ص1       السابق

 

صراع الأنماط الثقافية في الفضاء الحضاري العربي

 

محمد عابد الجابري

كيف كان حضور الثقافة الهندية في الفضاء الحضاري العربي؟

يخبرنا البيروني، (محمد بن أحمد، المتوفى سنة 440 هجرية)، وهو الخبير في الشؤون الهندية، أن أكثر ما كتب حتى عصره عن أديان الِهنِد ومذاهِبِهم "منحولُ"، وأنه لذلك سيلتزم في كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولةِ")، إيراد أراء الهند كما هي، منبها إلى بعد الثقافة الهندية عن الثقافة العربية واختلافها عنها اختلافا يصعب معه، إن لم يكن يستحيل، قيام نوع من التداخل والتأثير المتبادل بينهما. ويعزو البيروني ذلك إلى عدة أسباب: "منها أن القوم يباينوننا بجميع ما يشترك فيه الأمم، وأوله اللغة (...) فهي مركبة من حروف لا يطابق بعضها حروف العربية والفارسية ولا تشابهها بل لا تكاد ألسنتنا ولهواتنا تنقاد لإخراجها على حقيقة مخارجها (...) ومنها أنهم يباينوننا في الديانة مباينة كلية لا يقع منا شيء من الإقرار بما عندهم ولا منهم بشيء مما عندنا (هم يقولون بالتناسخ ولا يؤمنون باليوم الآخر...)، ومنها أنهم يباينوننا في الرسم والعادات حتى كادوا أن يخوفوا ولدانهم بنا وبزينا وهيئاتنا وينسبوننا إلى الشيطنة على عكس الواجب، وإن كانت هذه النسبة لنا مطلقة فيما بيننا بل وبين الأمم بأسرها مشتركة"...

يتعلق الأمر إذن بفضاء حضاري "آخر"، مختلف الاختلاف كله عن فضاءات الثقافة العربية الإسلامية في أوج ازدهارها، وذلك إلى درجة أن البيروني وهو عالم كبير من علماء هذه الثقافة شعر بـ"القطيعة" والغربة عندما أخذ يتفحص ذلك الفضاء الحضاري المتميز جدا، في حين أنه لم يجد أي تناقض من هذا المستوى بين الفضائين الحضاريين اللذين عاش في كنفهما: الفضاء الحضاري الفارسي والفضاء الحضاري العربي. وإذن فالثقافة الهندية لم تدخل الفضاء الحضاري العربي كنمط من أنماطه الثقافية بل بقيت مستقلة عنه لا تبادله إلا النزر اليسير من علاقة التأثير والتأثر.

يبقى السؤال الثاني الذي طرحناه في المقال السابق وهو: "هل صحيح أن الفرس والعجم (اليونان والرومان) يشتركون في نمط ثقافي واحد"، كما قرر ذلك كل من الجاحظ والشهرستاني، ويمكن أن نضيف إليهما البيروني نفسه؟

الواقع أن الجمع بين الفرس الروم (اليونان) في نمط ثقافي واحد موضوع نظر! إن وجود تعارض ما بين سبيل الطبع والفطرة والارتجال، الذي يتميز به النمط الثقافي العربي والهندي، وبين سبيل طول التفكير والاكتساب الذي يتميز به الفرس والروم، حسب وجهة نظر الجاحظ والشهرستاني، لا يكفي للحكم على هذين النمطين بأنهما يشكلان، داخل الفضاء الحضاري للثقافة العربية، نمطا ثقافيا واحدا. صحيح أن النمط الثقافي اليوناني قد احتك مع الثقافة الفارسية منذ فتوحات الإسكندر المقدوني وأن الثقافة اليونانية، وبالخصوص منها المنطق والعلوم، كان لها حضور بارز في مدرسة الرها وتقع شمالي العراق، وقد أسسها الفرس عام 363 ميلادية فاهتمت بمنطق أرسطو خاصة ثم انتقل رئيسها وأساتذتها إلى نصيبين حيث شيدوا مدرسة باسمها وفي المنطقة نفسها. هذا من جهة ومن جهة أخرى بنى سابور الأول أحد ملوك الساسانيين في فارس مدينة سميت باسمه "جندي سابور" في القرن الثالث الميلادي، وأسكن فيها أسرى اليونانيين من حروب الإسكندر المقدوني. كما بنى فيها كسرى أنو شروان في القرن السادس الميلادي بيمارستانا درِّس فيه الطب فاشتهرت بهذا العلم، وكان من أطبائها آل بختيشوع الذين ذاع صيتهم في بغداد على عهد الخلفاء العباسيين الأول: المنصور والرشيد والمأمون... غير أن أهم ما استفادته الثقافة العربية من الحضور اليوناني في الثقافة الفارسية –بعد الطب- هو بعض أوليات المنطق. ومع ذلك فالعلاقة بين أشياع الثقافة الفارسية وأشياع الثقافة اليونانية في الفضاء الحضاري للثقافة العربية لم تكن علاقة ودية ولا حتى سلمية تكاملية، فقد غلب فيها التنافس والصراع خصوصا بعد أن آل الصراع المعروف بـ"الشعوبية"، بين الفرس والعرب، إلى التلاشي والاندثار.

فعلا، تميزت المرحلة الأخيرة من عصر التدوين، (من منتصف القرن الثالث إلى منتصف القرن الرابع للهجرة) ليس فقط بازدهار الترجمة من الموروث اليوناني –بعد أن كانت الترجمة قد انتهت من الموروث الفارسي قبل نحو قرن- بل تميزت أيضا باشتداد المنافسة الثقافية (وإن شئت فقل الصراع الثقافي), ليس بين "العرب" وأبناء الشعوب الأخرى (الشعوبية) هذه المرة، بل بين هؤلاء أنفسهم. لقد وُزِّعَتْ المناقب الثقافية آنذاك كما يلي: للفرس السياسة والأدب (الأخلاق), ولليونان العلم والحكمة، وللعرب الفصاحة والبلاغة! وبما أن كتب فلاسفة اليونان في السياسة لم تكن قد ترجمت (ولم يترجم منها فيما بعد سوى كتاب السياسة لأفلاطون المعروف اليوم بـ"الجمهورية") فقد كان مما تفاخر به أنصار الموروث الثقافي الفارسي على أنصار الموروث الثقافي اليوناني علو كعب الفرس في السياسة التي ألفوا فيها كتبا يخلو من أمثالها الموروث اليوناني. فكان هذا مما حط في نظر هؤلاء من قدر اليونانيين.

ويأتي الرد على هذه الدعوى بقلم عدد من المؤلفين المتمسكين بالموروث اليوناني عملوا على إبراز فضل اليونانيين في هذا المجال، منهم أبو جعفر أحمد بن يوسف الذي خدم لابن طولون في مصر حيث كان "من جلة الكتاب"، ومن أنصار الموروث اليوناني (ولد حوالي 255 هـ وتوفي سنة 340 هـ)، وقد كتب كتابا بعنوان "العهود اليونانية" قال عنه إنه استخرجه من "رموز" كتاب "السياسة" لأفلاطون (الجمهورية) ليفـنِّد به دعوى من يدعي "تقصير اليونانيين" في الكتابة السياسية وتفوق الفرس عليهم في هذا المجال. قال في مقدمة هذا الكتاب مخاطبا أحد المنتقصين من شأن اليونان في مجال السياسة والحكم: "فأما تكريرك تقصيرَ اليونانيين في السياسة, فقد أنفذت إليك ثلاثة عهود (وصايا) لهم: منها عهد ملك منهم إلى ولده فيما أفضى به إليه من أمر مملكته، وعهد وزير منهم إلى ولده فيما ينبغي أن يستعمله المتقلد للوزارة، وعهد رجل من أرفع طبقات العامة إلى ولده فيما ينبغي أن يعمله في تصرفه؛ فقابل بها ما نمى إليك من غيرهم, لترى محلهم من حسن السيرة وفضلهم على غيرهم في السياسة".

والحق أن صاحب "العهود اليونانية"، هذه، لم يعمل إلا على استنساخ النموذج الذي أراد أن ينافسه ويزاحمه, النموذج الفارسي: فـ "العهود اليونانية" التي ذكرها هي مستنسخة من كتب ونصائح منسوبة إلى ملوك الفرس مثل أردشير، وكسرى أنو شروان ووزيره الشهير بزرجمهر.

والسؤال الذي يجدر بنا طرحه هنا هو التالي: لماذا اضطر هذا المدافع عن إسهام اليونان في الفكر السياسي إلى تقليد النموذج الفارسي شكلا ومضمونا، والإعراض عن الفكر السياسي اليوناني؟

يمكن القول إن ما ترجم من المؤلفات السياسية اليونانية إلى العربية يكاد يقتصر على "جمهورية أفلاطون"، أما كتاب السياسة لأرسطو فلم يترجم! والسبب في نظري هو أن أفلاطون قد قال في جمهوريته بأن حكم مشكلة الحكم يقتضي قيام حكم فردي يتولاه رجل صالح (فيلسوف) الشيء الذي يمكن مقاربته مع مفهوم "الخليفة" في الفكر السياسي الإسلامي، ولذلك أمكن ترجمته. أما أرسطو فقد انتقد نظرية أفلاطون وقال إذا وجدنا اليوم الفرد الصالح فمن يضمن لنا أننا سنجد مثله بعد وفاته. وإذن فلا بد –في نظر أرسطو- من اعتماد القانون الصالح، لأن القانون لا يموت بموت الأفراد. وهذه الفكرة، فكرة القانون الصالح بدل الفرد الصالح لم يكن ليتحملها أنصار الموروث الفارسي الذي يقوم الحكم فيه على وجود كسرى في هرم السلطة، ولا أنصار الموروث اليوناني الذين يعيشون في ذمة حكم على رأسه "خليفة" أو من يحل محله.