بين السبرانية ... والقبرانية!
محمد عابد الجابري
أشرنا في المقال السابق إلى أن الإنسان ظل يتعامل، منذ وجد، مع عالمين: عالم الواقع المحسوس، وعالم آخر قرين له يتصوره دينيا أو فلسفيا أو علميا. وقلنا إن هوية الإنسان ظلت تتحدد، منذ وجد، ليس فقط بمعطيات عالم الواقع الذي يعيشه حسيا بل تتقوم كذلك بمعطيات عالم "الغيب" الذي يحياه روحيا، عقليا وعاطفيا. والعولمة المعاصرة، بما أنها طموح إلى الهيمنة الشمولية على عالم الإنسان، المادي منه والروحي، فإنها تخترق معطيات العالم الواقعي، المادي، بالتجارة والصناعة والثقافة، كما تخترق معطيات العالم الغيبي، عالم اللامرئي، بأفلام الخيال العلمي، وبالانترنيت وتقنيات الاتصال، وقد تَجْمع بين هذين النوع من الاختراق.
في الماضي، وإلى ما قبل ربع قرن تقريبا، كانت عملية الاختراق تتم على مستويين، مستوى "طبيعي"، بمعنى عفوي، مخطط له، وذلك عبر عملية تداخل الحضارات –وليس صراع الحضارات ولا حوارها، فهذان مفهومان إيديولوجيان، لا علاقة لهما بالواقع وتطوره. وتداخل الحضارات عملية تاريخية كان يؤدي أحيانا إلى نوع من العولمة لمعطيات هذه الحضارة أو تلك، إما نتيجة التحركات السلمية كالتجارة والحج إلى الأماكن المقدسة الخ، وإما نتيجة الحروب، خصوصا منها تلك التي تكتسي صورة فتوحات دينية أو توسعات إمبراطورية استعمارية. وفي كلا هذين الصنفين كانت الهوية تحتفظ لنفسها بوجودها المستقل. فالبلدان المفتوحة ـ تحت هذا الاسم أو ذاك، كانت شعوبها وأقوامها تحتفظ بهواتها. فالشعوب التي انتشر الإسلام في بلدانها، مثلا، بقيت هوياتها –سواء أسلمت كليا أو جزئيا- مستقلة مصونة، نادرا ما تعرضت لاختراق، بل إن الذي حصل في الغالب هو أن إدماج الدين الوافد ضمن الهوية الوطنية. ومثل ذلك الشعوب التي خضعت قديما للإمبراطورية الرومانية أو حديثا للاستعمار الأوروبي، أو بالأمس القريب للإمبراطورية السوفيتية. لقد احتفظت هذه الشعوب بهوياتها وكان منها من تقبل بعض العناصر الوافدة من حضارات الغزاة فأدمجتها في هوياتها الخاصة.
أما اليوم فإن ما يميز العولمة المعاصرة عن سابقاتها هو أنها تضيف إلى العالمين "القديمين" الذين عبرنا عنهما بالمصطلح الإسلامي "عالم الشهادة" و"عالم الغيب"، عالما ثالثا، جديدا تماما، هو العالم الاعتباري الذي أشرنا إليه في المقال السابق، عالم الإنترنيت الذي ينافس العالمين "القديمين" ويمكن أن ينوب عنهما كلية. ومن خصائص هذا العالم الجديد، الذي هو من صلب العولمة الجديدة، أن تأثيره العولمي يتجاوز مجرد اختراق البلدان وتداخل الحضارات إلى اختراق الهويات، هويات الأفراد والجماعات.
هذا العالم الجديد، الاعتباري، له لغة خاصة، ورؤية للعالم خاصة، وقيم خاصة. كان الرجل الذي صعد أول مرة للفضاء قد حظي باسم خاص ما زال مستعملا هو "استرونوت" (=الفضائي، أو بالأحرى: النجومي)، وعلى هذا القياس يسمى اليوم المتعامل مع هذا العالم الاعتباري بـ"سيبرنوت"، cybernaute أو "انترنوت" internaute، أو "المواطن الأنترنيتي"، لنقل اختصارا وتعريبا: "المُوانيت" (مواطن على صعيد الانترنيت)، هذا الشخص الذي له اسم خاص يكتسب هوية خاصة، ليس ها هنا مجال البحث في مضمونها. ولكن بالإمكان القول إنها هوية تتحدد من خلال كونه شخصا يحيا عالمين: عالم الواقع الذي يعيشه مطلق الناس -إلى اليوم على الأقل- والعالم السيبراني أو الأنترنيتي، تماما كما يحيا الشخص العادي، لنقل التقليدي، عالمين: العالم الواقعي المشترك والعالم الغيبي، الديني أو الفلسفي أو "الخيالي العلمي".
وفي بلداننا العربية حيث أقلية قليلة هي التي تملك وسائل التعامل مع العالم الإنترنيتي يمكن أن نتوقع انقساما خطيرا جدا على صعيد الهوية: هوية يدخل في تكوينها العالم السيبراني العولمي، وهوية يدخل في تكونها "عالم الآخرة"، لا بل عالم "القبرانية" (نسبة إلى القبر) كما تصوره الثقافة الدينية الشعبية المستقاة من الإسرائيليات وغيرها، والتي تتحدث عن عذاب القبر ووقائع الصراط والميزان حديث المشاهد المجرب، وتعرف عن "عالم القبر" ذاك أكثر كثيرا مما تعرفه عن عالم الشهادة، وتقدم معرفتها تلك على أنها الدين نفسه، والدين منها برآء، فعالم الغيب يعلمه علام الغيوب، وحده لا شريك له. أما الأخرويات كما يصورها الدين فمرجعها في الإسلام –على الأقل- هو ما يقوله عنها علام الغيوب في القرآن، وهو بلسان عربي مبين، من خصائصه التعبيرية ضرب المثل والتشبيه والمجاز الاستعارة الخ، بهدف تقريب ما يقع وراء طور العقل البشري، وبعبارة أخرى "ما وراء الطبيعة"، إلى عالم هذا العقل: عالم الطبيعة.
وبعد، فقد كنا في العالم العربي إلى حد الآن منقسمين إلى المدافعين عن التراث/الأصالة بوصفه المقوم الأساسي والرئيسي لهويتنا، وبين المدافعين عن الحداثة –التي يجب استيرادها من الغرب- والتي يجب العمل على طبع هويتنا بها حتى نكون في مستوى عصرنا. هاتان الهويتان الإيديولوجيتان المتنافستان على مسرح واقعنا الفكري والشعوري والعاطفي والواقعي، تنافسهما، إن لم نقل تتجاوزهما وتلغيهما، هوية جديدة، إنترنيتية، سبرانية! وإذن فمن المشروع تماما، إن لم يكن من الضروري، البحث في الكيفية التي سينعكس بها هذا العنصر الجديد على حاضرنا ومستقبلنا؟
قد يكون من بين شبان العالم العربي من "رزق مالا وفيرا" يسمح له بحجز مكان له في أحد الكواكب، ولدى وكالة من الوكالات المختصة بأمريكا فيكتسب في المستقبل هوية "النجومي". أمثال هذا الشخص –إذا طاروا- لا يطرحون مشكلا في المجتمع العربي، لا على مستوى الهوية ولا على مستوى العولمة! غير أن الذين "يبحرون" كل يوم في العالم الاعتباري الانترنيتي، عالم الشبكة العنكبوتية، -وهم جالسون في منازلهم أو في المقاهي السبرانية، يكتسبون كل يوم، سلوكات فكرية وعملية، وقيما ورؤى للعالم، تتشكل منها هوية الكائن البشري الجديد "الموانيت"- هم الذين يجب التفكير في شأنهم بالمقارنة مع الآخرين الذي يشغلهم حديث "عذاب القبر"، كما ترويه الإسرائيليات القديمة والجديدة. وما يشغل اهتمامي ليس نوع هذه الهوية الجديدة ولا هذا العالم الجديد، بل ما يشغل بالي هو أن الذين هم اليوم على اتصال بهذا العالم الجديد هم أقلية قليلة ستكون حاكمة علميا وبالتالي اقتصاديا في إطار رؤية للعالم تؤطرها العولمة، في مقابل أغلبية غالبة ستكون بدورها متفوقة عدديا، وبالتالي اجتماعيا، مؤطرة برؤية للعالم لا يمكن أن تنظر للعولمة نظرة أخرى غير كونها تجسم "عالم الشيطان". إنها ثنائية البعد الواحد التي تهدد إنسان المستقبل في العالم العربي: إما البعد السبراني وإما البعد القبراني!
فجوة، بل هوة سحيقة، إذن، بين عالم السبراينة وعالم القبرانية!
كيف نجسرها، كيف نجتازها؟
لا أجد جوابا لجسر هذه الهوة، على طريق تجاوزها، غير تعميم التعليم وتقليص الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين المدينة "المتحضرة"، والأرياف "البادية". إن إشكالية العلاقة بين العولمة والهوية لن تجد حلها في العالم العربي، وفي عالم "الجنوب" عموما، إلا عبر حل صحيح لمشكلة التناقض الذي يزداد استفحالا بين عالم "حاضرة المدينة" وعالم الأرياف والبادية. ونحن نستعمل هنا عبارة "حاضرة المدينة"، وليس "المدينة" بإطلاق، لأن مدننا اليوم قد صارت عبارة عن عالمين : عالم "متحضر" يعيش العولمة بكل امتيازاتها وإيجابياتها وفضاءاتها السبرانية، وعالم "بدوي" قوامه مدن قصدير وسكن عشوائي وبطالة، وما ينتج عن ذلك من سلوكات وهلوسات...
إنها مشكلة التنمية التي لا حل لها إلا بالتقليص الجدي بين الفوارق المهولة بين ما هو من عالم المدينة وما هو من عالم الريف، فوارق في الثروة وفي أسلوب العيش وفي السلوك الاجتماعي، وخصوصا في السلوك "العقلي"... في النظرة إلى العالم.