ص1 السابق
تقديم
يذكر كثير من أساتذة الفلسفة في المغرب –إن لم نقل جميعهم- أن كاتب هذه السطور قد شارك في تأليف كتاب مدرسي في الفلسفة وآخر في الفكر الإسلامي لطلاب البكالوريا المغربية مع زميلين : المرحوم الأستاذ أحمد السطاتي والأستاذ مصطفى العمري، وذلك بتكليف من وزارة التربية الوطنية.
ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب سنة 1966 في ثلاثة أجزاء : الأول في الفلسفة العامة والأخلاق، والثاني في مناهج العلوم وعلم النفس وعلم الاجتماع، والثالث في الفكر الإسلامي، وذلك حسب المقرر الدراسي آنذاك. ثم توالت طبعاته كل سنة. ولما تغير المقرر في أوائل السبعينات ظهرت طبعة جديدة من كتابين: كتاب في الفلسفة (قسم في "المعرفة " وقسم في "السلوك"). وكتاب في الفكر الإسلامي. وفي أواسط السبعينات، حينما حدث "شبه انقلاب" في برامج التعليم يستهدف بالدرجة الأولى الفكر النقدي وفي مقدمته الفلسفة، توقفنا عن إعادة طبع الكتاب، وكانت الطبعة الصادرة في عام 1976 هي آخر طبعة منه.
ومع أن الكتاب لم يُمنع من أية جهة فقد فضلنا عدم تجديد طبعه، مع أنه كان مطلوبا، سواء من جانب أساتذة أوطلاب الثانويات .. لقد ظهرت كتب أخرى لمؤلفين آخرين بإشراف وزارة التعليم، قامت، وتقوم، بالمهمة إلى اليوم.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو التالي: لماذا إعادة طبع كتاب الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ونحن في بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين؟
والجواب : 1) أن ما أعيد طبعه هنا ليس الكتاب المذكور بأكمله، بل فقط الأجزاء التي ساهم بها فيه كاتب هذه السطور، طبقا لما هو منصوص عليه في فهرس الطبعة الأخيرة 1976 (حيث وضعنا اسم الكاتب إزاء الفصول التي ساهم بها). 2) ليس هدفنا من إعادة طبع هذه الأجزاء عرضها ككتاب مدرسي، فتلك مهمة سبق أن أداها الكتاب كله أحسن أداء، بشهادة الذين تداولوه سواء هنا في المغرب أو في الجزائر وموريتانيا وتونس الخ. لقد لقي الكتاب إقبالا وترحابا لازالت تتردد أصداؤهما إلى اليوم.
والواقع إن إعادة طبع هذه النصوص يدخل في إطار رغبة كاتب هذه السطور في تجميع نصوصه التي لم تصدر أصلا ككتاب باسمه، وهذا شيء شرعنا فيه منذ أن أصدرنا سلسلة "مواقف" التي جمعنا فيها ما استطعنا جمعه من المقالات والحوارات والأبحاث التي لا يضمها كتاب. وبما أنه من غير المستساغ –ولا من الممكن- إدراج هذه النصوص "المدرسية" في سلسلة "مواقف" -نظرا لضخامة حجمها- فقد قررنا جمعها في كتاب مستقل تحت عنوان يشير إلى الإطار الأصلي الذي كتبت فيه.
لقد شجعني على هذا أني وجدتها، حينما تصفحتها في المدة الأخيرة، "صامدة" لم يفعل فيها الزمن فعله المعهود، وهذا شأن النصوص الفلسفية خاصة، فهي إذا خرجت من "الحاضر" لا تدخل في "الماضي" إلا على مستوى تاريخ الطبع، أما على المستويات الأخرى فإنها تدخل التاريخ (ماضيا وحاضرا ومستقبلا). وأحسب أن هذه النصوص بالذات، بالرغم من طابعها المدرسي، لا زالت لم تخرج من "الحاضر التاريخي"، لا على مستوى المنهج، ولا على مستوى المضمون؛ وأكثر من ذلك يمكن القول إن حاضرنا الراهن يستدعيها ويستدعي من خلالها "الزمن الفلسفي" من جديد.
ومن هنا نرجو أن تساهم هذه النصوص من جديد في إعادة بناء الفكر النقدي في موضوعها (الفلسفة والفكر الإسلامي) وأن تحتل بجدارة موقعها الذي تستحقه داخل لائحة المراجع التي يعتمدها "طلاب الباكلوريا المغربية" من تلامذة وأساتذة، وبذلك تساهم في عملية استئناف الاستمرارية في الفكر الوطني المتفتح في مغربنا العزيز.
محمد عابد الجابري