12- إشكالية العلاقة بين الوطنية والديموقراطية
في العراق وفلسطين
محمد عابد الجابري
العلاقة بين الوطنية والديموقراطية علاقة من النوع الإشكالي، بمعنى أنها ليست عبارة عن مشكلة بل هي إشكالية. والفرق بين المشكلة والإشكالية –في تصورنا على الأقل- أن الأولى تحيل إلى وضع معقد ملتبس يطرح أسئلة من نوع ما هو؟ أو كيف؟ أو لماذا؟... أسئلة يفترض فيها أنها تقبل الإجابة عنها بعد التحليل والمناقشة، ومن خلال التجريب إذا كان الموضوع مما يمكن إجراء التجارب عليه. وبهذا المعنى نتحدث عن مشكل أخلاقي أو فلسفي أو اجتماعي أو سياسي أو رياضي أو فيزيائي الخ. أما الإشكالية فهي مجموعة من العلاقات المترابطة الملتبسة، تطرحها مشكلتان أو أكثر، عندما تتداخلان فتشكلان ما يشبه مأزقا نظريا –أعني ذهنيا- يتمثل في كون الحل الذي يمكن اقتراحه يثير مشكلا يلغيه أو يجعله ملتبسا مشكوكا فيه. فالإشكالية إذن هي صعوبة نظرية تقلق الذهن لكونه يجد نفسه، كلما اعتقد أنه يقترب من حلها، أمام مشاكل أخرى تثيرها في وجهه جوانب من تلك الإشكالية فتحول الحل المأمول إلى ما يشبه السراب. ومن هنا كانت الإشكالية لا تقبل الحل ذهنيا بناء على المعطيات القائمة. إن الحل في العادة يأتي من خلال التغيير الذي قد تحدثه الممارسة العملية في عناصرها الجوهرية، أو في العلاقات القائمة بينها، الشيء الذي ينعكس أثره على الإشكالية ككل فتخف حدتها وتفقد الطابع الإشكالي بأن تتحول مثلا إلى مشاكل جديدة من النوع "العادي".
هذه التحديدات النظرية تجد ما يخفف من طابعها النظري المجرد في العلاقة بين الوطنية والديموقراطية كما تطرح في ذهن المحلل الذي يفكر فيها، مثلا، من خلال الوضع الراهن في العراق أو الوضع القائم في فلسطين.
العراق يعيش اليوم وضعا فريدا: غزو خارجي يريد –أو على الأقل يدعي أنه يريد- أن ينقله من "الديكتاتورية" إلى "الديموقراطية". يمكن أن نغض النظر مؤقتا عن مصداقية هذه الدعوى –أعني عن الأغراض الحقيقية للدولة الغازية والتي لم تتردد هي نفسها في الإعلان عنها وفي مقدمتها البترول- لنركز اهتمامنا في المسألة من الناحية النظرية وبالتحديد في الإمكان الفعلي للانتقال المنشود.
من الواضح أن الانتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية أمر ممكن ومطلوب. الديموقراطية هي البديل الذي يطلبه الناس عندما يكونون في حالة معاناة من وضع غير ديموقراطي. ويقوى الطلب على هذا البديل ويزداد إلحاحا كلما كان "الوضع غير الديموقراطي" أبعد عن الديموقراطية، وبالتالي أمعن في الديكتاتورية، التي نعني بها هنا معناها العام المتداول وهو الحكم الاستبدادي الشمولي.
وإذا نحن استقرينا الأوضاع التي تم فيها الانتقال من الديكتاتورية إلى الديموقراطية في العصر الحديث سنجد أن عملية الانتقال تلك قد تمت في أغلب الحالات، إن لم في جميعها، عقب ثورات شعبية، أو على الأقل عبر مسلسل من التطور الداخلي يخلو من التدخل الخارجي المباشر. بعبارة أخرى لم يحدث في التاريخ الحديث –حسب علمنا- أن قامت الديموقراطية في بلد من البلدان بواسطة تدخل مباشر من قوى خارجية غازية. وأكثر من ذلك يمكن القول إن ما يحدث في العادة هو العكس تماما، وهو أن تنتقل الدولة من وضع ديموقراطي إلى وضع أقل ديموقراطية، أو شمولي بالمرة، عندما يكون البلد المعني مضطرا إلى جبهة وطنية موحدة أو إلى زعيم قائد لمواجهة غزو خارجي. ذلك لأن الديموقراطية تقتضي حرية التعبير والتعدية والخلاف والاختلاف والصراعات الداخلية الخ، وهذه مظاهر قد تقتضي المصلحة الوطنية التضحية بها أو مصادرتها من أجل "توحيد الصف والكلمة" لمواجهة الخطر الخارجي. وبعبارة أخرى: عندما يكون الوطن مهددا بالغزو أو واقعا تحت وطأة الاحتلال فإن الديموقراطية تترك مكانها للوطنية.
وإنما وصفنا الوضع الراهن في العراق، من قبل، بكونه "فريدا" لأنه وضع تُطلَب فيه الديموقراطية والوطنية معا. وقد لا يحتاج المرء إلى القيام ببحث ليلمس هذه الحقيقة. قد يكفي الاستماع إلى شعارات المتظاهرين في شوارع بغداد التي يتردد فيها شعار: " لا للأمريكان، نعم للديموقراطية". إن عبارة "لا للأمريكان" أو "لا للاحتلال" تنتمي إلى مقولة "الوطنية": تحرير الوطن، الدفاع عن الوطن الخ. والوطنية بهذا المعنى تعلو على أي مطلب آخر، وتتطلب تأجيل –وأحيانا التضحية- بالمطالب الأخرى، من قبيل الحق في حرية التعبير مثلا، وهي عنصر جوهري في الديموقراطية، إذا كانت تلك الحرية ستؤدي إلى خلافات تضر بالقضية الوطنية. وقد يقتضي الكفاح من أجل حرية الوطن واستقلاله ووحدته، تأجيل إقامة المؤسسات المنتخبة التي هي الهياكل الضرورية لممارسة الديموقراطية. على أن هذا النوع من التعارض بين الوطنية والديموقراطية يرتفع إلى مستوى التنافي –نظريا على الأقل- إذا أخذنا بعين الاعتبار كون الجهة أو الجهات التي يراد إقامة الديموقراطية بواسطتها أومن خلالها هي جهات ليس هناك ما يدل على أن لها من التمثيلية ما يجعلها تعكس فعلا إرادة الشعب. إن شعار "لا للأمريكان" ينطوي على رفض، ليس فقط لأشخاص أمريكيين "أصلاء" بل أيضا لمن تأتي به الإدارة الأمريكية من العراقيين الذي عاشوا في الخارج سواء بجنسية أمريكية أو بريطانية أو فقط بجنسية عراقية. إنه لا أحد يستطيع أن ينزع من أي مواطن، سواء كان داخل الوطن خارجه، حقه في أن يكون له الحق نفسه الذي للمواطنين الآخرين، في العملية الديموقراطية. ولكن الديموقراطية لا تجيز لأي منهم أن يتولى من تلقاء نفسه أو بانتداب من قوى خارجية الإشراف أو الإعداد للبناء الديموقراطي. والذين يبنون الديموقراطية في بلدانهم عقب انهيار حكم غير ديموقراطي كان قائما فيها هم أولئك الذين يكونون قد قادوا الثورة من أجل الديموقراطية، كما حدث في الثروة الفرنسية والثورات في بريطانيا كما في الثورة على حكم فرانكو في إسبانيا والثورة على حكم سلازار في البرتغال وهلم جرا. ومثل هؤلاء الثوار غير موجودين في العراق. فالحكم غير الديموقراطي في العراق لم تسقطه ثورة من الداخل، وإنما أسقطته قوة خارجية شنت حربا على العراق ككل، من أجل الهيمنة على بتروله وصولا إلى إحكام السيطرة على بترول المنطقة ككل. وهذا باعتراف الطرف الذي قام بالعدوان.
ويتساءل القارئ: وما الحل إذن؟
والجواب، كما ألمحنا على ذلك قبل، هو أن الأمر يتعلق بإشكالية لا يمكن أن تجد لها حلا نظريا ما دامت لم تتغير فيها بعض المعطيات. ومن جملة التغييرات التي يجب أن تحدث، لكي يفسح المجال لقيام ديموقراطية على أساس الشرعية الوطنية، ما يلي على سبيل المثال لا الحصر:
إذا حدث أن قامت ثورات محلية في مدن العراق ضد الاحتلال الأجنبي وتأسست خلالها لجان حكم محلية تتولى تدبير الشأن العام فإن هذه اللجان، التي تكون قد اكتسبت الشرعية الوطنية بالثورة على الأجنبي، يمكن أن تشكل أو تنتخب جمعية تأسيسية تضع دستورا ديموقراطيا للبلاد وتنتخب من بين أعضائها حكومة تتولى إجراء انتخابات حرة من أجل إقامة مؤسسات تمثيلية: برلمان، حكومة الخ. في هذه الحالة فقط يمكن توفير الشرعية الوطنية للبناء الديموقراطي في عراق اليوم.
***
نأتي الآن إلى الحالة الفلسطينية التي لا تختلف في طبيعتها عن الحالة العراقية.
ما هو مطروح اليوم كحالة فلسطينية تطرح إشكالية من النوع الذي تحدثنا عنه قبل هو وجود "سلطة حكم ذاتي" تتبنى الديموقراطية منهجا، يراد لها أن تتحول إلى دولة ما من خلال المفاوضات، وبجانبها مقاومة مسلحة تتبنى "الوطنية" منهجا بمعنى أنها لا تؤمن أو لم تعد تؤمن بجدوى متابعة مسار أسلو، مسار "السلطة-الدموقراطية-المفاوضات".
تتمثل الإشكالية هنا في كون الوضع الطبيعي، الذي عرفه التاريخ المعاصر، هو أن مرحلة الكفاح من أجل الاستقلال، ومنه الكفاح المسلح، تنتهي –إذا ما أريد أن يكون لها نهاية- إلى مفاوضات في إطار شروط وضمانات ينتزعها كل طرف من خصمه معتقدا أنها تضمن عدم الرجوع إلى وراء. كان ذلك ما حدث في بلدان عربية وغير عربية تحررت من الاستعمار بعد كفاح وطني.
وكان ذلك هو الدرب الذي سار فيه الفلسطينيون عندما أدت انتفاضة الحجارة إلى جلوس القيادة الفلسطينية مع ممثلي الحكومة الإسرائيلية للتفاوض الذي أسفر عن الاعتراف المتبادل والشروع في مسلسل كان يقال عنه إنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى قيام الدولة الفلسطينية.
غير أن الذي حدث هو أن هذا المسلسل قد توقف عند مرحلة من مراحل بناء "الحكم الذاتي". لم يتوج بالمرحلة النهائية لأن عناصر جوهرية في القضية، أعني قضية القدس وقضية اللاجئين ومسائل مشابهة، لم تكن قد طرحت في البداية ليحصل الاتفاق عليها بالصورة التي تعطي الضمانة لكل طرف بأن الأمور لن ترجع القهقرى. فلما طرحت هاتان القضيتان الجوهريتان "وقف حمار الشيخ في العقبة" كما يقول المثل، ولكن مع تغييرات حصلت. فمن جهة تمكن الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، خلال سنوات التفاوض من أجل "الحكم الذاتي"، من الانتقال التدريجي إلى حكم وطني محلى وجدوا فيه ما سمح لهم بالقيام بنوع من الاستعداد والإعداد لنوع من الانتفاضة، يتجاوز نطاق انتفاضة الحجارة إلى العمل المسلح. وعندما ردت إسرائيل بإعادة احتلال الضفة والقطاع انتقلت الانتفاضة الجديدة إلى العمليات الاستشهادية في عقر دار إسرائيل نفسها. ومن هنا نشأ وضع فريد: أرض محتلة يقاوم أهلها الاحتلال بعمليات في أرض المحتل. لنتصور أن المقاومة الجزائرية مثلا لجأت، تحت ضغط الظروف، إلى القيام بعمليات استشهادية في فرنسا ذاتها كبديل عن الثورة في أرض الجزائر نفسها، فكيف كان سيكون الوضع، وضع الثورة الجزائرية ووضع الحكومة الفرنسية؟
أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه كان سيكون وضعا إشكاليا بالمعنى الذي شرحناه قبل.
الوضع الفلسطيني اليوم وضع إشكالي فعلا. وضع يراد له أن يجمع بين الوطنية (الكفاح المسلح من أجل الاستقلال) وبين الديموقراطية (حكومة تمثيلية) تقوم بتسيير الشأن الفلسطيني وفي مقدمته مفاوضات الاستقلال. كان يمكن أن يكون هذا الوضع طبيعيا –قياسا لما حدث من قبل في الجزائر وفيتنام وغيرهما- لو أن الكفاح المسلح من أجل الاستقلال يتم في الأرض الفلسطينية التي تفاوض حكومة السلطة الفلسطينية من أجلها. أما أن يكون الكفاح يتم من خلال عمليات فدائية في إسرائيل ومن أجل تحرير أرض فلسطينية تقع خارج إسرائيل وفيها سلطة تقوم على هياكل ديموقراطية، فهذا وضع إشكالي فريد.
وضع إشكالي حقا، جديد فعلا! تماما كما هو إشكالي وجديد تعبير "خارطة الطريق" التي يراد من السير على "هدى" ضبابها تجاوز ما هو إشكالي في القضية الفلسطينية اليوم.