ص1         السابق

 

الهوية والاقتصاد في زمن العولمة

 

محمد عابد الجابري

قال صاحبي تعقيبا على المقال السابق: "ما الذي يبرر وضع الهوية والعولمة كطرفين في معادلة واحدة"؟

سؤال قد يتخذ الشكل الاعتراضي التالي: ما شأن "العولمة"، ومجالها التجارة ، وشأن الهوية والأصالة وهما أمور معنوية؟ والجواب عندي أن التجارة هي النشاط الحيوي للرأسمال، والرأسمال يقال فيه اليوم أكثر من أي وقت مضى إنه "لا وطن له". فالعولمة إذن نفي للوطن وإلغاء له. والوطن هو مجال الهوية والأصالة.

يمكن لداعية العولمة أن يوافق على ذلك ويختاره: يمكن أن يقول: لقد انتهى عصر القوميات والهويات ونحن الآن في عصر الفضائيات وشبكة المعلومات!

مثل هذه العبارة تتكرر هنا وهناك. وهي عبارة تحمل صدقا وكذبا في آن واحد، ويراد بالصدق فيها أن يغطي على الكذب! هي صادقة في القول: "نحن الآن في عصر الفضائيات وشبكة المعلومات"، فهذا واقع. ولكنها غير صادقة في القول: "انتهى عصر القوميات والهويات"، لأن هذا حكم ذهني لا يستند إلى الواقع. والحكم الصحيح والعلمي في مثل هذه الدعاوى هو الواقع لا غيره. والواقع هو ما نشاهده. وما نشاهده هو انبعاث الروح القومية والانكفاء في إطار هويات ضيقة، في بلدان "الشمال" كما في بلدان "الجنوب". سنقتصر هنا على ذكر شهادات تخص بلدان "الشمال"، حتى لا نربط التقابل بين البلدان التي تعتبر بصورة أو بأخرى "فاعلة" العولمة والبلدان "المنفعلة" بها وبين التقابل بين العولمة والهوية.

1- لا تتردد الولايات المتحدة الأمريكية داعية العولمة في التهديد باتخاذ عقوبات اقتصادية انتقامية ضد الدول التي تمارس التجارة حسب مقتضيات العولمة نفسها، عندما ترى في تلك الممارسة ما يمس بما تسميه "المصالح القومية". وقد شهد العقد الماضي نزاعات حادة بين الولايات المتحدة وكل من اليابان والمجموعة الأوربية بسبب ممارسة التجارة بموجب الاتفاقيات الدولية التي شرعت للعولمة. وأمامنا اليوم الموقف الذي وقفته الولايات المتحدة مع الصين وتهديدها باتخاذ عقوبات ضدها، لا لذنب اقترفته بل فقط لأن سلعها قد انتشرت في السوق الأمريكية، وبموجب قوانين التجارة العالمية الحالية. وغني عن البيان القول إن "غزو" السلع الصينية للولايات المتحدة اليوم، في إطار القانون الدولي، لا يمكن أن يقارن بغزو السلع الأمريكية للعالم منذ عقود، واستمرار هذا الغزو واتساع نطاقه ومجالاته، بدون اعتبار لأي قانون.

وإذا كان اختلال ميزان القوى على صعيد العلاقة بين السوق الأمريكية والسوق الأوربية يخضع للإجراءات الحمائية المتفاهم عليها فلأن الأمر يتعلق بالأقوياء الكبار الذين يشكلون قوام ما يسمى به "المجتمع الدولي" الذي هو، في الحقيقة والواقع، "مجتمع" الفاعلين للعولمة المستفيدين منها. أما عندما يتعلق الأمر بغير هؤلاء فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتردد في استعمال مختلف التهديدات والإجراءات المدنية لـ"ردع" الضعفاء الطموحين إلى شيء من "الكبر"، أو الذين قد يمارسون حقهم في حماية ثرواتهم القومية.

ليس صحيحا إذن أن العولمة تقوم على كون "الرأسمال لا وطن له". ذلك أن الرأسمال له في جميع الأحوال "وطن". قد لا يكون وطنا من أرض وجبال وحدود، ولكنه في جميع الأحوال محدود بحدود "المصالح القومية" حتى ولو كان الأمر يتعلق بـالشركات متعددة الجنسية. ذلك لأن هذه الشركات إذا كانت تنتشر في العالم على صعيد التسويق والإنتاج فهي تحتفظ بـ "الوطن" الأصل كمركز للقرار، وبالتالي كمرجعية قومية. ومن هنا يمكن القول ليست هناك مصالح جماعية خارج المصالح القومية، تعددت جنسية الشركات أم لم تتعدد. والمصالح القومية للدول الكبرى تتسع اليوم، بفضل سرعة الاتصال وسهولته، لتعم كوكبنا الأرضي من أقصاه إلى أقصاه. قد لا تكون "المصالح القومية" اليوم قومية بالمعنى القديم للكلمة، ولكنها في جميع الأحوال مصالح فئات معينة تستعمل الاقتصاد ووسائل الإعلام للضغط على أصحاب القرار، بعد أن تكون قد لعبت دورا رئيسا في حملهم، حين الحملات الانتخابية، إلى المراكز التي تصنع القرار وتنفذه باسم "الأمة" و"المصالح القومية".

2- لنترك الولايات المتحدة ولننتقل إلى بريطانيا. هنا سنجد أنفسنا إزاء موقف من العولمة تحكمه المصالح القومية إلى درجة التناقض. فمن جهة يرفض معظم البريطانيين التنازل عن عملتهم الوطنية والانضمام إلى منطقة اليورو. وقد أجريت استطلاعات للرأي في أوساط الشعب البريطاني استجوب فيه عدد من الأفراد البريطانيين نساء ورجالا حول احتمال انضمام بريطانيا لمنطقة اليورو، فكانت أغلبية الأجوبة ضد هذا الانضمام. والحجة المتكررة هي أن العملة رمز وطني وأن الوحدة الأوربية يجب أن لا تطال الرموز الوطنية لبريطانيا.

هذا من جهة, ومن جهة أخرى يمكن للمرء أن يلاحظ تحالف الإنجليز مع أوربا ضد أمريكا عندما تتخذ هذه الأخيرة إجراءات حمائية في الميدان التجاري، أو عندما تتناقض السياسة الأمريكية مع المصالح "القومية" البريطانية التي تشمل –عند الحاجة- مصالح الكومونويلث, مع أن الإنجليز هم مع الأمريكان في السياسة الخارجية. وعلى العموم يمكن القول إن ما يطبع العلاقات بين أوربا والولايات المتحدة الأمريكية في هذا المجال هو التحالف ضد الآخرين في إطار التناقض بين المصالح القومية لكل منهما.

3- في هذا الإطار يدخل رفض الشعب الفرنسي والشعب الهولندي، في الاستفتاء الذي أجري في الأسابيع الأخيرة، التصويت بالقبول للدستور الأوربي. لقد رفض الشعب الفرنسي التصويت لصالح ذلك الدستور لأنه رأى فيه، ليس فقط فقدان فرنسا لمركزها المحوري في أوربا، بل أيضا لأن من شأن تطبيق ذلك الدستور النيل من هوية الشعب الفرنسي: ثقافته ولغته وأمجاده. إن الوحدة الأوربية –إذا ما طبقت وفق الدستور المقترح- ستخلق عولمة أوربية جديدة داخل إطار العولمة الأمريكية. الشيء الذي لا يمكن أن يكون إلا على حساب الخصوصية الفرنسية. وكمثال واحد فقط نشير إلى أنه على الرغم من استعمال الاتحاد الأوربي في وثائقه الرسمية لغات جميع الشعوب التي يتكون منها، فإن اللغة المشتركة التي تفرض نفسها في عالم العولمة الأمريكية هي اللغة الإنجليزية. ومع أن هذا واقع عالمي فرضه الدور الريادي والمركزي الذي قامت وتقوم به الولايات المتحدة في مجال العلوم والتكنولوجيا وأيضا في مجال التدبير والتسيير المؤسساتي، فإن اللغة الفرنسية بقيت تحتفظ ببعض الحضور ليس في أوربا فحسب، حيث تتحدث أقطار أوربية اللغة الفرنسية (بلجيكا، سويسرا، لوكسمبورغ، وهولندا إلى حد ما)، بل أيضا في أنحاء من العالم (أقطار المغرب العربي، إفريقية الغربية، كندا، وبؤر هنا وهناك). وهذا الحضور للغة الفرنسية خارج الأراضي الفرنسية، هو في شعور الفرنسيين جزء من هوية فرنسا، وسيتضاءل إن لم ينقرض مع الزمن في إطار الوحدة الدستورية الأوربية!

وإلى جانب هذه العوامل التي تنتمي إلى مجال المشاعر والمخايل والتي تضرب بجذورها في الماضي وبفروعها في المستقبل –وذلك كله هو مجال الهوية- فإن الوحدة الأوربية كما يقترحها الدستور الذي رفضه الشعب الفرنسي تعني، من منظور الكادحين والعاطلين ومجموع الطبقة المتوسطة، فتح المجال لشعوب شرق أوربا (ولتركيا غدا) لمضايقة الشعب الفرنسي على فرص العمل داخل بلده. فاليد العاملة الوافدة على فرنسا من داخل الاتحاد الأوربي ستكون رخيصة قياسا باليد العاملة من الشعب الفرنسي، والنتيجة تفاقم البطالة وتجميد الأجور والتراجع في المكاسب الاجتماعية الخ. وهكذا ينضاف العنصر الاقتصادي إلى عنصر الهوية، والواحد منهما يبرر الآخر ويستره عند الحاجة، ولكن دون أن يفقده مفعوله.

قد يقال إن القيادة الفرنسية والطبقة المسيرة والرأسمالية في فرنسا هي مع دستور الوحدة الأوربية. هذا صحيح. وفي نظري فإن السبب الاقتصادي الذي حرك جماهير الشعب الفرنسي ضد ذلك الدستور هو نفسه الذي جعل الطبقة المسيرة والرأسمالية في فرنسا تقبله بل تريده. ذلك أن اليد العاملة الرخيصة التي ستأتي من أوربا الشرقية والتي رأت فيها الطبقة الكادحة في فرنسا مضايقا لها ومهددا لوضعها الاقتصادي، لابد أن تنظر إليها الطبقة المسيرة والرأسمالية بعين الطمع والجشع لكونها رخيصة.