القضية
الفلسطينية:
إسرائيل
من أزمة الوعي
إلى أزمة
وجود...
والمطلوب
من
الفلسطينيين
إقامة دقيق
بين الكفاح
السياسي
وممارسة
السياسة
بوسائل أخرى
محمد عابد
الجابري
ليس ثمة
شك في أن
القضية
الفلسطينية
تجتاز في
الوقت الراهن
منعطفا تاريخيا
ربما لم يسبق
له مثيل من
قبل، لا قبل 1948 ولا
بعدها. القضية
الفلسطينية
تجتاز الآن
مرحلة اشتداد
الأزمة، ما في
ذلك شك.
فالحكومة الإسرائيلية
برئاسة شارون
لا تتوفر على
أي مشروع
سياسي. وشارون
نفسه لا يمتلك
منطقا سياسيا
وإنما منطقه
منطق الجهالة
والحرب. هو يمارس
منطق : "ألا لا
يجهلن أحد
علينا ... فنجهل
فوق جهل
الجاهلينا".
هو لا يرى
في المقاومة
الفلسطينية
حقا مشروعا،
ولا يرى فيها
نتيجة لأسباب!
هو يرى فيها
وجها واحدا هو
ما يسميه
"العنف"، و
يفهم منها شيئا
واحدا هو :"القضاء
على إسرائيل".
ولا يملك من
ردود الفعل إلا
ذلك الرد
البدائي
الحيواني،
وهو مقاومة "العنف"
بعنف أشد.
ولا
يحتاج المرء
إلى شرح ما
يعانيه الشعب
الفلسطيني
البطل من جراء
هذه الجهالة
التي تنصِّب
نفسها فوق كل
جهل، والتي
تخيم اليوم
على الوضع
الفلسطيني
برمته. ولكن
قد يحتاج
المرء، في
المقابل، إلى
أن يغض الطرف
عن حماقات
الجهالة
الشارونية
إذا هو أراد
أن يتبين
بوضوح ما
وراءها، أعني
الأسباب الدفينة
وغير الدفينة
التي قادت
إليها.
والحق أن
شارون ليس
وحده الذي
تبنى منطق
الجهالة. فهو
قد انتخب
بأغلبية
ساحقة، سحقت
مشرعات باراك
"السلمية"
الفاشلة،
وأكثر من ذلك
يترأس حكومة
"وحدة وطنية"
يشارك فيها من
يقدم نفسه في
مقدمة
"الحمائم" :
شيمون بيريس
الذي انهزم أمام
باراك لأن
الإسرائيليين
كانوا يرون
فيه شخصية
مدنية
"سياسية أكثر
من اللازم"!
الإسرائيليون
جميعا –ما عدا
أقلية معزولة
الآن- ناصروا
سياسة
الجهالة التي
يسلكها شارون.
بعضهم عن رغبة
واقتناع،
وبعضهم عن
اضطرار،
بعضهم مترددا
وبعضهم
متحمسا!
لماذا؟
لماذا هذا
الانزلاق
الكلي إلى
منطق الجهالة؟
لقد قدمت
إسرائيل –كما
يقولون- أقصى
ما يمكن أن
تقدمه من
"تنازلات" في
كامب ديفد
الثانية الفاشلة،
ولكن
الفلسطينيين
رفضوا. وحسب
المعلومات
الرائجة فإن
إسرائيل قدمت
فعلا ما يشبه
أن يكون "أقصى
ما يمكن من
التنازلات"،
حسب منظورها،
بخصوص غزة
والضفة
الغربية
والقدس، ولكن
عرفات طالب بـ
"تنازلات
مماثلة" فيما
يخص مسألة اللاجئين.
أي بالاعتراف
لهم بحق
العودة،
لاجئي 1967
ولاجئي 1948! هنا
أسقط في أيدي
الإسرائيليين.
لقد كانت
خيبتهم كبيرة
وغير متوقعة
إلى درجة أنهم
أصبحوا جميعا
–باستثناء
أقلية قليلة-
يعانون من
وضعية "الوعي
المأزوم". ولا
نحتاج إلى شرح
معنى عبارة
"عودة
اللاجئين"
بالنسبة إسرائيل،
لنقل فقط إنها
عبارة نقلت
الأزمة لدى
الإسرائيليين
من أزمة وعي
إلى أزمة
وجود!
***
لقد
تعودنا نحن
العرب أن لا
نرى سوى
هزائمنا والخسائر
التي لحقت
بنا، عندما
نتحدث عن القضية
الفلسطينية. صحيح
أننا قد
تقهقرنا
وتراجعنا –على
صعيد الحلم
والأمل- من
القضية التي
كنا نريد
منها، في الخمسينات
والستينات
والسبعينات،
أن تكون
منطلقا
لتحرير العرب
والوطن
العربي ككل،
رافضين من أجل
ذلك فكرة "الدولة
الفلسطينية"،
أقول تراجعنا
إلى قبول مبدأ
قيام هذه
الدولة، ثم
إلى قبول
الانطلاق مما
يشبه الدولة،
أو بداية
الدولة في بعض
أراضي فلسطين.
وصحيح أننا
انهزمنا
عسكريا سنة 1948 وفي 1967
وأيضا في 1973. وصحيح كذلك أننا
انهزمنا
سياسيا في كامب
ديفد، و
مدريد، ثم
جاءت نتائج
أوسلو، بعد سبع
سنوات من اللف
والدوران
لتتوج -في
وعينا- الهزائم
السابقة. لقد
وصلت القضية
إلى "الباب
المسدود"،
على الأقل في
تقدير كثرين
منا ممن
اعتادوا
تسجيل الخسائر
وإغفال
المكاسب، إما
تحت تأثير
إحباطات لا
تفتقد إلى ما
يبررها، أو
بدافع شماتة
لئيمة (ولن
نضيف وصفا
آخر).
والحق أن
نظرة واقعية
فاحصة،
ومتجردة،
لـ"الواقع
العربي" كما
يبدو، لوعي
يعي تاريخ موضوعه
ومفاصل
صيرورته، إن
نظرة واقعية
بهذه المواصفات
لتقدم لنا
مشهدا آخر
يختلف تمام
الاختلاف عن
المشهد/الكابوس
الذي يحاصر
عقولنا ويؤطر
رؤيتنا! لقد
اعتدنا على
رؤية "القضية
الفلسطينية"
من جانب واحد،
وهو فشلنا في
هذه القضية
كما هي في
وجداننا، لا
بل في
أحلامنا!
فعلا، الحلم
ضروري للحياة.
ولكن ما ليس
ضروريا ولا
معقولا هو أن
تتحول الحياة
كلها إلى حلم
يضفي
"الوحدانية
والقدم" على
مآسي الحياة،
وينشر الفكر
الوحيد والرؤية
الوحيدة! يجب أن
نتعود على
رؤية الأشياء
من جميع
الجهات، فليس
هناك في أي
أمر من الأمور
أو شيء من
الأشياء وجه
واحد ومستوى واحد.
كل شئ له
وجهان أو
أكثر. والوجه
الذي اعتدنا
على عدم رؤيته
وعدم تقديره
التقدير الذي
يستحق، هو أن
العمل العربي
الشعبي، وحتى
الرسمي منه،
قد وضع
إسرائيل منذ
قيامها في
أزمة وعي
وأزمة وجود.
كان
المشروع
الصهيوني
يحلم بأن
إسرائيل،
عندما تقوم في
هذه المنطقة
المتخلفة، وهي
الآتية من
الغرب
المتقدم
يدعمها سلاحه
وأمواله،
ستمتد بسرعة
من النيل إلى
الفرات.
وعندما قامت
إسرائيل
بالفعل في جزء
من أرض فلسطين
كان أملها
كبيرا في أن
تتسرب وتنتشر
لتكون في هذه
المنطقة
بمنزلة
ألمانيا أو
اليابان. ومع
ذلك، ومع كل
أموال الغرب
وأسلحته ودعمه
اللامحدود
والشامل
لجميع
المستويات،
استطعنا, رغم
انهزامنا في
المعارك
العسكرية، أن
نبقي على
إسرائيل جسما
معزولا
محاصرا، لا مجال
له حيويا في
المنطقة. هذا
شئ مهم فعلا.
فمنذ سنة 1948 إلى
اليوم
وإسرائيل جسم
غريب محاصر لا
متنفس له إلا
عبر البحر,
وليس له أن
يطير في الجو
إلا على البحر
وفي اتجاه
واحد فقط. وقد
أدركتُ،
شخصيا، مبلغ
وقع هذه
الغربة والعزلة
في نفوس
الإسرائيليين
عند الإعلان عن
توقيع
الاتفاقية
بين حكومتهم
ومنظمة التحرير
الفلسطينية
لتبادل
الاعتراف.
لقد
كان أبرز شيء
لفت نظري
آنذاك هو تلك
الفرحة
العارمة التي
عمت
الإسرائيليين.
إنهم لم
يستطيعوا أن يخفوا
أنهم، أخيرا،
يتنفسون
الصعداء. لقد
شعروا بأنهم
أخيرا سيصبح
لهم متنفس في
المنطقة،
وأنهم لن
يعودوا غرباء.
إن ذلك قد دل
دلالة واضحة
على مبلغ
الضيق
والإحباط
الذي كان يهيمن
على نفوس
الإسرائيليين،
من خلال وضعية
الحصار
العربي الذي
عانوا منه في
كل مجال .
ها هنا إذن،
حقيقة أخرى
هامة لا يحسن
بنا التغافل عنها.
حقيقة أن
العرب قد
انتصروا
تاريخيا، وإن
انهزموا
عسكريا. لقد
راهنت
إسرائيل على
أن تصبح هذه
المنطقة
المجزأة إلى
دول ضعيفة،
والتي يمارس
عليها
الاستعمار
سلطته
واستغلاله،
مجالا حيويا
تمتد فيه
وتتمدد، ولو
بالتدريج.
ولكن الأبواب
بقيت موصدة
أمام أحلامها
وطموحاتها.
اعتقدت
إسرائيل, بعد
عدوان 1967, أنه
سيكون في
إمكانها
تحقيق حلمها
في الضفة
والقطاع، وأنه
سينشأ، بعد
عقد أو عقدين،
جيل يندمج
فيها، جيل لا
تاريخ له غير
حاضره! غير أن
أملها، في هذا
المجال، قد
خاب تماما.
لقد ظهر بعد
عقدين من
الزمن جيل من
الشباب قام
بانتفاضة
استعملت
الحجارة ضد
الجيش
الإسرائيلي، تعبيرا
عن حقيقة أن
إسرائيل جسم
غريب اجتاز الحدود
بغير إذن،
فيجب أن يرمى
بالحجارة كما
يرمى اللص
الهارب. لقد
جاءت السنوات
التي تلت 1967 لتكذب
جميع توقعات
إسرائيل
ولتجعل الخيبة
مآل طموحاتها.
لقد أكدت هذه
المدة
القصيرة أنه
لا مجال لحلم
إسرائيل في أن
يذوب عرب فلسطين
في جسمها، حتى
ولو كانوا قد
ولدوا تحت
حكمها و
هيمنتها
ودعايتها.
بالعكس،
أدركت إسرائيل
أن المطروح
مستقبلا هو
إمكانية
ذوبانها هي في
المنطقة
العربية، فقط
بفعل الطبيعة
: نسبة تزايد
النسل العربي!
من أجل تلافي
ذلك قبلت
الذهاب إلى
أوسلو والتفاوض
من أجل عزل
الفلسطينيين
في جزر بشرية
"تتمتع"
بالحكم
الذاتي ثم
بالاستقلال
إذا لزم الأمر،
ولكن دائما
تحت الهيمنة
الإسرائيلية
العسكرية
والاقتصادية
وبالتالي
السياسية.
وعندما رفض
الفلسطينيون
هذا النوع من
"اللادولة"
في كنف الدولة
الإسرائيلية
هددهم باراك
بالسفاح
شارون، فوافق
على أن يقوم
بتظاهرة في
الحرم الشريف
ترمز إلى ما
سيكون عليه
"المصير" إذا
هم لم يقبلوا
مقترحاته.
وواجه الشعب
الفلسطيني
هذا التحدي بما
يجب، فكان
الانتقال إلى
مرحلة ثانية
من الانتفاضة،
المرحلة التي
وعت إسرائيل
مدى خطورتها
على أحلامها
التوسعية، بل
على وجودها نفسه
فلجأت إلى
شارون
مستسلمة
لمنطق الجهالة.
ولا بد من أن
نغض الطرف هنا
عن خسائر
الشعب الفلسطيني
المكافح،
خسائر في
الأرواح
والأجسام وفي
المباني
والحقول!
خسائر طالت كل
شيء فعلا،
خسائر مؤلمة
حقا! ولكن لا
بأس! فاستعادة
الأرض له
ثمنه،
والاستقلال
له ثمنه. لابد
من أن نغض
الطرف عن جانب
المأساة في
وضعية
الفلسطينيين
كي نتمكن من
رؤية جانب
المأساة في
وضعية إسرائيل
الآن.
جاءت واقعة 11
سبتمبر لتقدم
المبرر
للإدارة الأمريكية
لربط النضال
الفلسطيني بـ
"الإرهاب"،
ثم تلتها
حادثة السفينة
المزعومة
لتمكن "صقور"
تلك الإدارة
من ربط عرفات
بلائحة
الإرهاب
والإرهابيين!
إنها عدوى
الجهالة
الشارونية هي
التي انتقلت
إلى البيت
الأبيض! غير
أنه إذا كانت
الإدارة الأمريكية
قد وجدت سبيلا
إلى تبرير
"استقالة العقل
الأمريكي"
فيها، فإن
ساسة إسرائيل
قد فوجئوا بما
أربك جميع
حساباتهم. كان
"الاستشهاد"
يعزى إلى
التطرف
الأصولي، إلى
"غسل
الدماغ"، فكان
يعد
"إرهابا"،
ورضخت
الإدارة
الأمريكية
إلى جهالة
شارون فأضافت
حماس والجهاد
الإسلامي إلى
لا لائحتها
الخاصة بما
تسميه "المنظمات
الإرهابية"!
وفجأة فتح
شارون عينيه
ليرى شيئا آخر
: فتاة، وردة،
، أنيقة،
ممرضة، سافرة
الشعر والوجه
واليدين في
حشمة ووقار،
تقتحم ميدان
الاستشهاد
لتثبت للعالم
كله أن الشعب
الفلسطيني
كله استشهادي،
لا تحت تأثير
تطرف ديني
مزعوم، بل تحت
تأثير الدم
الفلسطيني
الذي يأبى
شارون إلا أن
يريقه على أرض
فلسطين حتى
صار الدم في
عين الجراح
والممرض شيئا
لا يحتمل! إنه
المألوف الذي
تجاوز كل
مألوف!
والنتيجة :
أسقط في يد
الإرهابي
الكبير شاون ومعاونيه
ومنافسيه
ومعارضيعه!
وأخذ كل صاحب
ذي "مبادرة"
يلوح بها :
بيريس،
باراك،
اليسار... والشيء
نفسه ظهر في
الغرب : فرنسا
تقترح "أسلو
مقلوبا" أي
التفاوض حول
الوضع
النهائي، قبل
التفاصيل
التطبيقية!
كان منطق أسلو
يقوم على الانطلاق
من لاشيء
للوصول إلى
"شيء ما" وهذا
هو معنى
"العملية" process من
منظور العقل
الأمريكي. كان
"العملية
السلمية
الأمريكية"
تقوم على فتح
مفاوضات حول
الهوامش
والحواشي وتأجيل
"الحل
النهائي".
واليوم وقد
أسفر منطق طلب
"النتائج" عن
نتائج غير
متوقعة وغير
محتملة،
يستيقظ العقل
الفرنسي
المعروف منذ
ديكارت
بعقلانيته
التي تنطلق من
"الأسباب"
إلى النتائج
ليقترح
مبادرة جديدة:
جديدة على
الأقل في شيء
واحد هو
الانطلاق من
"الحل
النهائي"، وهو
الوجه الآخر
للسبب
الحقيقي،
ليكون التفاوض
بعد ذلك على
الهوامش
والحواشي.
لكن هذه
المبادرة
ضاعت تحت
الضجة التي
أحدثها بوش
عندما تكلم
ليؤكد "رغبة"
بلاده في قيام
"دولة
فلسطينية". ثم
لبث أن وضع
شروطا، في مقدمتها،
تنحي عرفات،
وإدخال
"إصلاحات"
على السلطة
الفلسطينية،
وهو في ذلك
يتكلم باسم
شارون!
ما ذا يعني
ذلك؟
الجواب
تقدمه تجارب
الشعوب التي
وصل بها كفاحها
ضد الحكم
الاستعماري
إلى عتبة
الاستقلال،
والتي أصرت
فيها الدولة
المستعمرة
على "ضرورة"
البحث عن "قوة
ثالثة"
لتتولى التفاوض
معها على
"الاستقلال"
الذي يقدم
حينئذ في صورة
"منحة". ذلك ما
حدث في كثير
من بلدان إفريقيا
وآسيا التي
حصلت بـ "توسط
القوة الثالثة"
على نوع من
الاستقلال
سرعان ما تبين
أنه "استعمار
جديد". فعلا،
إنه أسلوب
الاستعمار الجديد،
الذي شتت شمل
إفريقيا
وأنهكها وقادها
إلى حافة
الهوية، هو ما
تريد إسرائيل
تطبيقه في
فلسطين!
لا شك أن
أسئلة كثيرة
تفرض نفسها
هنا. من ذلك: "هل
سيقبل
الفلسطينيون
هذا النوع من
"الاستقلال"؟
هل ستتفسح
المقاومة
الفلسطينية
الطريق أمام
قيام "قوة
ثالثة"؟
الجواب عن مثل
هذه الأسئلة
هو من اختصاص
الفلسطينيين
أنفسهم؟
يبقى
أمامنا، إذن،
السؤال الذي
هو من اختصاص المؤرخ
أو الملاحظ،
والذي يطرح
الوجه الآخر من
العملة، أعني
: ماذا حققت
إسرائيل من
حلمها في
مقابل ما
يقترح اليوم
على
الفلسطينيين،
أعني دولة
الحل السياسي
بدل دولة
الثورة؟
***
من
المعلوم أن
دولة إسرائيل
هي، من
المنظور
التاريخي،
محاولة
لتحقيق المشروع
الصهيوني
الذي بدأت
العمل فيه
جماعة من
الصهاينة،
منذ أزيد من
قرن من
الزمان. مائة
عام والحركة
الصهيونية
العالمية
تعمل بنشاط
منقطع
النظير، داخل
الجاليات
اليهودية في
العالم كله،
وعلى صعيد
المؤسسات
والهيئات
الاقتصادية
منها
والاجتماعية
والسياسية
والثقافية
الخ، سواء
منها ذات
الطابع
القطري أو ذات
الطابع
الدولي. أضف
إلى ذلك العمل
العسكري، ما
كان منه
تدريبا وما
كان ممارسة
"شرعية" أو إرهابا
سافرا، إلى
جانب استغلال
ظروف الحرب العالمية
الأولى ثم
ظروف الحرب
العالمية الثانية
والاستفادة
إلى أقصى حد
من جميع
ملابسات الحرب
الباردة الخ.
فماذا حققت
الحركة
الصهيونية
خلال المائة
عام الماضية
من حلمها؟
علما بأن حلم
الصهيونية لم
يقتصر على
مجرد "البحث عن
وطن لليهود"
بل تطور سريعا
إلى حلم تؤسسه
أسطورة
"الأرض
الموعودة"!
كان
قيام إسرائيل
سنة 1948 في نظر
الصهاينة لا
يعدو أن يكون
مجرد "موقع
قدم"، ستعمل
الدولة
الإسرائيلية
انطلاقا منه
على تحقيق
الدولة
العبرية في
حدودها الصهيونية،
من النيل إلى
الفرات!
وعندما إسرائيل
من احتلال
الضفة
الغربية
وقطاع غزة عام
1967 قالوا: هذه هي
الخطوة
الأولى : لقد أصبحت
إسرائيل تمتد
من "النهر إلى
البحر" (نهر الأردن
والبحر
الأبيض
المتوسط)،
وبالتالي بدا
وكأن حلم
الصهيونية هو
الذي "أصبح
حقيقة"!
غير
أن الكفاح
الفلسطيني
ومعه التضامن
العربي سرعان
ما عززه أطفال
الحجارة بما
لم يكن يخطر
على بال
إسرائيل. لقد
كان من
المعاناة القاسية
التي عاناها
اليهود طوال
التاريخ، وفي
جميع أقطار
العالم
تقريبا، أن
الواحد منهم كثيرا
ما كان يتعرض
في الشوارع
للحجارة يرميه
بها الأطفال،
هكذا ظلما
واحتقارا.
وعندما قام
أطفال الضفة
والقطاع
يرمون الجنود
الإسرائيليين
بالحجارة وجد
هؤلاء أنفسهم
أمام حجر من نوع
آخر، حجر
أطفال يطردون
عدوا احتل
أرضهم، وشتت
شمل أهليهم،
وخطف منهم
مستقبلهم!
فكان طبيعيا
أن يشعر
الإسرائيليون
بالإحباط (حتى
لا نقول كلاما
آخر). وهكذا
أخذوا يعيشون
"باطنا" أبعد
ما يكون عن
"الظاهر". لقد
غدا الأطفال الفلسطينيون
مصدر أزمة في
الوعي
الإسرائيلي،
ليس فقط لأنهم
رفعوا
الحجارة،
وحجارة الأطفال
إذا كانت لها
بداية فمن
الممكن أن لا
تكون لها
نهاية، بل
أيضا لأن
ارتفاع نسبة
المواليد لدى
الفلسطينيين،
سواء في الأرض
المحتلة سنة 1967
أو في الأرض
المغتصبة سنة
1948، يجعل المستقبل
كله لـ
"الأطفال"،
و"حجارة
الأطفال".
هكذا
أخذ
الإسرائيليون
يدركون شيئا
فشيئا أن حلم
"إسرائيل
الكبرى" قد
أصبح مهددا
بجد، وأن
إسرائيل
الحالية
نفسها باتت
تواجه مستقبلا
مخيفا: فإن لم
يكن الطرد،
فمن المؤكد أن
وجود اليهود
كأقلية عددية
في "إسرائيل
الكبرى"
سينحصر في
"جزر" أو
كانتونات،
وسط بحر من
السكان
الفلسطينيين
يتزايد عددهم
بنسب هندسية.
وإذا
كانت
بريطانيا
القرن التاسع
عشر قد أفلتت
من مفعول
قانون تزايد
السكان، الذي
صاغه أحد
علمائها،
"ملتوس"، في
أواخر
القرن السابق
له، وذلك
بانتقال (أو
تهجير) ما
يزيد عن عشرين
مليونا من
أهلها إلى "ما
وراء البحار"
(المستعمرات)،
فإن نفس
القانون في
فلسطين لن يكون
على حساب
أهلها العرب
بل سيكون بكل
تأكيد
"تهجيرا"
للمشروع
الصهيوني إلى
المجهول.
كان
ذلك ما أراد
حزب العمال
الإسرائيلي
تداركه من
خلال اتفاقية
أوسلو. لقد
أراد ساسته أن
يسابقوا
الزمن
فيصنعوا
بالفلسطينيين
ما كان سيصنع
بالإسرائيليين
قانون تزايد
المواليد،
"أطفال
الحجارة".
أرادوا أن
يمنحوا الفلسطينيين
حكما ذاتيا في
جزر هي عبارة
عن كانتونات
داخل الجسم
الإسرائيلي،
ومن خلال هذا
"الحل" يشقون
طريقهم إلى
حلم "من النيل
إلى الفرات"
(بل من الخليج
إلى المحيط)
من خلال
التوغل التقني
والاقتصادي
أي من خلال
"التطبيع".
وتستمر
عملية أسلو
مدة عشر سنوات
اصطدم فيها "المشروع
الصهيوني
الجديد"
بصخرتين لا
تقبلان الكسر
ولا يستطيع
أحد تجاوزهما
ولا القفز
عليهما : صخرة
المسجد
الأقصى بكامل
محيطها المسمى
منذ 1948 بـ
"القدس
الشرقية من
جهة"، وصخرة اللاجئين
الذين يعدون
أربعة
ملايين، أي ما
يساوي عدد
سكان إسرائيل
اليوم، وقد
يصبحون ضعفه
في مستقبل
منظور بفعل
ارتفاع نسبة
الزيادة
الديموغرافية
فيهم.
***
ذلك
هو عمق المشكل
في نظري. وهذا
ما يفسر جهالة
شارون
واليمين
المتطرف
وتذبذب حزب
العمال وتردد
اليسار
الإسرائيلي
كله. وهذا ما
يفسر إعراض
الناخبين
الإسرائيليين
عن باراك
وحزبه في
الانتخابات
الأخيرة. لقد
برهنت لهم
تجربة باراك
أن "المشروع الصهيوني
الجديد" الذي
بشر به بيريس
وباركه رابين
واقتفى أثره
في ذلك باراك،
قد انتهي، بفضل
صمود المفاوض
الفلسطيني،
إلى وضع وجدت
إسرائيل فيه
نفسها لأول
مرة وقد قذف
بها إلى خارج
"كهف
الصهيونية"
وما يتلى فيه
من "أساطير"، لتواجه
"الحقيقة
الفلسطينية"
في رابعة النهار.
والسؤال
الذي يفرض
نفسه اليوم
على الإسرائيليين
هو نفسه سؤال
الأزمات
التاريخية:
"ما العمل"؟
هم
يعترفون بـ
"مبدأ الدولة
الفلسطينية"،
ولكن لا
الدولة التي
تتمتع بجميع
الحقوق التي
تمنحها
الشرعية
الدولية لكل
دولة،
بل "الدولة"
التي تكون
مجرد إطار
تنحصر وظيفته
في إبعاد
الخطر الذي
يشكله تزايد
نسبة السكان
الفلسطينيين
على إسرائيل
فيما لو احتفظت
بالضفة
والقطاع كجزء
لا يتجزأ من
كيانها. أما
الدولة كما
يريدها
الفلسطينيون،
الدولة التي تسترجع
كامل الضفة
والقطاع
والقدس
الشرقية
وتحصل
للاجئين
جميعهم على حق
العودة، وفقا
لقرارات
الأمم
المتحدة، فهو
شيء يبدو أن
الإسرائيليين
بما فيهم حزب
العمال واليسار
كله ليسوا
مستعدين بعد
حتى لسماعه
كمجرد مشروع
للتفاوض. لقد
قبل
الإسرائيليون
الدخول في
مسلسل أوسلو
والسير
بعملية
"البروسيس"
إلى النهاية
التي
يريدونها هم،
فإذا
بالعملية
تنتهي بهم
وبالولايات
المتحدة إلى
مأزق. إن منطق
التماس
النتائج، دون
أخذ الأسباب
بعين
الاعتبار، قد
فشل أمام
الصمود
الفلسطيني
والتضامن العربي
ووقوف الرأي
العام العربي
والإسلامي ضد
"التطبيع"،
فكانت
النتيجة
انقلاب السحر
على الساحر.
وإذن،
فليس العرب
ولا
الفلسطينيون
هم وحدهم الذين
يواجهون
المأزق، بل
إسرائيل
أيضا، ولكن مع
هذا الفارق:
إن ما يمكن
وصفه
بـ"المأزق" العربي
والفلسطيني
هو حالة ظرفية
(خسائر في
الأرواح
والممتلكات
الخ)، بينما
المأزق الذي
يواجه
إسرائيل
اليوم هو مأزق
تاريخي. مأزق لم
يعد من الممكن
تجاوزه إلا
بشيء واحد،
وهو التحرر
النهائي من
أساطير
"الكهف
الصهيوني" وفي
مقدمتها
الدولة
العبرية التي
تمتد من... إلى ...
والتي تكون في
الشرق الأوسط
بمثابة اليابان
في شرق آسيا.
وما
يغفله
الإسرائيليون
هو أن أوربا
قد قبلت بالمشروع
الصهيوني في
حدود إيجاد
وطن قومي لليهود
في جزء من
فلسطين لتكون
الدولة
العبرية التي
تقوم فيه مجرد
قاعدة
للمراقبة
وحماية المصالح
الأوربية. أما
أن تتحول هذه
الدولة إلى
دولة توسعية
تنافس المصالح
الأوربية أو
تكون مصدرا
لتهديدها، أو
تطمح إلى أن
تصبح يابان
الجهة
الشرقية من حوض
البحر الأبيض
المتوسط، أو
"ولاية"
تابعة للولايات
المتحدة
الأمريكية
على حساب أوربا،
فهذا ما لا
يمكن أن تصفق
له الدول
الأوربية.
وكما هو واضح
اليوم،
ويزداد وضوحا
يوما بعد يوم،
فإن إسرائيل
قد أصبحت رقما
في معادلة التنافس
بين أوربا
والولايات
المتحدة
الأمريكية.
والمواقف
الأوربية
الراهنة
والاقتراحات
والمبادرات
التي تلوح بها
هذه الدولة
الأوربية أو
تلك في وجه
جهالة شارون
وتعنت الإدارة
الأمريكية
دليل واضح على
أن إسرائيل
مطالبة اليوم
أكثر من أي
وقت مضى بأن
تفتح عينيها
على الحقيقة
في رابعة
النهار،
حقيقة نهاية
الحلم الصهيوني.
***
من خلال
هذا النمط من
الرؤية يتضح
جليا ما هو مطلوب
من
الفلسطينيين
وما هو مطلوب
من الإسرائيليين:
إن
الفلسطينيين
مطالبون الآن
بالاستعداد للانتقال
من "منطق
الثورة" إلى
"منطق
الدولة"، أما
الإسرائيليون
فهم مطالبون
بالاستعداد
للانتقال من
"حلم الصهيونية"
إلى واقع "ما
بعد
الصهيونية".
وليس الأمر
بالسهل لا على
الفلسطينيين
ولا على الإسرائيليين.
إن
المطلوب من
الفلسطينيين
في اللحظة
الراهنة هو أن
يستمروا في
الانتفاضة
وفي نفس الوقت
أن لا يستمروا
فيها! ومعنى
ذلك أنهم مطالبون
بتحقيق نوع من
التوازن دقيق
بين الكفاح
بوسائل
السياسة وبين
ممارسة
السياسة بوسائل
أخرى.
والفصائل
الفلسطينية
المقاومة المقاتلة
مطالبة
بالارتفاع
بقرارها إلى
هذا المستوي.
والخطوة
الأولى هي
تجنب
الانسياق مع منطق
الثأر الفوري
والانتقام
الانفعالي.
إنها مطالبة
بالعمل على
ضوء المثل
القائل،
ولعله فرنسي:
"الانتقام
وجبة تؤكل
باردة".
ومعروف أن الوجبة
الساخنة تضر
بالأمعاء إن
لم تبدأ بحرق الفم!
أما
الإسرائيليون
فالمطلوب
منهم أن
يستيقظوا على
حقيقة أنهم
يمارسون على
الفلسطينيين
ما مورس على
اليهود من
قبل، أو على
الأقل ما
أدعوا أنه
مورس عليهم،
أعني ما وظفوه
لجلب عطف
الرأي العام
العالمي إلى
جانبهم حتى
أصبح يرى
الباطل حقا
والحق باطلا.
إن كتاب
جارودي، بقطع
النظر عن
محتواه، قد
سجل لحظة
تاريخية جديدة
في تطور الوعي
الأوروبي
والعالمي، بمجرد
عنوانه:
"الأساطير
المؤسسة
للسياسة الإسرائيلية".
إن إسرائيل
مطالبة الآن
بأن تمارس
السياسية
خارج
الأساطير.
يبقى بعد
ذلك الواقع
الفلسطيني/الإسرائيلي
كما يقدم نفسه
خارج كهف
الأحلام
والأساطير –أحلام
العرب
وأساطير
إسرائيل-
والذي بدون
الاعتراف به
لا يمكن التقدم
خطوة إلى
الأمام!
- أما
أحلامنا، نحن
العرب،
فتتلخص في ما
كنا نعبر في
الخمسينات
والستينات
والسبعينات
من القرن
الماضي بـ
"تحرير
فلسطين كل
فلسطين"، أي
الرجوع بها
إلى ما كانت
عليه أصلا قبل
هجمة الحركة
الصهيونية في
منتصف
الأربعينات
من القرن
نفسه.
- وأما
أساطير
إسرائيل بعد
قيامها
المفروض بالقوة
فتتلخص في
"إسرائيل
الكبرى" التي
تتجاوز بصورة
أو أخرى ما
كانت عليه
حدودها قبل
حرب 1967.
بعبارة
أخرى: "حقيقة
الواقع
الفلسطيني/الإسرائيلي"
تقع خارج
أحلام
"المستقبل
الماضي" وجهالات
وإحباطات
"حاضر
المستقبل
الآتي". إنه
"الواقع"
الذي يثوي
خارج السياسة
والإيديولوجيا،
الواقع الذي
لا يعبر عن
حقيقته لا بنسبته
إلى فلسطين
وحدها ولا
بنسبته إلى
إسرائيل
وحدها، وإنما
يجد التعبير
الصحيح عنه في
العبارة
المركبة التي
استعملناها،
والتي تجمع
بين النسبتين
في عبارة
واحدة مركبة
هكذا : "الفلسطيني
/الإسرائيلي"!
ماذا
يعني هذا؟ إنه
يعني، أولا
وقبل كل شيء،
أنه ليس هناك
اليوم، لا
واقع فلسطيني
محض، ولا واقع
إسرائيلي محض!
وإنما هناك
تداخل بينهما،
تداخل يستحيل
تفكيكه!
إن ما
يطبع الوضع
الراهن في عموم
فلسطين: هو
"التداخل"
البنيوي الذي
يميز الفضاء
الجغرافي
الاقتصادي
الاجتماعي
الذي ستقوم فيه
غدا أو بعد غد
دولة
فلسطينية إلى
جانب دولة
إسرائيلية. إن
انتفاضة
القدس قد كشفت
عن حقيقة أن
"عرب
إسرائيل"،
أعني الذين
يحملون الجنسية
الإسرائيلية
والمنحدرين
من حرب 1948 هم فلسطينيون
كما كانوا
دائما. وإذا
ما قامت غدا
دولة
فلسطينية
مستقلة كاملة
السيادة في الضفة
والقطاع،
مهما يكن شكل
هذه الدولة،
فإنهم
سيكونون
"سكانا"
يحملون جنسية
دولة إسرائيل،
ومواطنين
يحملون هوية
دولة فلسطين.
وفي المقابل
سيكون
المستوطنون
الإسرائيليون
–الذين لا
ينتظر أن تقبل
إسرائيل في ظل
الوضع الراهن أن
يغادروا كلهم
مستعمراتهم-
مواطنين
بالهوية
القومية في
دولة إسرائيل
و"سكانا"
يقيمون في أرض
دولة فلسطين.
والمشكلة
التي تطرح
نفسها في هذا
الصدد هي
كيفية تحديد
"الوضع
القانوني"
لهذا النوع من
التنافي
والتناقض بين
الجنسية،
والهوية
القومية.
الجنسية
الإسرائيلية لعرب
فلسطين
تتناقض
وتتنافي مع
هويتهم القومية
الفلسطينية.
ولا يرجع هذا
إلى مجرد
كونهم من
قومية
مختلفة،
فهناك عرب في
أوروبا يحملون
الجنسية
الفرنسية أو
الإنجليزية
ولا يطرح هذا
أي مشكل على
صعيد الهوية
القومية، لأن
الدول
الأوروبية
تعترف بتعدد
القوميات
داخل بلدانها
وبالتالي
تعتبر
المواطنة
والجنسية شيئا
واحدا. أما
إسرائيل فهي
تنفرد بوضع
شاذ لا نجد له
مثيلا في
العالم كله!
هي تفصل بين
الجنسية
والهوية
القومية:
الهوية
القومية خاصة
بالعرق
اليهودي،
سواء كان
متدينا أو
ملحدا، فإسرائيل
إذن دولة
عرقية
بامتياز. هي
تمنح الجنسية
لعرب فلسطين،
ولكنها
تنفيهم من
القومية الإسرائيلية
وبالتالي
تعتبرهم من
قومية فلسطينية
عربية! والعكس
تماما يصدق
على يهود المستعمرات
في ما سيكون
"الدولة
الفلسطينية":
إسرائيل لا
تقبل، وهم لا
يقبلون، أن
يكونوا مواطنين
في دولة
فلسطين ولا أن
يحملوا جنسية
فلسطينية،
ولا جوازات
فلسطينية!
هذا
مظهر واحد من
مظاهر
التداخل
الفلسطيني/الإسرائيلي
على مستوى
"الوضع
القانوني"
للأشخاص،
وأكيد أن هناك
مظاهر أخرى
على نفس الصعيد،
نتركها
لننتقل إلى
مستويات أخرى.
على
المستوى
الاقتصادي
يتجلى
التداخل الذي نتحدث
عنه في مجال
الشغل: فالعمال
الفلسطينيين
الذين يدخلون
إسرائيل يوميا
(باستثناء
فترات الحصار)
من أجل العمل
هناك، وهم نحو
مائتي ألف، هم
في حاجة إلى
هذا "العمل"
خارج
الوطن/الدولة
الفلسطينية،
وداخل الوطن/الأرض
المغصوبة،
بقدر ما هي
دولة إسرائيل
في حاجة
إليهم، وهي
تفضلهم على
غيرهم، على
الأقل لأنهم
لا يسكنون
أرضها ولا
يقيمون في دولتها
ولا يتمتعون
بحقوق
المواطنة
وبالتالي فهم
أرخص تكلفة
وأنسب وجودا!
وإذا أضفنا
إلى ذلك
العلاقات
الاقتصادية
بين الدولتين
وبين التجار
ورجال
الأعمال في
الجهتين،
وحاجة إسرائيل
إلى المواد
والسلع
الفلسطينية
وحاجة الفلسطينيين
إلى المواد
والسلع
الإسرائيلية
الخ، أدركنا
كم هو متداخل
الوضع
الاقتصادي الفلسطيني/الإسرائيلي،
وكم هو مرشح
لتداخل أعمق
وأوسع في حالة
إقرار سلام
حقيقي في
المنطقة!
ويبلغ
التداخل مداه
إلى درجة أنه
يبدو حتمية
طبيعية فيما
يتعلق
بالماء، وهذا
شيء معروف ومعترف
به من لدن
الجميع. كما
يبلغ التداخل
مداه أيضا إلى
درجة يبدو أنه
"حتمية
دينية"، على مستوى
الأماكن
المقدسة لدى
الطرفين:
فحائط البراق
عند المسلمين
هو نفسه حائط
المبكى عند اليهود،
وهؤلاء يدعون
أن هيكل
سليمان تحت
المسجد
الأقصى الخ.
هذه
الأنواع من
التداخل يحس
بها كل
فلسطيني وكل
إسرائيلي كما
يحس المرء بلهيب
النار فيبتعد
عنها. أعني
بذلك أن مجرد
الإحساس
الأولي بهذا
التداخل
يصحبه رد فعل
مباشر وسريع
قوامه رفض
التفكير فيه
وبالتالي نفيه
وإلغاؤه. ومن
هنا يجب النظر
إلى مواقف من يوصفون
بـ
"المتطرفين"
في الجهتين:
الإسرائيلية
والفلسطينية.
فالمتطرفون
الإسرائيليون
يسارعون إلى
نفي واقع
التداخل
الفلسطيني/الإسرائيلي
الذي أبرزناه
قبل، لأنهم
يرونه
بـ"بادئ
الرأي"،
ولذلك
يطالبون
بالقضاء على
السلطة
الفلسطينية
وإلغاء
اتفاقية أوسلو،
وما ترتب عنها
من اعتراف
بمنظمة
التحرير الفلسطينية
ومن اتفاقيات
أبرمت معا،
وبالتالي
الرجوع إلى
وضع ما قبل
مفاوضات
مدريد، و"حل
المشكل" بممارسة
"التهجير"،
تهجير
فلسطينيي
الضفة والقطاع
إلى البلدان
العربية
المجاورة كما
حدث بعد حرب 1948
وحرب 1967،
وبالتالي فهم
يرغبون في حرب
ثالثة تفسح
المجال
لعملية تهجير
عامة وسريعة،
قد تمتد إلى
عرب 1948 أنفسهم.
إنه التطهير العرقي
الذي يؤسس كل
دولة عرقية!
ذلك
هو موقف
التطرف
المعلن. وهناك
موقف متطرف مماثل
ولكنه يريد
إخفاء تطرفه
في أسلوب آخر
في التهجير
والتطهير
العرقي. إنه
موقف من يطالبون
بـ "العزل"،
مثل باراك
وغيره. عزل
الفلسطينيين
في البقع الذي
هم فيها الآن،
والتعامل
معهم كسجناء
في معسكرات
اعتقال مسيجة
بالجيش الإسرائيلي،
وآلياته
وتقنياته. إنه
نوع من ممارسة
وضعية
"الجيطو" على
الفلسطينيين!
وفي
مقابل هذا
التطرف من
جانب
الإسرائيليين
يقوم تطرف من
جانب
الفلسطينيين
يرد الفعل بنفس
المنطق :
"تحرير
فلسطين كل
فلسطين"،
الشيء الذي
سيترتب عنه
هجرة
إسرائيلية
مضادة، أي
تهجير إرادي.
ومع أن هذا
الموقف يجد ما
يبرره ويدعمه
في التاريخ
القريب
والبعيد، وفي
واقع أن
إسرائيل هي
أصلا جسم غريب
أقحم قسرا
وبالقوة في
أرض فلسطين،
فإن واقع
الأمور اليوم
عربيا ودوليا
يجعل منه
موقفا ينتمي
إلى "فضاء
الممكن الذهني"
وليس إلى فضاء
"الممكن
الواقعي".
فضاء
الممكن
الواقعي هو
فضاء التداخل
الإسرائيلي/الفلسطيني
الذي
أبرزناه،
إضافة إلى واقع
التعدد في كل
من المجتمعين
الفلسطيني والإسرائيلي
: تعدد إثني،
وديني،
أصوليون وعلمانيون
في كل طرف الخ!
ومن وجهة
نظرنا فإن هذا
الفضاء –مادام
يمثل حقيقة
الواقع
الراهن- فهو
لن يسمح لا
بتهجير
الفلسطينيين
ولا بهجرة
مضادة إسرائيلية
واسعة تفرغ
فلسطين ممن
ليسوا منها
أصلا. كما أن
هذا الفضاء لا
يسمح –من وجهة
نظرنا دائما-
بقيام دولتين
متمايزتين
منفصلة إحداها
عن الأخرى
وتتمتعان
بنفس الحقوق،
كما تنفصل دول
العالم عن
جاراتها، إن
هي أرادت ذلك،
في ظروف الحرب
أو ظروف
السلم!
من
هنا يبدو لي
أن الحل
العقلاني
الوحيد الممكن
–ولو أنه حالم-
هو قيام دولة
اتحادية
واحدة في
فلسطين كلها،
على غرار
الاتحاد
السويسري. دولة
قوامها
مجموعة من
الكانتونات،
بعضها عربي
وبعضها إسرائيلي،
بعضها علماني
وبعضها ديني،
وبعضها بين
بين. دولة تجد
فيها جميع
الطوائف
والاثنيات
مكانا خاصا
بها في شبه
استقلال، في
إطار من
التبعية
للدولة
الفيدرالية
الديموقراطية.
هذا هو الشكل
العقلاني
الممكن لدولة
تكون عاصمتها
الفيدرالية
هي القدس
الموحدة
جغرافيا والمتعددة
-لا المنقسمة-
سياسيا
وثقافيا ودينيا
وإثنيا. إنه
حل يبدو لي،
الآن على
الأقل، الحل
الوحيد
الممكن إزاء
ما تعانيه
القضية الفلسطينية
من وضعية أشبه
بـ"المأزق"
وما تعيشه
الدولة
الصهيونية
الآن من وضعية
"أزمة وجود".
إن
الفلسطينيين
الآن يعيشون
"يقين
الدولة" كحل
نهائي، أما
إسرائيل فهي
تدرك الآن
جيدا أن مثل
هذا الحل
النهائي
يقتضي إقبار
الفكرة الصهيونية
إلى الأبد!
يبقى
بعد ذلك
التنظيم
العملي لهذه
الدولة الفيدرالية
الفلسطينية
الإسرائيلية
الما-بعد
الصهيونية،
والتي نستوحي
فيها النموذج
السويسري دون
أن ندعو إلى
استنساخه، بل
ولا نفكر في
إمكانية
النسج على
منواله
لاختلاف
الأوضاع
والظروف
والملابسات.
إن بناء
النموذج
الفيدرالي
لفلسطين
الكبرى على أساس
كانتونات
موضوع
للاجتهاد. كما
أن تحقيق هذا
النموذج
واقعيا لا
يمكن تحديد
موعد له.
ومن دون
شك سيتطلب
الأمر المرور
بمراحل، ولا
شك أن المرحلة
التي يمكن أن
تفضي سريعا
إلى هذا الحل
التاريخي
الأمثل هو
قيام دولة
فلسطينية حقيقية
في الضفة
والقطاع،
تكون كمتنفس
ضروري لتجاوز
حالة
الاحتقان
الراهنة، وفي
نفس الوقت
تقوم بإعادة
بناء ما هدم،
وما لم يبن
أصلا، من
البنيات
التحتية
والتجهيزات
الأساسية.
وإذن
فإن الشيء
الوحيد الذي
يمكن الجزم به
الآن هو ضرورة
أن يواصل
الشعب
الفلسطيني
الكفاح، بشتى
الوسائل، في
إطار من
التوازن دقيق
بين الكفاح
السياسي
وممارسة
السياسة
بوسائل أخرى،
كما يتطلب من
العرب جميعا
تعميق وتوسيع مجال
التضامن مع
الفلسطينيين،
وفي نفس الوقت
صرف النظر
نهائيا عن أي
"تطبيع" إلى
أن يتحقق السلام
النهائي.