ص1          السابق

 

كيف نفهم الثقافة العربية...أسئلة يابانية!

 

محمد عابد الجابري

بينما كنت ذات يوم، في بداية التسعينات من القرن الماضي، أشق طريقي وسط الطلبة إلى قاعة الدرس بكلية الآداب جامعة الرباط، لإلقاء درسي تقدم إلي شاب تدل ملامحه أنه من الشرق الأقصى، وطلب مني الإذن له بحضور الدرس، فسألته : من أين أنت؟ وما ذا تدرس؟ أجاب قائلا: أنا من اليابان، أقوم بزيارة بعض جامعات حوض البحر الأبيض المتوسط لإعداد رسالتي للدكتوراه. قلت: أهلا بك. ثم أضفت: وما موضوع رسالتك؟ قال: أنا أريد أن أدرس ظاهرة متفشية في هذه المنطقة من العالم تبدو لنا نحن اليابانيين غريبة، وهي ذلك التمييز الحاد الذي تقيمه ثقافات هذه المنطقة بين النفس والجسد!

كنا قد وصلنا في هذه اللحظة إلى قاعة الدرس فدخلنا وجلس يستمع. لم يشارك في المناقشة. وعندما انتهى الدرس خرج وأومأ لي بالتحية. أما أنا فقد عدت كسابق عهدي إلى سيارتي متجها إلى مقر سكناي بالدار البيضاء.

أذكر أنني كنت طوال الطريق –من الرباط إلى الدار البيضاء- منشغلا بما سماه الشاب الياباني: "ظاهرة غريبة في حوض البحر الأبيض المتوسط" : التمييز الحاد بين النفس والبدن. لقد تزاحمت على ذهني "شهادات" متسارعة متنافسة تؤكد وجود وانتشار هذه "الظاهرة الغريبة" التي لم يخطر قط ببالي، من قبل، أن أضعها موضع السؤال؟ إنها بالنسبة لي، وبالنسبة لسكان منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، من البديهيات التي يقال في شأنها: "هذا من قبيل السماء فوقنا"، مع أنها –أعني السماء- تحتنا أيضا! فاليابانيون الذين يقعون بالنسبة لنا "تحت الكرة الأرضية"، في الطرف المقابل لحوض البحر الأبيض، يجدون السماء فوقهم هم كذلك، تماما كما وجدتها أنا نفسي فوق رأسي، دون أن أشعر بأي تغيير في موقعها، عندما زرت اليابان ضمن وفد عربي. ولم تثر فيَّ هذه الظاهرة –أعني كون السماء فوق رأسي في اليابان – أيَّ شعور بالغرابة، بينما لفتت انتباهي أشياء أخرى وأثارت في الشعور بالدهشة.

من الأمور التي أثارت انتباهي ودهشتي بمجرد دخولنا الفندق بطوكيو أن خريطة العالم الملصقة على جدار مكتب الاستقبالات يختلف وضع العالم فيها عن وضعه في الخرائط التي ألفناها! ذلك لأنه في خرائطنا المعلقة على جدراننا يقع حوض البحر الأبيض المتوسط في الوسط، في مركز العالم، بينما تقع اليابان وجيرانها في الطرف الأقصى من جهة الشرق. أما خريطة الكرة الأرضية على جدران اليابان فهي بالعكس من ذلك: تضع اليابان وجيرانه في المركز وسط العالم! أما حوض البحر الأبيض المتوسط، أما المغرب الذي يقع على الخط الوهمي الذي يقاس به الزمن عندنا والمعروف بخط "جرينتش" (في بريطانيا)، فقد وجدت صعوبة في "تعقل" موقعه، لقد احتل هذه المرة نهاية العالم من الغرب، بينما احتلت القارة الأمريكية بدايته من الشرق!

وفجأة تذكرت خريطة العالم التي وضعها الشريف الإدريسي، الجغرافي العربي القديم (ولد في سبتة بالمغرب سنة 493هـ وتوفي فيها سنة 560 هـ)، أعني تذكرت نسختها المعلقة في واجهة المدرج المسمى باسمه في كلية الآداب بالرباط. لقد كان ما أثار انتباهي عندما رأيتها أول مرة عند التحاقي بهذه الكلية أن الجنوب فيها يقع إلى الجهة العليا، والشمال في الجهة السفلى، فالمغرب مثلا يقع في الجانب الأعلى من مضيق جبل طارق وإسبانيا في الجهة السفلى! تذكرت خريطة الإدريسي إذن، ودارت في ذهني فكرة لم تخطر ببالي من قبل، وهي أن عبارة "الشمال/الجنوب" في الخطاب السياسي العالمي المعاصر، ربما تحمل في طياتها معنى تاريخيا: إن انقلاب الجنوب إلى شمال والشمال إلى جنوب في الخرائط المعاصرة، مقارنة مع خريطة الإدريسي، يحمل نفس المعنى الذي يرمز إليه الوضع "المقلوب" لوضع خريطة العالم على الجدران في اليابان!

قلت في نفسي: غريب! ليس هناك مركز واحد للعالم!

قديما، في زمن الإدريسي، كنا نحن مركز العالم، أما بعد ذلك ومنذ ثلاثة قرون فقد أقصتنا أوروبا من المركز إلى "الأطراف"! وها هي اليابان، ومعها الصين والشرق الأقصى، تبني مركزيتها انطلاقا من : "تصحيح" وضع خريطة العالم المعلقة على جدران فنادقها، وكأنها تريد أن تقدم لروادها من المسئولين ورجال الأعمال والسياح من مختلف بقاع العالم، صورة وضعها في المستقبل...

كانت الشهادات التي تشهد، في ذهني، بالصحة لملاحظة الشاب الياباني كثيرة متنوعة: الديانات الرئيسية في الشرق الأوسط (اليهودية والمسيحية والإسلام) تقوم على هذا المبدأ، "الفصل بين البدن والروح"، (أو الجسد والنفس) والتيارات الفكرية التي انتشرت في حوض البحر الأبيض المتوسط واحتكت بهذه الديانات نوعا من الاحتكاك تبني هي الأخرى صروحها الفكرية على هذا الأساس: أليس مبحث "النفس وعلاقتها بالبدن" من أهم وأصعب الموضوعات التي انشغل اليونان فلاسفة اليونان واللاهوتيون المسيحيون، ثم من بعدهم الفلاسفة والمتصوفة في الإسلام؟ ألم تكن مسألة "العلاقة بين النفس والبدن" -وإلى عهد قريب- من أهم الموضوعات الفلسفية التي انشغل بها فلاسفة أوروبا. ولا زلت أذكر أن من بين الدروس الأولى الصعبة التي تلقيتها في الفلسفة تلك التي تعرض نظرية ديكارت في موضوع "علاقة النفس بالبدن"، فقد نظر إلى العالم كله على ضوء هذه الثنائية، فأرجع جميع الموجودات إلى عنصرين اثنين هما: الفكر والامتداد (وإن شئت قلت: الفكر والمادة، أو المادة والروح، أو النفس والبدن)، وكانت المشكلة الوعرة هي: كيف يمكن تصور شيء روحي لا مادي يدخل في علاقة مع شيء مادي: البدن!

على أن هذه الثنائية التي كانت ومازالت تحكم "الثقافة" في الشرق الأوسط والعالم الأوروبي الأمريكي وتعم الدين والفلسفة والتصوف الخ، ليست محصورة في "النفس والبدن"، بل إن لها امتدادا على شكل ثنائية ماورائية كانت هي الأخرى موضوعا من أشد الموضوعات الدينية والفلسفية صعوبة وأكثرها إثارة للاهتمام، أعني بذلك ثنائية "الدنيا والآخرة" التي تفرعت عنها مسألة شائكة في الفكر الفلسفي في القرون الوسطى: مسألة "البعث": هل هو للنفوس وحدها أم للنفوس والأجساد معا؟!

وتشعبت الصور والأسئلة في ذهني وكان من بينها هذا السؤال. تساءلت: ترى! كيف يتصور ذلك الشاب الياباني، وبالتالي الفكر الياباني كله، هذه الأمور؟ كيف يتصورون العلاقة بين النفس والبدن، كيف يتصورون "المستقبل" بعد هذه الدنيا؟ هل يؤمنون بالبعث على الطريقة التي نؤمن نحن بها الخ؟ تسلسلت في ذهني هذه الأسئلة لتوقظ في ذاكرتي سؤالا كنت طرحته على مثقف ياباني أثناء زيارتي لليابان، وقد أثار هذا السؤال دهشته واستغرابه: كنت سألته: كيف تعاملتم مع مشكلة "التراث والحداثة" في نهضتكم؟ أجاب بعد تردد يشي بعدم استيعابه للسؤال: لا أظن أنه كانت هناك مشكلة؟

قبل أن تقف بي سيارتي بباب منزلي تذكرت فجأة طالبا يابانيا آخر كان قد زارني في نفس الكلية لأناقش معه موضوع رسالة كان يعدها هو الآخر لنيل الدكتوراه! كانت الدهشة سيدة الموقف في لقائنا الأول عندما سألته عن الموضوع الذي يبحث فيه. قال: "أريد أن أهيئ رسالة في "علم الاجتماع الدولي". قلت مستغربا: لقد اعتدنا هنا الكلام عن علم الاجتماع الأسرة وما تتألف منه وما يتألف منها، أعني الظواهر الاجتماعية الدقيقة والظواهر الاجتماعية الكبيرة وأكبرها عندنا "الأمة"! ثم أردفت قائلا: آه. هل يتعلق الأمر بسوسيولوجيا تسويق الصناعة اليابانية عبر العالم؟

ابتسم الطالب. وقال ما معناه: لقد تفاهمنا.

وبعد، فقد تحدثنا في المقالات السابقة عن العولمة والهوية الثقافية، وكان المفكر فيه دائما هو "الثقافة العربية". وقد آن الأوان لنتكلم عن الثقافة العربية، يوم كانت ثقافة العالم في عصرها، لنلقي عليها أسئلة من وحي ثقافة عالمنا: هل مارست نوعا ما من العولمة والعالمية؟ هل مارست أو عرفت نوعا ما من "صراع الثقافات" أو "حوار الثقافات؟ وكيف خرجت من جوفها أشياء كثيرة ساهمت في تأسيس الثقافة الأوربية المعاصرة الخ.

أعتقد أن الخوض في مثل هذه الأسئلة سيساعد، على الأقل، في اكتساب فهم أعمق لتلك "الدهشة" التي رافقت تلك الأسئلة "اليابانية".