ص1      السابق

 

مساءلة مفهوم "المجتمع المدني"!

 

                                                                 محمد عابد الجابري
إ    ذا نحن تساءلنا قائلين: ماذا تعنيه النخبة العصرية في الجزائر أو في مصر أو في غيرهما من الأقطار العربية بـ "المجتمع المدني"، فإن الجواب الذي يفرض نفسه هو التالي: "إنها تعني به نفسها". أما "الباقي" -والمقصود الإسلاميون أساسا- فيوضع خارج المجتمع المدني، حتى ولو حصل هذا الباقي بواسطة آليات المجتمع المدني نفسه، أعني الانتخابات، على الأغلبية من المقاعد والأصوات؟
    هنا يقع الخلط بين العصرية أو الحداثة وبين "المجتمع المدني"، إلى درجة المطابقة بينهما. وهذا يطرح مشاكل نظرية وعملية. وهكذا فإذا كنا نعني بـ "المجتمع المدني" التنظيمات المستقلة عن الدولة، والتي تقوم بنوع من الخدمة للمجتمع ككل، فأين سنضع - مثلا - الجمعيات الإسلامية الخيرية المستقلة عن الدولة التي تقوم بخدمة المجتمع أثناء الكوارث الطبيعية، خدمة قد تفوق في فعاليتها واتساعها عمل الدولة وأجهزتها؟ وأين سنضع "الجمعيات الأهلية"، كنقابات الأطباء والمهندسين والمحامين وجمعيات الطلاب، حين تسيطر فيها، بواسطة الانتخابات، العناصر الإسلامية المعارضة للدولة، المقاومة لهيمنتها على المجتمع؟ هل نعتبر مثل هذه التشكيلات الاجتماعية - في مثل هذه الأحوال- من مكونات"المجتمع المدني" أم نضعها خارجه ؟
    والشيء نفسه يمكن أن يقال بالنسبة للعملية الديمقراطية ونتائجها. إن ما حدث في الجزائر في بداية العقد الماضي، عندما أجريت فيها انتخابات حرة نزيهة، هو ما كان سيحدث في أي بلد عربي آخر تجرى فيه انتخابات بنزاهة. أعني بذلك أن أغلبية الأصوات ستنالها القوى المعارضة للدولة، وكلها -مع بعض الاستثناء الذي يزكى القاعدة- قوى غير عصرية، غير حداثية، قوى تقع خارج "المجتمع المدني" كما تتصوره النخبة العصرية. والسؤال المطروح في هذه الحالة : هل سنقبل بالديمقراطية وبنتائجها مهما كانت، أم أنه يجب التمييز بين الديمقراطية التي تعني في نفس الوقت الحداثة (في مجال الفكر والسلوك على الأقل) وبين الديمقراطية التي لا تأخذ في اعتبارها إلا التعبير الحر والنزيه ؟
    لابد من لفت الانتباه كذلك إلى مسألة تحتاج هي الأخرى إلى كثير تأمل. أقصد بذلك أن النموذج الذي نصدر عنه، صراحة أو ضمنا، عندما نتحدث عن "المجتمع المدني"، هو النموذج الليبرالي الأوروبي الذي يشكل النظام الرأسمالي هيكله ونسيج علاقاته. وبعيدا عن الطرح الإيديولوجي - مع أو ضد الرأسمالية- فإنه من الضروري استحضار الظروف والملابسات التي ظهر فيها ذلك النموذج وكذلك الظروف والملابسات الجديدة التي يستمد منها اليوم قوته وفاعليته، إن لم يكن وجوده ذاته.
    ودون الدخول في تفاصيل ومقارنات بين ظروف أوروبا الغربية، ظروفها المحلية والدولية، وبين ظروف العالم العربي، وهى تفاصيل ومقارنات تكرر القول فيها، فإنه من الضروري مع ذلك استحضار "التجربة الليبرالية" التي عرفتها وتعرفها بعض الأقطار العربية. لقد كانت هناك حياة ليبرالية سياسية واقتصادية، وكان هنا مجتمع مدني في طور التأسيس على الأقل، في كل من مصر وسورية قبل منتصف الخمسينات. ومع ذلك فالتجربة فشلت: قامت انقلابات عسكرية لا تحمل معها أي نموذج للمجتمع سوى النموذج العسكري "اللامدنى": النموذج الذي حمل شعار "الاتحاد والنظام والعمل" (شعار "الضباط الأحرار في مصر")، وهو شعار يحكي أو يحاكي تركيب الجيش وسلوكياته. ومهما كان تقديرنا لدور هزيمة الجيوش العربية في فلسطين سنة 1948 ومهما كان تقديرنا للوضع الداخلي في كل من مصر وسورية، فإن دور النظام الدولي الذي يحكمه النزوع الإمبريالي الاستغلالي للدول الكبرى، دور أساسي في فشل التجارب الليبرالية العربية. لقد خنق هذا النظام براعم البورجوازية الوطنية العربية الناشئة وفرض عليها أنماطا من السلوكيات ورسخ تهريب رؤوس الأموال والفعاليات البشرية ومنع تصدير التكنولوجيا، فأدى ذلك إلى عجز النخبة العصرية الليبرالية عن هيكلة نفسها وتجذير وجودها وفرض مشروعها التحديثي على المجتمع كله، عجزها عن ممارسة الهيمنة الاقتصادية والثقافية، وعن تقديم حلول حقيقية ومتنامية للمشاكل الاجتماعية والوطنية المطروحة .
    وبعد التجارب الليبرالية التي عرفها العالم العربي، قبل الانقلابات العسكرية وقبل عصر "الثورة" و"عصر الأيديولوجيا" في العالم العربي، هناك تجربتان معاصرتان : تجربة المغرب الذي بقي يتبنى الليبرالية منذ استقلاله في منتصف الخمسينات من جهة، وتجربة مصر منذ عهد السادات من جهة أخرى. ومع أن مصر تعاني أحيانا من الأصولية المتزمتة ومن التطرف الذي يمارس العنف باسم الدين، فإن الغرب الديمقراطي لم يعمل لحد الآن ما يستحق الذكر في مجال تشجيع القوى العصرية والليبرالية في مصر، لم يعمل على مساعدتها مساعدة جدية لبناء هياكل اقتصادية قادرة على مواجهة متطلبات المجتمع، رغم ما تعرفه من أهمية مصر الإستراتيجية بالنسبة للغرب. ورغم أننا نعرف أيضا أن الغرب يدرك تماما أن سقوط مصر في أيدي الأصولية الدينية سيتتبع حتما سقوط المشرق العربي كله في نفس الأيدي.
    وأما بالنسبة للمغرب ، فإن ما جرى في الجزائر –وآثاره باقية إلى اليوم- لم يدفع الغرب إلى التفكير الجدي في تنمية التجربة الليبرالية المغربية ومساندتها مساندة تساعدها على النجاح، حتى تقوم نموذجا ومثالا في المنطقة، أو على الأقل تقف صامدة أمام مد أصولي متطرف محتمل ...
إن الغرب إذن لا يساعد النخبة العصرية - الاقتصادية والاجتماعية والفكرية - على غرس مشروع ليبرالي ديمقراطي حقيقي في الأقطار العربية المؤهلة لذلك. بل إن سياسته تتجه بالعكس من هذا إلى البحث له عن مواقع داخل التيارات الأصولية، حتى يضمن لنفسه الحفاظ على مصالحه عندما تستولي تلك التيارات غدا على السلطة (موقف الولايات المتحدة الأمريكية من جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر واستقبال بريطانيا لزعماء الحركات الإسلامية والسماح لها بالحركة والنشاط فيها "وفقا للقانون").
    إن هذا الموقف من الغرب يطرح السؤال التالي على "المجتمع المدني" في العالم العربي: مع من يقف الغرب في الحقيقة؟ هل مع القوى الوطنية العصرية التي تريد محاكاة نموذجه الديمقراطي ونناضل من أجل قيام المجتمع المدني على الطريقة الأوروبية، أم هو يقف فقط مع مصالحه، وبالتالي لا يتردد في التعامل مع التيارات الأصولية- سنية كانت أو شيعية- ضدا على الحركات الليبرالية الديمقراطية، إذا هو رأى أن مصالحه غدا إنما يمكن ضمانها بترتيب العلاقات من الآن مع تلك التيارات؟