الفضاء الحضاري .. وتسويق السلع اليابانية!
محمد عابد الجابري
عندما كنت مستغرقا في الموضوع الذي تحدثت عنه في المقال السابق، موضوع أطروحة الطالب الياباني الذي حدده بما أسماه: "الظاهرة الغريبة في ثقافة حوض البحر الأبيض المتوسط" وهي حسب تعبيره "ذلك الفصل اللافت للنظر بين النفس والجسد" في هذه الثقافة"، بدأت أشعر بأن تجربتي، هذه المحدودة، مع اليابان أخذت تفرض علي نوعا من "وجهة النظر" حول علاقة عالم الشرق الأقصى بعالم البحر الأبيض المتوسط، شماله وجنوبه. ثم –بدون سابق إنذار- ارتسمت في ذهني، وربما بين شفتي أيضا، ابتسامة ساخرة من نظرية هانتينغتون التي تفسر التاريخ، الماضي منه والحاضر والمستقبل، بما أسماه "صراع الحضارات"، صراع طرفاه: الكونفوشية والإسلام من جهة، والغرب من جهة أخرى. قلت في نفسي ها هي الأدلة تترى لتشهد على أن عالم الكونفوشية والبوذية عالم واحد ومكانه الشرق الأقصى، وأن عالم الإسلام والغرب عالم واحد ومكانه حوض البحر الأبيض المتوسط، وأن مجال "صراع الحضارات" –ونحن لا نسلم بهذه المقولة ولذلك نضع مكانها عبارة "تداخل الحضارات"- ليس بين الغرب من جهة، والكونفوشية والإسلام من جهة أخرى، كما تخيل هنتنجتون، بل هو الآن، كما في الماضي، بين الصين واليابان من جهة، وبين العالم العربي/الإسلامي والغرب -بما فيه الولايات المتحدة الأمريكية- من جهة أخرى. وإذا كان هذا التداخل يشهد من حين لآخر أنواعا من الاحتكاكات ترجع إلى صراع بين المصالح، يشتد حينا ويخفت حينا، فإنها كانت دائما وما تزال –على الأقل على المستوى الثقافي- تعكس ظاهرة تاريخية وهي الاختلاف على مستوى الفضاء الحضاري الذي تنتمي إليه الثقافة.
ولكن! ماذا نعني هنا بـ"الفضاء الحضاري"؟
نقرأ في معاجم اللغة العربية ما يلي: "الـحَِضَارَةُ (بالفتح والكسر) : الإِقامة فـي الـحَضَرِ"، وهي ضد البداوة. وهما نمطان من "العمران البشري" مختلفان. الأول يتصف بـ"الرقة"، والثاني بـ"الخشونة". وقد اشتهر ابن خلدون بمقدمته التي درس فيها هذين النمطين من العمران دراسة عميقة مستفيضة. أما "الثقافة" فلا تخرج المعاجم العربية في تعريفها عن معنى الحذق وسرعة التعلم، وأيضا إدراك الشيء والإمساك به. أما ربط الثقافة بالعلم والمعرفة واتساع الأفق الخ، فذلك ما لم يحدث إلا في العصر الحديث حين ترجمت كلمة culture الفرنسية بـ"الثقافة" وحصر معناها في "شؤون الفكر ومنتجاته"، فصار المثقف يعبر عن مضمون كلمة intellectuel الفرنسية المشتقة من intellect بمعنى "الفهم، الفكر، العقل". ومن هنا كانت "الحضارة" أعم من "الثقافة"، وكانت الثقافة مظهرا من مظاهر الحضارة. وهذا المعنى نجده عند ابن خلدون الذي يعتبر "الحضارة هي سر العلم والصنائع". فالعلم لا يكون إلا في "الأمصار الموفورة الحضارة"، وهذا ما حصل للعرب عندما انتقل بهم الإسلام من البداوة إلى الحضارة.
أما لفظ "فضاء" الذي نستعمله هنا فيحتاج إلى شيء من الشرح، ذلك أن معناه في اللغة العربية لا يعدو قولهم الفضاء هو"المكان الواسع"... وهكذا فعندما نترجم كلمة espace إلى العربية فالمعنى الذي تحتمله هذه اللفظة لغويا هو "المحل" lieu. أما عندما نضع هذه الكلمة كمقابل لـ "الزمان"، فاللفظ المناسب هو "المكان". وعبارة "المكان والزمان" لا تنقل بالضبط مقابلها في اللغات الأجنبية l'espace et le temps. فـ "المكان" في القواميس العربية هو كما قلنا: "الـموضع" و"المحل". في حين أن معنى espace هنا أقرب إلى ما يستفاد من كلمة "المكان المطلق" بلغة الفيلسوف الألماني كانط، وهي أقرب إلى مفهوم الخلاءle vide. ولكن "الخلاء" في اللغة العربية هو: المكان "إِذا لـم يكن فـيه أَحد ولا شيء فـيه". "والـخَلاءُ من الأَرض: قَرارٌ خالٍ... ولا شيء من هذا كله يعبر عن مفهوم espace سواء تعلق الأمر بمعناه العام كقولنا "الفضاء الكوني" أو الكوسمولوجي (قارن: غزو الفضاء) أو بمعناه المقيد بمجال خاص: الفضاء الجغرافي، الفضاء الاقتصادي، الفضاء الرياضي (من الرياضيات)... وأيضا الفضاء الذِّهني espace mental . فبهذا المعنى المقيد نستعمل هنا كلمة "الفضاء" في عبارة: "الفضاء الحضاري للثقافة العربية". وقد فضلنا هذه اللفظة على ألفاظ أخرى مثل المجال والحقل (قارن: المجال أو الحقل المغناطيسي)، لأنه –أعني "الفضاء"- أوسع وأرحب، وبالتالي أنسب. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فبما أننا نعتبر "الثقافة" مظهرا من مظاهر الحضارة، مظهرها الروحي الفكري الفني، فقد فضلنا توظيف مفهوم النمط للتعبير عن "النوع" داخل "جنس" الثقافة (كالفرس داخل جنس الحيوان). وبهذا المعنى نتحدث عن أنماط ثقافية، وليس عن أنواع.
كانت هذه التحديدات ضرورية لأننا سنتحدث عن شيئين مختلفين بكلمة واحدة، أو عن شيء واحد بكلمتين، لو مضينا نقطع أشواطا في توظيف مفهوم "الفضاء الحضاري" بدون تحديد.
أما الآن فأحسب أنه يمكننا الكلام عن فضاء حضاري خاص بالشرق الأقصى وفضاء حضاري خاص بالبحر الأبيض المتوسط، -على الأقل بناء على الفارق الذي لفت الطالب الياباني اهتمامنا إليه. يمكننا أن نقول إذن: إن هناك فضائيين حضاريين يقتسمان العالم: فضاء حضاري خاص بالشرق الأقصى وآخر خاص بحوض البحر الأبيض المتوسط وما تفرع عنه. (وقد نضيف فضاء حضاريا ثالثا خاصا بإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ولكن معلوماتنا عنه وعن تاريخه وتموجاته قليلة وسطحية).
ما يطبع الفضاء الحضاري الخاص بالشرق الأقصى هو التداخل والتمازج الثقافي والروحي بين الكونفوشية والبوذية وما تفرع عنهما، تماما كما أن ما يطبع الفضاء الحضاري في حوض الأبيض المتوسط هو التداخل والأخذ والعطاء بين الثقافات التي تتموج داخل هذا الفضاء: تارة تموج من الشرق والجنوب متجهة نحو الغرب والشمال، وتارة تدور مولية وجهها نحو الجنوب والشرق.
ولا يعني هذا أن هذين الفضائيين الحضاريين اللذين يقتسمان العالم، فضاءان منعزلان. صحيح أن ما حكيته قبل عن "تجربتي" مع اليابانيين -وما يمكن أن يحكيه آخرون من تجارب مماثلة مع الصينيين- يعكس حقيقة اجتماعية، تاريخية، وهي اختلاف عالمهم الروحي وعاداتهم الاجتماعية عن عالم سكان منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط الروحي وعاداتهم. غير أن هذا الاختلاف الذي كرسته في الأزمنة الماضية المسافات الجغرافية وبطء وسائل الاتصال قد أخذ ظله يتقلص اليوم بفعل التقنيات الحديثة التي يتنافس الغرب واليابان على نشرها على العالم كله.
وبعد، فلم يعد، بل لم يكن، مركز اهتمام اليابانيين محصورا في قضية ثنائية النفس والبدن، ولم يكن اهتمامهم بها كما كان اهتمامنا –وما يزال- مؤطرا برؤى ميتافيزيقية. كلا. فالطالب الياباني الثاني الذي ذكرته في المقالة السابقة والذي تحدث إلي هو الآخر عن موضوع أطرحته للدكتوراه، والذي أسماه بـ "السوسيولوجيا الدولية"، وهو يقصد دراسة ظاهرة انتشار السلع اليابانية، مثل السيارات والإلكترونيات... في الأسواق العالمية، يبدو، ظاهريا فقط، وكأن موضوعه لا علاقة له بموضوع الطالب الأول ("ثنائية النفس والبدن")، هذا في حين أن كل الفرق بينهما هو أن موضوع الأول يتعلق بـ"اللامرئي"، بينما يخص موضوع الثاني "المرئي". أما مركز الاهتمام عندهما فواحد هو "سوسيولوجيا" انتشار السلع اليابانية. هكذا يخيل إلي أن الطالب الأول كان يريد أن يبحث عن طريقة مناسبة وفعالة لتوظيف خصوصية "ثنائية النفس والجسد" في فكر سكان "الشرق الأوسط"، أما الثاني فقد اختار الاتجاه إلى توظيف مناسب لخصوصية ما يمكن تسميته بـ"سحر" الصناعة اليابانية! والهدف واحد: تسويق السلع اليابانية!