثت تغيرات مهمة في الانتخابات الأخيرة أهمها شفافيتها ونزاهتها، ومع ذلك بقيت "العلاقات الثابتة" ثابتة: بقيت المعارضة القديمة (التي تولت إدارة تجربة التناوب) ضرورية للملك، وبقي الملك ضروريا لـ"المعارضة" الجديدة التي بقيت خارج تجربة التناوب. وعندما حان وقت تدبير الشأن الانتخابي جلس الجميع حول مائدة "التراضي" والتوافق"، ولكن لا على عدد المقاعد، بل على الكيفية التي ستقنن بها الانتخابات بما في ذلك ضمان نزاهتها وشفافيتها، وهذا يؤثر في توزع المقاعد...
وسيرتكب المرء خطأ فاحشا إذا هو نسب نتيجة تلك الانتخابات إلى مجرد "التراضي" حول المسطرة التي جرت بها، أو إذا هو أخذ عبارة " كل شيء في المغرب يتغير من أجل أن لا يتغير شيء"، في مضمونها اللغوي الحرفي. ذلك أن التغيرات التي تعتري "العلاقات الثابتة" تنتج، مع مرور الوقت وتكرار "التغير"، تغيرا على مستوى تلك العلاقات "الثابتة" نفسها. لا جدال في أن الأحزاب في المغرب بقيت هي هي، وسلطة الملك بقيت هي هي. غير أن هناك جديدا على درجة كبيرة من الأهمية على مستوى "الانتقال إلى الديموقراطية". ذلك أن الأحزاب التي كانت توصف بأنها "إدارية" أي من صنع الإدارة –وقد كانت كذلك بالفعل منذ أواخر الخمسينات- لم يعد ينطبق عليها اليوم هذا الوصف بعد الانتخابات الأخيرة. فالمقاعد والأصوات التي حصلت عليها قد حصلت عليها فعلا وفي إطار من النزاهة والشفافية. وهذا يعني أن وجودها اليوم وجود مشروع لا يختلف من حيث الشرعية الديموقراطية عن وجود الأحزاب الأخرى "الوطنية".
وهذا تغير على درجة كبيرة من الأهمية، خصوصا وهذه الأحزاب الوطنية نفسها تقبل اليوم تلك الأحزاب الإدارية –سابقا- كأحزاب حقيقية وذات شرعية ديموقراطية. إن الأمر يتعلق إذن ليس فقط بالاعتراف بـ "الآخر"، بل أيضا بالاعتراف له بالشرعية الديموقراطية. هذا من جهة ومن جهة أخرى أصبحت هذه الأحزاب الإدارية –سابقا- تواجه وجودها بنفسها، أي أنها لم يعد من الممكن أن تعول في وجودها وقوتها على الدولة، بل إن عليها الآن أن تدخل في تجربة مواجهة المصير، مواجهة مصيرها بنفسها. وإذا نحن أخذنا الأمور حسب "الظاهر" -وليس لدينا الآن غيره- فإن الدلالة الأعمق في كل ذلك، من زاوية عملية الانتقال إلى الديموقراطية، هو انفصال الدولة عن هذه الأحزاب، وانفصال هذه الأحزاب عن الدولة، والنتيجة -حسب هذا "الظاهر"- هي أن المغرب اليوم أصبح أكثر قربا من الدولة بالمعنى الحديث للكلمة: يتألف من نظام سياسي حاكم، ومن مجتمع مدني "مستقل" نوعا ما عن ذلك النظام. وهذه هي الأرضية الضرورية للنظام الديموقراطي.
تبقى بعد ذلك مسألة السلطة، أعني من يمارسها وطريقة ممارستها الخ، وهي مسألة تقع في جوهر الديموقراطية، بل هي لبها. وهي مسألة مطروحة في المغرب، اليوم وقبل اليوم، في السر وفي العلن، ولكن لا بالشكل الحاد الذي كانت مطروحة به في الستينات والنصف الأول ممن السبعينات من طرف الاتحاد الاشتراكي (الذي كان يطالب بانتخاب مجلس تأسيسي يضع دستورا يعتبر الشعب مصدر السلطات)، بل يبدو أن جميع فصائل المجتمع المدني –كما أفرزتها انتخابات 27 سبتمبر الماضي- تميل وتفضل معالجة المسألة الدستورية اليوم في إطار من التراضي والتوافق بين الأحزاب السياسية والملك. بل يمكن القول إن هناك "توافقا" صامتا بين الأحزاب على إبقاء ما كان على ما كان في هذه المسألة، في الوقت الراهن على الأقل. وهذا راجع إلى كون هذه الأحزاب متقاربة من حيث درجة الهيمنة، وبالتالي فلا أحد منها يقبل، الآن على الأقل، أن تؤخذ سلطة معينة من الملك لتعطى لمؤسسة أخرى كمؤسسة الوزير الأول أو غيره، ما دام هذه الوزير الأول -أو غيره- سيكون بالضرورة من حزب "واحد"، وليس من "الأحزاب كلها".
من هنا ينكشف أمام أعيننا عنصر آخر أساسي من عناصر الخصوصية المغربية، وهو أن الحكم في المغرب قائم –منذ القرن السادس عشر- على توازنات، وأن الجالس على العرش لا يستمد قوته لا من قبيلة ولا من زاوية ولا من حزب ولا من جيش الخ، بل يستمد قوته وعنصر استمراره من كونه ضروريا للحفاظ على توازنات من النوع الذي ذكرنا: توازنات قبلية في الماضي وتوازنات حزبية في الحاضر. وهذا المعطى الذي لا بد من إدخاله في الحساب هو الذي يشرح مضمون العبارة التي "لخص" فيها كاتب أمريكي، قبل نحو عقدين من السنين، تحليلا له عن الوضع في المغرب في ذلك الوقت والتي قال فيها، في المغرب: "المعارضة ضرورية للمك والملك ضروري للمعارضة". وكان المرحوم الحسن الثاني قد رد يوما في ندوة صحفية له –ربما في أواخر السبعينات إذا لم تخني الذاكرة – على سؤال أحد الصحفيين حول مدى تحمله للمعارضة فقال: "لو لم تكن لدي معارضة لخلقتها". وقد فسر ذلك بكون المعارضة تساهم في "تأطير المواطنين". والحق أنه لكي يمكن للحاكم الإمساك بالتوازنات يجب أن تكون جميع القوى مؤطرة، أي تتحرك داخل إطار معروف.
كان هذا قبل تجربة التناوب التوافقي. أما حين قيام هذه التجربة بانتقال "المعارضة" إلى صف "التراضي" الذي رعاه الملك وحافظ له على توازناته، فالوضع قد تغير. ذلك أن "التراضي"، الذي عبر عنه بـ "التناوب التوافقي" قد بات يقوم بدور "النفي" للمعارضة. و"النفي" في المنطق الجدلي ليس سوى لحظة مؤقتة مهمتها الانتقال بالعملية الديالكتيكية إلى مرحلة "نفي النفي"، وهو ما كان يعبر عنه في المغرب بالقول: "نحن نخوض تجربة التناوب التوافقي من أجل الانتقال إلى التناوب الديموقراطي".
هل نجح المغرب في هذا الانتقال؟ لا أحد يستطيع أن يجيب جازما. الشيء المؤكد هو أن هناك فعلا عملية انتقال!
من معالم هذا "الانتقال إلى الديموقراطية" في المغرب كون العلاقات بين الأحزاب لم تعد محكومة بما كانت محكومة به قبل قيام التناوب. إن السير مع منطق التراضي إلى أبعد مدى جعل حزب الاستقلال –مثلا- الذي جاء في الرتبة الثانية بعد الاتحاد الاشتراكي وقريبا منه (48 مقعدا للاستقلال و50 للاتحاد) يرى أن من حقه أن يقود التناوب هذه المرة وأن النوبة نوبته، (خصوصا وقد كان مرشحا لقيادة تناوب لم يكتب النجاح للمفاوضات التي جرت حوله عام 1993-1994). من هذا المنطق كتبت جريدة الحزب افتتاحية ختمتها بأن لحزب الاستقلال علاقة جيدة وحميمية مع كل من حزب العدالة والتنمية وحزب التجمع الوطني للأحرار، وأن هذه الأحزاب الثلاثة قد حصل كل منها على أعلى نسبة من المقاعد بعد الاتحاد الاشتراكي. وكان هذا تلميحا واضحا إلى أن حزب الاستقلال مستعد ليتحالف مع هذين الحزبين ضدا على حليفه "التاريخي" الاتحاد الاشتراكي؛ الشيء الذي يعني الحكم النهائي بالعدم على "الكتلة الديموقراطية" التي شكلتها الأحزاب التي لها امتداد تاريخي إلى ظروف النضال ضد الحماية الفرنسية. وسيجيء رد فعل الاتحاد الاشتراكي على نفس الشاكلة: فقد دخل في تحالف مع التجمع الوطني للأحرار "الليبرالي" الذي وافق على التحالف مع خصمه القديم الاتحاد الاشتراكي ضدا على حليف له قديم هو حزب الاستقلال الذي سبق أن شارك في الثمانينات في حكومة كان وزيرها الأول هو أحمد عصمان زوج المرحومة أخت الحسن الثاني ورئيس التجمع الوطني للأحرار!
وبينما كان يبدو أن الطرف الذي سيشكل الحكومة القادمة هو "اليسار" المتمثل في الاتحاد الاشتراكي والأحزاب الاشتراكية الصغرى بتحالف مع "الوسط" المتمثل في التجمع الوطني للأحرار والأحزاب الصغرى القريبة منه، بينما ظل هذا التصور مرجحا لدى الجميع مدة 48 ساعة، إذا بتحالف لم يكن في الحسبان تعلن عنه الأطراف التالية: حزب الاستقلال (ذي الميول التقليدية العربية الإسلامية)، حزب العدالة والتنمية (المحسوب على الإسلام السياسي، ولكن زعيمه الدكتور الخطيب كان منذ 1955 إلى اليوم من شخصيات القصر)، الحركة الشعبية والحركة الوطنية الشعبية (وهما في الأصل حركة واحدة قامت منذ 1955 على أساس شعار "الأمازيغية" ضد حزب الاستقلال). وهكذا أصبح هذا التحالف المفاجئ بين أعداء الأمس، وبين عشية وضحاها، المرشح لتكوين أغلبية في البرلمان ضدا على الاتحاد الاشتراكي والتجمع الوطني للأحرار.
لقد تغيرت جميع العلاقات! تغير كل شيء إذن في المغرب خلال الأيام العشرة التي تلت الإعلان عن نتائج انتخابات سبتمبر 2002 ، الانتخابات التي كان يقال عنها إنها ستنقل المغرب من "التناوب التوافقي" إلى "التناوب الديموقراطي"؟
لقد شهد المغرب خلال تلك المدة القصيرة أنواعا فريدة من "زواج المتعة". ومع أن المذهب الفقهي (المذهب المالكي) الذي يتبعه المغرب لا يعترف بشرعية زواج المتعة بين النساء والرجال، فقد ارتأى السياسيون فيه، الاشتراكيون منهم والليبراليون والإسلاميون والأمازيغيون، أنه لا مانع من ممارسة هذا النوع من الزواج ...
وبما أن "زواج المتعة" زواج مؤقت بطبيعته، وحسب (أحكامه الشرعية بالنسبة لمن يعمل به) فقد حافظ على طابعه المؤقت هذا عندما نقل إلى مجال السياسية. لقد كان علامة قوية على أن "كل شيء في المغرب تغير" فكان لا بد من قيام الدليل على أن ذلك كله كان "من أجل أن لا يتغير شيء". فعلا، مباشرة بعد هذه التغيرات القائمة على "زواج المتعة" -علما بأن لا أحد يمكن أن يتنبأ بالحد الذي يمكن أن يقف عنده منطق المتعة- أعلن بلاغ من القصر الملكي يوم 9 أكتوبر أن جلالة الملك محمد السادس قد عين السيد إدريس جطو وزيره في الداخلية وزيرا أولا. والسيد إدريس جطو أشرف على الانتخابات الأخيرة المشهود لها بالشفافية والنزاهة. ولكنه لم يشارك فيها وهو لا ينتمي إلى أي حزب سياسي.
لم يفاجئ هذا القرار جميع الأوساط! فهناك من كان يتوقعه منذ تعيين إدريس جطو وزيرا للداخلية قبل نحو سنة. لقد رأى فيه بعضهم نوعا من الإعداد له لتولي منصب الوزير الأول إذا اعتذر اليوسفي عن مواصلة المسيرة أو إذا لم يتمكن حزبه من الأغلبية الكافية التي تؤهله، دون غيره، لتولي منصب الوزارة الأولى. والدستور يعطي الحق للملك في تعيين الوزير الأول من داخل الأحزاب أو من خارجها.
فهل نحكم بعد كل هذا بصدق المقولة القائلة: "في المغرب يتغير كل شيء من أجل أن لا يتغير شيء".
سؤال ليس من السهل الإجابة عنه، خصوصا وتلك المقولة تقبل الانعكاس، على مستوى "اللغز اللغوي" على الأقل. فقد يحدث أن: "لا يتغير أي شيء من أجل أن يتغير كل شيء"!