حوار متشعب، وذو شجون مع قناة "العربية"
بتاريخ الجمعة 24-10-2008، أجرى معي الأخ تركي الدخيل حوار على فضائية "العربية"، وقد نشرته في موقعها على الانترنيت، فرأينا إدراجه هنا بعد ضبط عباراته (لغويا فقط). نرد نص الحوار كاملا، أما تعليقات المشاهدين وآراءهم التي أدلوا بها في مدونة موقع القضائية فنكتفي بالإحالة إليها في العنوان الإلكتروني قناة العربية وهو كما يلي:
http://www.alarabiya.net/programs/2008/10/26/58938.html#000#000
نص الحوار
تركي الدخيل: أيها الإخوة والأخوات حياكم الله في حلقة جديدة من برنامجكم الأسبوعي إضاءات. ضيفي اليوم أيها الإخوة والأخوات هو الدكتور محمد عابد الجابري المفكر المغربي المعروف. حياك الله يا دكتور محمد.
محمد عابد الجابري: الله يحييكم.
- تركي الدخيل: أهلاً وسهلا. دكتور سنبدأ من مناسبة مرت قبل بضعة أسابيع، وهي المناسبة السابعة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر أيلول، كنت قد قلت في مقابلة أجراها معك راديو البي البي سي إذاعة لندن في 22 سبتمبر 2002 إن ما حدث في أوروبا وأميركا من أحداث، قلت ما يسمى الآن بالإرهاب والعنف أو بصراع الحضارات، هي كلها ظواهر وقتية ظرفية، ليست في الحقيقة صراع حضارات، فليس هناك صراع حضارات! هناك صراع الحضارة الغربية مع نتاجها. هل لا زالت تعتقد حتى الآن بهذا الرأي؟
- محمد عابد الجابري: نعم، هي صراع بين الإنسان وما ينتج ويصنع حين يرهن نفسه بهذا الذي يصنع فيقع تابعاً له، وهذا ما يسمى بالاستلاب. فالحضارة الغربية خلقة وسائل تقنية وخلقت لنفسها أيضاً أغراضاً توسعية، ودخلت في حرب باردة مع طرف آخر. ثم استعملت جهات متعددة منها إسلامية في هذا الصراع، عندما كان الخصم هو الاتحاد السوفيتي في أفغانستان. فما حدث في 11 سبتمبر هو رد فعل، رد فعل ضد الحضارة الغربية التي أنتجت نتاجاً استعملته، ثم عندما أدى المهمة التي أوكلتها له تركته وتخلت عنه.
- تركي الدخيل: فانقلب السحر على الساحر.
- محمد عابد الجابري: نعم، انقلب السحر على الساحر.
تركي الدخيل: إذن أنت تعتبر أن الجماعات الإسلامية المسلحة هي صنيعة غربية.
- محمد عابد الجابري: ليست صنيعة غربية بالمعنى الصنائعي هي ردود فعل.
- تركي الدخيل: ردود فعل لماذا؟
- محمد عابد الجابري: ردود فعل طبعاً، عندما كان
الروس يحتلون أفغانستان بالقوة ويحكمونها بالقوة، جاء الأميريكيون بدعوى التحرير
ووظفوا من تقاطعت مصالحه معهم في محاربة الاتحاد السوفيتي لمحتل. كان المفروض أنه
عندما انتهت الحرب وانتصر الأميريكيون
أو
اعتقدوا أنهم انتصروا، كان من المفروض أن يتعاملوا مع زملائهم القدامى، أو
حلفائهم القدامى، بصورة أخرى! كان عليهم أن يعملوا على نهضة أفغانستان وعلى حل
مشاكلهااله. لكن الذي
حدث
هو العكس، هو أن السلّم الذي صعدوا فيه ألقوه على الأرض.
يعني فكان رد الفعل.
- تركي الدخيل: كنت تنتظر من الولايات المتحدة أن تفعل بالمجاهدين الأفغان أحسن مما فعلت؟
محمد عابد الجابري: ليس القضية أنني كنت أنتظر، بل كان يجب أن تعمل، لم من شأني أن أنتظر منهم شيئا وأتوقع أنهم سيفعلون. لكن كحكم أخلاقي، كحكم سياسي موضوعي، كان يجب أن تقوم برد الجميل إلى أصحابه.
- تركي الدخيل: طيب، أنت من أهم الشخصيات التي قدمت مشروعاً ثقافياً يعتمد على قراءة التراث ونقده، ألا ترى أن الجماعات الإسلامية المسلحة كانت تستند في أطروحاتها على كثير من هذا التراث، وأن لا علاقة للغرب بهذا التراث بل إن تفجير هذه الأفكار أصبح نتيجة حتمية لتعاطيهم معها؟
- محمد عابد الجابري: أنا قلت رأيي قبل هذه الموجة الموجودة الآن، قلت رأيي في بدايتها أو قبلها بقليل، الأمر يتعلق بالتطرف. الحركات المتطرفة موجودة وتوجد في جميع المستويات وجميع الحضارات وجميع العصور. لكن الوضع الطبيعي للحركات المتطرفة هي أن تكون في الأطراف. مثلاً الخوارج كانت حركات متطرفة، لكن ما ملكته وما تحركت حوله في أطراف العالم الإسلامي لم يكن مركز هذا العالم.
- تركي الدخيل: ما فعل الخوارج من قتل علي بن أبي طالب كان في المركز!
- محمد عابد الجابري: هذه اغتيالات فردية، لكن الدويلات التي أقاموها وحركاتهم لم تستقر إلا في الأطراف، في عُمان الإباضية مثلا، وقبل سنين أو قرون في الجزائر أو ليبيا أو تونس، في الحدود ... الحركات المتطرفة تتحرك دائماً في الهامش هذا وضعها الطبيعي. لكن عندما تستولي على الوسط فذلك يعني أن الخلل ليس منها بل من فقدان العدالة أو الديمقراطية أو المساواة أو ما شئت من الأمور التي تضمن الاستقرار في الوسط.
- تركي الدخيل: طيبَ هل لا زالت تؤمن بنظرية دول الأطراف ودول المركز؟
- محمد عابد الجابري: العالم كله وخلال جميع العصور كان عبارة عن مركز أو مراكز وأطراف. البلد الواحد فيه عاصمة وفيه أطراف... بعد أن قامت الحركات الاستعمارية الاستكشافية أصبحت أوربا تتحول إلى مركزا والباقي أطراف له، لقد هيمنت على العالم الآسيوي والعالم الإفريقي فأصبح مركز العالم كله هو أوروبا، وأيضاً في العالم العربي تكونت مراكز وأطراف، مثلاً مصر في يوم من الأيام كانت هي المركز والمغرب والخليج مثلاً كانوا هم الأطراف الخ.
- تركي الدخيل: هل لا زالت مصر مركزاً بتقديرك؟
- محمد عابد الجابري: لا. الأطراف أحياناً تتحرك وتنمو فتبرز مراكز صغرى أو كبرى، وقد يحصل نوع من تبادل الأدوار.
- تركي الدخيل: الأطراف تأخذ أدوار المركزَ.
- محمد عابد الجابري: ليس دور المركز ككل، فما يحص هو نوع من التوازن، نوع من التنافس أو نوع من التكامل، فاليوم نحن العرب في زمن تعدد المراكز، داخل إطار عام وليس في إطار صراع مكشوف.
- تركي الدخيل: جميل، في حوار "المشرق والمغرب" مع حسن حنفي ذكرت أن بداية النهضة العربية كانت مع الوهابية، وبالتحديد بعد الاتفاق بين ابن سعود وابن عبد الوهاب عام 1747 ذكرت أيضاً أن تأثير الوهابية، التي قامت قبل الثورة الفرنسية بـ 42 سنة كان مضاهياً لتأثير الثورة الفرنسية ثورة نابليون، وقتها إن لم يكن أقوى كما تقول. هل لا زال محمد عابد الجابري متمسكاً بهذه الأطروحة، حتى بعدما قيل عن الوهابية في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر؟
- محمد عابد الجابري: لا، هذه ليست أطروحة، هذا تاريخ، أنا لأم آت بشيء خارج التاريخ.
- تركي الدخيل: يعني أليس رأياً شخصياً لمحمد عابد الجابري؟
- محمد عابد الجابري: لا، هو تاريخ.. تاريخ تطور الحركة الوطنية أو السلفية أو التجديدية في العالم العربي. عرف بدايات منبثقة من داخل العرب، مثلاً هناك علماء كان لهم تأثير مثلاً الشوكاني..
- تركي الدخيل: محمد علي الشوكاني في اليمن.
- محمد عابد
الجابري: الشوكاني في اليمن طبعاً، محمد بن عبد
الوهاب كان يقود حركة تُعتبر
ثورية بالنسبة للإسلام في ذلك الوقت. الغرب كان غائب عنها. كانت المعركة مع الحركات
الطرقية الصوفية والأتراك خاصة، وهذه الحركات كانت تشكل قوة سياسية تمارس السياسة
ولو
لم يكن أفرادها يعون أنهم يمارسون السياسة، فكان محمد بن عبد الوهاب من الذين
نادوا بالرجوع إلى ما قبل هذه الطرقية وهذه البدع إلى آخره. فكان ذلك نوع من
التجديد. وقد قامت سلفية الأفغاني وعبده على أساس هذه الفكرة...
- تركي الدخيل: متأثرة بالفكر الوهابي.
- محمد عابد الجابري: ليست متأثرة بالرؤية، ولا بطريق النهوض ، مثلاً الشاطبي كان ضد البدع، ولكن قيام حركة كلها ضد البدع والقتال ضدها إلى آخره.. هذه حقيقة تاريخية، فالسلفية في مصربزعامة محمد عبده وجمال الدين الأفغاني لا يمكن قطعها عن محمد بن عبد الوهاب ولا عن.. هي حركات، كلها كانت تتجه نحو نوع من التجديد الداخلي في الإسلام. هل كانت تتخذ الغرب مثلاً ونموذجا؟ لا، كانت تحس بأن الانحراف وقع وأن التخلف وقع، وتفسر التخلف بهذه المظاهر التي كانت سائدة مثل الطرق الصوفية وما سمته البدع إلى آخره.. فقامت تنهض ضدها. ثم تطورت سلفية عبده مباشرة إلى سلفية أخرى وطنية سياسية أو شبه سياسية، أما الأفغاني فكانت سياسية مئة في المئة..
- تركي الدخيل: أنت تؤكد كثيراً بأن كل الحركات السلفية هي حركات وطنية؟
- محمد عابد الجابري: على الأقل إلى حدود العشرينات من القرن العشرين كانت وطنية بالفعل.
- تركي الدخيل: بعد ذلك ماذا حدث؟
- محمد عابد الجابري: بعد ذلك وقعت مشاكل داخلية، ووقعت ردود فعل جانبية في بعض البلدان التي فيها أكثر من دين أو أكثر من طائفة. مشاكل داخلية وقعت وردود فعل تفاقمت من الجانبين وأصبحت...
- تركي الدخيل: هي التي تحرك..
- محمد عابد الجابري: تحركن نعم. وأصبحت السلفية
- تركي الدخيل: خاضعة لردود الأفعال.
- محمد عابد الجابري: أصبحت تعبيرا فيه قدح.
- تركي الدخيل: دكتور محمد عابد الجابري! ذكرت في كتابك "الخطاب العربي المعاصر"، وهو ما يمكن اعتباره تمهيد لمشروعك عن العقل العربي، أن الذات العربية الراهنة تفتقد استقلاليتها لكونها تنطلق من مرجعيتين متعارضتين منفصلتين، إحداها تنتمي إلى الماضي العربي الإسلامي والأخرى تنتمي إلى الحاضر والمستقبل الأوروبي. وسبيل تحقيق الذات العربية في نظرك هو التحرر من هيمنة النموذجين الإسلامي والغربي معا. لكن قبل قليل تحدثت عن الوهابية بوصفها بداية عصر التنوير، رغم أن الوهابية كانت تنتمي إلى الماضي العربي الإسلامي الذي انتقدته في هذا المقطع من كتابك؟
- محمد عابد الجابري: نعم، أنا لم أقل إن الوهابية كانت بداية لعصر التنوير، لأن فمفهوم "عصر التنوير" مفهوم فرنسي أوروبي له معان أخرى، لكن هي السلفية بما أنها تحارب البدع والمحدثات التي انحرف بها بعض الناس داخل الإسلام، وهدفها الرجوع إلى ما كان عليه السلف، تبدأ بداية جديدة. فالسلفية ليست تنويراً وإنما هي الرجوع إلى ما تعتبره هي أنواراً. هذا من جهة. من جهة ثانية عندما أحكم أو أتكلم عن السلفية أو عن الوهابية أو عن غيرها فأنا أتحث كباحث كمؤرخ لماضيها وليس لمستقبلها.
تركي الدخيل: فلا تحاسب على ما قلته!
-محمد عابد الجابري: أنا أتكلم عما وقع، أما ما سيقع فيما بعد باسم السلفية أو باسم الوهابية أو باسم أية نظرية أو باسم الماركسية أو باسم أي شيء آخر فهذا يقع خارج أفقي. أنا لا أتكلم عما سيحدث، تكلمت عن ما وقع. فكون السلفية الوهابية تطورت إلى هذا الشكل أو ذاك ليس هو موضوعي، موضوعي هي بداية هذه الحركة في التاريخ الإسلامي الحديث وقيامها ضد ما اعتُبر بدعاً، للرجوع إلى عصر كان أحسن وبالتالي إلى وضع سيكون أحسن يما تعتقد هي.
- تركي الدخيل: إذنً أنت تسلم بأن الوهابية تطورت أياً كان هذا التطوير؟
- محمد عابد الجابري: الفكرة تطورت ربما خارج الوهابية، لأن محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وابن باديس وغيرهم لم يكونوا مرتبطين مع الوهابية. كانت للوهابية أصداء في شمال إفريقيا وفي المغرب خاصة، وكان محمد عبد الوهاب ومن معه أو جاء بعده قد بعثوا رسائل للملك سليمان بالمغرب، وهذا معروف عندنا في المغرب، كانت هناك رسائل وقد تدورست في جامعة القرويين وأجيب عنها، كان هناك اهتمام بها، كان لها تأثير وكانت لها ردود أفعال إيجابية وأخرى متحفظة إلى آخره. وكان الذي أعطى للسلفية أفقاً آخر مستقبلياً بالعلاقة مع الغرب هو محمد عبده بالأساس وأيضاً جمال الدين الأفغاني وابن باديس ومحمد العربي العلوي إلى آخره.. هذا من ناحية. من ناحية أخرى افتقاد الذات العربية لاستقلالها معناه أنه لا تحتاج لا إلى الماضي ولا إلى الغرب لكي تثبت أنها لها حقا في الوجود أو أن لها كيانا أو لها هوية، معنى ذلك أن الاستقلال الذاتي في هذا المجال هو امتلاء الهوية ذاتها فلا تحتاج لتستند إلى فلان ولا إلى فلان،.ومعروف أن مفهوم الاستقلال الذاتي هذا وضعه غرامشي، بمعنى أن الوعي الوطني يكون ممتلئا ومستقلاً بنفسه لا يحتاج إلى أن يعتمد على أمور خارجية لا من التاريخ ولا من الخارج، بل من الواقع نفسه...
- تركي الدخيل: جميل، سنواصل الحديث دكتور محمد عابد الجابري عن هذه القضية وقضايا أخرى بعد فاصل قصير. فاصل قصير أيها الإخوة والأخوات نعود بعده لمواصلة حوارنا في إضاءات وضيفنا الدكتور محمد عابد الجابري فابقوا معنا.
(فاصل إعلاني)
تركي الدخيل: حياكم الله في إضاءات مجدداً أيها الإخوة والأخوات، لا يزال حوارنا في هذه الحلقة مع الدكتور محمد عابد الجابري. دكتور محمد : كنا قبل الفاصل نتحدث عن الخطاب العربي المعاصر، عن مشروعك الذي تحدثت فيه عن العقل العربي : تكوين العقل العربي، وبنية العقل العربي، والعقل السياسي العربي، والعقل الأخلاقي العربي. قلت في أحد مؤلفاتك أن تأخر المسلمين راجع لكون العقل قدم استقالته استناداً إلى المشروعية الدينية، ففي حين بدأ الأوروبيون يتقدمون باستيقاظ العقل بينما المسلمون منشغلون في صراع حول الخلافة وصراع الفرق، وإن تقدم غير المسلمين إنما حدث حينما فُصل الدين عن الدولة، هل يمكن أن نقول أن محمد عابد الجابري يربط التقدم أو يرى أنه منوط بتحقيق العلمانية؟
- محمد عابد الجابري: أعتقد أن صيغة عباراتك هذه يجب لا تعبر عن مضمون ما قلتُه في هذه الموضوعات التي ذكرت، لأنها اقتبست من نص طويل بل من عدة نصوص. وعلى كل حال فما دام الموضوع الذي طرحت هو العلاقة بالدين والسياسة، فما كتبته عنه هو ما مسجل في التاريخ. كان هناك صراع دام بين علي ومعاوية وقبل ذلك هناك خلاف شديد في أواخر عصر عثمان خاصة. وقد أدت هذه الصراعات الدنيوية إلى نوع من الفصل بين السياسة والدين. وقد عبر ابن العربي الفقيه المالكي الأندلسي المتشدد ...
- تركي الدخيل: محي الدين بن عربي؟
- محمد عابد الجابري: لا، ليس هو الدين محي الدين ابن عربي الحاتمي الفيلسوف الصوفي، بل هو ابن العربي المعافري المكنى بأبي بكر...
- تركي الدخيل: العربي الفقيه صاحب العواصم والقواصم؟
- محمد عابد الجابري: نعم هو... إذن عبر ابن العربي عن تطور العلاقة بين السياسة والدين في الإسلام بقوله: "كان الأمراء قبل هذا اليوم وفي صدر الإسلام، هم العلماء والرعية هم الجند، فاطرد النظام. وكان العوام والقواد فريقا والأمراء فريقا آخر. ثم فصل الله الأمر، بحكمته البالغة وقضائه السابق، فصار العلماء فريقا والأمراء آخر، وصارت الرعية صنفا، وصار الجند آخر، فتعارضت الأمور" (استعدنا هنا النص الأصلي بدل شرح مضمونه شفويا). ومعنى هذا أن الدين والأخلاق انفصلا عن السياسة مع مقتل عثمان، فمنذ ذلك الوقت : أصبحت السياسة هي التي تحتل الجسم الإسلامي، فتغيرت الأمور. ذلك لأنه في عهد أبي بكر وعمر، وإلى حد ما في أول عهد عثمان، كان الدين والسياسة شيئا واحدا بمعنى أن التصرف السياسي كان يُطلب من فهم للقرآن مباشرة، فهم أخلاقي للسياسة، بدون مذاهب وإنما اجتهادات فردية فكان العالم هو في نفس الوقت ...
- تركي الدخيل: العالم هو الحاكم؟
- محمد عابد الجابري: لا لم يكن العالم حاكما، لكن كان بجانب الحاكم. أمراء الجيش كانوا فقهاء أي أصحاب معرفة بالدين. هؤلاء الجند/الأمراء في صدر الإسلام شيء، والذين حلوا محلهم زمن معاوية، وبعده، شيء آخر! إنهم عسكر تابعون للحاكم الذي يعطيهم أرزاقهم (ما يأكلون الخ) فأصبح الوضع مختلفا. لقد استقل الحكام بالسياسة وتركوا المسجد للعلماء. وهذا الانقسام في الخلية الإسلامية -إذا استعرنا مفهوم الخلية العلمية- سيُؤسس لما عرف فيما بعد بعصر الخلاف. والسلفية تقول بالرجوع إلى ما كان عليه السلف الصالح قبل نشوء الخلاف. والصورة التي رسمت لما قبل عصر الخلاف صورة ممجدة في العقل العربي/الإسلامي وهي تعتبر الأصل، أما ما حدث فيما بعد فهو صراعات تدخلت فيها السياسة.
-تركي الدخيل: يعني أصبح الصراع صراعاً سياسياً وليس فقهياً>
- محمد عابد الجابري: طبعاً، والمذاهب الفقهية وعلم الكلام الحديث الخ كثير من ذلك بل أغلبه كان له ارتباط باعتبارات سياسية أو بيئية مثلاً. مثلاً أبو حنيفة في العراق اضطر إلى أن يستعمل الرأي أكثر من الحديث لأنه ...
- تركي الدخيل: في منطقة بعيدة عن مصدر الحديث.
- محمد عابد الجابري: بعيدة عن مصادر الحديثة وأيضاً في منطقة فيها أشياء مستجدة لم تكن في المدينة، والشافعي عندما كان في بغداد كان له مذهب وعدما رحل إلى مصر عدل منه. فالمسألة ليس مسألة وضعية جامدة بل هي مسألة تفاعل مع المجتمع. والسياسة في الفلسفة العربية الإسلامية، كما في علم الكلام وفي الفقه والفروع، وكذلك الطائفية عموماً، كل ذاك كان له دور كبير وما زال إلى الآن.
- تركي الدخيل : جميل! دكتور في كتابك العقل السياسي العربي قلت أن القبيلة والغنيمة والعقيدة هي محددات ثلاثة حكمت العقل السياسي العربي الماضي وما زالت تحكمه، فهل ترفض هذه المحددات الثلاثة التي تحكم العقل؟ أم أنك تقرأ قراءة فقط دون أن ترفض.
- محمد عابد الجابري: أنا أرى الواقع، والواقع الراهن يزكي هذا التحليل الذي قمت به للماضي. والصراعات العربية الآن منها ما ينطق باسم العقيدة أي باسم الطائفة الدينية أو المذهب الفقهي أو ... وفيها ما ينطق باسم الغنيمة وهي مصالح فيه: فقراء وأغنياء الخ، وفيا ما ينطق باسم الاستعمار، وفيها ما ينطق باسم القبيلة.
- تركي الدخيل: سأوضح هذا وأترك لك المجال. أنت تقول : المطلوب هو تجديد الفكر العربي اليوم بتجديد العقل السياسي، ويتمثل ذلك فيما يلي: أولاً تحويل القبيلة إلى مجتمع منظم مدنياً وسياسياً واجتماعياً، ثانياً: تحويل الغنيمة إلى اقتصاد "ضريبة" أو إلى اقتصاد منتج، ثالثاً: تحويل العقيدة إلى مجرد رأي ومن ثم التعامل بعقل اجتهادي ونقدي. هناك من ينتقد هذه الفكرة فيقول بأن العقيدة إذا تحولت إلى رأي عندها سنقول لكل شخص أن يأخذ برأيه ويترك..
- محمد عابد الجابري: هذا ناتج فقط عن عدم الاتفاق على ما أعنيه بـ"العقيدة"، وأنا شرحت في الكتاب أن ما أعنيه بالعقيدة ليست هي النصوص الدينية ذاتها ليس هي الأحكام الشرعية، وإنما اعتقاد الناس ومعتقداتهم الصحيحة وغير الصحيحة، معتقداتهم الخرافية معتقداتهم في غيبيات ما أنزل بها من سلطان، معتقداتهم في الأولياء وفي غيره ذلك. هذه هي العقيدة بمعنى "الاعتقاد"، وكما يقال بالاعتقاد يضحي الإنسان بنفسه ولا يدري لماذا؟ فقط يعتقد! سواء كان معتقده مذهبا دينيا أو طائفيا الخ، أم صنما ووثنا ...
- تركي الدخيل: حتى في الإيديولوجيات اليسارية.
- محمد عابد الجابري: طبعاَ هذا شيء مفروغ منه. ولذلك فما أقصد بالعقيدة ليس مضمون العقيدة الإسلامية أو غيرها ولكن فعل الاعتقاد نفسه. يمكن للإنسان أن يكون متمسكا بالعقيدة الإسلامية ولكنه يفهمها ويعيها عقلياً بدون تعصب، كما كانت في الأصل.
تركي الدخيل: طيب إلى أي حد تعتقد أن المجتمع العربي قد تحسّن بالنظر إلى هذه التحولات الثلاثة؟ تحويل القبيلة إلى مجتمع منظم مدنياً وسياسياً واجتماعياً، والغنيمة إلى اقتصاد وضريبة واقتصاد منتج والعقيدة إلى مجرد رأي؟
- محمد عابد الجابري: بالنسبة للعقيدة كان هناك تحسّن منذ الأفغاني وعبده إلى الخمسينات، أي في الفترة التي عمدت فيها السلفية إلى إعادة التأويل وإعادة التفسير وإعادة الفهم، وقد سارت في الحل لكثير مما ترسب في الفكر والسلوك في العالم العربي والإسلامي. ففي وقت من الأوقات كانت الدنيا في مصر كلها تدعو إلى السفور مثلاً، ومحمد عبده كان له رأي في الربا، إلى آخره.. لكن التطورات التي حدثت جعلت المجتمع العربي فكرياً واجتماعياً ينتكص إلى الوراء، فعادت الطائفية المذهبية في شكلهما المتطرف. كامن الطائفية شيئا منسيا لم تكن هناك طوائف متناحرة في العراق ولا في غيره. ومع أن لبنان هو بلاد طوائف فقد عاش في استقرار، كان هناك انسجام. لكن حدث ما سمي بعودة المكبوت كان هناك مكبوت فانفجر. كذلك فيما يتعلق بالغنيمة: كان الناس في عهد الاستعمار صابرين لأن الاستعمار هو الذي كان يأخذ الثروات ،المواد الأولية وغيرها، لكن لما أصبح الوطنيون هم أنفسهم، أو المواطنون هم أنفسهم، الذين يقومون بالاستغلال ازداد الفارق ما بين الفقير والغني وحصل للناس وعي بأن هناك اقتصاد غنيمة، يعني مصالح تغنم، الثروات تغنم لفائدة فئة دون أخرى وهكذا.. فالمسألة فيها أخذ ورد، الآن نحن في زمن عودة المكبوت، هل سيكُبت هذا المكبوت أو سيُصفى؟ هذا شيء آخر، المفروض هو أن يُصفى بمعنى أن يُتجاوز.
- تركي الدخيل: ولذلك أنت تقول إن سبيل النهوض فيما يتعلق بالعقل العربي هو تجديد العقل العربي وليس صحوة العقل العربي؟
-محمد عابد الجابري : طبعاً تجديد العقل العربي ليس هو الصحوة، الصحوة واليقظة الخ، هذه مفاهيم محدودة المعنى : شخص نائم استيقظ! أما التجديد فهو مستيقظ يتجدد وينمو في خلاياه وفي جسمه كله، إذن هناك فرق. تجديد الفكر العربي أو العقل العربي هي عملية مستمرة، تتناول تجديد الأصول التي أقيم عليها التفكير القديم في عصر الانحطاط، وتجديد التفكير الذي أقيمت عليه كثير من المذاهب الحديثة بناء فقط على "أصل غربي". أي يجد تبريره في تاريخ الغرب.
- تركي الدخيل: جميل! دكتور من المعروف أن لك رأياً مختلفا ًعن رأي معظم المثقفين العرب فيما يتعلق بالحركات الإسلامية. أنت تقول نحن من نسمى بالمعاصرين والحداثيين ننسى أننا أقلية لا نمثل سوى 10%، وأكثر من ذلك يتناقص عددنا. الإسلاميون موجودون لأنهم هم الشعب. هل سنقول هم جميعا غير صالحين ونحن فقط الصالحون؟ وتقول أيضاً في لقاء مع نيوزويك العربية المجلة الأميركية بنسختها العربية: يجب أن نعطيهم الفرصة ونقول لهم تفضلوا.. أي الإسلاميين.. احكموا وأرونا كيف ستحلون المشاكل بالإسلام. على خلاف ذلك يرى تركي الربيع وفي كتابه الحركات الإسلامية في الخطاب العربي المعاصر بأنك ممن يحملون رؤية تآمرية حول تجاه تفسير نشوء الحركات الإسلامية في المغرب، كيف لنا أن نجمع بين هاتين الرؤتين؟
- محمد عابد الجابري: أن يقول الإنسان أني تأمري أو أتآمر فهذا يعني أنه يقوم بمحاكمة النوايا! وهذا غير مشروع في الإسلام ولا في غيره. هل شقّ قلبي (كما قال الرسول "هل شققت قلبه") حتى يعرف أنني صادق فيما أقول أم أنني باطني، أبطن شيئا آخر.هذه مسألة ليست للنقاش.. أما الطرف الأول من السؤال... ما هو؟
تركي الدخيل: أنت تقول إنه يجب أن نعطي الفرصة للإسلاميين، وأن الحداثيين أقلية.
- محمد عابد الجابري: هذا سؤال طُرح علي أول مرة في ندوة تلفزيونية في المغرب، ومن طرف صحفيين مغاربة وحداثيين أو دعاة للحداثة أو.. والفكرة كما شرحتها هي أن النخبة الحداثية اليوم في البلاد العربية لا يمكن أن تقوم لوحدها بالتجديد ولا بالتغيير في البلاد العربية، لأن النخبة في أي مكان وفي أي زمان هي عادة قليلة العدد، نخبة قليلة ...
- تركي الدخيل: لكن هناك من يرى أن السبب أنكم منفصلون عن الشارع؟
- محمد عابد الجابري: لا، أنا لست منفصلاً.
- تركي الدخيل: أقصد النخبة ، أنا أتحدث..
- محمد عابد الجابري: هناك نخبة ونخبة. هناك النخبة التي ربما يجوز وصفها بأنها منفصلة عن الشارع لأنها تقرأ كتباً، مصدرها من الداخل أو من الخارج، وليست لها علاقة عضوية مع الشعب. أنا شخصيا عشت منذ السن الخامسة عشرة سنة إلى بلوغي الخامسة والستين كمثقف عضوي حزبي ومسؤول في حركة وطنية في المغرب، وليس هناك في المغرب من يستطيع أن يناقش هذا. فأنا أتكلم عن ممارسة..
- تركي الدخيل: صحيح ولا زالت تفتخر..
- محمد عابد الجابري: طبعاً أفتخر هذا ماضيّ وأشكر الله على أنني كنت كذلك. فأنا لست مفكراً يخطط في السماء لا، أنا أستنتج من ممارستي ومعاناتي مع الناس.. خصوصاً في المغرب. مثلا كتم هناك في المغرب أفراد من النخبة يقولون يجب أن نغلّب الفرنسية في تعليمنا حتى تسهل الحداثة عندنا! طيب هل الحداثة نريدها لنا نحن كأشخاص يمثلون 10% أو 5% أو 20% ، أم نريدها للشعب كله؟ فإذا كنا نريدها للشعب كله فهل يمكن فرنسة الشعب كله؟
- تركي الدخيل: متعذر.. مستحيل..
- محمد عابد الجابري: وغير واقعي. يجب أن نبني حداثة من داخل واقعنا باللغة التي يفهمها جلّ الناس.
- تركي الدخيل: يعني أنت تقر بأن الإسلاميين هم أكثر التصاقاً بالشارع : 80%؟
- محمد عابد الجابري: نعم الآن حين انعكس الوضع، كان القوميون والماركسيون كما نعرف جميعاً والليبراليون في الخمسينات والستينات وإلى حدود السبعينيات كانوا هم المسيطرون على الساحة، مسيطرون على الساحة، بمعنى أنه كما يحدث دائماً، الذين يسيطرون على الساحة هم أقلية منظمة. عندما انتعس الوضع برز الإسلاميون بفئات قليلة منظمة وسيطروا على الوضع، لكن الجميع ليس إسلامياً كما أن الجميع لم يكن كله حداثياً، الواقع يتغير ... لكن في اللحظة التي كنت أتكلم فيها، وربما يصدق هذا حتى على هذا الوقت، كان ما يمثله الحداثيون 20% في أحسن الأحوال...
- تركي الدخيل: وهذه نسبة مبالغ فيها.
- محمد عابد الجابري: هذه نسبة كبيرة، لكن حتى هذه 20% نفسها لا يصدق عليها قول الله تعالى "إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ".
- تركي الدخيل: طيب، دكتور سنواصل حديثنا بعد فاصل قصير (بعد الفاصل).
- تركي الدخيل: حياكم الله في إضاءات مجدداً لا يزال حوارنا هذه الحلقة مع الدكتور محمد عابد الجابري المفكر المغربي. دكتور محمد قبل الفاصل كنت قد أشرت إلى تاريخك الوطني، في الستينات عملت ضمن الحركة الوطنية مع الطاهر بن بركة.
- محمد عابد الجابري : المهدي..
- تركي الدخيل: مع المهدي بن بركة.
- محمد عابد الجابري: هذا في الخمسينات والستينات.
- تركي الدخيل: في الخمسينات والستينات. هذه الحركة ووجهت بالكثير من القمع، ومعظم أقطاب هذه الحركة وعلى رأسهم بن بركة خرجوا إلى خارج المغرب، محمد عابد الجابري كان يرفض أن يخرج من المغرب، لماذا كنت ترفض رغم أنك سجنت أيضاً لماذا كنت ترفض الخروج من المغرب؟
- محمد عابد الجابري: نعم، لكن يجب أن تكون المقارنة مع الفارق. فارق بيني وبين المهدي بن بركة وتاريخه الوطني والسياسي. وفارق في السن. بدأت معه في الصحافة وفي العمل الوطني وفي الشبيبة وعمري حوالي 22 سنة، هو في ذاك الوقت قد ثار على قيادة حزب الاستقلال وسرنا معه كأتباع وكشبيبة إلى آخره.. ثم شكلنا معه وبتوجيه منه وأصحابه الآخرين المعروفين "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" الذي تطور إلى الاتحاد الاشتراكي كما هو الآن منذ 1975. وكان المهدي قد خرج من المغرب في أوائل الستينات، لم يكن مطروداً في الحقيقة، لا بقانون ولا بقضاء، بل كان يضطر إلى غيبات اضطرارية، يقيم خلالها في فرنسا. كان مضطرا للخروج من المغرب حفاظاً على حياته. كانت المؤامرات تحاك ضده، وقد تعرض لمحاولة اغتيال بحادثة سيارة من طرف جهاز من أجهزة "الأمن". كان المغرب يجتاز ظروفاً صعبة. وآخر مرة غادر المغرب في يونيو 1963 عندما أقنعناه وأنا في مكتب الجريدة كمسؤول عن الجريدة مع الأخ عبد الرحمن اليوسفي كرئيس تحرير، وآخرون من قيادة الحزب لم يقتنع إلا بصعوبة. لقد فرض الحزب عليه الخروج لأننا كنا سمعنا وكنا نعرف أننا سنهاجم بدعوى مؤامرة معينة يوم 16 في الشهر التالي (يوليو 1963).
- تركي الدخيل: يعني القضية بالنسبة لك ليس فيها بطولة، لم تكن مستهدفاً ولذلك بقيت في المغرب.
- محمد عابد الجابري: لا، ثم لم يرد في ملفات الشرطة ولا في المحاكم أنني شاركت في تنظيم من التنظيمات المتهمة، كنت مطمئنا إلى نفسي، ولذلك لما أهرب. هناك من الإخوان الذين غادروا من أجل الانخراط في عملية التنظيم السياسي في الخارج أو ما أشبه ذلك، لكان كانت مهامي في الجريدة واضحة، كنت مسؤولا عن جريدة الحزب وأمارس الكتابة بكل ما أستطيع من جرأة ، وتُحجز الجريدة يومياً و نحن ورفاقي نعيد إصدارها. لم يكن هناك داعٍ بالنسبة لي لأخرج لا من أجل مهمة مستقبلة ولا بسبب أوضاع داخلية أنا كنت يعني واضح أكثر من الوضوح.
تركي الدخيل: جميل، أشرت إلى أنك كنت منخرطاً ضمن عمل حزبي، وقد كان الحزب الاشتراكي على علاقة جيدة بحزب البعث العربي، إلا أنك رغم ذلك رفضت جائزة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين التي قُدمت لك رغم أن هناك صلات قوية بين حزبكم وحزب البعث؟
د. محمد عابد الجابري: لا هذان في الحقيقة شيئان مختلفان. علاقتي أنا بالحركة القومية العربية كانت عبر الحزب الذي أنتمي إليه والذي كنت من أعضائه القياديين وكنت قد ساهمت في تأسيسه عام 1959. هذا واضح. لكن بعض الإخوان في المشرق العربي الذي كلن يعيش فورة قومية (بعث وغيره) خلطوا بين الأمرين: عندما يسمعونك تتكلم العربية وتستعمل عبارات وشعارات وطنية قومية ظنون أنك أنت منهم ساسيا وتنظيميا.
- تركي الدخيل، هذا فقط بالمشرق ووليس بالمغرب العربي؟
- محمد عابد الجابري: لا، في المغرب العربي ...
- تركي الدخيل: يفرقون بين...
- محمد عابد الجابري: طبعاً المسألة مفروغ منها..
- تركي الدخيل: في المغرب العربي أنتم أكثر فهماً للنظرية الحزبية من المشارقة العرب..
- محمد عابد الجابري: نحن كنا نتعامل مع الحزب الناصري (الاتحاد القومي ثم الاشتراكي) أو مع حزب البعث على أننا حركة تحتاج إلى إعانة وإلى تأييد دولي ... عندنا قضايا الصحراء عندنا قضايا أخرى وطنية، عدنا قضايا الديمقراطية داخل البلد، كنا نتعاون من أجا أهداف بلدنا والعالم العربي كله، ولم نكن حلفاء سياسيين داخل العالم العربي ككل.
- تركي الدخيل: ولذلك رفضت الجائزة.
- محمد عابد الجابري: لا، الجائزة وضعها مخنلف. طلبت مني قيادة حزب البعث أن أترشح.. أن أوقع استمارة الترشيح. لقد انتبهت إلى أن استمارة الترشيح فيها تخصصات متعددة ولكن ليس فيها تخص الفلسفة، فكتبت لهم أن تخصصي هو الفلسفة وهذه الجائزة لا تشتمل على هذا التخصص فأنا أعتذر..
- تركي الدخيل: ألم يطلبوا منك أنهم سيدرجون تخصصك..
- محمد عابد الجابري: طيب هذه مسألة بدت مصطنعة فاعتذرت مرة ثانية.
- تركي الدخيل: ألم تقع في حرج من اعتذارك؟
- محمد عابد الجابري: لا معي ولا معهم، لأني ذهبت عندهم وزرت العراق بعد ذلك وأصدقائي المثقفين وغير المثقفين الخ، لم يكن لهذا الأمر شيء من ردود الفعل، كما أنني دعيت ألف مرة لمهرجان المربد ولم أذهب، ولم يكن هناك ردود فعل بالنسبة لي على الأقل، وفيما أعلم وفيما أعاني أو ألمس، الحقيقة أني لم أشعر بأن بأي تغير.
- تركي الدخيل: أيضاً أنت اعتذرت يا دكتور محمد عن جائزة قُدمت لك من العقيدة القذافي زعيم الثورة الليبية.
- محمد عابد الجابري: ليس من العقيد كشخص، ولكن من اللجنة المكلفة بجائزة القذافي لحقوق الإنسان.
- تركي الدخيل: هل عندك موقف مثلاً من الجوائز التي تقدم من الزعماء؟
- محمد عابد الجابري: ليس لي موقف من الزعماء كزعماء، لكن أنا أعتقد أنه إذا كان مانديلا من قبل وبن بله قبلي مباشرة قد أخذا هذه الجائزة بنضالهما في مجال حقوق الإنسان، فأنا لم أقم بمثل ما قاما به في هذا المجال، فلم يكن ههناك ما يجمع بيننا على صعيد استحقاق الجائزة.
- تركي الدخيل: كان تواضعاً منك.
-محمد عابد الجابري: لا، ليس تواضعا. بل هو أمر واقعي. أنا ما كنت في صف بن بلة أو صف مانديلا، سأتعدى على حقوق الإنسان إذا أخذت الجائزة. ذلك أنه كان هناك المغرب وغير المغرب نشطون في لجان حقوق الإنسان واضحين وعاملين ومنظرين ومناضلين، أما أنا فلم يكن لدي في هذا المجال سوى كتابات، كتاب ومقالات...
تركي الدخيل: جميل، دكتور لنأت على جانب آخر وهو بعض الانتقادات التي تعرضت لها أطروحات. من ذلك ما يقوله الشاعر السوري أدونيس: إن الجابري لم يقدم أي فكر جديد في كل دراساته، وإنما صنف أكاديمياً ما قاله الذين سبقوه واستفاد من المناهج الغربية. وطه عبد الرحمن يأخذ عليك أنك تقوّل الكتاب ما لم يقولوا، ويقول: أن الجابري يسيء التصرف في النصوص ولديه فساد التعريف وفساد التصور والسقوط في التناقض وعدم تحصيل الملكة في العلوم الصورية والمنهجية والعجز عن نقد وتمحيص الآليات، كيف ينظر محمد عابد الجابري؟
- محمد عابد الجابري: ما ذكرته منسوبا لأدونيس لم أسمعه بأذني ولكن سأبني على ما سمتعه الآن، فإذا كنتُ إنما قمت فقط بالتصنيف وبمنهجية الخ، فالفيلسوف هذا دوره، الفيلسوف لا ينتج حقائق والفلسفة لا تعطي حقائق، الفلسفة، هي بالتعريف، بحث عن الحقيقة، وسبيلها إلى ذلك القيام بتصنيفات جديدة.
- تركي الدخيل: إذ، أنت لا تعترض على هذا.
- محمد عابد الجابري: إذا كان يرى في هذا نقصاناً فليعلم أن الفلسفة هي هذه. الفكر الفلسفة تقوم بالتصنيف والتجديد المنهجي. أما الإتيان بحقائق جديدة فهذا ميدان ليست فيه حقائق جديدة. الحقائق الجديدة تظهر فيما بعد نتيجة التصنيف والتجديد المنهجي. فهذا الاعتراض أو السؤال، في النهاية، يجده الممارس للفلسفة طبيعيا.
أما بالنسبة لاعتراض الأخ طه فأنا لو كنت في مكانه وأردت أن أصفه بما وصفني، لقلت : أنا لا أفهم الجابري أو لا أفهم ما يفهمه الجابري، وأظن أن الجابري لا يفهم ما أفهمه، ويكفي.
- تركي الدخيل: يعني سوء فهم.
- محمد عابد الجابري: أنا أفهم شيئا وهو من حقه أن يفهم شيئا، لكن ليس من الضروري أن أفهم ما يفهم، ولا أن يفهم هو ما أفهم.
- تركي الدخيل: يعني فيه رؤى مختلفة، فيه تباين.
- محمد عابد الجابري: هذا ضروري. لماذا يسمى فلان طه وفلان الجابري؟ لماذا يسمى فلان مثقف.. المثقفين هم ناس، كل واحد له شخصية له فردانية له، آراء له، مذهب له... وهو حر فيه ويحاسب من داخله. المسألة مسألة فهم، أنا قد لا أفهمه وقد لا يفهمني. هذه مسألة طبيعة. لماذا يختلف الفقهاء ويختلف الناس ويختلف الفلاسفة؟
- تركي الدخيل: طيب، هناك أكثر من أربع أو خمسة كتب طبعت في بلدان الشام تحديداً وفي بيروت والأردن ونحو ذلك، كلها تتعرض لأطروحة الجابري في العقل العربي، معظمها ينتقد أطروحة الجابري، كيف ينظر محمد عابد الجابري لهذا النقد؟ هل يدرسه؟ هل يتناوله؟ هل يتعاطى معه أم يقف موقفاً سلبياً منه؟
-محمد عابد الجابري: لا. أنا شخصياً، ولا أقول هذا افتخاراً أو مجاملة، يسرني أن تُكتب عني أربعة كتب وأنا ما زلت حياً. وربما بعد أن أغادر الدنيا ستكتب أكثر لكن ...
- تركي الدخيل: ممتع على الصعيد الشخصي!
- محمد عابد الجابري: لكن، إضافة إلى هذه الكتب التي انتقدَت، لعلك تعرف، ولعل المشاهدين يعرفون أو ينبغي أن يعرفوا أن مئات من شهادات الدكتوراه في العالم العربي وفي أوروبا وفي اليابان وفي أميركا... في كل مكان تكتب عن أعمالي تنتقد...
تركي الدخيل: مئات..
- محمد عابد الجابري: مئات، وأنا أتابعها، وفي كل مكان. فكون هذه الأطروحات جامعية وتجاز، تنتقد وتنوه، هذا لا يهم، لكن المهم هو أن يكون الإنسان حاضراً بهذا الشكل دليل على أنه يؤدي مهمة.
- تركي الدخيل: أن يكون مساهماً بشكل فاعل في الحراك الثقافي.. طيب.
- دكتور جورج طرابيشي قال: إن مشروع الجابري نقد العربي بأجزائه الثلاثة الأولى ليس كتاباً يثقف فحسب بل هو أيضاً كتاب يغيّر، فمن يقرأه لا يعود بعد قراءته كما كان قبل قراءته، لكنه أيضاً أي الطرابيشي يتهم الجابري، يتهمك بأنك انتصرت للبيان السني ضد العرفان الشيعي، ما تعليق الدكتور محمد؟
- محمد عابد الجابري: الواقع أن الفقرة الأولى التي ذكر فيها أن كتابي "يغيّر" إلى آخره ...
- تركي الدخيل: "لا يثقف بل يغير"،
- محمد عابد الجابري: كتبها مباشرة بعد صدور "نحن التراث". وما بين صدور نحن التراث وكتابته لهذا الكلام الأخير حدثت أمور لا أريد أن أتكلم فيها، والذين حضروا اجتماعاتنا وندواتنا يعرفون هذه الأمور. كتابات الطرابيشي عني لم أقرأها ما عدا كتابه الأول، قرأت المقدمة جملة أسطر ولما وصلت إلى عبارة يقول فيها: لقد أصبح الجابري يسيطر على لثقافة في العالم العربي فلنحاربه وننزله من عرشه، أقول لمل قرأت هذا الكلام أي ما يفيد هذا، وضعت الكتاب جانباً، ومنذ ذلك اليوم لم أعد أقرأ له.
- تركي الدخيل: لماذا؟
- محمد عابد الجابري: عندما يقول عني يجب أن ننزله من عرشه، فأنا لست على عرش...
تركي الدخيل: جميل، دكتور: آخر كتبك كان عن القرآن الكريم وهو "مدخل إلى القرآن الكريم" بعض الدارسين ذهب إلى أن هذا الكتاب وهو آخر كتبك جاء مختلفاً عن منهج الجابري، فهو لا يحتوي على جديد. وقال بعضهم أن عقلانية الجابري الرشدية تحولت فجأة إلى سلفية، وأن ما انتهى إليه الجابري هو ما ابتدئ به كبار المفسرين والعلماء كالقرطبي وعلماء التفسير بل وابن تيمية، هل ترى أنك اختلفت عن منهجك في هذا الكتاب؟ ثم في الختام لماذا اخترت الأمير طلال بن عبد العزيز لتهديه هذا الكتاب؟
- محمد عابد الجابري: الموضوعان مختلفان.
- تركي الدخيل: لكنهما يتحدثان عن كتاب واحد.
د. محمد عابد الجابري: كتاب المدخل إلى القرآن ومن بعده تفسير القرآن حسب ترتيب النزول، أعتقد أن ما صدر لا يكفي لفهمها لأن ما قلته في مدخل إلى القرآن كله كلام لم يكن حاضراً في الثقافة العربية المعاصرة، ولا يستطيع أن يقدر الإنسان مدى أهميته إلا بعد وقت، وكذلك صدور الجزء الأول من التفسير لا يكفي لكي يقدر.
- تركي الدخيل: كم جزء تنوي أن تصدر؟
- محمد عابد الجابري: ثلاثة أجزاء، جزآن في القرآن المكي وجزء في القرآن المدني حسب ترتيب النزول وبمساوقة بين مسار التنزيل ومسار الدعوة، هذا شيء جديد طبعاً. هناك من يفهم ومطلع على التفسير ويعرف جيداً ما الجديد عندي. لكن في الثقافة المعاصرة، فالذين قرؤوا للجابري كمثقف يتكلم عن هيغل أو ماركس أو كانط أو عن غيرهم من الفلاسفة سيجدون هذا غير، وهذا غير. وبالنسبة لي أنا قادر أن أكتب عن ماركس الآن أو عن هيغل الخ -إذا دعتني الضرورة- بالطريقة التي كتبت عنهما من قبل وربما أحسن. لكن أن أكتب عن القرآن شيء آخر، لابد أحترم النص، وهذا شرحته فسرته في مقدمة "نحن والتراث" حينما قلت يجب أن نطاوع مناهجنا مع النص لا أن نجعل النص يطاوع مناهجنا. يجب أن نحترم النص أياً كان، فلسفيا أو دينيا أو غيرهما لا أن نجعل النص مطاوعاً لمناهجنا وميولنا...
- تركي الدخيل: طيب ما أثير من لغط حول إشارتك في أحد المقالات التي كانت جزء من الكتاب إلى نقص أو تحريف في القرآن، ثار كثير من الجدل حول هذه المسألة؟
- محمد عابد الجابري: هذه مسألة "فيها شوية من المهنة الصحفية" التي تغلب فيها الرغبة في السبق الصحفي.
- تركي الدخيل: أو الإثارة البحث عن الإثارة.
- محمد عابد الجابري: الإثارة أو السبق الصحفي، مقالة منتزعة من فصل في الكتاب نشرتها ضمن سلسلة مقالات قبل صدور الكتاب ، وقد عرضتُ في هذه المقال ما روي في الموضوع في كتب الحديث والتفسير وغيرهما على أن أعرض رأيي أنا في المقالة التالية، وهو في الحقيقة كان معروضا في الكتاب الذي كان تحت الطبع وقد ظهر بعد أيام فقط من هذه المقالة. فالذين قرأوا تلك المقالة ولم يراعوا موقعها في سياق المقالات اكتفوا بـالهتاف: "ويل للمصلين"... أما الذين كانوا يتتبعون المقالات ولم يكن في نفوسهم شيء مما يقال عنه إنه في "نفس يعقوب"، فقد فهموا أن التوضيح سيأتي في المقال التالي.
- تركي الدخيل: تقصد ما سقط وقيل عن القرآن..
- محمد عابد الجابري: أوردت ما قيل ولم أقل أنا شيئاً..
-تركي الدخيل: يعني أنت تستعرض الأقوال ثم تنقدتها بعد ذلك.
-محمد عابد الجابري: أوردت الأقوال ثم أبديت رأيي فيها فيما بعد، ورأيي كان إيجابياً أكثر من الذين انتقدوني.
- تركي الدخيل: طيب آخر شي لماذا أهديت الأمير طلال هذا الكتاب؟
- محمد عابد الجابري: لقد قلت في كلمة الإهداء أنه لم يسبق لي أن أهديت أي كتاب من كتبي التي كانت قد بلغت 31 كتاباً. لكن مع هذا الكتاب شعرت فعلاً أنه عليّ دين لا بد أن أصرح به فكان الإهداء لثلاثة أشخاص أقدّر أنهم لهم فضل كبير في هذا الذي قمت به:
- زوجتي التي تكفلت بشؤون البيت وبالأولاد..
- تركي الدخيل: عملت من أجل تفرغك للبحث.
- محمد عابد الجابري: التفرغ الكامل.. قامت هي بكل شيء. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أصبت بأزمة أثناء ندوة في عمان/الأردن، وكانت لدي مشاكل صحية كبيرة فأدخلت إلى مصحة الملك حسين وتقرر أن يفتح قلبي إلى آخره الخ، بعد أن كنت قد مررت بفرنسا وأجريت فحوصا.. لم يتبين منهما ما يقتضى بالعملية. خلال ندوة عمان وبينما أخذت الكلمة لن أستطع التكلم بسهولة. فقام بعض الأصدقاء من السعودية ومنهم الأصدقاء منهم سميك عبد العزيز الدخيل وفريدة العلاقي صديقة الأسرة العاملة آنذاك في الدائرة العامة للأمير طلال بإخبار الأمير (هذا علمته فيما بعد) ولم أكن أعرف الأمير طلال ورما لم يكن يعرفني، المهم أن هؤلاء الأصدقاء أخبروني في اليوم التالي أنه لابد أن أذهب إلى "مايو كلينيك" وهي كما تعلم أشهر وأهم مصحة في الولايات المتحدة الأميركية، فقلت لهم إن الأمر لا يقتضي هذا، سأعود لإلى المغرب وأترقب. لكن عندما وصلت منزلي بالمغرب وبعد يوم فقط إذا بمكالمة تلفونية من هؤلاء الأصدقاء، يطلبون مني لاتصال بمكتب الخطوط السعدية بالدار البيضاء للذهاب إلى مايو كلينيك الخ،
- تركي الدخيل: تبرع الأمير طلال بعلاجك.
- محمد عابد الجابري: عرفت فيما بعد أنه تكفل وأعطى أوامره الخ، تكفل بجميع...
كانت تلك البداية، ولكن علي أن أذكر أني ذهبت إلى مايو كلينيك خمس مرات وكلها بإلحاح منه: مرة بسبب المشاكل القلبية لتي ذكرت، ومرة بسبب يدي التي كانت مهددة بالشلل، ومرة أخرى بسبب عيني اليمنى التي انفجر فيها عرق داخل الشبكية ... فهذا الرجل أنفق من ماله، وليس المهم هو المال، لكن هو المهم هو الإرادة والتتبع والحرص، وهذا يعني أنه يستحق أن أ رد له بعض الجميل، فهو ساهم في هذا الإنتاج، لأنه لولا هذه المبادرة التي قام بها فربما كنت غير متمتع بالصحة التي واصلت بها هذا المشروع.
- تركي الدخيل: أتمنى أن يديم الله عليك الصحة شكراً لك دكتور محمد عابد الجابري.
د. محمد عابد الجابري: بارك الله فيك، وشكراً جزيلاً.