ص1      الفهرس

السلف الزهيد

الرغبة الميثية في نجمة كاتب ياسين


(*)

 

 مرية مخفي جواد

ترجمة: عبد الجليل الأزدي

 

"ماذا تصنع بي تلك الذكريات البطريكية، وماذا تمثل لي؟ أليس إخلاصي إيماء أكثر مما هو معاناة"         ج.بيرك

 

مقدمة المترجم:

تريد مرية مخفي جواد الانتساب إلى شكل من النقد الأدبي ما ركن إلى أغلاله في العشرينيات أمام الجليد الجدانوفي-الستاليني، وطفا طليقا في ساحة النقد الغربي منذ السبعينيات، عنوانه: النقد الاجتماعي، ونهجه وسبيله البحث في نظام الأدب عن نظام المجتمع لا البحث عن الوضع الاجتماعي للأدب؛ ورموزه: ميخائيل باختين، ثيودور أدورنو، ليو لواندال، فليب هامون، كلود دوشيه، فلاديمير كرايزنسكي، شارل كريفل، هنري ميتران، بيير زيما، جاك بوبوا، رونيه باليبار… الخ.

وفي مدار تريده مرية جواد يتسيد بن براغ وسليل مدرسة فرانكفورت: بيير زيما (1946) الذي درس علم الاجتماع والأدب في جامعة إدنبرغ بباريز واشتغل بجامعات بيلفليلد وكلاجتفورت بالنمسا ومعهد الأدب العام بجامعة غروننغ في هولندا. وساهم بكيفية وازنة في إغناء النقد الاجتماعي وممارسته والتعريف برموزه وتوجهاته، وذلك ضمن جملة كتابات جميلة: الرغبة الميثية: قراءة سوسيولوجية لمارسيل بروست (1973)، كولدمان، جدل المحايثة (1973)، مدرسة فرانكفورت، جدل الخصوصية (1974)، السبيل إلى سوسيولوجية النص الأدبي (1978)، الازدواج الروائي، بروست وكافكا وموزيل (1980)، سوسيولوجية النص (1980)، (الإواليات الخطابية للإيديولوجية) (مقال ضمن مجلة معهد السوسيولوجيا، رقم 4، 1981)، الاستخفاف الروائي، سارتر ومورافيا وكامو (1982)، الوجيز في النقد الاجتماعي (1985)…

يطفح فوق سطور كتاب الرغبة الميثية الطموح إلى تأويل الإنتاج الأدبي البروستي بإحالته على بعض مستجدات التطور الاجتماعي في فرنسا نهاية القرن التاسع عشر. وفي بدء هذا الطموح يقوم تعهد مقتضاه استخلاص البنية الجمالية للعمل الأدبي قبل وصله برؤية العالم عند طبقة اجتماعية خاصة. ومن رأي بيير زيما أن الإنتاج الأدبي البروستي نتيجة جمالية لرد الفعل الثقافي الذي مارسه قسم من الطبقة البورجوازية التي اعتادت مداهنة أرستقراطيي ضاحية سان-جرمان عند اختفاء طبقة النبلاء من المشهد السياسي، بعد إخفاقها في محاولات إصلاح النظام الملكي. ولا مجال للريب أن شكل البحث هنا عن الوسائط بين الأدبي والمجتمعي يبتعد عن اقتصادوية كولدمان، ويتصاهر مع منجزات جاك لينهارت في قراءته السياسية لرواية ألان روب كرييه: الغيرة.

يتضمن نتاج بروست، في منظور زيما، وصفا غزيرا للعلائق بين الطبقة البورجوازية وطبقة النبلاء في العالم النفاج  لصالونات باريس نهاية القرن التاسع عشر. وبناء على هذا المنظور حاول كتاب الرغبة الميثية تشييد مقاربة سوسيولوجية للعالم الروائي لا تلتبس عليها المسافة بين التحليل الجمالي والتحليل الاجتماعي وتمايز بين الواقعي والمتخيل، بين المجتمعي والروائي، ومن ثم ميز بيير زيما بين التفاخر الاجتماعي الواقعي المتعين كتفاخر بما ليس في الملك من أموال وأولاد وكإعجاب حد الهوس بالسائد والشائع في الجمهورية الثالثة، وبين تفاخر الرواية الذي يتعين كموضوع للتحليل الأدبي، ومن الملائم فهمه دائما وأبدا على أساس أنه وظيفة روائية محددة لوظيفة التفاخر في سياق اجتماعي تاريخي لا يقل عنها تحديدا. قد يشي القول هذا بقول ثان مقتضاه وجود وظيفة واحدة: التفاخر، تحضر ضمن مستويين مختلفين: المستوى الاجتماعي والمستوى الروائي، ويتحكم بحضورها منطق التماثل كما في النظرية السوسيولوجية الكولدمانية التي رفضها جاك لينهارت بقسوة. إلا أن الأمر ليس كذلك، خاصة وأن زيما كامل الوعي بخصوصية الكتابة الروائية واستقلاليتها النسبية، وتقوده بصيرته النقدية –ضدا على الحول النقدي الكولدماني- إلى تملك الوعي بتمايز التفاخر الروائي عن التفاخر الاجتماعي، ويرى في الأول وظيفة للثاني، لا مماثلا له. ومن ثم يشيد نظريته عن الرغبة في الميث أو الرغبة الميثية. وقوام الأخيرة إعجاب الطبقة البورجوازية حد الافتتان، وطيلة قرون، بطبقة النبلاء التي يتم تعميدها في هذه الحالة تحت اسم: المجموعة المرجعية. وبناء عليه، ليست الرغبة الميثية شيئا آخر غير رغبة البورجوازي في أن يصير نبيلا، أو على الأقل في التماثل معه دون التمثل به، لذلك تصل الرغبة هذه إلى جدارها ومأزقها وطريقها المسدود، وباختصار تصل إلى خيبتها. الرغبة الميثية لأزمة الطموحات الاجتماعية البورجوازية سواء في السياق الرأسمالي الأصلي أم في السياق الرأسمالي الكولونيالي حسب عبارة الشهيد مهدي عامل؛ والرغبة الميثية هي، هناك وهنا، التأنف: المتأنق أو المتغندر أو الغندور نفاج اختار طبقة النبلاء مرجعا، مجموعة مرجعية، نقطة ارتكاز؛ والنفاج العربي، في سياق التبعية الكولونيالية يبحث عن مجموعته إما في السلف الصالح أو في حاضنته: البورجوازية الأوروبية…

تستلهم مرية مخفي جواد نظرية الرغبة الميثية لتقرأ نجمة كاتب ياسين، مؤكدة ملاءمة النظرية ومشتبكة مع سطور الرواية اشتباكا جميلا وشعريا في زمن الاشتباكات الرديئة.

* * *

يطمح المقال الراهن إلى دراسة أحد مظاهر الميث القبلي في رواية نجمة. ولهذا الغرض، سنتوكأ على مقاربة بيير زيما للرغبة الميثية[1]، وهي المقاربة التي تبدو لي ملائمة أكثر لإبراز أحد الأسباب الجوهرية لإخفاق وظيفة الإدماج الاجتماعي لهذا الميث.

الميث القبلي في رواية نجمة محفز في الواقع بالرغبة الميثية نفسها بالمعنى الذي يقصده بيير زيما: أي "تلك الرغبة التي يكابدها أعضاء جماعة اجتماعية يرغبون في "الهجرة" –كما يقول بروست- إلى داخل "مجموعة مرجعية" فاتنة"[2].

ومن رأي زيما أن الرغبة في الميث أو الرغبة الميثية هي ذاك الميل الجماعي الذي يبديه أعضاء جماعة اجتماعية محرومة إلى التودد لأعضاء جماعة أخرى تسمى "مجموعة مرجعية" –فاتنة ولكنها اكتملت ضمن سياق اجتماعي- تاريخي معطى والتي سيتبنون قيمها ورؤيتها للعالم؛ ويدعو زيما عملية تبني معايير "المجموعة المرجعية" إدماجا اجتماعيا سابقا لأوانه أو "إدماجا اجتماعيا ميثيا"[3].

إن الإعجاب بفتنة مجموعة مرجعية (هي هنا النسل القبلوتي) والرغبة في الصيرورة عضوا ضمنها وفي مغادرة واقع عدواني (هو هنا الواقع الكولونيالي) نحو واقع آخر، هو واقع الميث وهم استعادة الاعتبار داخل هذه المجموعة، مع مراعاة استحالة ذلك ضمن الوضع الراهن للأشياء: كل ذلك يندرج ضمن إوالية الإدماج الاجتماعي السابق لأوانه الذي تحركه "الرغبة في الميث"[4]. إن الاندماج الاجتماعي في منظور الجيل الجديد يعني إعلاء وضع النغولة قصد الارتفاع إلى مرتبة الأشراف في عيون المستعمر الذي لا يعترف له بهويته وشخصيته.

بعض الشخصيات في رواية نجمة (وبكيفية خاصة رشيد) مختلة الإنية(*) ومن ثم متعطشة للإدماج الاجتماعي وستتبنى سلوكا ميثيا "طالما أنها تفضل أن تعيش تاريخها على صعيد المتخيل بدل أن تفتح عيونها على العالم الواقعي"[5].

يؤكد بيير زيما أن "الرغبة في الميث" يجب في مرحلة أولى أن تقصي جميع الموضوعات المحيطة بها قصد محو العالم العدواني وتهيئ المجال لإبداع عالم خيالي[6]. والواقع، "كم قصة" في بداية رواية نجمة: "العراك أولا وقبل كل شيء، فالاعتقال، فالفرار"[7]. ومنذ الصفحات الأولى، يحاول العمل تنظيم "ورشة النفايات هذه"[8]. أما الآخر، فسرعان ما سيطرد من التخييل؛ وخطابه يتلاشى و"صوته لا واقعي مسبقا"[9]. ويقع التخلي عن خطابه بهدف احتلال واقعي للميث.

تسجل الرواية في سطرها السابع وضع الاجتثات الاجتماعي: "ليس لدي بطاقة هوية" سيقول الأخضر[10]. ويفسر رشيد سلوكه الميثي قائلا: "نريد قبل استشراف المستقبل التحقق من أصولنا لوضع ميزانية إفلاس أو محاولة صلح"[11]. ذلك أن الخلف امتلك الوعي "بضرورة أن نكون مكبلين كي نتفرس في وجه الخصم"[12].

ضمن هذا المنظور، استخدم الميث القبلي بصفته مقفزا للنط داخل العالم ما قبل الكولونيالي؛ وطالما أن عصيان المقموعين لم يتوصل إلى خلع المستبد، فمن الآن فصاعدا يعض بالنواجد على ميثات الأصول.

ومن رأي بيير زيما أن انشغال استعادة الاعتبار الذي يدعوه "التشريف" هو في الواقع "إمارة حالة روحية جمعية" للجيل الجديد الذي لا هم له سوى أن "يخلق لنفسه موقعا في العالم". وهكذا ستصير الرغبة الميثية هي "المحرك السري"[13] الذي سيحكم سلوك شخصيات رواية نجمة. ومن ثم ينطلق كاتب ياسين من "عالم الهم الجمعي ويجعل منه الأساس المتجانس للرواية، وهذه ظاهرة مرتبطة بالإشكالية الجوهرية للرغبة الميثية"13.

هكذا، ستتعاقب في العالم السحري للمجموعة المرجعية مختلف صور المنقذين: فتارة نزيهة وذات بأس (عبد القادر، قبلوت)، وتارة مرائية ولا أخلاقية بل نذلة (سي المختار). ومن ثم، سيستشهد الأنصار بنسل قبلوت الذي يقدمه سي المختار بصفته مجموعة نبيلة ومتعلمة؛ وعليه، ستشيد هذه المجموعة المرجعية خرافتها الخاصة المتضمنة للجزئيات الدالة جدا من تاريخها.

ويرى بيير زيما أن "شجرة النسب" هي المعطى الأول للمجموعة المرجعية. ففي رواية نجمة تقوم المرأتان للافاطمة وللانفيسة بعرض نسبهما الشريف بكيفية متفاخرة. ومن ثم، الصورة الشخصية(*) للأسلاف: "نسر" و"كندور"(**). تتسار الأمان أنهما معا من سلالة أرستقراطية(…) وترتقيان بنسبيهما إلى النبي، قافزتين ما فوق القرون[14]. وتكفي هذه المقاصد للإبانة عن سلفهما المثالي؛ تشتغل الأرستقراطية هنا بصفتها سرابا ولقبا ليس إلا ذريعة (سيقول زيما) تستثمرها المرأتان لتصيرا مرغوبا فيهما ولتسجلا بالتالي ابنيهما كمال ونجمة، "المرأة القبلوتية" ضمن ذرية شريفة.

الحكايات المتنوعة والمتناقضة للسلف في رواية نجمة ستلاحق العالم الروائي وتحثه. ويوضح جوزيف شيلهود في كتابه بنيات المقدس عند العرب أن الشخصيات الميثية عند العرب ناذرا ما تكون شخصيات دينية بالمعنى الصحيح للكلمة؛ فالشخصية الميثية عندهم هي عموما كائن بشري: شيخ قبيلة أو فارس مقدام أو سلف رمز (يطلق اسمه على بلد أو مؤسسة)؛ ويؤكد أن "التناقضات التي تحملها الروايات المختلفة للميث نفسه يجب ألا تفاجئ بإفراط، لأن المعتقدات لم تكنمتماثلة في جميع القبائل"[15].

وستتباهى شخصيات أخرى بأصلها الأرستقراطي: هكذا، فإن رشيد مثل "سي المختار ينحدر(…) من الجد قبلوت"[16] وسي مبروك مضنى بـ"الولع الأقصى بمؤسس القبيلة، الشيخ قبلوت الذي يحتمل أن يكون هو الآخر من ذريته"[17].

وتوضح المجموعة المرجعية أن أراضيها "قد ضاعت في الصراع ضد الفرنسيين[18]"؛ ولكن سيعرف الورثة فيما بعد أن أسلافهم هم الذين كانوا في الواقع متلافين؛ ويستشعرون الآن رغبة في افتداء أصلهم الأرستقراطي: فقد كتب مصطفى في مذكراته: "إني أمل الأسرة الوحيد"[19]. أما رشيد فيفسر لمراد استعجالية هذا الافتداء: "تلك هي أرواح الأجداد التي تملأ كياننا(…) ظل الآباء والقضاة والمرشدين الذين نقتفي آثارهم ونتتبع خطاهم رغم طريقنا الخاص، دون أن نعرف أبدا أين يوجدون"[20].

ومن ثم ستنبعث الأسماء الشهيرة والسلالات من النسيان التاريخي جاعلة بهذا الشكل المرحلة التاريخية للمجموعة المرجعية مرحلة معاصرة، وبذلك تقصي البعد الزمني[21].

ومن جهة أخرى، فإن الأحداث التاريخية (التي أضفي عليها طابع تاريخي) المدرجة في النص: إنجازات عبد القادر، انتفاضة سطيف، بسالة المحنكين القبلوتيين، تشتغل بصفتها "شهادة على الوضع الشرفي للمجموعة المرجعية" (كما يقول زيما). وحينها يساحل الأنجال في العالم الخرافي للأجداد الذين سيكون الموقف الورع تجاههم مشجعا بكيفية قوية على تشرف محتمل. هكذا، منذ ظهر "الشيخ قبلوت الأسطوري في حلم رشيد أصبح الأخير ملزما بقراءة تاريخه الخاص في عين قبلوت ذات الصفرة المشوبة بالسواد"[22].

هكذا ستشكل أسطورة قبلوت "موضوع متغيرات عديدة تزدحم فيها التفاصيل بنبرات ميثية"[23]. وتشيد الرغبة ميثاتها حول هذه الأسماء المأثورة (قبلوت، سي المختار) التي تشكل نقطة انطلاقها ومحفزها المساعد، وجميع عشيرة قبلوت بمعيشها المأثور و"طبعها الأشرف" (حسب عبارة زيما) تصير وعاء للإبداع الشعري و"فضاء فارغا" يشيد فيه كاتب ياسين عالما خرافيا. ومن ثم، يدرك الميث القبلي بصفته ملطفا لشذوذ المعمر.

سي المختار، رمز المجموعة المرجعية، "العارف بالآباء والأجداد"، يدرج في وصف طويل، ضمن جملة واحدة منتظمة من تسعة وسبعين صفة حيث يقدم بوصفه "شيخا جليلا وشهيرا وعجيبا وكتوما وأرستقراطيا وأبويا"[24]. ومن ثم، فهو "مرغوب فيه"، إذ من رأي بيير زيما أن مثل هذا الكائن المحاط بالأسرار والمتوفر في نظر الآخرين على صفات السمو والرفعة يمتلك جميع الخصال الضرورية لإثارة الرغبة الميثية[25]. وهكذا فإن سي مختار سيذهل رشيد بـ"حضوره المطلق" و"طبعه النبيل"[26].

يريد رشيد، عبر مراودة نموذجه المرجعي، أن "يجد لنفسه موقعا" (حسب عبارة بيير زيما) لائقا بسلفه "طلبة". ويرسمه رشيد في حكاياته بصفته عبقريا ضالا ومتآمرا ومرشدا سيضطلع مستقبلا بتهذيب سلوك مريديه وإضفاء الشرعية على مبتغاهم. ذلك أن سي مختار يمتلك موهبة "تكييف القيم الممجدة المتبقية من عالم تام".

إنها أولا وقبل كل شيء "مرحلة التقليد"؛ وسيرسم رشيد مساره على صورة النبيل والأرستقراطي سي مختار: "سيدخن رشيد ويشرب وينظف بذلته العسكرية مثل سي مختار"[27]. معجبا بمعلمه الجليل، سيتبع رشيد النهج الضونكيشوتي: "إنني أقتفي خطاه"[28]؛ ومن ثم ستؤثر الرغبة الميثية على جميع موضوعات الواقع الملموس محولة إياه إلى واقع حلمي[29]. سي مختار "مخترع بلا غد"، و"أكثر علما من العلماء"، وسيوصي لمريديه بمعرفة لن تدعم رغبتهم الميثية وإنما ستنشط خيبتهم عبر تضبيب ثابت للتخوم بين الواقعي والهوامي.

صديقان جدا هما إلى درجة أن رشيد يتصرف مع نموذجه "بالكيفية الأكثر ألفة في العالم"[30]: "نجدهما في جميع الأمكنة الحاشدة: في الملعب وعلى الأرصفة وفي الشوارع والشاطئ والمقاهي"[31]. ويوضح زيما أن هذا الزمن الذي يقضيه المريد في ألفة مع معلمه الفاتن والمرغوب تنتهي بخيبة الرغبة الميثية.

غير أن رشيد ما يزال إلى الآن في "مرحلة التأمل"؛ يدحض الواقع ليمتطي صهوة الميث.

هكذا سيسهم سي مختار في الرغبة الميثية برؤاه المشوشة لأنها متناقضة، فتارة تمتدح مناقب الشعب القبلوتي وطورا تنعتهم بالعيب والفساد. وهنا تصير أوديسة الشعب القبلوتي موقع صور وأحاسيس مسكرة. وفيما بعد سيقصي رشيد دفعة واحدة لمامة النواذر هذه لأنها لم تعد تكفي تكلفات وصيه. غير أن هذا التصادم بين معيش واقعي ومعيش هوامي هو الذي سيتحكم الآن بالعالم الروائي.

ومع ذلك، فإن الاندماج الاجتماعي في منظور زيما لا ينحصر فقط في استعادة الاعتبار داخل المجموعة المرجعية لتثمين قيمها وحقوقها، وإنما هو كذلك انغماس في الأصول والحج إلى الديار المقدسة-الطيبة للمجموعة المرجعية. ويوضح زيما أن الرغبة في السفر تابعة للرغبة الميثية[32]. وهكذا سيحيك سي مختار أسطورة كاملة حول الديار المقدسة "التي سبق له أن زارها قبل نصف قرن والتي يود أن يراها للمرة الأخيرة"[33].

ومن جهة أخرى، فإن الرغبة في السفر تستتبع في منظور زيما "تبدلا حقيقيا للكائن": إذ "تظهر صورة رشيد في السجل المزور، لكن تحت اسم آخر وتاريخ ميلاد آخر". وبالرغم من "الأزمة وبطالة الكثير من البحارة حتى القدماء منهم، حتى الأوروبيون"، فإن رشيد كان عاقدا العزم على الرحيل: "الكلمة لك أيها المعلم. فإذا تراجعت فإني ذاهب بدونك"[34]. ويؤكد زيما أن السفر استعارة للرغبة الميثية وللرغبة التي يقع البحث عنها داخل عالم يحفزه المجهول والممتنع؛ إن الرغبة في السفر هي الرغبة في الميث: إذ لم يعد موضوعها فردا عجيبا، بل موضوعا دون وعي، مدينة أو مكان[35].

سيرحل رشيد باحثا عن "أرض النعيم"[36] وهو محمس بحكايات سي مختار، ومن رأي زيما أن استمرار الرغبة رهين بالفصل بين الموضوع الواقعي والميث[37]. ويضيف أن الرغبة الميثية هي دائما بلا حدود وبلا تخوم خوفا من أن تحاصرها الموضوعات العينية[38]. هكذا تقف الخيبة بالمرصاد أمام رشيد الذي أراد أن يرى عن كثب المكان الذي عاش فيه نموذجه المرجعي حصته المجيدة من القرن[39]. وتزول الرغبة بمجرد رؤية جدة التي لم تعد إلا "صحراء مخونة"[40]. لقد فقدت الديار المقدسة "جاذبيتها العجيبة" لتختلط "بواقع عار من الفتنة".

يؤكد زيما أن روعة النموذج المرجعي تابعة لروعة ذاك الذي يبنيه فوق موطنه الأصلي، وأن الموقع، كي يحافظ على فتنته، لا يمكنه التواري مثل الفرد، ولا يمكن تأبيد ميث الرحلة والحفاظ عليه إلا بردع المسافر أو بتنازله الإرادي.

ذاك ما يهدف إليه سي مختار بثني رشيد عن الذهاب إلى مدينة أحلامه، أرض الأجداد التي يريد حماية أسطورتها: "لست قادما إلى الجنة" يقول على سبيل التبرير40. وجميع الوسائل، بما فيها الفضيحة، ملائمة لثني رشيد عن السفر: المهرج العجوز يرتج ويحفز اليأس الناتج عن سرقه العلبة التي كانت تحوي جميع نقوده وصدقات أصدقائه، "لم يفهم رشيد شيئا" تجاه هذا الموقف وسينتهي سي مختار إلى البوح "ببرودة": "لم أعد أريد الذهاب إلى مكة(…) ولا يمكنكم إرغامي(…) ولا يمكن لأحد الاعتراض علي هذه المرة"43. هكذا يتم الحفاظ على الرغبة الميثية، بل يتم تطعيمها بدعوة أخرى إلى السفر: إذ يقترح سي مختار على رشيد أن من الأفضل مشاهدة بلدان أخرى44. وتختفي الرغبة الميثية عند مشاهدة الديار المقدسة التي تقلصت إلى شقوق جدران واطئة في تراب جأب: "عري قاس لا يحتمل النظر"45.

سيقوم رشيد بفضح الفاسق. هذا الأب المزيف "الحقيقي في كذبته" (كما يقول الطاهر بن جلون)46: هكذا يحصل تهديم ميث النموذج المرجعي. ويوضح السيد البابا أن اكتشاف الهوية الواقعية واكتشاف سياقها –الأصول الفاسدة- أمران يرثى لهما: إنهما يهدان الانتساب السعيد ويخلعان الأصل المحمود الذي يحس الأبطال إزاءه بمداهنة حقيقية أكثر مما يشاركونه كليا فلسفته المخربة47. إنها خيبة الرغبة في الميث، طالما أن عملية افتداء قرابة ميثية قد أخفقت.

لقد اكتشف رشيد أن هذا المجموعة المرجعية "لم تعد تملك إلا على مستوى التقاليد ما كانت تملكه قديما على صعيد الواقع"48. وقد أخفق الإدماج الاجتماعي السابق لأوانه. بل إن رشيد الحائر سيذهب إلى حدود اتهام أبيه بالجبن والخمول. وسيبوح الأخضر تحت وطأة التعذيب قائلا: "ليس لنا قائد" في نهاية المطاف49.

ومن رأي رشيد أن سي مختار قام بما هو أفظ: إذ "تخلي عنا بين بوابتين، فريسة الصمت والرعب النفسي"50 مهددا بالتالي وحدة وجودنا بكيفية خطيرة.

تنهار جميع الأساطير؛ وميثاث المجموعة المرجعية الفاتنة والتقاليد والشرف واليقين لم تعد إلا صفا من الأشجار اليابسة غير المتأكدة أبدا من الانتشار51. أما بالنسبة للسلف، فلم يعد موسوما إلا بأنه "قاطع طريق" و"لص متسكع" و"ضحية تعدد الأزواج بصورة غير محددة"52؛ ولم يعد خطابه إلا "اعترافا مضحكا"53 ويكمن خطأ رشيد في أنه اعتقد أن حلمه واقعي وبحث عنه في الواقع؛ ومن ثم رأى موضوع الرغبة يتحدد ويصير غير متلائم مع الصورة التي كونها عنه، وتغرق رغبته في الخيبة54.

إن الأحفاد المنفيين مرة أخرى عن المجموعة المرجعية يجدون أنفسهم مرة أخرى في وضع الانطلاق، النغولة والقلق؛ ورغبتهم الجنسية مكبوتة بدورها طالما أن الزنجي "ذهب لملاقاة رشيد وهدده بالقتل إن هو سعى لرؤية نجمة من جديد"55. وفي بحثه عن رفض رد الاعتبار الذي نص عليه الشيوخ، يعثر رشيد على الجواب التالي: "لقد قال قبلوت ألا نحمي سوي بناتنا. أما الذكور المتسكعون(…) فليعيشوا كيفما اتفق، هم الذين لم يدافعوا عن أرضهم"56. ويخال سي مبروك أن حضور هذا "الثنائي السافل"57: سي مختار من شجرة "المتخلين عن القضية"58 ورشيد "برعم هذه الشجرة الفاسدة"59 بجانب نجمة يوشك أن يهدم أسطورتها.

تتولد المأساة في رواية نجمة من الحاجات والمتطلبات المتعارضة للأسلاف والأخلاف؛ وهكذا ستتم تباعا محاكمة رؤاهم وقيمهم، وشكاوي الآباء وانتقام الأبناء هما خلاصتا الرغبة الميثية في الصفحات الأخيرة من الرواية، ويوضح بيير زيما أن قيم المجموعة المرجعية حين تفقد أساسها الاجتماعي تصبح أشكالا فارغة وعلامات أسطورية وأوهاما باطلة لا معنى لها ومن ثم تكف عن الوجود بصفتها قوة اجتماعية.

والحال أن رشيد سيشعر بـ "وجوده منفلتا"؛ والواقع لن يعود في نهاية الرواية إلا "ظلا دون بندقيةودون امرأة. لم يعد يعرف إلا إمساك الغليون"60. وحينما التجأ إلى الفندق، لم يعد إلا "شبه-رشيد"61 محروم من هواه(…) منفطر القلب شاحب الوجه"62. وهذا هو المآل نفسه الذي ينتظر الأخضر؛ فقد اعتنى المؤلف بكبح الرغبة الميثية من منفذ كلمة معزولة: لا، ووصية: "يجب مقاومة الأحلام"(63). وحينها تأتي بكيفية مقتضبة جدا مراحل الرغبة الميثية عند الأخضر التي تتوج بالإخفاق والخيبة.

"يحلم الأخضر.

يغمض عينيه

يبكي الأخضر

والشمس تنحدر

وتغيب على مدارج الكنيسة"63.

يصير الفندق المركز الوحيد لتقويم أحلام العشيرة والحشيش المهرب الأخير من مشاغلها.

كان الجيل الجديد المحروم مرغما على الاختباء داخل العالم الخيمري لـ"صانعي الهوية" الذين قدسوا وطنية زهيدة. والواقع أن مسحة من التفخيم والتهريج عند "القادة المزيفين" سرعان ما اتخذا هيئة شعر وطني.

ولم تكن حدة الأحاسيس الوطنية عند الأسلاف إلا تصنعا صرفا وخطابات مسكنة تستهدف مداهنة أولئك الشباب الذي ما وجدوا مع ذلك إلا من أجل "التهاون والطيش". ويؤكد بوحديبة وجود علاج بالأسطورة مادامت الأخيرة "تسكن الآلام وتطهر ومادامت بنيتها ومحتواها ومختلف نبراتها تساعد على تبلر قمين بإثارة الانتباه والمساعدة على نوع من امتلاك الوعي"64. ولكن على هذا المستوى من خيبة الرغبة الميثية، فإن غضب الأنجال وخيبة أملهم يمنعانهم من إدراك الخيبة بصفتها شكلا من الاستسلام. ومن رأي رشيد أن "الحلم يفقد غشاوته والذهن ينطفئ عند اكتشاف الملاجئ المهدمة، ويمتنع اللسان على الاستسلام للأفكار التي وعاها بكيفية عنيفة"65.

إن الأسلاف المقدسين والمتجاوزين والمترجمين لمفاهيم وتصورات ضبابية والناجين والمثرثرين المغرورين قد حاولوا بتفنجهم مبادلة الأسباب لضمان استمراريتهم. إن الميث القبلي والخطاب الدعائي والدجل والمراءاة، مخادعة كانت أم صلاحية، لم تسمح أبدا بتبديد غموض الأصول.

ومع ذلك، وعلاوة على الرغبة في "خلاص جنيالوجي"، فإن إعادة تحيين خطاب متجاوز سمحت لكاتب ياسين بالتأكيد والإلحاح على ضرورة خطاب متعدد، لأنه لا يهتم بعدم تفريد الخطاب. إن اجتياح الميث حركي ودينامي مادام يتيح الانتقال إلى أصناف أخرى من الخطاب التي لا يمكن تثبيتها نهائيا إلا على حساب تسوط الكتابة n

 



(*) ميث: Mythe لهذه الكلمة معنيان أساسيان ومختلفان، لكن الناس يخلطون كثيرا بينهما في الاستعمال، الأول هو معنى الوهم واللاحقيقة (كل ما هو خيالي، لا وجود له)، وهذا المعنى هو الذي يمكن ترجمته إلى العربية بالخرافة، الأسطورة. أما المعنى الثاني فخاص بعلماء الأنثروبولوجيا ومؤرخي الأديان والشعوب ويدل على "التراث المقدس أو الوحي الأساسي أو النموذج المثالي الأكبر". والمعنى الثاني هو المقصود هنا. ومن ثم، يتبين أن الميث يندرج ضمن المكونات الأساسية للوعي البشري إضافة إلى اللوغوس Logos الذي يمثل الناحية العقلانية من هذا الوعي.

ترجمة عربية: كاتب ياسين، نجمة، KATEB YACINE, Nedjma, Paris, Seuil, 1956، تر. محمد قويعة، دار سراس للنشر، تونس، 1984، ونحيل في المقال الراهن على النص الفرنسي لأن الصيغة العربية للرواية تظل في تقديرنا الشخصي غير مقنعة بالرغم من أنها نشرت ضمن سلسلة زعم أصحابها أنها ترمي إلى تخطي مرحلة الارتجال في ترجمة الآثار الأدبية وتسهر على احترام الجوانب الفنية والجمالية في الأثر المترجم، ويمكن للقارئ العربي أن يستأنس بالترجمة الجيدة التي أنجزتها مليكة أبيض عيسى لرواية نجمة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1962.

[1]  - P.V.Zima, Le désir du Mythe, Paris,A.G.Zinet, 1973, pp10-11.

[2]  - Idem.

[3]  - Idem.

[4]  - Idem.

(*) "اختلال الإنية" مصطلح ينتمي لعلم النفس ويعني ضياع الشخصية وهو اضطراب يصيب الشعور بالوحدة الذاتية فيحس المرء بغربة واغتراب أفكاره وأحاسيسه ورغباته عنه.

[5]  - C.Prevost, (Marx et le Mythe), in la nouvelle Critique, Avril, 1967, p19.

[6]  - P.V.Zima, op.ct, p137.

[7]  - Kateb Yacine, Nedjma, Seuil, 1956, p29.

[8]  - Ibid, p31.

[9]  - Ibid, p46.

[10]  - Ibid, p11.

[11]  - Ibid, p146-147.

[12]  - Ibid, p42.

[13]  - P.V.Zima, op.cit, p97.

(*) صورة شخصية Portrait: وصف الجانبين المعنوي والجسماني لكائن حي، واقعي أو خيالي (م.ع).

(**) كندور Condor، نسر أمريكي كبير (م.ع).

[14]  - Nedjma, p68

[15]  - J.Chelhod, Les structures du sacré chez les Arabes, Paris, Maison neuve et Larose

         (Coll. Islam dhier et daujourdhui), 1964, p145.

[16]  - Nedjma, p98.

[17]  - Ibid, p146.

[18]  - Ibid, p77.

[19]  - Ibid, p79.

[20]  - Ibid, p97.

[21]  - P.V.Zima, p112.

[22]  - Nedjma, p134.

[23]  - P.Smith, (Deux chasseurs dautres mondes), in lhomme (106-107), Navarin, Avril-Septembre, 1988, p82.

[24]  - Nedjma, p106.

[25]  - Zima, op, cot, p97.

[26]  - Ibid, p96.

[27]  - Nedjma, p110.

[28]  - Ibid, p107.

[29]  - P.V Zima, op.ct., p80.

[30]  - Nedjma, p91.

[31]  - Ibid, p92.

[32]  - P.V Zima, op.cit., p134.

[33]  - Nedjma, op.cit., p110.

[34]  - Ibid, p111.

[35]  - P.V Zima, op.cit., p135.

[36]  - Ibid, p134.

[37]  - Ibid, p145.

[38]  - Ibid, p136.

[39]  - Nedjma, p123.

[40]  - Ibid, p118.

41 - P.V Zima, op.cit., p135.

42 - Nedjma, p121.

43  - Ibid, p123.

44  - Idem.

45  - Ibid, p111.

46  - Tahar Ben Jelloun, (L’écriture et la trahison), in Les temps Modernes, 375 bis, Octobre, 1997, p393.

47  - M. Le Pape, (Enfances algériennes), in Les Temps Modernes, (414), Janvier, p1211.

48  - P.V. Zima, op.cit, p19.

49  - Nedjma, p60.

50  - Ibid, p107.

51 -  Ibid, p98.

52  - Idem.

53  - Ibid, p99.

54  - P.V.Zima, op., cit., p104.

55  - Nedjma, p151.

56  - Idem.

57  - Ibid, p149.

58  - Ibid, p146.

59  - Ibid, p99.

60  - Ibid, p180.

61 - Idem.

62  - Ibid, p181.

63  - Ibid, pp200-202.

64  - A.Bouhdiba, L’imaginaire maghrébin. Etude de dix contes pour enfants, Tunis, Maison Tunisiènne de l’Edition, 1977, p22.

65  - Nedjma, p168.