ص1     السابق

 

الهوية العربية في العصر الإمبراطوري

محمد عابد الجابري

لم يختلف الأمر كثيرا على مستوى حال الهوية خلال العصور الأخير للخلافة العباسية، التي بقيت ذات طابع إمبراطوري، على الرغم  من قيام الدول المستقلة هنا وهناك، وبكيفية خاصة في مشرقها ومغربها (الدولة الصفارية، الدولة السامانية، الدولة الغزوينية، الدولة البويهية، الدولة الحمدانية من جهة، ثم الدولة الطولونية والدولة الإخشيدية والدولة الفاطمية ودولة الأغالبة ودولة الأدارسة والدولة الأموية في الأندلس من جعة أخرى).

كان الوضع زمن هذه الدول أشبه بالوضع في "العالم العربي" المعاصر: هوية جامعة تبرز وتخفت حسب  اشتداد أو ضعف التهديدات والتحديات الخارجية، وهويات "قطرية" لم يرتفع أي منها إلى مستوى الدولة القومية. لقد بقيت "الدول المستقلة" عن الخلافة العباسية، استقلالا تاما أو شبه تام، تستمد شرعيتها من الحفاظ على نوع ما من العلاقة مع "الخليفة". ذلك لأن الناس في ذلك الوقت وفي كل مكان قد ترسخ في أذهانهم أن دولة الإسلام لا بد أن تكون واحدة. وعلى الرغم من فتوى بعض الفقهاء بجواز قيام دول مستقلة عن الخلافة عندما يكون هناك بحر يفصل بين دار الخلافة (بغداد)  وتلك الدولة (حال الأندلس، ثم حالها هي والمغرب عندما أصبحت تابعة له)، فإن الشعور بوحدة الهوية الجامعة بفي حيا، يبرز ويشتد حين يواجه أحد الطرفين خطرا خارجيا أو يسود في أحدهما طموح إلى التوسع والتحول إلى مركز.

لم يختلف الوضع كثيرا على عهد الخلافة العثمانية عنه زمن العباسيين. فالهوية الجامعة على مستوى الإمبراطورية بقيت هي الثقافة العربية الإسلامية التي لم يتغير وضعها كثيرا بعد سقوط الدولة العباسية. نعم، لقد افتقد العثمانيون "النسب" العربي الذي كان  يستمد منه الخليفة العباسي بعض شرعيته، كما أنهم  احتفظوا بلغتهم فلم يتعربوا لا على مستوى أجهزة الدولة ولا مستوى الثقافة، ولم يحاولوا فرض لغتهم على الشعوب العربية. لقد كانوا يستمدون شرعيتهم من رماحهم، لا الموجهة إلى شعوب الإمبراطورية بل المتجهة صوب "الكفار" في أوربا، ونجاحهم في استئناف "الفتح الإسلامي" في ذلك الاتجاه، خصوصا بعد فتحهم القسطنطينية التي استعصت على العباسيين. أما الثقافة فقد بقيت عربية اللسان إسلامية المضمون.

بقي الحال –حال الهوية الجامعة- على ما كان عليه إلى أن قام عصر القوميات في أوربا... حينذاك  أخذ الجوار معها يفعل فعله داخل الإمبراطورية العثمانية. لقد أخذ  شكل جديد من الشعور بالهوية ينتشر في أحشائها. شعور الأتراك بقوميتهم الطورانية، وشعور عرب المشرق بوقوعهم خارج هذه القومية، وبالتالي خارج دولتها الخ... . أما المغرب، وإلى حد ما مصر، فقد بقيت علاقاتهما في الجملة -مع دار الخلافة في بغداد أو في الأستانة- كما كانت من قبل، علاقة انفصال مع نوع من الاتصال...  

والواقع أنه لم تشهد الحضارة العربية الإسلامية التغاير أو التمايز أو الانشطار داخل الهوية العربية الإسلامية إلا عندما تأثرت تركيا في القرن التاسع عشر بالحركات القومية في أوروبا، فقام فيها تيار ينادي بتسويد القومية التركية الطورانية على مختلف القوميات المنضوية تحت الخلافة العثمانية، فكان رد فعل العرب، كما هو معروف، هو المطالبة بالاستقلال عن الترك، الشيء الذي يعني الخروج عن الخلافة العثمانية التي كانت تمثل الإسلام السياسي الموروث. من هنا ظهرت فكرة العروبة والقومية العربية لا كطرف ينازع الإسلام أو ينافسه بل كتعبير سياسي عن الرغبة في التحرر من قومية كانت تطمح إلى الاستئثار بالسلطة. وبما أن "الآخر" في فترة الثلاثينات والأربعينات والخمسينات والستينات من القرن العشرين كان هو الاستعمار الأوروبي و"إسرائيل"، فإن الهوية العربية قد تحددت عبر هذا "الآخر" وأصبحت القومية العربية تعني رفض الاستعمار و"إسرائيل" والداخلين مع القوى الاستعمارية في أحلاف عسكرية مهددة للعرب كباكستان وإيران وتركيا، وهي البلدان التي دخلت  خلال الخمسينات في حلف عسكري أمريكي معروف.

من هنا وقع الفصل مرة أخرى بين القومية العربية والإسلام السياسي الذي كان يضم هذه المرة دولا فضلت أن تتحالف مع الاستعمار والإمبريالية، وأن تقف موقفا معاديا للقضية العربية، قضية فلسطين وقضية التحرر العربي عامة. وفي خضم هذا الصراع ظهر منظرون وإيديولوجيون حاولوا تحت ضغط هذه الملابسات، وربما بدوافع أخرى أيضا، التنظير للقومية العربية مع السكوت عن الإسلام واستبعاده صراحة أو ضمنا. فكان من الطبيعي أن يقوم رد فعل مضاد يعتبر الإسلام كمقوم أساسي وأولي... وعلى كل حال فهذه التطورات نعرفها جميعا، والدرس الذي يجب استخلاصه هو أن تجربة الخمسينات والستينات من القرن العشرين قد أكدت أن العروبة بدون إسلام نفي للعروبة نفسها، كما أكدت تجربة السبعينات والثمانينات وما بعدهما، وهي تؤكد الآن، أن الرابطة الإسلامية لا تكفي وحدها في تحديد هوية أي قوم من الأقوام المسلمة.

لقد قامت دولة باكستان على أساس الإسلام كدين فانفصلت عن الهند، ولكن هذا لم يمنع من انقسام باكستان إلى ما يعرف الآن بباكستان وببنغلادش أي إلى قوميتين ودولتين. أما تركيا/الدولة التي تبنت "العلمانية" واندفعت نحو أوربا متشبهة بها متخلية عن الحروف العربية متبنية الحروف اللاتينية، مع ما في ذلك من رمزية، فقد انتهى بها الأمر إلى انتصار التيار الإسلامي بواسطة آلية الديمقراطية الأوربية نفسها (الانتخابات). وأما الثورة الإيرانية التي قامت حاملة شعار "الإسلام الثوري" مستقطبة أوسع الجماهير العربية، بما في ذلك بعض الفئات غير المسلمة، فلا أحد يستطيع أن ينكر أو يتجاهل البعد القومي الفارسي في ممارساتها. وهذا شيء مشروع بطبيعة الحال فليس لنا أن نطالب أي قوم بأن يتخلوا عن قوميتهم، كما أنه ليس لأحد الحق في أن يطالبنا بالتخلي عن قوميتنا. إن العالم الإسلامي هو عالم من الدول والقوميات، والإسلام السياسي الذي يراد به تغليب ما عبر عنه في أوائل القرن العشرين "بالجامعة الإسلامية" على "الجامعة العربية" سيبقى مجرد شعار قد يرفعه أناس هنا أو هناك في خضم الصراع السياسي داخل القطر الواحد.

وعلى كل حال، فإلى أن تتحقق "الوحدة العربية" التي هي الخطوة الأولى، وإلى أن تتعرَّب شعوب إسلامية أخرى، أو على الأقل تصبح اللغة العربية، لغة القرآن، تحتل فيها مرتبة الإنجليزية أو الفرنسية ... إلى أن يحدث هذا وذاك ستبقى مسألة الهوية في كل قطر عربي مرتبطة بخريطة جغرافية قوامها مجموعة بلدان تفصل بينها حدود سياسية، من  جهة، وبـ"خريطة" تاريخية قوامها ممالك ودول متعاقبة متزاحمة متنافسة حينا متعاونة حينا آخر، من جهة أخرى.