ص1    الفهرس    المحور

 

الاختلاف والتفكير في القرآن الكريم

إسماعيل الحسني

التفكير في القرآن الكريم، تعقلا لمعانيه واستنباطا لأحكامه وسعيا دؤوبا لتطبيق مقاصده، لا يمكن في نظرنا أن يكون منتجا للمعرفة وفاعلا في حياة المجتمع إذا لم يؤسسه صاحبه على فهم وتفهم عميقين لمعطيين[1] يؤصلان الوعي بالاختلاف الذي ينطوي عليه القرآن الكريم: أولهما معطى الكمال الوارد فيه، وثانيهما معطى التدرج المسنون فيه.

نجد أنفسنا مع معطى الكمال إزاء استحضار زمني، نعم إن نصوص القرآن الكريم أنزلت وقعة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت الفرة في سماء الدنيا، وذلك في شهر رمضان، وفي ليلة مباركة من لياليه وصفت بأنها ليلة القدر، لكن تنزيل آياته على أسماع الناس وأفئدتهم استفرقه من تقارب مدته اثنتان وعشرون سنة وشهران واثنان وعشرون يوما[2]. يستجلي الباحث من الاختلاف[3] في تعيين مبتدأ التنزيل ومختتمه وجود تاريخ[4] في نزول أحكام القرآن، خاصة أحكامه العملية. ولا زال تتابعها في النزول مستمرا إلى أن توج بالإعلان عن كمال الدين في قوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم"[5]. لكن هل يعني هذا أن الدين الإسلامي كان ناقصا؟ ليس الأمر كذلك عندنا لأننا نميز في معطى الكمال بين مستويين أساسيين:

مستوى الكمال الذي يقتصر على الحاضر، ومستوى الكمال الذي يتجه إلى المستقبل. ففي حاضر الدعوة الإسلامية، نقصد في عصر النبوة، كان كمال الدين محصورا في بيان الضروريات والحاجيات التي تقتضيها أحوالهم التي بدأت بسيطة ثم اتسعت، فراعى الله تعالى ذلك وعلم الناس دينه بطريق التدريج ليرسخ فيهم ويستوفي مطالبهم وحاجياتهم. أما كمال المستقبل فالمقصود به أن المتوفر من القرآن والسنة كاف لكل الأمة الإسلامية في عباداتها ومعاملاتها وسياساتها وذلك على اختلاف عصورها وأمكنتها وأحوالها.

يفتح هذا التمييز في الكمال[6] الباب واسعا للنظر في كل اجتهاد واستنباط في القرآن الكريم من زاوية كونه برنامجا فكريا مفتوحا على ما يحمله المستقبل من أفهام وتعقلات يتفاوت أهل العلم في تحصيلها. إن صاحب هذا البرنامج يشعر دائما بالنقص النظري والعملي ويحركه باستمرار هاجس الوعي بالاختلاف عند التفكير في القرآن الكريم. لا يتعلق الأمر هنا بالمعاني الأصلية التي يستوي الجميع في مقدار فهمها بقدر ما يتصل بتعقل ما زاد عليها من معاني تابعة[7]، ما دام القرآن عاما لا يقتصر على العرب وحدهم، ومعجزة لهم ولغيرهم من البشر.

لا يتكون الوعي بالاختلاف فحسب من عنصر الكمال الذي يتجه تطبيقه وجهة مستقبلية، بل يتكون أيضا من عنصر الأسلوب الذي رسخ لمقاصد القرآن في واقع أحوال المجتمع العربي. فهذا الأسلوب تدرج مع أفراده وجماعاته في الأزمنة والأمكنة، وفي البيان والنزول. تصوير ذلك نجده مسطورا في مباحث المكي والمدني، أسباب النزول، الناسخ والمنسوخ، والمجمل والمبين، وكلها مباحث تنبه المفكر في القرآن الكريم إلى ضرورة الانتباه عند بناء أفهامه واستنباطاته إلى جملة من المفارقات. المكي من القرآن مفارق[8] للمدني منه، يعتني الأول بالعقائد والأخلاقيات فاتجهت سوره وآياته إلى ترسيخ عقيدة التوحيد وتخليص التصورات من شوائب الوثنية، فضلا عن تقويم السلوك وفق مكارم الأخلاق.

نقرأ في ضوء هذا الاتجاه الآيات[9] الداعية إلى إعمال ملكات التفكير في ملكوت السماوات والأرض، وإلى الاعتبار بما في الكون من آيات وبما في قصص الأمم وأنبائها من دروس وعبر. أما القرآن المدني فيؤشر إلى الانتقال من تأصيل اعتقادات المسلمين وأخلاقياتهم إلى تأصيل عباداتهم ومعاملاتهم ونظامهم حياة مجتمعهم العام. فبعد الضعف الذي عرفته حياتهم في المرحلة المكية ظهر انتشار دينهم وبلوغه منتهاه في المرحلة المدنية التي انتهى بها، كما يقرر الحجوي، "تاريخ التشريع الإسلامي، ولم يبق بعد إلا تاريخ الفقه"[10]. والحق أن إمساك المفكر بهذه المفارقة من أجل أن يحولها إلى موافقة أمر اجتهادي يختلف[11] في تحصيله المجتهدون والنخبة من أهل الفهم والاستنباط.

القرآن الكريم، من خلال مبحث أسباب النزول، مفارق للسياق التاريخي لعصر نزوله، لا بمعنى الانفصال عن واقع النزول المجتمعي، بل بمعنى كونه وحيا ثابتا بالمعجزة التي استدلنا بها على عدم صدوره عن فكر بشري لفرد أو لجماعة أو لهيئة، ويكفي للتذكير ببعض مظاهر المعجزة القرآنية خصوصية مبتكراته البيانية[12] واستقلالية منطلقاته العقائدية وتميز مضامينه التوجيهية[13] وفرادة أحكامه التشريعية[14].

سبب النزول لا ينطوي على جوانب الموافقة التي تجعل من الإحاطة به عنصرا أساسيا في فهم القرآن الكريم من جهة، وفي العلم بالدليل المخصص للحكم الوارد به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب من جهة ثانية، وفي العلم الذي يدفع توهم الحصر في آيات الأحكام التي تنزل في الغالب إما جوابا لحادث وإما جوابا عن أسئلة يسألها بعض الصحابة[15] من جهة ثانية، ولكنه بالإضافة إلى ذلك، يظل منفتحا على جوانب أخرى من المفارقات التي يحبل بها تجدد الحوادث وما تنزل به دنيا الناس في حياتهم ما دامت العبرة عند جمهور علماء المسلمين بعموم ألفاظ القرآن لا بخصوص أسباب نزولها. ولا شك أن المجتهد عندما يدخل حقل الاعتبار بالعمومات يدخل في الحقيقة حقل الاختلاف في درجات وأنواع هذا الاعتبار الاجتهادي.

والناسخ مفارق للمنسوخ، نقول هذا على الرغم من صعوبة إثبات أمرين في هذه المفارقة، أولهما أن ينص اللاحق على أنه ناسخ للسابق، وثانيهما[16] أن يثبت تناقض صريح بين نصين قرآنيين بحيث لا يمكن الجمع بينهما ولا مجال لتأويل أحدهما. ويبقى النسخ إعلانا بانتهاء أمد العمل بحكم من أحكام القرآن وانحصار صفته في كونه قرآنا منسوخا وذكرا يتعبد به[17] وفي اعتباره إمكانية من الإمكانيات التدريجية في مواكبة متغيرات المجتمع الإسلامي الأول، فتشريع هذه الأحكام كثيرا ما كان لمقتضيات وقتية، إذا تغيرت ناسب قصد الشارع تغير الحكم فيها، إما من أجل التخفيف تبعا لقوله تعالى: "ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم" وإما من أجل مقاصد أخرى[18].

والإجمال مفارق بطبيعة الحال للتفصيل، فالآيات المكية مجملة، ومن النادر أن تتعرض للأحكام التفصيلية. كل ما فيها هو حفظ العقيدة الإسلامية وحمايتها[19] كتحريم ما لم يذكر عليه اسم الله من الذبائح وكالعبادات التي تربط الناس بالله وتوجههم إلى الخير. أما الآيات المدنية[20] فيتناول موضوعها في الغالب كثيرا من التفصيلات، خاصة في باب المعاملات، وقد أثر واقع هذه المفارقة البيانية، فكانت منشأ في تعدد أساليب[21] القرآن وفي تنوع وجوه خطاباته[22] ومخاطباته.

لا يخفى عدم التزام القرآن الكريم طريقة واحدة في بيان أحكامه، ولم يعبر عن الحكم الواحد بأسلوب مكرر، ولا جمع موضوعاته في مكان واحد وفي سورة واحدة، بل فرق الأحكام في سوره وآياته، وبثها في ثنايا آيات العقائد والأخلاق والنظر في الأنفس والآفاق. لا نستغرب، انطلاقا من هذا التعدد، المنحى الكلي الذي جاءت به معظم أحكام القرآن، مما يجعلها، خاصة في أبواب المعاملات، أحكاما مرنة، صالحة للتطبيق المتجدد على اختلاف الأوقات والأمكنة، لأنها من قبيل القواعد العامة التي ترك تفصيلها لسنة الرسول[23] صلى الله عليه وسلم، وتحمل المفكرون والمجتهدون وأولوا الأمر مسؤولية تعقلها وتنزيلها.

والحاصل من مباحث المكي والمدني، الناسخ والمنسوخ، أسباب النزول، والإجمال والتفصيل أن الباحث في معطى التدرج إزاء وعي بالاختلاف يحضر لدى المفكر في القرآن الكريم في ثلاث صور لحقت واقترنت وقارنت نزوله: الأولى الاختلاف في الأزمنة والثانية الاختلاف في الأمكنة، والثالثة الاختلاف في أساليب البيان. وكلها صور لا بد من الوعي بها لكل من يريد التفكير في القرآن وخدمة مقاصده في حياة الأفراد والجماعات والشعوب والأمم، إذ لا يتصور القرآن بدونها، لأنه لم ينزل دفعة واحدة، ولو نزل دفعة واحدة[24]، كما قال الفقيه المغربي محمد بن الحسن الحجوي، لانشغل الناس "بلفظه، وتركوا معناه كما هو واقع فينا الآن، فتدبر"[25]. بل لا يتصور تحدي القرآن دون الوعي بهذه الصور، لأن مؤرخ الإعجاز القرآني يؤكد تدرج التحدي بالقرآن "من طلب الإتيان بمثله، إلى الإتيان بسورة من مثله، ليقطع عليهم أسباب الاعتذار وتلزمهم الحجة"[26].

إن صور الوعي بالاختلاف في معطى التدرج تسندها أدلة كثيرة، منها واقع الأمية في المجتمع العربي "إلا ما كان فطريا فلطف الله بهم، وأجراهم على سنة الكون في تلقين العلوم تدريجيا"[27]، ومنها أن نجاعة خدمة المقاصد القرآنية اقتضت التدرج بأحوال هذا المجتمع شيئا فشيئا سواء في البيان أو في التوجيه والتشريع[28]، بدأ بالدعوة إلى اجتناب الناس الشرك والإباحية والالتزام بعقيدة التوحيد وما تقتضيه براهينها الاعتبارية من الإيمان بالبعث والحساب والجزاء من جهة، وما تستلزمه روحها النقدية من رفض كل ادعاء مجرد عن الدليل من جهة أخرى. ثم انتقل يدعو إلى الالتزام بالعبادات ابتداء بالصلاة قبل الهجرة النبوية، وختاما بالحج في السنة السادسة منها، وتوسطا بالزكاة والصوم في السنة الثانية منها[29].

صفوة القول أن التفكير في القرآن متجذر في معطيين يكونان الوعي بالاختلاف: معطى الكمال في انفتاحه على المستقبل، ومعطى التدرج الذي يحمل الناس عن طريق التأنيس والاعتياد على خدمة مقاصد القرآن، ويسعى بهم مرحليا إلى تطبيق أحكامه الاعتقادية والأخلاقية والتشريعية، دون هذا التأصيل الواعي لا يتحقق في كل زمان ومكان لا الفهم السليم للمقاصد القرآنية ولا المواكبة المنتجة لما تحبل به المتغيرات الوجودية للمجتمعات البشرية، ولا يتحقق للعالم في الإسلام، أيا كان مجاله وأيا كان مستواه، هذا التأصيل إذا لم يتمثل دروس التاريخ[30] ولم يوظف مكتسباته فيما يستنبطه من أفهام وآراء ونظريات، والخطوة الأولية في هذه المكتسبات وتلك الدروس الانطلاق في النظر، من الوعي بمعطيات الاختلاف التي يستند إليها التفكير في القرآن الكريم وإعمالها في متابعة أحوال الناس وحياتهم المجتمعية. هذا هو الطريق للجواب عن سؤال أساسي في عمل العالم في الإسلام: هل يعيش مجتمعه حالة فريدة ومتميزة في التاريخ؟ أم يعيش هذا المجتمع حالة شبيهة بالحالة التي كان الوحي القرآني ينزل فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجما، فكان يسلك في إقرار الأحكام وتنزيلا مسلك التدرج؟[31] يبدو أنه على أساس هذا الجواب الحاسم يمكن تفهم وتقويم ما يقدمه المجتهد والمفكر من آراء وأفهام، وتلك قضية سنعمل على دراستها في المستقبل إن شاء اللهg

 


المصادر والمراجع:

ـ القرآن الكريم

ـ إسماعيل الحسني: المقاربة السجالية لمفهوم أمية الشريعة في الفكر المقاصدي، مجلة فكر ونقد، العدد 25، الرباط، المغرب، 2000.

ـ الحجوي محمد بن الحسن: الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، تخريج وتعليق عبد الفتاح القاري، المدينة المنورة، بدون.

ـ الخضري محمد: تاريخ التشريع الإسلامي،  بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة التاسعة، 1970، ص22.

ـ الزركشي بدر الدين: البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مصر، مكتبة دار التراث، بدون تاريخ.

ـ السيوطي جلال الدين: الإتقان في علوم القرآن، بيروت، دار الكتب العلمية، بدون تاريخ.

ـ الشاطبي أبو إسحاق: الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دارز، دار المعرفة، الطبعة الثانية، 1975.

ـ شلبي محمد مصطفى: أصول الفقه الإسلامي، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الرابعة، 1982.

ـ الطاهري عاشور محمد: تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد في تفسير الكتاب المجيد، تونس، الدار التونسية للنشر، بدون تاريخ.

ـ الفاسي علال: النقد الذاتي، الرباط، نشر اللجنة الثقافية لحزب الاستقلال، الطبعة الخامسة، 1979.

دفاع عن الشريعة، الرباط، مطابع الرسالة، 1966.

ـ محمد أبي زهرة: تاريخ القرآن الكريم، الإسكندرية، نشر مؤسسة شباب الجامعة، بدون تاريخ.

ـ الكتاني محمد: جدل النقل والعقل في مناهج التفكير الإسلامي، البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، 1990.

ـ النحاس أبو جعفر: الناسخ والمنسوخ، تحيق محمد عبد السلام محمد، الكويت، الطبعة الأولى، 1988.



[1] - قد تكون هناك معطيات أخرى، منها تدوين القرآن، إلا أنها مسألة مرتبطة بوثاقة نصوصه التي أجمع جميع المسلمين على أنها تمت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصبح القرآن عمدة الشريعة إذا استعرنا  من لغة فقيه المقاصد في العصر القديم الإمام الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز، بيروت، دار المعرفة، الطبعة الثانية، 1975، 3/364.

يراجع للتوسع في موضوع تدوين القرآن، الزركشي بدر الدين، البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، مصر، مكتبة دار التراث، بدون تاريخ، 1/233.

ومن هذه المعطيات أيضا ظاهرة الاختلاف في الكون والأنفس والأديان والنحل والملل والمدارك التي تنتشر في كثير من الآيات القرآنية من ذلك قوله تعالى "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار" سورة البقرة الآية 164، وقوله "كان الناس أمة واحدة" إلى قوله "وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم" سورة البقرة: 113، وقوله: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا" النساء: 82، وقوله: "وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض" الأنعام: 265.

[2] - قال تعالى: "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان" سورة البقرة: 185. وقال أيضا: "إنا أنزلناه في ليلة مباركة" سورة الدخان: 2. وقال أيضا: "إنا أنزلناه في ليلة القدر" سورة القدر: 1.

أخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا وكان بمواقع النجوم، وكان الله ينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه في إثر بعض. السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، بيروت، دار الكتب العلمية، بدون تاريخ، 1/89.

[3] - يراجع للتوسع: الزركشي، بدر الدين، البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل، إبراهيم، مصر، مكتبة دار التراث، بدون تاريخ، 1/210.

[4] - يراجع محاولة الحجوي، محمد بن الحسن في تعيين تاريخ نزول الأحكام مرتبا على السنين، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، تحقيق وتعليق عبد الفتاح القاري، المدينة المنورة، بدون، 1/107.

[5] - سورة المائدة: 3.

[6] - الحق أن لفقيه المقاصد في العصر الحديث، الإمام محمد الطاهر بن عاشور كلاما بليغا وتدقيقا عظيما في هذه النقطة، إذ يقرر أن إكمال الدين يوم نزول آية: "اليوم أكملت لكم دينكم" "إكمال له فيما يراد، وهو قبل ذلك كامل فيما يراد من أتباعه الحاضرين".

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد في تفسير الكتاب المجيد، تونس، الدار التونسية للنشر، بدون تاريخ، 6/105.

[7] - يقول الحجوي: "القرآن لا تنقضي عجائبه ولا تزال كل يوم تظهر منه لطائف وأسرار ما دام المفكرون في الوجود، وما من جيل، بل ما من أحد يتدبره إلا ويظن أنه المخاطب به وعليه تتنزل أحكامه وإشاراته"، الفكر السامي: 1/26.

[8] - يمكن للمرء الاستناد في إثبات هذه المفارقة إلى نوع المعايير والعلامات التي وضعها علماء القرآن الكريم لمعرفة القرآن المكي. فهذا إما أن يكون ما نزل بمكة أو ما نزل قبل الهجرة وإن نزل بالمدينة، أو ما وقع خطابا لأهل مكة، لأن الغالب على أهلها الكفر، فخوطبوا بـ"يا أيها الناس" وإن كان غيرهم داخلا فيهم، أو إن كل سورة فيها "كلا" أو أولها حروف المعجم إلا البقرة وآل عمران وفي الرعد خلاف. أو فيها قصة آدم وإبليس سوى سورة البقرة أو فيها ذكر القرون الماضية، الإتقان، 16-17.

[9] - من ذلك: "قل أنظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون" سورة يونس: 101. وقوله تعالى "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب" سورة يوسف، جزء من الآية 111.

[10] - الفكر السامي، 1/17.

[11] - المختلف، على سبيل المثال، في عدد السور المدنية، أكثر من المتفق عليه منها. البرهان في علوم القرآن، 1/189-191.

[12] -يراجع في موضوع مبتكرات القرآن التحرير والتنوير، 1/120 والمقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير: "كون المعاني التي تتحملها جمل القرآن تفسر مراده"، التحرير والتنوير، 1/39.

[13] - محمد الكتاني، جدل النقل والعقل في مناهج التفكير الإسلامي، البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، 1990، ص184 و186-209.

[14] - محمد أبي زهرة، المعجزة الكبرى، دار الفكر العربي، بدون، ص427.

[15] - البرهان في علوم القرآن، 1/22-28.

[16] - يرى البعض أن الأول ليس شيئا منه إلا في ثلاثة مواضع، محمد الخضري، تاريخ التشريع الإسلامي، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة التاسعة، 1970، ص22. أما الثاني فمن العسير إثباته، لذا كثيرا ما استنكر البعض دعوى النسخ، لأن أصحابها مهما رأوا منافاة ظاهر آية لأخرى إلا وادعوا النسخ مجازفة. يراجع الفكر السامي، 1/39.

[17] - يقول الحجوي: "حكمة بقاء تلاوة المنسوخ فهو التذكير بحكمة التخفيف والامتنان بتلك البعثة واستحضار تلك الحال السابقة وثواب التلاوة والإعجاز وفوائد أدبية"، الفكر السامي، 1/33. ومن المفيد الإشارة إلى حصر جمهور المفسرين وعلماء القرآن النسخ في الأوامر والنواهي دون الإخبار، وإن قيدها البعض بالتي يراد بها الأمر والنهي. البرهان، 40-42.

[18] - من ذلك، كما رأى البعض، مقصد التشديد، ويمثل له بنسخ فدية الصوم بتعيين الصوم "وحيث أثبتت المعجزة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الله ينسخ ما يشاء ويحكم ما يريد"، الفكر السامي: 1/33.

[19] - قال تعالى: "ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق" سورة الأنعام: 121. وقال تعالى أيضا: "وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" سورة العنكبوت: 45.

[20] - من علاماتها أن تكون نازلة بالمدينة أو نازلة بعد الهجرة وإن كانت بمكة، أو أن تكون خطابا وقع لأهل المدينة لأن الغالب عليهم الإيمان فخوطبوا بـ"يا أيها الذين آمنوا" وإن كان غيرهم داخلا فيهم، أو كل سورة فيها ذكر المنافقين سوى العنكبوت، أو ذكر فيها الحدود والفرائض. الإتقان، 1/17-18.

[21] - يراجع النوع السادس والأربعون من علوم القرآن، وقد جعله الزركشي "المقصود الأعظم من هذا الكتاب" البرهان، 2/382. وأيضا تاريخ التشريع، ص25-29. والمدخل في الفقه الإسلامي لشلبي، ص181، وقد توسع الأصوليون في معالجة هذه المفارقة في مباحث الألفاظ من مؤلفاتهم.

[22] - البرهان في علوم القرآن، 2/3 و217. يقول الحجوي: "من طبيعة البشر أن يمل من عبارة واحدة ولا يحصل بها التأثير المطلوب"، الفكر السامي، 1/56-97.

[23] - قال تعالى أيضا: "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم" سورة النساء، جزء من الآية: 82.

[24] -قال تعالى: "وقال الذين كفروا لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا" سورة الفرقان: 32.

[25] - الفكر السامي، 1/27.

[26] - محمد مصطفى شلبي، أصول الفقه الإسلامي، بيروت، دار النهضة العربية، 1986، ص80.

[27] - يراجع للتوسع دراستنا المقاربة السجالية لمفهوم أمية الشريعة في الفكر المقاصدي، مجلة فكر ونقد، 2000، الرباط، العدد 25، ص133.

[28] - يراجع أمثلة في ذلك محمد سالم محسن، تاريخ القرآن الكريم، الإسكندرية، نشر مؤسسة شبان شباب الجامعة، بدون، ص21 وما بعدها.

[29] - معطى التدرج، كما يشمل الأحكام الكثيرة، يشمل أيضا الحكم الواحد، كالربا، والخمر. أصول الفقه لشلبي، ص79.

[30] - سبق للشيخ المصري محمد عبده أن قرر أنه لا بد للناظر في القرآن الكريم "من النظر في أحوال البشر، في أطوارهم وأدوارهم ومناشئ اختلاف أحوالهم، من قوة وضعف وعز وذل، وعلم وجهل وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالم الكبير، علويه وسفليه ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه" نقلا عن صبحي الصالح، معالم الشريعة الإسلامية، بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الرابعة، 1982، ص288-289. كما سبق للمفكر المغربي وفقيه النقد الذاتي علال الفاسي أن نبه إلى حتمية النقد التاريخي وأنه " مما ينقص النهضة العربية عموما والمغربية خصوصا وبدونه لا يتسنى لنا أن نبني مستقبلنا على الأسس الصالحة المفيدة". علال الفاسي، النقد الذاتي، الرباط، نشر اللجنة الثقافية لحزب الاستقلال، الطبعة لخامسة، 1979، ص287.

[31] - من الذين جنحوا إلى هذا الجواب علال الفاسي في قوله: "إننا في حالة شبيهة بالحالة التي كان الوحي ينزل فيها على رسول الله منحها(…) وحسبنا أن نقبل بصفة لا هوادة فيها ولا شك مبدأ الرجوع للشريعة، وإذا دعت بعد ذلك الضرورة لتأخير العمل، بمقتضى حكم من أحكامها فلنجعله مثلا من مثلنا العليا التي نعمل لها ونبذل الجهد لتحقيق تطبيقها". دفاع عن الشريعة، الرباط، مطابع الرسالة، 1966، ص131. وأيضا محمد الكتاني، من المنظور الإسلامي، البيضاء، دار الثقافة، 1990، ص7.