14- لماذا لا يترك العرب أمريكا تقيم فيهم الديموقراطية..!
أليس "إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر"؟
محمد عابد الجابري
هذا مقال من نوع "قول على قول"!
القول الأول:
سألني مراسل محترم في رسالة بعثها من بعد على البريد الإلكتروني قال فيها: "الأستاذ الجابري تحية لكم. في البداية أود أن أعبر لكم أني من متابعي كتاباتكم وخاصة فيما يتعلق بالعقل العربي ... واليوم وددت معرفة تعليقكم حول هذا السؤال: لماذا يقاوم المفكرون العرب (بثلاثة أطرافه الإسلامي والقومي والاشتراكي-الشيوعي) أميركا والقيم الأمريكية؟ لست باحثاً عن إمبريالية ولا عن الشيطان، لكن هذا "الشيطان" وهذه "الإمبريالية" تشجع النساء على المشاركة في صنع القرار السياسي والحياة السياسية وتريد (اليوم على الأقل) أن تكون الأنظمة العربية القمعية بشكل عام، والمغيبة لدور الفرد في المجتمع ودوره في سياسة الدولة بشكل فعال، أن يكون له دور، لأنني حسبما أراه، أصبحت هذه الأمور من أمور الأمن القومي الأمريكي (وليس حباً للعرب ولسواد أعينهم)؟
ما أفشل في فهمه هو ما يلي: إن كانت تطلعات أي شعب مقهور تتركز نحو الخلاص من القمع والقهر، لماذا هذه المقاومة التي لم يعد لها مبرر؟ فالحاكم العربي مارس أشد وأسوء أنواع القمع. ولماذا أو على ماذا نخاف؟؟
نفطنا؟ الحاكم العربي أعطاهم كل النفط!
الثروات والآثار؟ الحاكم يسرقها من البلد ويبيعها بشكل سري للغرب؟
ما أريد قوله هو التالي: بدأت أرى دخول الأمريكان أهون على العرب من العرب لأن الأمريكان سيسرقون نصف النفط أو حتى كله، لكنهم لن يكمموا أفواه الناس، ولن يمارسوا تشنيعاً أكثر قبحاً من الذي يمارسه الحاكم العربي.
الاستعمار؟ أليس الاستعمار هو من يقتل وينهب ويقمع.... وعلى من تنطبق هذه المواصفات؟ قد ينطبق بعضها على الأمريكان. لكن تنطبق هذه الأوصاف على الحاكم العربي أكثر من أي استعمار.
و من هنا، لماذا هذه المقاومة؟ هل لأننا نعشق الأدلجة والتنظير ونرفض رؤية الواقع الإنساني؟ إن رغبت أمريكا ضم العراق إليها كولاية 51، فهذا سيضمن للعراقيين حقوقا لم يعرفها تاريخ العراق وسيضمن لهم حياة كريمة ورفاهية.
لماذا هذه المقاومة؟ هل لأننا رضعنا مع حليب أمنا كره أمريكا؟ هذه لا عقلانية، والعقلانية تفرض النظر إلى مصلحة الفرد وليس إلى أيديولوجيات؟
لم أعد أفهم، لماذا هذه المقاومة؟ هل لأنها أميركا القوية؟ وهناك دوما مقاومة لكل قوي مستفرد بالقوة؟؟
شاكرا لكم التعليق.
المحامي فلان. (من بلد يقع خارج العالم العربي)
***
لا أريد أن أعلق الآن على جميع ما ورد في رسالة الأخ، بل سأكتفي بالتركيز على ما يؤسس وجهة نظره التي فيها صدق، وفيها بعض الصواب كالذي حكاه عن "الحاكم العربي". سأبدأ بملاحظة أن سؤاله "لماذا يقاوم المفكرون العرب (بثلاثة أطرافه الإسلامي والقومي والاشتراكي-الشيوعي) أميركا والقيم الأمريكية؟"، فأقول إنه سؤال يحتاج شيء من التخصيص، إلى شيء من الفحص. ذلك أن المفكرين العرب لا يقاومون جميعا أمريكا والقيم الأمريكية كما يفهمها كاتب الرسالة. بل منهم، ومن التيارات الثلاث التي ذكرها، من يفكر مثل تفكيره، مدفوعا بنفس الدوافع ومن أجل نفس الأهداف. ولكن فيهم أيضا من يفكر مثل تفكيره تماما، ولكن بدوافع مختلفة تماما ومن أجل أهداف مناقضة للأهداف التي يتوخاها. وسأقتصر على هذا النموذج الأخير. وآمل يكتشف صاحبي من القولين التاليين أنه بحاجة إلى مراجعة وجهة نظره، وأن ينتبه إلى أنه وضع نفسه في صف واحد مع خصمه. وأملي أن يكتشف أيضا أن فهمه لموقف أمريكا ولقيم أمريكا يحتاج إلى وقفة تأمل.
***
القول الثاني:
قبل الهجوم الأمريكي على العراق بأقل من شهر استمعت إلى حوار أجرته إحدى الفضائيات العربية مع أحد علماء الدين العراقيين ممن ينتمون إلى زعامات التيار الإسلامي السني. وما أثار انتباهي هو جملة قصيرة وردت في سياق جوابه عن سؤال حول موقفه من العدوان الأمريكي (المرتقب يومذاك) على العراق. كان بصدد شجب هذا العدوان بكلام هادئ ومعقول. وفي آخره قال ما معناه: على كل حال ربما يفتح هذا العدوان الباب للعمل من أجل الإصلاح. ثم سكت. ولو كان يكتب بالقلم لوضع ثلاث نقط هكذا ... بعد الجملة السابقة، الشيء الذي يعني أن هناك بقية من كلام حذفت لغرض أو لآخر. فعلا، كانت طريقة سكوته تشير إلى ما يشبه النقط الثلاث، لقد كان مفهوما تماما أنه يريد أن يقول: ليكن الغزو الأمريكي فقد يفتح الباب لقيام مقاومة إسلامية تصفي الوضع القائم وتقيم وضعا إسلاميا الخ.
ومما يكمل هذا القول ويوضحه ما يلي:
ساهمت منذ عقد من السنين أو أكثر في ندوة عقدت بتونس، وقد حضرها عدد كبير من المثقفين العرب من الاتجاهات الثلاثة التي ذكرها صاحب الرسالة. كان منهم مفكر إسلامي معروف يتزعم حركة إسلامية كان لها شأن في بلده. وكان في الوقت نفسه موظفا كبيرا في ذلك البلد الذي كان على رأسه حاكم من صنف الذين تربعوا على كراسي الرئاسة بواسطة انقلاب عسكري. وكان هذا الرئيس قد أعلن تطبيق الشريعة الإسلامية وكان المفكر الإسلامي المذكور مرجعية دينية وقانونية في "تطبيق الشريعة" في ذلك البلد. وخلال إحدى جلسات الندوة توجه أحد الحاضرين بالسؤال إلى صاحبنا قائلا: "كيف تفسر تعاونك أنت الداعية الإسلامية مع فلان "الرئيس" المعروف بكذا وكذا؟ وكيف تبرر قطع أيدي أناس فقراء ربما لم يجدوا ما يأكلون وهناك آخرون من كبار اللصوص، سرقوا الحكم ويسرقون أموال الشعب بمختلف الوسائل والتحايلات"؟
أجاب صاحبنا المفكر الإسلامي المعروف بكلام كان مما ورد فيه قوله: على كل حال لم نقطع سوى أيد نحو خمسين شخصا، وهؤلاء سيكونون عبرة للآخرين! أما بخصوص التعاون مع "الرئيس" (المعروف بكذا وكذا)، فنحن لا نوافقه على ما فعل، ونعرف عنه ما قلت وأكثر، ولكن "كما رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يؤيد هذا الدين برجل فاجر"!
***
القول الثالث:
وهذا حديث وظفه كثير من الفقهاء قديما في تبرير سكوتهم عن الحكام الظالمين وموالاتهم لهم. وهناك كثير ممن يطلق عليهم اليوم لفظ "علماء الإسلام"، يفعلون الشيء نفسه: يبررون موالاتهم للحكام الذين لا تتوفر فيهم أدنى مقاييس الشرعية (الإسلامية أو الوضعية) بتبريرات مماثلة، وهم لا يترددون في الاحتجاج بالحديث المذكور لرد انتقادات من ينتقدهم. وأكثر من ذلك يلاحظ المرء انتشار هذا الحديث بين العامة والخاصة، حتى صرنا نسمع من أفواه بعض من ينصبون أنفسهم "مرجعيات" في الدين ما يبرر الخضوع للأجنبي غير المسلم بالاستناد إلى هذا القول المنسوب إلى النبي: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر".
ومع أنني لا أجد في القرآن الكريم ما يشهد بالصحة لهذا الحديث، ومع أنه روي عن أبي هريرة الذي أقل ما قيل فيه إنه "أكثر من رواية الحديث..."، ومع أنه حديث "مرفوع" باصطلاح علماء الحديث، الشيء الذي يعني أنه لا يرقى لا إلى مستوى "الحديث الصحيح" ولا إلى مستوى "الحديث الحسن" حسب مقاييسهم، ومع أنني أتحفظ كثيرا إزاء الأحاديث التي تعرض لمسائل سياسية لكون الوضع والتحريف فيها أكثر من أن يحصى، فإنني، مع ذلك كله، سأقبل –مبدئيا- هذا الحديث لأؤكد على أن هذا النوع من التوظيف الذي تعرض ويتعرض له ينطوي على تحريف كبير للأمور.
إن الذين يستشهدون بهذا الحديث من القدماء والمعاصرين يذكرونه هكذا مقطوع الصلة عن مناسبته فيجعلون منه "لفظا عاما" بالصيغة التالية: "إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر". وقد يبررون عملهم هذا بالقول: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". هذا في حين أن الحديث في لفظه ومضمونه غير ذلك تماما، فهو في نظرنا –إن ثبتت صحته- من النصوص التي يجب التعامل معها على أساس أن "العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ". يتبين ذلك من النص الكامل للحديث كما رواه البخاري. قال: "حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ شَهِدْنَا (غزوة) خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ : هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ الْقِتَالِ حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحَةُ فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحَةِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا أَسْهُمًا فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ! فَاشْتَدَّ (أسرع) رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (إلى الرسول) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، انْتَحَرَ فُلَانٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ (الرسول) : قُمْ يَا فُلَانُ فَأَذِّنْ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ. إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ".
واضح إذن أن خصوصية مناسبة هذا الحديث لا تسمح بنقله إلى مستوى ما يعبر عنه بـ "العبرة بعموم اللفظ"، وهو المستوى الذي يبرر به قبول "الحاكم الفاجر" بدعوى أن الله "يؤيد به الدين"! ومعلوم أنه كما أن في القرآن محكم ومتشابه ففي الحديث كذلك. وهذا الحديث من "المتشابه" الذي قال فيه تعالى: يتبعه "الذين في قلوبهم زيغ". هو "متشابه" بمعنى أنه لا يمكن أن يتخذ مبدأ أو أصلا، لأن المبدأ والأصل في الإسلام هو أن الدين لا يؤيده الفجار وإنما ينصره المؤمنون الصادقون. وإذا كانت هناك حالة خاصة فهي من "المتشابه" الذي يجب تركه والتغاضي عنه لأنه لا يعلم تأويله إلى الله كما في الآية :"هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ( 7آل عمران).
تكملة لهذا القول.
على أن اللافت للنظر حقا هو التقاء "الليبرالي العربي" مع "الداعية السلفي" في اعتماد نفس المنطق: منطق تبرير "قبول القبيح" بما قد ينتج عنه من منفعة. فالذي يقول : لنترك الأمريكان يحتلون العراق ويطردون النظام القائم فيه ويفسحون المجال للحرية والديموقراطية الخ، لا يختلف منطقه في شيء عن الذي يقول: لنترك الأمريكان يحتلون العراق ويطيحون بالنظام القائم فيه فذلك يفسح المجال لقيام حركة إسلامية تعمل لإقامة الدولة الإسلامية الخ. إن المنطق الذي يقود فكر الرجلين قد يوصف بأنه منطق "المنفعة" في اصطلاح مرجعية الأول ومنطق "المصلحة" في اصطلاح مرجعية الثاني. وهما معا يقعان تحت المعنى المبتذل لـ "البراجماتية"، المعنى الذي يفهمه منها "رجال الأعمال" (بزنس مان). إن "البراجماتية" بهذا المعنى تلتبس التباسا بـ"الانتهازية"، مثلها في ذلك مثل ما يطلق عليه "عامة" المثقفين عندنا، ترجمة وليس ابتكارا، عبارة "الواقية السياسية".
اصطلاحات ومفاهيم ينطق بها كثيرون عندنا أو يفكرون بوحي منها، بشعور أو بدون شعور، دونما معرفة لا بحقيقة مدلولها ولا بأصولها ولا بفروعها. وستكون لنا عودة إلى جلاء أمرها.
20-05-2003
يسر مجلة "فكر ونقد" أن تخبر قراءها وكتابها الكرام أنها ستستأنف الصدور قريبا، وستبقى كما كانت منبرا للفكر العلمي والنقد الهادف، تصارع الضائقة المالية، بصبر وإصرار، في سبيل أداء رسالتها الثقافية العلمية.
الرجاء من الزملاء كتاب المجلة الذين سبق لهم أن بعثوا لنا مواد للنشر، ولم تنشر في الأعداد السابقة، أن يؤكدوا للمجلة في أقرب وقت، بواسطة رسالة بريدية أو فاكس أو على البريد الإلكتروني، استمرار صلاحية تلك المواد للنشر في "فكر ونقد"، وأنها لم يسبق أن نشرت في أي منبر آخر في الفترة التي توقفت فيها المجلة عن الصدور.
كما ننبه الزملاء كتاب المجلة إلى ضرورة إرسال عنوانهم مع كل مساهمة. والأفضل أن تكون المساهمات مرقونة على الحاسوب (نظام ويندوز برنامج وورد)، وأن ترسل على البريد الإلكتروني، أو في قرص (ديسكيت)، وإذا تعذر ذلك فالمرجو مراعاة وضوح الخط بأكبر قدر ممكن.
إلى اللقاء قريبا...