ص1         السابق

 

 

الهجرة من الشمال إلى الجنوب ... ورفض الوسيط الثقافي

 

محمد عابد الجابري

تريد العولمة تجاوز الحدود القومية والتعامل مع فضاء جغرافي لا يعترف بالحدود، فضاء الكوكب الأرضي، فضاء السوق العائمة بدون حدود ولا حواجز، وهي كالحوت الذي يلتهم الأسماك في الأنهار والبحيرات والبحار... ولكن العولمة بمسعاها هذا تخلق حدودا جديدة، حدودا تفصل داخل الدول الكبرى نفسها بين السكان "الأصليين" والسكان "الطارئين".

في عصر الاستعمار، في القرن الماضي وحتى منتصف القرن العشرين، كانت الهجرة مباحة -ومفروضة بالقوة حتى- وفي الاتجاهين معا: من الشمال إلى الجنوب ومن الجنوب إلى الشمال: يهاجر المعمرون من أوربا (الشمال) إلى المستعمرات (الجنوب) حيث يحتلون الأراضي بالقوة ويقيمون اقتصادهم وسيطرتهم السياسية بالقوة كذلك. ويُهّجرون بالقوة وبالإغراء أبناء المستعمرات ليعملوا في الجيوش الأوربية كمجندين في "اللفيف الأجنبي"، تأكلهم الحروب الأوربية-العالمية، أو ليشتغلوا في المناجم والطرقات والمصانع لتشييد عظمة "الشمال" وتعويض ما قوضته الحرب.

الناس اليوم يتحدثون عن الهجرة، من إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية إلى أوربا وأمريكا الشمالية، بوصفها "كارثة" على دول الشمال، ولكنهم ينسون أن الكثافة السكانية في إنجلترا كانت في القرن الثامن عشر تهدد بالمجاعة أهل هذه الجزيرة مما حمل الاقتصادي الإنجليزي المشهور مالتوس Malthus بتأليف كتاب حول السكان قال فيه إن تزايد السكان غدا خطرا على بقاء العالم وأنه من الضروري أن يعمد الناس طواعية إلى تحديد النسل. مؤكدا على أن تزايد السكان يتم بنسب هندسية بينما تزايد وسائل العيش لا يزيد إلى بنسب حسابية. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم وقبل اليوم هو التالي: لماذا لم تعش بريطانيا تلك الضائقة السكانية والميعشية التي تنبأ بها مالتوس. الجواب هو الهجرة من الجزيرة البريطانية إلى "ما وراء البحار"، إلى استراليا وأمريكيا الشمالية وإفريقيا الجنوبية، حيث صار الإنجليز يشكلون نسبا كبيرا من السكان، إضافة إلى هجرات إلى أقطار أخرى في إفريقيا وآسيا كموظفين وعسكر ومعمرين الخ. والخلاصة هي أن نبوءة مالتوس لم تتحقق لأن ما يزيد عن عشرين مليون بريطاني هاجروا في ذلك الوقت إلى "ما وراء البحار" فاستعمروا قارة بأكملها (استراليا) وأجزاء أخرى من المعمور، برا وجزرا الخ.

أما فرنسا فإنها وإن لم تكن فيها الهجرة إلى "ما وراء البحار" في حجم ما حصل في بريطانيا، فإنه من الضروري التذكير بأنها مارست استعمارا استيطانيا في مستعمراتها في القارة الإفريقية وغيرها، وبكيفية خاصة في أقطار المغرب العربي. ولا بد من التذكير كذلك بما قامت به لمعالجة فقرها السكاني بعد الحرب العالمية الثانية خاصة، حيث لجأت إلى تجنيد فرق في جيشها من مستعمراتها بإفريقيا وشكلت منها ما أطلقت عليه اسم "اللفيف الأجنبي". أضف إلى ذلك فرقا من سكان المغرب العربي تحت طائلة التجنيد الإجباري، أو بواسطة الإغراءات المختلفة. وقد قام هؤلاء وأولئك بدور حاسم في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي. وبعد التحرير جاءت الحاجة إلى إعادة بنا ما حطمته الحرب فكانت اليد العاملة تهجر تهجيرا وبمختلف الإغراءات من شمال إفريقيا وغربها للعمل في فرنسا في المناجم وفي مجال البناء وشق الطرق الخ، وقد استمرت عملية الاستيراد الرسمي لليد العاملة المغربية إلى فرنسا إلى منتصف الستينات من القرن العشرين.

كان ذلك بالأمس القريب، في عصر التوسع الاستعماري وما رافقه أو تلاه من حروب أوروبية. أما اليوم، في عصر العولمة، فالهجرة من الجنوب إلى الشمال تقام دونها الحواجز والموانع. أما الذين هم هناك من أبناء الجنوب سواء من المتسربين الجدد أو من الجيل الثاني والثالث فهم يعيشون وضعية المهاجر الذي فرضت عليه الغربة. قد تكون له جنسية البلد الأوروبي الذي يعيش فيه عضوا منتجا وأيضا مستهلكا، ومع ذلك فهو يعامل معاملة الغريب الذي يقع مكانه خارج الحدود، ليس الحدود الجغرافية وحسب بل الحدود الحضارية كذلك، من لون ولكنة ودين ولباس الخ. قد لا تظهر هذه المحددات الحضارية على الشخص كأن يكون ذا لون أوروبي "أصيل" وذا لكنة باريسية أو لندنية متميزة، وعلمانيا حتى النخاع، ولا يعرف جسمه غير الهندام الأوروبي العصري، ومع ذلك فقد ينوب اسمه وحده عن جميع تلك المحددات، وإذا كان هناك اشتباه في الاسم، فـ"الأصل" هو الفصل. وهذا جرى باستمرار قبل ظهور ما يسمى بـ"الإرهاب" وعلى كافة المستويات. وفيما مثال واحد فقط، ولكنه يشكل بمفرده حجة لا ترد.

تحدث الصديق الأستاذ محمد أركون عن تجربته الشخصية في مجال الطريقة التي تعاملت بها أوربا مع ثقافة "الوافدين" من السكان "غير الأصليين" فكتب يقول: "إن تجربتي الشخصية المبنية على معاشرة طويلة لأوساط مختلفة تفرض علي القول: إنه في هذا الموضوع تسود [ في أوربا ] أشكال من المقاومة الوطنية تمنع، ليس من إلحاق الأفراد-المواطنين، بل من قبول منظومات ثقافية أجنبية، منعا يتخذ شكل رفض صريح في البرامج السياسية ويتخذ صورة أعمق وأعم على مستوى المبادلات غير المشخصة التي تتحكم فيها التمثلات الخاصة بكل ثقافة". ويستشهد الأستاذ أركون بتجربته الشخصية فيقول: "وهنا لن أقمع ذكرى مؤلمة عن التعبير عن نفسها بل استدعيها أمام شهادة شهود، هم أعضاء لجنة الثقافة والتربية في البرلمان الأوروبي في اجتماعه من 6 إلى 9/9/1997. فبعد العرض الذي قدمتُه [ في اللجنة المذكورة ] والذي كان موضوعه: الدين والديمقراطية واللائكية، مقاربة نظرية، ساءلني جاك بوميل، البرلماني الفرنسي وعضو اللجنة، مستعملا عبارات قال فيها: "كيف جاز لك أن تندد بقصور تعليمنا وأبحاثنا وممارساتنا الثقافية، بينما أنتم في بلدانكم الإسلامية تعملون على تكريس استمرارية النزعات الوثوقية الدوغمائية الأكثر ظلامية وأنواع التعصب الأكثر تخريبا، وأنواع الرفض والمحرمات والممنوعات الأكثر تعارضا مع جميع المبادئ التي تزعمون أنكم علمتموها لنا والتي غرفتموها من تقاليدنا الفكرية والثقافية"؟

ويعقب الأستاذ أركون على هذه العبارات قائلا: "أما أن أكون مواطنا فرنسيا وبالتالي مواطنا أوروبيا مثله، وأما أن أكون أستاذا في جامعة السوريون حيث حصلت على شهادات جامعية تسمح لي بالتعامل مع الفكر الأوربي بنفس الروح النقدية التي دأبت على التعامل بها مع الفكر الإسلامي، فهذا وذاك ما لا قيمة له في نظر النائب المحترم الذي يمثل بالفعل واحدا من أهم التيارات السياسة في فرنسا. هكذا وجدتني أشعر مرة أخرى، كما شعرت في الجزائر المستعمرة، وقد "أُرجِعْت إلى دواري الأصلي" –[ الدوار: حي من أحياء البادية، مدشر]- حسب العبارة التي كانت تستعملها الإدارة الاستعمارية لإبعاد الشخص غير المرغوب فيه من الدائرة المحمية [ الحي الخاص بسكنى الأوربيين ]. لقد تعودت على جدلية الـ"نحن"، [ نحن ] المسيطر، ناشر الحضارة، القدوة المستحق لكل احترام، الذي يُعِيد مخاطبَه الـ "أنتم" إلى وضعيته كتابع، إلى تفاهته، إلى تخلفه التاريخي، بل إلى قصوره الموروث، إذا ما هو تجرأ على التطاول على لغة وفكر وثقافة مراقبة في أسمائها واستعمالاتها. إن مثل هذه التصرفات العُنفية توجد في أوربا التي تريد أن تكون في الوقت نفسه إنسانية وديمقراطية وليبرالية. لقد صادفتها في كل مكان، حيثما حاولت بكل قناعة وحماس، القيام بأكثر ما يمكن من الجدية والإخلاص بمهمة الوسيط الثقافي والفكري بين التجارب الثقافية المتعددة التي ترعرعت ونمت في سياق الحضارة الإسلامية، وبين التجارب المجددة والمبدعة حقا والحاملة للتاريخ المحرر والتي كانت أوربا فعلا هي وحدها التي أنتجتها ونشرتها في بقية العالم".

(انظر نص مقالة الأستاذ أركون في مجلة فكر ونقد المغربية العددان: 19 و20 مايو ويونيو 1999. وهي بعنوان "رهان المثاقفة في المغرب العربي. 1-2"، ويمكن الاطلاع عليهما على الانترنيت على الرابط التالي:

http://www.fikrwanakd.aljabriabed.com/11_20_table.htm