الصفحة الأولى     السابق

 

 

11- الشيعة جهة بترولية... وإيران على خارطة الطريق!

 

 

محمد عابد الجابري

تشكل "الحالة العراقية" الراهنة –وأقصد الوضع الراهن الناشئ عن الاحتلال العسكري الأمريكي لهذا القطر العربي الشقيق- حالة فريدة في التحول من نظام في الحكم إلى آخر. كان هناك نظام شمولي أبرز خصائصه حكم فردي ومطامح وطنية معلنة (بناء دولة قوية اقتصاديا وصناعيا وعسكريا ذات "رسالة" تتمثل في تحقيق الوحدة العربية). وقد دخل باسم هذه المطامح في صراعات إقليمية ودولية انتهت به إلى السقوط تحت نيران قوة عاتية غازية، بررت تدخلها بـ "تحرير الشعب العراقي" من الاستبداد وتمكينه من تسيير شؤونه بنفسه في إطار حكم ديموقراطي تسهر القوة الغازية على إقامته!

كيف نفكك "الحالة العراقية" هذه؟

يمكن للمرء أن يطرح بادئ ذي بدء –والمسألة مطروحة فعلا- مسألة الشرعية والمصداقية : فمن جهة قامت الإدارة الأمريكية بشن حرب على العراق ضدا على إرادة جميع الجهات التي كان يمكن أن تمنح هذه الحرب نوعا من الشرعية، ابتداء من مجلس الأمن الدولي إلى الجامعة العربية إلى الرأي العالم العالمي. ومن جهة أخرى لم يتردد رجال تلك الإدارة في التصريح، علانية، بأن الهدف من هذه الحرب هو الدفاع عن "المصالح الأمريكية" التي تتمثل في ضمان الحصول على البترول، ليس من العراق فحسب بل من الشرق الأوسط كله، باعتبار أن النظام الشمولي في العراق كان يهدد، بمطامحه المعلنة وحكمه الفردي، تلك المصالح. ولا جدال في أن ربط هذا التدخل الأمريكي بـ "المصالح الأمريكية" ينزع المصداقية عن كل دعوى أخرى من قبيل "تحرير الشعب العراقي وتمتيعه بحكم ديموقراطي".

وإضافة إلى مسألة الشرعية والمصداقية هناك مسألة الإمكان الفعلي خصوصا بعد أن عبر الشعب العراقي، ولازال يعبر، عن رفضه للاحتلال الأمريكي. ويبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد استبعدت تماما هذا النوع من الرفض الشعبي الشامل، عندما كانت تخطط لعملية الغزو. ذلك أن كل الدلائل تشير إلى أن المسئولين كانوا متأكدين من أن الشعب العراقي سيستقبل قواتهم بالورود، وأنه سيتعامل معها بوصفها "المنقذ المحرر"، على غرار ما قوبلت به في الكويت عام 1991. غير أن الذي حدث هو أن الإدارة الأمريكية قد وقعت ضحية "قياس" لم يراع فيه الفارق. إن كون المستهدف في الحالتين هو "صدام حسين وقواته" لا يبرر مطلقا التوحيد بينهما على جميع الأصعدة. فالوضع القانوني للتدخل الأمريكي في الكويت كان يتحدد بكون هذا التدخل قامت به قوات دولية، تحظى في الجملة بتزكية الرأي العام العالمي، كلفت من طرف مجلس الأمن بطرد قوات محتلة انتهكت سيادة دولة أخرى. أما في العراق فالتدخل العسكري الأمريكي هو قوة أجنبية محتلة انتهكت سيادة دولة أخرى، ضدا على إرادة مجلس الأمن والرأي العام العالمي. فالوضع القانوني للقوات الأمريكية في العراق اليوم لا يختلف في شيء عن الوضع القانوني للقوات العراقية في الكويت بالأمس. ولذلك كان من الطبيعي أن يستقبلها الشعب العراقي بمثل الرفض الذي استقبل بها الشعب الكويتي القوات العراقية عام 1990. وإذن فـ "الفارق" بين وضعية العراق اليوم ووضعية الكويت بالأمس هو فارق جوهري يلغي كل قياس بينهما. ولا شك أن "البعد الواحد" الذي يحكم تفكير رجال الإدارة الأمريكية، البعد الذي تؤطره "المصالح القومية الأمريكية في العالم" وفي مقدمتها البترول، هو الذي جعلهم يهملون هذا الفارق، وبالتالي ينساقون مع الرغبة في أن يكون استقبال شعب العراق لهم مماثلا لما شاهدوه في الكويت عام 1990.

ومهما يكن من أمر فالواقع الحاصل الآن هو أن القوات الأمريكية تحتل العراق رغم أنف أهله من أجل البترول! فكيف يمكن أن تقيم فيه حكما ديموقراطيا كما تدعي؟

المعطيات السياسية الظرفية السائدة الآن في المنطقة تجعل من هذا السؤال "سؤال المأزق"! ومن هذه المعطيات ما يلي:

1- الأكراد يطالبون بنظام حكم فيدرالي للعراق ككل، يسمح لهم بحكم ذاتي واسع يمكنهم من ممارسة شؤونهم بأنفسهم على غرار ما هو قائم منذ 1991 حينما طردت القوات الأمريكية من هناك السلطة العراقية وجعلت المنطقة في وضع "انفصالي" تحت حمايتها. والديموقراطية في نظر أكراد العراق تقتضي دسترة (إضفاء الصبغة الدستورية) على هذا النوع من "الوضع الانفصالي"، الذي فرض بقوة التدخل الأمريكي وحمايته، بالصورة التي تجعل منه اختيارا ديموقراطيا من طرف "الشعب الكردي"! و"السؤال المأزق" الذي يطرحه هذا الاختيار الديموقراطي ذو شقين: أولهما هل ستقبل تركيا هذا النوع من "الوضع الفيدرالي" الذي ترى فيه "تهديدا مستقبليا" لوضع الدولة التركية كما هي الآن؟ وثانيهما هل ستقبل الأطراف الأخرى في العراق دسترة هذا "الوضع الانفصالي"، ومنها أقليات إثنية أخرى لا تخفي اعتزازها الإثني ولا تضايقها من هيمنة الأكراد من جهة أخرى.

2- الشيعة تشكل أغلبية بارزة في العراق ككل، وتقتضي الديموقراطية تسلمها للحكم، أو على الأقل حضورها فيه بوزن أكبر وأهم من وزن أية قوة أخرى! والسؤال "الديموقراطي" الذي يفرض نفسه بإلحاح هو التالي: هل ستطبق الإدارة الأمريكية، التي ندبت نفسها لتحقيق الديموقراطية في العراق، مبدأ حكم الأغلبية فيه؟ وإذا عملت على دسترة "الوضع الانفصالي" في الشمال وطالب سكان الجنوب بالشيء نفسه فهل ستمكنهم من وضع فيدرالي مماثل؟ إن الديموقراطية تقتضي المساواة وبالتالي فهي لا تقيم أي تفاضل بين حق الجماعات الإثنية والجماعات الطائفية!

3- يقال إن النموذج اللبناني (حيث الرئيس مسيحي ماروني، ورئيس مجلس النواب شيعي، ورئيس الحكومة سني) يمكن أن يصلح للعراق. وفي نظري أن المقارنة يجب أن تكون عامة وليست انتقائية. يجب أن نستحضر ليس الصيغة الدستورية وحدها، بل يجب أن أيضا نضع بين أعيننا انفجار هذه الصيغة نفسها بواسطة حرب أهلية دامت ما يقرب من خمسة عشر سنة وانتهت بوجود سوري عسكري وسياسي لا شيء يضمن أن الحرب الأهلية لن تعود إذا انسحب غدا. فالتدخلات الخارجية والتناقضات الداخلية التي أشعلت الحرب الأهلية بالأمس يمكن أن تتحرك غدا ... أضف إلى ذلك أن :الحالة العراقية" اشد تعقيدا من الحالة اللبنانية.

4- ومن أهم جوانب هذا التعقيد ما يلي: إذا نحن افترضنا أن الشيعة في جنوب العراق (أو أغلبية منهم) طالبت بوضع مماثل للوضع الذي يطالب به الأكراد فإن "السؤال المأزق" سيزداد تعقيدا: ليس فقط بسبب وجود إيران كدولة شيعية جارة مباشرة لجنوب العراق من جهة الشرق، بل أيضا بسبب وجود "أقليات" شيعية في دول مجاورة من جهة الجنوب ابتداء من الكويت والسعودية إلى البحرين والإمارات الخ. وإذا نحن أضفنا إلى هذا عنصر "البترول" الذي يوحد، في نظر الاستراتيجية الأمريكية، بين هذه المناطق الشيعية الممتدة على ضفتي الخليج، العربي الفارسي، فإن تفكير رجال الإدارة الأمريكية، ومن يدعمهم ويقف وراءهم ممن هم واقعون تحت تأطير "البعد الواحد" الذي يتحدد بالبترول، سيتعامل مع مقولة "الشيعة" لا بوصفها طائفة دينية بل بوصفها "جهة بترولية"!

كانت هذه "الجهة البترولية" تحت تصرف الولايات المتحدة الأمريكية اقتصاديا واستراتيجيا زمن حكم الشاه في إيران، أي من بداية الحرب الباردة إثر الحرب العالمية الثانية إلى أن قامت الثورة الإسلامية الخمينية في أواخر السبعينات من القرن الماضي. ومنذ أن قامت هذه الثورة مستهدفة تصفية الهيمنة الأمريكية على "إيران البترول" و"إيران الموقع الاستراتيجي" غدت "إيران" –كل الصيد في الفرا- تشكل في نظر الولايات المتحدة الأمريكية العدو الذي سيعتبره رئيسها الحالي جورج بوش ثالث ثلاثة في ما أسماه "مثلث الشر". لقد تم القضاء على أحد أطراف هذا المثلث، أعني "عراق صدام حسين" والعمل جار من أجل تفكيك الطرف الثاني وتدجينه بالوعد والوعيد، أعني كوريا الشمالية. ويبقى النظام الإيراني؟ فهل ستنقل الإدارة الأمريكية إليه "ديموقراطية الغزو"؟ إن منطق "البعد الواحد" (البترولي) يقضي بأنه بدون إسقاط الجمهورية الإسلامية الخمينية في إيران ستبقى الشيعة، بوصفها "جهة بترولية"، خارج "ديموقراطية الغزو الأمريكي".

والسؤال الذي لا بد أنه يقلق الإدارة الأمريكية هو : كيف السبيل إلى إسقاط النظام القائم حاليا في إيران؟

قد يرى بعض الناس أن إقدام الإدارة الأمريكية على إسقاط النظام القائم في إيران أمر مستبعد. إذ كيف يمكنها تبرير ذلك!

وأنا أعتقد أن هذا الأمر مستبعد فعلا، ولكن فقط من منظور عقل يمارس التفكير في مجال متعدد الأبعاد. والتفكير في مجال متعدد الأبعاد هو من خصائص عقل لا يسيطر على موضوعه السيطرة التامة، إما لأن الأدلة تتكافأ عنده، وإما لأنه لا تهيمن عليه قضية واحدة مصدرها الرغبة الجامحة. أما العقل الذي يعتقد أنه يملك من القوة ما يجعله يرى "الحقيقة" ملء يديه، والذي يصدر عن شعور جامح بأنه "وحده في العالم"، فهو عقل يفكر ضمن بعد واحد. وعندما يشتد القلق على العقل الذي يفكر ضمن بعد واحد فإن رد الفعل الوحيد الذي يجب أن نتوقع منه هو الهروب إلى الأمام. والهروب إلى الأمام فيما يمكن أن يسمى غدا بـ "الأزمة الإيرانية"، كما كان الإعلام العربي يطلق بالأمس القريب اسم "الأزمة العراقية" على هروب الإدارة الأمريكية إلى الأمام بشأن العراق، مع أن الأزمة لم تكن في العراق وإنما كانت في "العقل الأمريكي"، أقول إن هروب الإدارة الأمريكية إلى الأمام، إزاء ما قد يسمى غدا بـ "الأزمة الإيرانية"، يمكن أن يتخذ الشكل نفسه الذي اتخذه في العراق، أعني اتهام النظام الإيراني بنفس التهم التي اتهم بها النظام العراقي: امتلاك أسلحة الدمار الشامل، مساندة الإرهاب (حزب الله في لبنان وحماس في فلسطين، مثلا)، ممارسة حكم استبدادي على الشعب الإيراني والقائمة طويلة.

***

وبعد، فقد كان السؤال الذي طرحه المحللون الاستراتيجيون في الولايات المتحدة عقب سقوط الاتحاد السوفيتي هو التالي: لقد سقط العدو الشيوعي فمن سيكون العدو غدا؟ فكان العدو هو ابن لادن والطالبان وكان غزو أفغانستان. وفي الحين طرح السؤال: لقد سقط الطالبان وتشرد ابن لادن، فمن سيكون العدو غدا؟ فكان العدو الجديد هو صدام حسين وياسر عرفات! والآن وقد سقط صدام حسين وتم تحييد عرفات يطرح السؤال من جديد؟ والجواب فيما نعتقد سيكون إيران!

العقل الأمريكي عقل "مرتجف"، لا يعترف بالثوابت ولا بالقيم، فقيمة القيم عنده هي المنفعة. ومنطق المنفعة لا ينطلق من مقدمات ولا ينتهي إلى خواتم: لنقل إنه "بروسيس" (سيرورة ، من السير) كما قال عن اتفاقية أسلو، أو إنه سير على "خارطة الطريق" أو "ورقة الطريق"... خارطة أو ورقة غير مسطورة ولا مكتوبة وإنما عليها أشباح سطور ومثالات حروف.