ص    السابق

 

بغداد التي احتضنت التعدد الثقافي فاستحقت لقب: دار السلام

 

محمد عابد الجابري

بدأت الثقافة العربية في الانتقال من ثقافة يغلب فيها الحفظ "الشفوي" (حفظ القرآن ورواية الحديث والخطابة وإنشاد الأشعار الخ) إلى ثقافة تعتمد الكتابة والتأليف والترجمة والتقييد الخ، في العصر العباسي الأول الذي اصطلح على تسميته بـ"عصر التدوين". وهذا اصطلاح حديث أخذ من الاسم الذي أعطاه القدماء لتلك الظاهرة الثقافية الجديدة التي انطلقت في العقود الأولى من القرن الثاني الهجري، في بغداد خاصة، والتي أطلقوا عليها: "تدوين العلم وتبويبه".

"تبويب العالم" غير إنتاج العلم. تدوين العلم معناه: أن العلم جاهز وأن مهمة المدون، تنحصر أو تكاد في جمعه وتصنيف موضوعاته. ومع أن مصطلح "العلم" في ذلك الوقت كان يراد به الحديث النبوي أساسا، فإن مضمونه كان ينصرف أيضا إلى "العلوم المساعدة" لهذا العلم/الأصل، مثل علم اللغة والمغازي و"أيام الناس". وبعبارة أخرى كان "العلم" يستعمل في مقابل "الرأي"، فهو إذن المرويات من حديث وتفسير وغيرهما من المعارف الدينية. ومن هنا اقتران "التدوين" بـ "التبويب". ذلك لأن الأمر يتعلق أساسا بجمع الموروث الفكري العربي الإسلامي وتصنيفه إلى فروع يشكل كل منها "فنا" من فنون العلم والمعرفة، مستقلا بنفسه أو يكاد.

كانت البداية جمع الحديث كما قلنا، وقد تلاها أو رافقها جمع اللغة وتقعيدها. ونحن عندما نقول "اللغة" لا نقصد اللغة كمجرد أداة للتواصل بل اللغة كحامل لثقافة. واللغة العربية بهذا المعنى هي تلك التي جُمعت من "الأعراب"، والتي كانت تشكل الإطار المرجعي الأساسي لعلماء الكلام، هؤلاء الذين تحولوا من "متكلمين" في السياسة بمفاهيم دينية زمن الأمويين إلى متكلمين في الطبيعة وما بعد الطبيعة بمفاهيم مستقاة من "الخبرة اللغوية" التي تختزن عالم الأعراب البدوي الحسي، وعالم كله علامات، وإمارات، وآيات، تختزنها اللغة ليقوم الفكر فيها بمقاربات تحول كلماتها وتعابيرها إلى "حقيقة" و"مجاز". لقد كانوا يستمدون تحديداتهم للمفاهيم التي يستعملونها من "قالت العرب…" و "العرب تقول…"، ثم يميزون في ذلك بين ما هو "حقيقة" وما هو "مجاز". وكان الاحتكام في ذلك إلى معهود العرب أي إلى ما العرب تعنيه بكيفيات قولها. إن الاحتكام إلى عالم عرب الجزيرة العربية في الجاهلية، عالمهم الجغرافي والاجتماعي وعالمهم الفكري الثقافي قبل "الاختلاط" كان اختيارا مبررا تماما لأن مدار البحث كان من أجل فهم القرآن، الكتاب "العربي المبين"، الذي كانت العربية تشكل "جزء ماهيته"، كما سيقول علماء أصول الفقه.

ولكن القرآن ليس مجرد لغة تقرر أحكاما وتحمل أوامر ونواه فحسب، بل هو حافل كذلك بقصص الأنبياء وأخبار الأمم الماضية إلى جانب "الماورائيات" والأخرويات الخ. وواضح أن ما يمكن أن تعطيه اللغة، لغة الأعرابي، من خلفيات ثقافية تعين على فهم هذه الجوانب المهمة من "الذكر الحكيم" محدود. فثقافة العرب قبل الإسلام كانت ثقافة شفوية، فلم يكن لديهم كتاب ديني، ولذلك سموا بـ "الأميين" في مقابل "أهل الكتاب" (اليهود والنصارى). وبما أن القرآن يعترف بهاتين الديانتين وينتسب إلى "الأصل" الذي تنتميان إليه (دين إبراهيم)، فإن مفسري القرآن قد استعانوا، في تفصيل القول فيما ذكره القرآن من قصص الأنبياء ومن أخبار عن القرون الماضية وتصورات حول نهاية العالم وقيام الساعة وحديث الجنة والنار الخ، أقول استعانوا في الحصول على تفاصيل عن هذه الموضوعات بما عرف بـ"الإسرائيليات" أي ما كان ينقل سماعا أو كتابة من التوراة والتلمود. ولم يكن اعتماد جمهور المفسرين ورواة الحديث على هذه الإسرائيليات مما يثير الحرج في نفوسهم، فلقد كانت حاضرة ومقبولة زمن النبوة والصحابة بسبب عاملين اثنين : أولهما نشاط اليهود الذي أسلموا، وكان بعضهم على دراية بالتراث اليهودي التوراتي. وثانيهما أن "صفحات" من التوراة نفسها كانت متداولة لدى العرب زمن النبوة وقبلها، خصوصا النصارى منهم.

أما عن قيمة هذه الإسرائيليات من الناحية التاريخية فموضوع يحدثنا عنه ابن خلدون بعين المؤرخ الناقد. لقد لاحظ صاحب "المقدمة" أن كتب المفسرين "تشتمل على الغث والسمين والمقبول والمردود، والسبب في ذلك -كما يقول- "أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تَشوَّقُ إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى. وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب".

ومن دون شك فإن هذا الذي لاحظه ابن خلدون بصدد الإسرائيليات يصدق أيضا على الأصناف الأخرى من الموروث القديم الذي كان وراء ذلك التمييز في الخطاب القرآني بين "الظاهر" و"الباطن"، الذي تبنته فرق عديدة خاصة منها الشيعة والمتصوفة والاتجاهات الباطنية والإشراقية. لقد ربطت هذه الفرق بين "القول بالظاهر" والفهم "العامي" من جهة، وبين "القول بالباطن" والفهم "العالم" من جهة أخرى. وقد كان هذا التمييز جزءا من الموروث القديم نفسه. ونحن نعني هنا بـ"الموروث القديم" صنفين، أو "مدونتين"، من المعارف. المدونة الأولى هي الإسرائيليات وما في معناها، وكانت تشكل مجالا مرجعيا لمنهج الرواة النقلي الذي ساد قبل البدء في ترجمة "علوم الأوائل". أما المدونة الثانية فهي ما سمي بـ"علوم الأوائل"، التي ترجمت إلى العربية من الفارسية والسريانية واليونانية. وهكذا فكما كان النقل من الإسرائيليات يغذي "الباطن" الذي "يكشف" عن "ما-وراء" النص القرآني لدى أصحاب منهج الرواية، كان "أصحاب التأويل" قد جعلوا من "علوم الأوائل"، وبالخصوص منها الفلسفات الدينية القديمة، المضمون "الحقيقي" -الباطن- للنص البياني القرآني. وقد نتج عن ذلك أن تكرست ثنائيات عدة تفرعت كلها من ثنائية ظاهر/باطن: وهكذا ففي مقابل "التنزيل" هناك "التأويل"، وفي مقابل "الشريعة" هناك "الحقيقة" وفي مقابل "مثالات الحق" هناك "الحق". وقد أفصح الفارابي عن وجهة نظر فلسفته الفيضية في هذه المسألة حينما قال بأن الآراء التي في الملة هي مجرد "مثالات" للآراء التي في الفلسفة. وأن "الآراء النظرية التي في الملة براهينها في الفلسفة النظرية وتؤخذ في الملة بلا براهين".

على أن مدونة "علوم الأوائل" لم يكن تأثيرها مرهونا بالترجمة التي ازدهرت في بغداد، بل كانت تهب موجات منها على الجزيرة العربية قبل ذلك بوقت طويل. لقد كانت هناك، قبل الإسلام، أكثر من خمسين مدرسة تتعامل "علميا" مع تلك البضاعة الثقافية، الفلسفية الدينية العلمية. وانطلاقا منها كانت تنتشر "موجات" تحمل "العلم" من الإسكندرية وشمال الجزيرة وجنوبها وشرقها إلى وسطها وأطرافها. وكما هو معلوم فلقد لعبت الرحلات التجارية دورا أساسيا في هذا الانتشار الموجي للثقافة. نقول الانتشار الموجي ونحن نقصد ما يحدث من تناقص في شدة الموجة كلما ابتعدت عن مركزها إلى أن تتلاشى فتحل محلها موجة أخرى يحدث لها ما حدث للأولى. وقد تتسارع الموجات، وقد تتباطأ، كما أنها قد تتداخل بشكل يجعل من الصعب التمييز فيها بين السابق واللاحق. وفي جميع الأحوال تفقد الموجة قوة اندفاعها الذاتي ويضطرب انتظامها الداخلي بمقدار ابتعادها عن مركزها. وإذن فلا بد من القول إن "الموجات الثقافية" التي كانت تنطلق من المراكز الثقافية العلمية (الإسكندرية، إنطاكية الخ) كانت تصل في حالتها الخافتة القريبة من التلاشي إلى داخل الجزيرة العربية ومراكزها الحضرية كمكة والطائف ويثرب، وبالتالي فإن ما سيروج فيها ليس "الثقافة "العالمة" بل الثقافة "العامية" تماما كما لاحظ ابن خلدون بالنسبة للإسرائيليات.

ذلك هو الطابع الغالب على النمط الثقافي العربي في مرحلة تكونه: تدوين الحديث واللغة والأخبار و"أيام الناس". ثم تغير هذا الطابع رأسا على عقب عندما تم الانفتاح على الموروث القديم بكل أنواعه، من خلال الترجمة والاقتباس والتلخيص. وقد حدث ذلك في بغداد التي ما أصبحت مركزا واسع الصدر، يستقبل الموجات الثفافية من أية جهة جاءت. جداولٌ وأنهارٌ تصب كلها في تلك العاصمة/المركز التي سرعان ما أصبحت بوتقة تحتضن التعدد وتصنع منه الوحدة في وئام وسلام، فاستحقت عن جدارة اللقب الذي أعطي لها: دار السلام. إنها بغداد الجريحة اليوم، التي لا شك أنها ستنهض من جديد لتعيد السلم والوئام إلى عقر دارها ونفوس أبنائها...