ص1     الفهرس    41-50

هوامش حول العقل الأخلاقي العربي:

 

لم يقتلوا بعد في أنفسهم أباهم أردشير..!

محمد عابد الجابري

السياسة صرفت علم الكلام عن الاهتمام بالأخلاق!

سؤال(*): هناك سؤال طرحتموه ويحتاج إلى توضيح أكثر وهو: لماذا انصرف علم الكلام, وهو علم عقلي في الإسلام, عن الخوض في مجال الأخلاق, مجال التشريع للفعل البشري، مع أن كلمة "عقل" التي اشتغلوا عليها تدل معجميا على معنى الضبط والكبح ومراقبة التصرفات السلوكية?

جواب : طرحت هذا السؤال لأن المفروض أن علم الكلام الذي يشبه عادة بالفلسفة, يفترض فيه أن يكون من بين الموضوعات التي يهتم بها, موضوعات لها علاقة بالأخلاق؛ خصوصا وقد كان منطلق هذا العلم هو الكلام في الحرية والمسؤولية, في الجبر والاختيار, في حكم مرتكب الكبيرة الخ. وهذه قضايا دينية فعلا ولكنها أيضا من صميم الفكر الأخلاقي. لقد انصرف علم الكلام عن هذا الجانب الأخلاقي ليحصر نفسه في المجال الميتافيزيقي. وقد أوضحت السبب في ذلك من وجهة نظري. وألخصه في العبارات التالية: بدأ الكلام في الحرية والمسؤولية ومرتكب الكبيرة بمضمون سياسي. فعندما بدأ الكلام في هذه القضايا, ابتداء من عهد معاوية، لم تكن هناك مفاهيم أو مصطلحات سياسية تمارس بها السياسة على صعيد الخطاب, بل كانت السياسة تمارس كـ "كلام" (خطاب) بواسطة كلمات ذات مضمون ديني.

 وهكذا فالكلام في الجبر مثلا (وبالتالي في حرية الإنسان واختياره وتحمله المسؤولية) كان يجري لا بالنسبة للإنسان كإنسان, بل بالنسبة لما يجب أن يتصف به الله من صفات. فمبدأ (لا فاعل إلا الله) يعني مباشرة أن الإنسان لا يخلق أفعاله, بل هي من فعل الله, وبالتالي فهو مجبر مسير. ومثل ذلك الكلام في "مرتكب الكبيرة", أي ما يسمى في الخطاب الأخلاقي بالرذائل الكبرى, مثل القتل والسرقة الخ, فهذه الرذائل كان ينظر إليها من خلال مفهوم "مرتكب الكبيرة" من منطق "الوعد والوعيد" أي: هل سيطبق وعيد الله حتما على كل من ارتكب معصية مثل القتل, أم أن الله له أن يفي بوعيده وأن لا يفعل. والخلفية التي كانت تحكم هذا النوع من التفكير خلفية سياسية معروفة. المقصود هو هل سنحكم على معاوية ويزيد وغيرهما من الحكام الأمويين الذين اغتصبوا الحكم وسفكوا الدماء بأنهم سيدخلون النار حتما –الشيء الذي ينزع عنهم صبغة الإسلام في الدنيا وبالتالي يجب قتالهم- أم أن الله سيعفو عنهم ويغفر لهم. وإذن فالحكم السياسي على شخص، وخاصة الحكام في الدنيا، كان يتم من خلال تحديد مصيرهم في الآخرة. هنا يغيب المعنى الأخلاقي تماما لأن المقصود هنا هو الحكم السياسي. وعندما تطورت الأمور وتشعبت النقاشات ودخل المتكلمون في سجال مع أصحاب الديانات الأخرى, خاصة المانوية, كان المعنى الديني هو السائد, وبالتالي خف المضمون السياسي. وعندما انتهى النقاش مع هؤلاء صار التعامل مع هذه المفاهيم، التي كانت أصلا ذات حمولة سياسية، يتم بعيدا عن أصولها فأصبحت عبارة عن مفاهيم مجردة حول تصور الألوهية.

هكذا إذن, سلك علم الكلام مسلكا انتقل به من التعالي بالسياسة (التعامل فيها بمفاهيم دينية) إلى تسييس المتعالي أي تصوير الله كحاكم بشري سياسي.

الأخلاق والأحكام الشريعة مجالهما واحد!

سؤال:  هناك أيضا وضعية الفقه الإسلامي المشغول أكثر بالأحكام وأدلتها وكيفية استنباطها.

جواب : من الناحية التاريخية لم يكن هناك في بداية الأمر فصل بين الفقه والكلام, تماما كما لم يكن هناك فصل بين النحو والبلاغة. ومن هنا يمكن أن نتبين السبب في أن كثيرا من المذاهب الفقهية والكلامية كانت تتخذ مرجعيتها الأولى في شخصيات مثل علي بن أبي طالب وأبي الحسن البصري وأبي حنيفة الخ. والفارق الذي أخذ يميز بين من سيصبحون متكلمين ومن سيطلق عليهم فقهاء هو نوع العلاقة مع الحكم, أو نوع المعارضة التي ترى الشخصية الدينية أنها أنجع وأسلم. كان منهم من يشتغل بالحديث النبوي ويستعمله كمادة لإيقاظ الضمائر وتقوية الوازع الديني وتقديم النصح. ومن هؤلاء سيتفرع ما سيسمى بالفقه والفقهاء فيما بعد. أما من كان يرى أن المعارضة يجب أن تكون بتطبيق مبدأ تغيير المنكر, فبعضهم اختار تغييره بالقلب واللسان وهؤلاء هم الذين سموا لاحقا بالمتكلمين، بينما راح بعضهم يعمل على تغييره باليد كالخوارج والثوار عموما. على أن الفصل بين المتكلمين والفقهاء لا يعني وجود قطيعة، فكبار المتكلمين كانوا أيضا فقهاء كبارا, ولم يكن من الممكن أن يؤدي المتكلم دوره كمساجل مجادل في الدين، أو ينطلق من الدين، دون أن يكون على درجة ما من الفقه بالدين.

 هناك مسألة أخرى تتصل بالعلاقة بين الفقه والكلام لها دلالة خاصة. فالبحث في الإمامة والخلافة, وهي القضية المركزية في الفكر السياسي في الإسلام, كان في أول الأمر من اختصاص المتكلمين, وكان "باب الكلام في الإمامة" هو آخر الأبواب الرئيسية في مؤلفات علم الكلام. ولكن عندما استقرت الدولة العباسية, وصار تبرير مبدئها وأصلها مسألة متجاوزة (الشيء الذي كان يقوم به علم الكلام) انتقلت الحاجة إلى تبرير واقعها, أعني سياستها في الحاضر, وهنا جاء دور الفقهاء, فهم الذين في إمكانهم إضفاء الشرعية على واقع معين. وهكذا انتقلت مسألة الإمامة الى اختصاص الفقهاء, خاصة منذ الماوردي.

ومهما كان الأمر، فإذا كانت علاقة علم الكلام بالأخلاق علاقة انفصال كما قلنا, فإن الوضع يختلف بالنسبة لعلاقة الفقه بالأخلاق، فالفقه كان هو نفسه الأخلاق. وفي المرحلة الأولى من الإسلام, مرحلة النبوة والخلافة الراشدة, لم يكن هناك فرق كبير بين الأحكام والأخلاق. فالأحكام الشرعية كانت أخلاقا, والأخلاق كانت أحكاما شرعية. وهذا موضوع آخر عسى أن يسمح الوقت بالكتابة فيه في المستقبل.

أزمة القيم في الفكر العربي : أزمة أفراد أم أزمة مجتمع!

سؤال: هناك إصرار لديكم على أن مفهوم الأخلاق مرتبط بأزمة القيم التي عاشتها الثقافة العربية منذ "الفتنة الكبرى" وما تلاها من تطورات وأحداث. فهل أزمة القيم هنا أزمة أفراد معزولين أم أزمة مجتمع?

جواب: الواقع أنني لم أصدر في هذه المسألة عن مبدأ مسبق. بل يمكنني القول إن إدخال مفهوم "أزمة القيم" في رؤيتي لتطور الفكر الاخلاقي في الثقافة العربية, كان من أواخر الاشياء التي استكملت بها بناء تلك الرؤية. لقد وجدت نفسي أمام الحاجة إلى هذا المفهوم عندما أخذت في البحث عن العوامل والأسباب التي جعلت النزوع إلى الزهد، وهو نوع من التصوف، ينتشر في الحضارة العربية في مرحلة مبكرة, أي مباشرة بعد مقتل عثمان وحرب صفين ومقتل الحسين. هنا كما يلاحظ القارئ وجدت نفسي أمام ضرورة اعتبار أزمة الضمير التي عانى منها المسلمون الأوائل الذين حضروا فترة النبوة, وانطلقوا في الفتوحات, وإذا بالأمر سينقلب الى حرب أهلية كان من جملة رجالها صحابة كبار لهم اعتبارهم الديني الخاص. ويجب أن أضيف أيضا إنني لم أتمكن من تحديد أسباب التحولات الشخصية "الانقلابية" التي تعرضت لها شخصيات كان لها وزنها في التاريخ الثقافي الاسلامي، أمثال الحارث بن أسد المحاسبي وأبي الحسن الأشعري والغزالي الخ، بدون استحضار هذا الذي عبرت عنه بـ"أزمة قيم".

بطبيعة الحال يمكن أن يوسع المرء مجال رؤيته فيكتشف, كما سجل ذلك بعض الباحثين، عربا وأجانب، دور أزمة القيم التي يعاني منها الفرد أو المجتمع في الصيرورة التاريخية عامة، ولم يكن هذا ما يشغلني. وإذن فأنا لم أنطلق من هذا المفهوم كأداة للرؤية, ابتداء, ولكنني وجدت فيه حاجتي حين الممارسة. وليس مما يحتاج الى بيان أن أذكر هنا بأن النزوع إلى الأخلاق بكيفية عامة يأتي في الغالب نتيجة أحداث ووقائع تحرك ضمير الفرد والجماعة, فينتج عن ذلك نوع من أزمة الضمير. وقد يتسع مجال هذه الأزمة ويتعمق فتتحول من أزمة ضمير الفرد والجماعة الى أزمة قيم عامة وشاملة.

الأخلاق، الأدب، القيم

سؤال : انطلقتم في الحديث عن "المشكلة الأخلاقية" في التراث العربي, من المقاربة المعجمية لمصطلحات "أخلاق" "أدب" "قيم"، فإلى أي أحد تكون المعاني التي يوفرها المعجم لبعض الكلمات في مستوى الارتقاء بها الى الأبعاد الاصطلاحية والمفهومية?

جواب : فعلا, اخترت في أبحاثي, في مجال التراث, أن أهتم بالجانب المعجمي عندما يتعلق الأمر بمفاهيم من النوع الذي يلعب دور "المفتاح" في القضايا الأساسية. وهذا الاختيار أملاه علي كون اللغة العربية التي بها جرى التفكير والكتابة في الثقافة العربية العالمة, قد حصل لها شيء من التطور, ليس فقط من زمان الى آخر, بل أيضا من حقل معرفي الى آخر. فمفاهيم الفقه مثلا, ولنأخذ الصلاة والزكاة, لا يمكن استيعاب معانيها ودلالاتها بمجرد التقيد بالتعاريف الصناعية الفقهية المتأخرة. فالصلاة هي أصلا الدعاء والزكاة فيها معنى النمو, وأعتقد أن النبي والصحابة لم يكونوا, عندما استعملوا هاتين الكلمتين، يقيدونهما بالحدود التي أعطاها لهما فيما بعد الاصطلاح الفقهي. وقل مثل ذلك في مفاهيم أخرى.

وبالنسبة لمفهومي "أخلاق" و"أدب" لا أشك في أن القارئ قد وجد في استحضاري للمعجم اللغوي بشأنهما أشياء مفيدة. فلقد لاحظنا مثلا أننا نقول اليوم، كما في الأمس، عن شخص ما "إنه قليل الأدب" أو "مؤدب"، ولا نقول عنه "إنه قليل الخلق" أو "مخلق"، وإن كان هذا جائزا من الناحية اللغوية. هذا في حين أن القرآن يخاطب النبي قائلا: "وإنك لعلى خلق عظيم". فلماذا لم يقل القرآن إنك على "أدب حسن", أو "إنك على حسن أدب"؟ إن الجواب عن هذا السؤال لا يتأتى في نظري إلا إذا استحضرنا معنى "الخلق" ومعنى "الأدب" في دلالتهما المعجمية الأولى وفي حقلهما التداولي الأول. فمن الناحية المعجمية, الخلق متصل معجميا بالخَلْق والخِلْقة. فالخُلُق من هذه الناحية شيء كأنه يُخلق مع صاحبه. وكأن أخلاق النبي قد خلقت معه كما خلق جسمه. أما "الأدب" فهي كلمة متصلة معجميا بالمأدبة, أي بالطعام, بالغذاء. فما يكتسبه الجسم من قوة أو صفات بواسطة الغذاء شيء طارئ ليس من الخلقة! وهكذا ترى أن معني الخُلُق يربطنا بالفطرة, بالخَلْق, في حين أن معنى الأدب يتصل بما يكتسب. وقد أوضحت في الكتاب أن معنى الغذاء في كلمة "أدب" قد بقي حاضرا, وقد أظهره بجلاء كثير من الكتاب, وعلى رأسهم ابن المقفع, وقد شبهوا ما نسميه بالأدب من الناحية المعرفية, أي المعرفة بالحكم والأمثال والقصص والشعر الخ, الغذاء للروح، كما هو الطعام غذاء للجسم. فأنت ترى إذن أن الأدب له معنيان, معنى يحيل الى المادة المؤدبة المغذية, ومعنى يحيل الى نتيجة ومفعول هذا الغذاء الروحي والتربوي الخ. في حين أن الخُلق (بالضم) يحيل في نفس الوقت الى الخِلقة, ولغويا إلى الأديم, أي الى شيء فطري مخلوق كما هو جلد الإنسان مخلوق، وفي نفس الوقت إلى صفات أخرى يكتسبها الإنسان بالتربية وبالاتصال بالحياة الاجتماعية. هذه المعاني كلها نجدها بصورة أو بأخرى في مؤلفات "الأخلاق" في الثقافة العربية الاسلامية, بل يمكن أن نحزر مضمون أي كتاب واتجاهه من كون صاحبه استعمل لفظ "أخلاق" أو "آداب" في عنوانه.

من ناحية أخرى, يمكن أن نلاحظ كذلك, وهذا أبرزته مرارا, أن الخطاب الاخلاقي المنحدر من الموروث الفارسي يطلق عليه "الأدب" بينما يطلق على الخطاب الاخلاقي المنحدر من الموروث اليوناني اسم الأخلاق. وكقاعدة عامة يمكن القول مع قليل من التجاوز إن أي كتاب في تراثنا العربي الإسلامي يحمل كلمة أخلاق كعنوان أو جزء من عنوان, هو كتاب ينتمي بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الموروث اليوناني, بينما ينتمي الكتاب الذي تدخل كلمة "أدب" في عنوانه إلى الموروث الفارسي. أما العناوين التي تنتمي إلى مجال الفقه مثل "الآداب الشرعية" فهي مأخوذة أصلا من التصوف المأخوذ بدوره من الموروث الفارسي. وهذا ما جعلني أفترض أن كلمة "أدب" نفسها كلمة فارسية. وقد أشرت إلى ذلك حينما استشهدت ببعض المعاجم التي افتتحت شرحها لكلمة "أدب" بالقول : تعني "بالفارسية كذا وكذا…", وإذا كنت لا أدعي المعرفة باللغة الفارسية القديمة فلعل كلمة "أدب" في اللغة الفارسية المعاصرة لا يختلف حضورها في هذه اللغة عن حضور كلمات عربية أخرى أخذت من العربية بينما أصلها "القديم" فارسي. وهذه ظاهرة شائعة.

دور الخاصة هو الحفاظ على طاعة العامة للسلطان.

سؤال: تميزون داخل الموروث الفارسي بين ثلاثة مستويات هي: السلطان, الخاصة, العامة, فهل انتقلت سلوكات وأخلاق هذه المستويات الى المجتمع العربي الإسلامي بنفس المعنى? ثم هل كانت العلاقات بينها تقوم دائما على الطاعة والاستبداد?

جواب : هذا التمييز بين أصناف ثلاثة من الأخلاق في الموروث الفارسي فرضه انقسام المجتمع/الدولة في فارس إلى ثلاثة مستويات: السلطان في القمة, والخاصة كمنفذة لأوامره والخادمة لمصالحه والمكلفة بتطويع العامة مقابل ما قد يمنحها من سلطة مادية أو مالية أو علمية. أما المستوى الثالث فهو عموم الشعب أي العامة. كان الفصل بين هذه المستويات الثلاثة حاسما بحيث كان لكل واحد منها نمط حياته الخاص ودوره في المجتمع ككل. فالأمر إذن يتعلق بمراتب أو بمنازل ثلاثة, وكان لكل منها نمط خاص من العيش, ونمط خاص من السلوك والتقاليد, وبالتالي من الأخلاق. ونحن نجد هذا واضحا في كتابات ابن المقفع مثلا عندما يتحدث عن أخلاق السلطان, وأخلاق صاحب السلطان, وأخلاق العامة, نجد هذا في مؤلفاته المعروفة والمتداولة حتى الآن, أعني كتاب "كليلة ودمنة" و"الأدب الكبير" و"الأدب الصغير". ومع أن الكتاب الأول ذو أصول هندية, فإن إضافات ابن المقفع, سواء منها ما كان في صورة فصول أو على شكل فقرات واستطرادات، إضافات تندرج تماما في الأدب السلطاني الفارسي.

 كانت أخلاق السلطان تقوم على "التفرد في كل شيء". وكما نقرأ في كتاب "أخلاق الملوك" المنسوب للجاحظ, وهو كتاب لا تخفى أصوله الفارسية, فإن الملك لو استطاع أن يتفرد بالهواء لكان عليه أن يفعل. وأما أخلاق الخاصة, فتمليها وظيفتها ووضعيتها. فمن جهة تقوم وظيفتها على خدمة السلطان, وبالتالي فأخلاقها من هذه الناحية تندرج كلها تحت مفهوم الطاعة بمختلف مستوياته وأبعاده, مضامينه وشكلياته. ومن جهة أخرى, فإن منزلتها منزلة مهزوزة لأنها مستمدة من السلطان وليس من سند آخر اقتصاديا كان أو قبليا أو علميا. فالخاصة في الموروث الفارسي هم أساسا حاشية السلطان ومن يدور في فلكه. وبما أنه ليس لهم ما يحميهم أو يمكنهم من الترقي في المنزلة بوجوه طبيعية, فإن الأخلاق السائدة فيهم تكون في الغالب مبنية على المنافسة والوشاية وكيد البعض للبعض الخ. وبالتالي فالحذر يفرض نفسه, الحذر من الأقران ومنافساتهم ودسائسهم, والحذر من السلطان, من نزواته وتقلب مزاجه وتأثير الوشايات عليه الخ. أما العامة, فهي في منزلة الخدم, وبعبارتنا المعاصرة القوة المنتجة للثروة التي هي من حق الملك وحده. وبما أن هذا النوع من المجتمع/الدولة، أو الدولة/المجتمع، يقوم على القوة وليس على الرضى, على الاستبداد وليس على العدل والديمقراطية, فإن وجوده يتوقف بطبيعة الحال على الجند, والجند يحتاج الى مال, ومصدر المال هو العامة وإنتاجها. وهكذا لم يكن على العامة إلا أن تنتج وتطيع, وأخلاقها, أعني الأخلاق التي ترسخت في صفوفها، هي أخلاق الطاعة: طاعة الأسفل لمن هو فوق. ودور الخاصة هو الحفاظ على طاعة العامة للسلطان.

حراسة الدين هنا تعني بعبارتنا المعاصرة تأميمه واحتكاره

سؤال:  لكن ربما يعود الأمر إلى أن الدولة والدين يعتبران شيئا واحدا في الإسلام, أو على الأقل هذا ما تكرس بعد الدعوة الاسلامية.

جواب : صحيح أن الدولة والدين في الإسلام شيئان متداخلان منذ النبوة. ذلك أنه على الرغم من أن النبي لم يقبل أن يكون ملكا ولا أن يسمى ملكا, وإنما ألح على أنه نبي يوحى إليه, وعلى الرغم من أنه من الجائز تماما القول إن النبي محمدا لم يكن ذا مشروع سياسي وإنما كان ذا مشروع إصلاحي ديني واجتماعي, على الرغم من هذا وذاك, فإن تطور الدعوة المحمدية قد جعل الأمور تنتهي إلى ما يشبه الدولة بعد الهجرة النبوية, والى دولة حقيقية مع أبي بكر الذي ربط بين أداء الزكاة والولاء للإسلام ليس فقط كدين, بل أيضا كمجتمع على رأسه خليفة للنبي لا يفترق وضعه في شيء عن وضع رئيس الدولة. هذا التمازج بين الدين والدولة في الإسلام لم يكن مقصودا منذ البداية, فالنبي لم يكن قصده من الدين إنشاء دولة ولا كان قصده من الدولة التي نشأت كأمر واقع, جعلها حارسة للدين بمعنى ماسكة بزمامه, موظفة له لصالحها, على غرار ما نجده عند الفرس, وبالخصوص مع مشروع أردشير.

لقد بينا كيف أن أردشير, مؤسس الدولة الساسانية في القرن الثاني للميلاد، قد لجأ الى رجال الدين فأحاطهم به كما وعمل على توحيد النصوص الدينية في نص مشترك يقبله الجميع, كل ذلك من أجل إنشاء الدولة وتوطيد أساسها. وبعبارة معاصرة قامت دولة أردشير على أساس التحالف بين الدين والقوة الاجتماعية التي من شأنها أن تقوم عليها الدولة وتقوم بحمايتها. ومن ثم تلك العبارة الشهيرة التي انبنى عليها عهد أردشير كله وهي: "الدين والملك توأمان, الدين هو الأس والملك هو حارسه"! وهذا يعني أن المُلك، أي الدولة، إنما قام على وحدة الدين وتحت لوائه, وأنه من جهة أخرى مكلف بحراسته، لا بمعنى حفظه من الانحراف أو الاختلاف... بل بمعنى ضرب الحصار عليه وعلى أهله حتى لا يكونوا مرة أخرى أساسا لدولة مضادة ثائرة. فحراسة الدين هنا تعني بعبارتنا المعاصرة تأميمه واحتكاره.

وقد فهمت المعارضة التي قامت في وجه دولة أردشير هذا الوضع, فقامت تحارب أردشير بالدين من خلال ابتداع دين جديد، وهذا ما قام به ماني وكل من جاء بعده من المانوية والمثنوية. والغريب في الأمر هو أن الدولة في الإسلام قد تبنت منذ أبي جعفر المنصور العباسي موقف أردشير في احتكار الدين وتأميمه لصالحها, بينما تبنت المعارضة للعباسيين من شيعة وغيرها نفس الموقف الذي كانت قد عملت به المعارضة لأردشير. وهكذا ورثت الحضارة العربية من الموروث الفارسي أردشير وماني في الوقت نفسه.

الوضع في المغرب لا يختلف … إنهم يطلبون الخبز

سؤال:هل يمكن, من باب المقارنة, أن نقول إن المغرب, باعتباره بلدا عربيا إسلاميا, تنسحب عليه نفس الخطاطة, أم أن أوضاعه, بحكم المسافة الجغرافية, كانت مختلفة عما عرفه المشرق?

جواب: الواقع أن الوضع في المغرب لا يختلف عما كان عليه الوضع في العالم العربي كله, فالمغرب لم تكن فيه دولة قبل الإسلام, والدولة التي قامت فيه وصارت مغربية هي نفسها الدولة الاسلامية. بمعنى أن نموذج الدولة في دمشق وبغداد هو الذي انتشر في العالم الإسلامي وبقي متوارثا الى اليوم. فالمغرب ورث الدولة الأردشيرية من الأندلس, والأندلس ورثتها من دمشق وبغداد.

عندما قامت الدولة في المغرب ككيان واحد ومتميز على عهد يوسف بن تاشفين المرابطي, كان طابعها العام هو البداوة, وبعبارة أخرى كان نموذجها هو نموذج الدولة في الصحراء. وعندما انتقل ابن تاشفين من فضاء الصحراء الى فضاء المغرب والأندلس, تعرف لأول مرة على مشهد كان خاصا بالدولة الأردشيرية، الكسروية: تقدم إليه الشعراء يهنئونه بالنصر, وينشدون قصائد في مدحه, كانوا يتحدثون بالعربية الفصحى وهو لم يكن يعرف غير الأمازيغية, فلما أطالوا الكلام وتناوبوا على قصائد المدح, سأل أحد رجال حاشيته المعربين: "ماذا يقولون؟", فكان الجواب : إنهم يمدحونك ويهنئونك بالنصر, ويذكرون شمائلك الخ، وابن تاشفين لم يعهد ولم يعتد مثل هذا المشهد. فلم يكن في ذهنه ما يقيس عليه هذا المشهد غير ما عرفه في بيئته الصحراوية, فقال: "آه إنهم يطلبون الخبز"، وذلك لأن الذي يمدح ويلقي ما يشبه القصائد من هذا النوع في الصحراء هم الفقراء الذين يطلبون الصدقة!

هذا على مستوى الدولة, أما على مستوى الأحزاب السياسية التي أثارت الانتباه إليها, فمن الجدير بالذكر هنا أن نشير الى أن مفهوم الحزب السياسي هو مفهوم أوربي, فالمجتمع الإسلامي عرف الفرق من "خوارج" و"متكلمين" وما في معنى هؤلاء وأولئك. ثم عرف المجتمع الإسلامي أيضا الطرق الصوفية, وكان بعضها يقوم بأدوار سياسية مما جعلها تأخذ شيئا من خصائص الحزب السياسي, ومما يجب استعادته في هذا الصدد هو أن الجماعة الوطنية الأولى في فاس التي أسست الحركة الوطنية في أوائل 1930 كانت تسمي نفسها الزاوية, وتسمي أتباعها الطائفة. فالقيادة الحزبية هي الطائفة, والجمهور والأتباع هم الزاوية. نعم يمكن أن يقال إن الوطنيين المغاربة الأوائل قد استعاروا هذين المصطلحين قصد التخفي وصرف أنظار سلطات الحماية عنهم, ولكن يبقى مع ذلك أنهم وجدوا في هذين المصطلحين ما ينسجم مع موروثهم الثقافي الفكري. ولذلك فيجب ألا نستغرب إذا ما بقي في الأحزاب السياسية الى اليوم شيء ما من الطائفة وشيء ما من الزاوية. فالألفاظ لا تحتل مكانتها في الخطاب لمجرد أنها ألفاظ, بل لأنها تجد مرجعيات لها، خفية أو ظاهرة، في الموروث الثقافي والفكري.

في الموروث العربي الإسلامي  : الشخص بدل القانون :"الخليفة" أولا..

سؤال : إذا انتقلنا الآن الى الموروث اليوناني فماذا يمكن قوله بالنسبة للموضوع الذي فرغنا منه في الفقرة السابقة, موضوع طبيعة الدولة وعلاقتها بالأخلاق والسياسة. وهل يمكن القول إن أردشير كان غائبا في هذا الموروث? وما هي الأسباب?

جواب :من المعروف أن الموروث اليوناني الذي انحدر الى الثقافة العربية هو الموروث الفلسفي الذي قطباه الأساسيان أفلاطون وأرسطو.

ومن المعروف كذلك أن ازدهار الفكر اليوناني الفلسفي والعلمي قد ارتبط بـ "المدينة" ومضمونها عند الإغريق. ومن المعروف أيضا أن مفهوم المدينة ينطوي في آن واحد على معنى المجتمع و الدولة. إن هذا يعني أن التجمع في مكان معين، لمدة طويلة، قد ينشأ عنه نظام من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ وتقنين هذا النظام وجعله في خدمة أهل المدينة, هي مهمة الهيئة التي تسمى الدولة.

لقد أوضحنا في الكتاب كيف أن القيم الكسروية كانت قائمة على أساس أن الرئيس يكون أولا ثم الدولة والمجتمع بعده ومن صنع يديه. أما في المدينة اليونانية, فالمواطن (أي ساكن المدينة والعضو فيها) هو الذي يكون أولا, وجماعة المواطنين هم الذين يناقشون الشأن العام ويقررون فيه, وهم ينتخبون الهيئة المكلفة بالتدبير والتسيير للمدينة. فالوضع هنا إذن معكوس. ولذلك فنحن حين نرجع الى أفلاطون نجده ينطلق في جمهوريته من مسألة أخلاقية, وهي مسألة العدل: كيف يمكن تحقيق العدل بين الناس وفي الناس؟ وقبل ذلك كيف يفهم الناس العدل, وما هو العدل على الحقيقة? وبعد مناقشة هذه المسائل ينتهي الى النتيجة التالية وهي أن العدل في المجتمع يحتاج تحقيقه الى دولة، الى حكام مهمتهم ممارسة العدل. من هنا ينطلق أفلاطون في مناقشة كيفية تكوين وإعداد هؤلاء الذين ستتكون منهم الهيئة المسماة دولة, وبالخصوص رئيس هذه الهيئة الذي هو رئيس المدينة. كيف يجب إعداده وتكوينه جسميا وفكريا? وما هي المراحل التي يجب أن يجتازها في تكوينه الخ? إذن فالرئيس هنا ليس هو الذي يأتي أولا, بل هو الذي يأتي أخيرا, أي في قمة سلم التربية والتكوين وحسن الخلق الخ. وقد أسند أفلاطون هذه المهمة إلى الفيلسوف لأنه بالتعبير اليوناني هو الحكيم أو محب الحكمة. والحكمة هنا لا تعني صواب الحكم والنظر فقط, بل أيضا المعرفة الشاملة بدقائق الأمور، الشيء الذي لابد منه لكل رأي سليم. ولكن أفلاطون, رغم مثاليته, كان قد جرب السياسة وكان يطمح لأن يقوم بهذا الدور لأحد الأمراء فلم ينجح، فاستخلص الدرس من الواقع وقال: إن الناس لا يرحبون عادة بالفلاسفة إن هم وجدوا, وبالتالي فمن الصعب, إن لم يكن من المستحيل أن يبحث الناس عن فيلسوف يسلمونه مقاليد أمورهم. لقد انتهى أفلاطون الى أن المدينة الفاضلة التي يرأسها الفيلسوف ليس مكانها هذا العالم وإنما موقعها الطبيعي عالم آخر. ولا شك أنه يعني عالم المثل, بمعنى أن المدينة الفاضلة ستبقى نموذجا يطلبه الناس دون أن يتحقق كاملا.

كان أرسطو, تلميذ أفلاطون, واقعيا. فعندما انتهى من دراسة وتحليل الأخلاق في كتابه "الأخلاق النيقوماخية" تساءل : من سيطبق هذه الأخلاق الفاضلة التي انتهى الى رسم معالمها؟ فأجاب إنه لابد من قانون يحميها والقانون تطبقه الدولة, فلابد من البحث في الدولة. انتقل أر سطو إذن الى الكتابة في "السياسة" وتساءل: ما الذي هو جدير بأن يختاره الناس كحاكم وكمرجع: هل الشخص الفاضل, يعني الفيلسوف الذي وضعه أفلاطون على رأس المدينة الفاضلة، أم القانون العادل الذي يجب على الجميع تطبيقه? فكان جواب أرسطو أن الشخص الفاضل العادل، الذي طلبه أفلاطون، من المتعذر وجوده, فإذا وجد فهو إله بين البشر! ولذلك يجب اختيار القانون العادل، لأن القانون يبقى ويمكن تطبيقه وإن بدرجات متفاوتة.

هكذا حسم أر سطو في المسألة التي نحن بصددها: ما هو الأفضل: هل دولة الرئيس الفاضل أم دولة القانون العادل? لقد اختار دولة القانون. ولعل هذا الاتجاه الذي سار عليه أرسطو والذي انطلق منه، أي اختياره القانون بدل الشخص, هو الذي غيب كتابه "السياسة" من الموروث اليوناني في الثقافة العربية. فنحن نعرف أن ابن رشد قضى وقتا طويلا في البحث عنه. ولما يئس عمد الى تلخيص أو اختصار جمهورية أفلاطون. والغالب على الظن الآن أن هذا الكتاب لم يترجم قط إلى العربية. وفي ظني أن التراجمة السريان قد أحجموا عن ترجمته الى العربية لأنه يطرح مشروعا للدولة مناقضا تماما لدولة الإسلام التي يوضع فيها الخليفة أولا، وهو "المطبق" و"المؤول" للشرع. دولة الإسلام تبنت نموذج دولة أردشير، وليس نموذج قيادة محمد (ص) القائم على "وأمرهم شورى بينهم". لقد ترسخ نموذج دولة أردشير في المجتمع الإسلامي والفكر الإسلامي حتى بات غير قادر على التحرر منه، غير قادر على تصور نموذج آخر فاضل للحكم غير الذي يرتكز على "المستبد العادل"، الذي يستشير من شاء ويعمل أو لا يعمل بما أشير به عليه. وهكذا فالمجتمع العربي لم يكن مهيئا لأن يقتل في نفسه أردشير، ويأخذ بدولة القانون. والسؤال الآن: هل هو اليوم مؤهل لذلك?

كيف تبنى التصوف نفس القيم الكسروية

سؤال: في حديثكم عن "الموروث الصوفي" تقولون إن جميع المقدمات,  أو المنطلقات، في "الكلام الصوفي" تنتهي الى عكسها, وأن أخلاق الفناء تنتهي إلى فناء الأخلاق، فهل معنى ذلك أن التصوف بدوره يجسد قيم الخنوع والسلبية والطاعة والخوف?

جواب : لا جدال في أن التصوف كموقف زهد وأيضا كرؤية للعالم قديم قدم الحضارة الإنسانية, فالثقافة البوذية والحضارة الصينية والفارسية ثم اليونانية ثم المسيحية الخ, هذه الثقافات والحضارات قد عرفت كلها أنواعا من الزهد والاستشراف الصوفي؛ وقد عرفت الجزيرة العربية ذاتها قبيل الإسلام مراكز في أطرافها مورس فيها التصوف في صورة من الصور. والغالب أن ظاهرة التصوف إنما تبرز كظاهرة اجتماعية ثقافية واسعة المدى في مجتمع من المجتمعات عندما يكون هذا المجتمع يجتاز أزمة, أو بصدد الانتقال من حالة ازدهار وقوة الى حالة تراجع وجمود. وبالنسبة للحضارة العربية, ظهر التصوف في أمصارها لا في فترات الأزمة والتراجع وحسب, بل أيضا في بدء انتشارها وخروجها من حدودها الأصلية, في الجزيرة العربية، إلى الفضاء الكوني الواسع.

وكما قلنا بصدد الدولة وقيم الاستبداد التي انتشرت مباشرة بعد قرن واحد من الهجرة, من بدء تأسيس الدولة, وبعد نحو نصف قرن فقط من انتشار الفتوحات شرقا وغربا وشمالا, وبلوغ الحضارة العربية الإسلامية أوج قوتها كظاهرة  تتجه نحو المستقبل, فإن التصوف ظهر هو أيضا في الفترة التي أخذ فيها المعقول الديني الذي حمله القرآن يتحول الى عقلانية مجردة تعانق العقل الكوني وتجادله.

وكما كان من الضروري البحث عن العوامل والأسباب التي قفزت بالمسلمين الأوائل  من حالة الفطرة على مستوى الدولة وتنظيم المجتمع الى حضارة البلاط الفارسية بكل تعقيداتها وزخرفها, فقد عملنا هنا أيضا في الموروث الصوفي على البحث عن الأسباب والعوامل التي جعلت الاندفاعة العربية الإسلامية الأولى, المتطلعة الى قيادة العالم يومئذ,  ترتبط بشكل لافت للنظر بالموروث الصوفي الفارسي الذي كان يمثل ثقافة الأزمة والتراجع بما تحمله من اللجوء الى المقاومة السلبية للسلطة. ومع أنه كانت هناك مراكز لها علاقة بالفكر الصوفي منتشرة على المحيط الخارجي للجزيرة العربية، شمال سورة ومصر الخ, فإنها لم تكن هي المصدر الأساسي للظاهرة التي نتحدث عنها. لقد انتشر الموروث الصوفي انطلاقا من الكوفة والبصرة وابتداء من منتصف القرن الأول ليمتد كتيار يتسع وليلتقي بالمراكز المذكورة التي صارت له مجرد روافد.

وإذن, فالظاهرة الحضارية التي نحن بصددها, ظاهرة واحدة متكاملة: كانت الدولة الأموية تبحث في أواخر عهدها عن وسيلة لحمل الناس على الطاعة فلجأت إلى الخطاب البلاغي الذي يحث على الانقياد للسلطان, بعد أن وهنت قواها العسكرية. ولما قامت الثورة العباسية ونجحت برزت الحاجة الى استقطاب القوات والتيارات التي ساهمت فيها، فركزت على شخص الخليفة الذي ألبس لباس كسرى، منذ أبي جعفر المنصور. ومن هنا كانت الحاجة الى القيم الكسروية, وإلى توظيف الدين لإضفاء الشرعية الاسلامية عليها. وبالمثل, فكما لجأت المعارضة الفارسية الى العرفان والغنوص بأنواعه, ومنه الزهد والتصوف والامتناع عن الإنتاج لضرب اقتصاد الدولة, وعن الزواج لتجفيف ينابيع العسكر والجند, عمدت المعارضة التي قامت في وجه الدولة العبرية منذ حادثة كربلاء الى نفس الأسلوب, بل نقلت نفس الأيديولوجيا وحاولت إعطاءها لباسا إسلاميا يجعل منها معارضة من داخل الإسلام. وهكذا أخذ ينمو جنبا الى جنب مظهران متناقضان في الدولة, قيم الاستبداد الكسروية من جهة وقيم التصوف والمقاومة السلبية من جهة أخرى. ومن غرائب الأمور, على الأقل بالنسبة للعقل المجرد أن لا يلتقي الطرفان المتناقضان إلا لكي يتبنى التصوفُ نفس القيم الكسروية حينما نشر ظلاله على العالم الاسلامي كله وأصبحت الطرق الصوفية قوة مادية عسكرية فضلا عن أنها قوة معنوية روحية. وهكذا انتهى الأمر الى أن تربع "ملوك  الآخرة" (رؤساء  الطرق الصوفية) عرش ملوك الدنيا, فتركت "الخلافة" (خلافة النبي فقط) مكانها لـ  "الخلافة العظمى عن الحق (الله), مطلقا في جميع الموجود جملة وتفصيلا".

سؤال:  أليس هناك تعميم حين تضعون التصوف بكل أشكاله وتياراته في خانة واحدة تخضع لحكم واحد? ومن جهة أخرى تقولون إن هناك في التصوف ثابتين اثنين هما : 1) القول بجبرية صارمة, و2) ترك التدبير.

جواب:  ليس هناك تعميم, فأنا أتحدث عن "الكلام الصوفي" وليس عن التطور التاريخي للتصوف في الإسلام. وكما أكدت غير ما مرة فإني أقصد بـ "الكلام الصوفي" تلك التنظيرات التي صب فيها مؤرخو التصوف، سواء منهم الممارسون أو العاطفون, مظاهر التجربة الصوفية ككل. وإذن فالتعميم هنا هو على مستوى هذه التنظيرات والمنشآت الفكرية التي تقنن وتبوب وترتب مظاهر التجربة الصوفية. وإذا شئت قلنا إن التعميم يخص ما كان يسميه القدماء "علم التصوف". ومن هنا فـ "الكلام الصوفي" هو على هذا المستوى نظير علم الكلام الذي يتناول شؤون العقيدة.

وبطبيعة الحال فلو كنا نتحدث عن تطور التصوف ومراحل هذا التطور لما جاز لنا أن نصدر هذا التعميم لأن التصوف كممارسة تاريخية لم يكن قالبا واحدا, بل بالعكس. فمن المعروف أن التجربة العرفانية هي تجربة فردية, وكما يقول أحد الباحثين المختصين في الموضوع إنك لا تجد عرفانيا يقول الشيء نفسه الذي يقوله زميله. أما عن العنصرين الثابتين في الكلام الصوفي, وهما: (1) القول بجبرية صارمة من جهة, و(2) ترك التدبير من  جهة أخرى, فهذا ما يؤسس التجربة الصوفية ابتداء. فالتجربة الصوفية تنطلق من "التوكل" , أي الاستسلام للقدر وتصاريفه الخ من جهة, ومن "الزهد", بمعنى ترك التدبير أي عدم الاهتمام بالمستقبل في الدنيا من جهة ثانية. يتعلق الأمر إذن بثابتين متكاملين يصلح كل منهما أن يكون مقدمة أو نتيجة للآخر:  التوكل يؤدي الى الزهد والعكس صحيح أيضا.

المروءة بين الأدب الفارسي والأدب العربي

سؤال: بالنسبة للموروث العربي "الخالص", أتساءل أولا لماذا اعتبرتم "المروءة", قيمة مركزية فيه رغم أنها مستوحاة من الشعر والأخبار وكتب الأدب التي هي في جانب كبير منها متخيلة وليست حقيقة مجتمعية واقعية? أما التساؤل الثاني فيتعلق بالسبب الذي جعلكم تتطرقون إليه في المرتبة الرابعة?

جواب: فعلا, يرجع "أدب" المروءة الى العصر الأموي, و كما سبق أن أوضحت ذلك, فإننا لا نعثر على كلمة "مروءة" في القرآن ولا حتى في الأدب الجاهلي إلا ما كان من أبيات وردت فيها الكلمة في سياقات عادية. وقد يجوز الشك في انتماء النصوص التي ترد فيها كلمة "مروءة" الى الأدب الجاهلي فعلا. ومع ذلك فمضمون المروءة, مضمونها السلوكي الاخلاقي الاجتماعي يتعلق بنموذج عرفته القبائل العربية قبل الإسلام. فالسؤدد, وهو مفهوم يقع على قمة القيم في المجتمع الجاهلي لكونه الرئاسة المعنوية التي يكون لها مفعول مادي, شأن شيوخ القبائل الذين يعرفون بالفضل والكرم والتسامح والعمل على تهدئة الصراعات والنزاعات, إن السؤدد مرتبة لا يبلغها المرء بدون أن يكون مستجمعا لصفات المروءة. على أن تكرار كلمة "المرء" في الأدب الجاهلي إنما جاء في سياقات قليلا ما ترتبط بالصفات والأخلاق السلبية, بل الغالب ما تكون في سياقات السلوك الإيجابي. إن تكرارها في هذه السياقات الإيجابية في الأدب الجاهلي شعرا ونثرا وفي القرآن كذلك, لدليل على أن المروءة التي هي مشتقة منه كانت حاضرة كمجموع خصال نموذجية.

وهكذا يبدو واضحا أن شيوع لفظ "المروءة" في أواخر العصر الأموي مع كتابات وترجمات ابن المقفع خاصة يمكن أن يحمل على أنه يعبر عن قيمة كبرى في الأدب الفارسي وجدت مضمونها في هذه الأمور التي ذكرنا بالنسبة للأدب الجاهلي. ومع ذلك يبقى هناك فارق مهم, و هو أن "المروءة" قد انتقلت كغيرها من المظاهر الحضارية من "خشونة البداوة" الى "رقة الحضارة", مع دخول الموروث الفارسي في الثقافة العربية. وهكذا لم تعد المروءة هي مروءة شيخ القبيلة ولا مروءة الصعاليك بل غدت مروءة كاتب السلطان ورجال حاشيته والمستمدين منه منزلتهم ووضعهم. وبسبب هذه الاعتبارات رُتبِتْ "المروءة" في الموروث العربي "الخالص" كقيمة مركزية له. أما من الناحية التاريخية فإن هذا الترتيب لم يتكرس على مستوى التنظير إلا بعد أن برزت الموروثات الأخرى، الفارسي واليوناني والصوفي، كنظم للقيم متنافسة. وهذا يعنى أن التنظير لها لم يبدأ إلا في القرن الرابع والخامس الهجريين أي بعد أن كانت الموروثات الفارسية واليونانية والصوفية قد اكتسحت الساحة ودخلت في تنافس فيما بينهما مما كانت نتيجته ظهور الحاجة الى إبراز موروث عربي خالص, وموروث إسلامي خالص، للانخراط في هذه المنافسة.

من محاولات أسلمة الأخلاق اليونانية إلى أخلاق المصلحة

سؤال : تضعون, في المورث الصوفي, جنبا الى جنب كلا من الحارث المحاسبي والماوردي وأبى حامد الغزالي والراغب الأصفهاني والعز بن عبد السلام. ما هي التبريرات التي جعلتكم تقومون بهذا الجمع? وهل يتعلق الأمر بتصنيف جديد مغاير?

جواب:  لقد كان كل من المحاسبي والأصفهاني والماوردي والغزالي والعز بن عبد السلام شخصيات علمية تصنف ضمن حقول مختلفة. فالمحاسبي يصنف مع المتصوفة, والأصفهاني مع اللغويين والأدباء بصفة عامة, والماوردي مع الفقهاء، والغزالي مع المتكلمين والمتصوفين، والعز بن عبد السلام يصنف كفقيه سني سلفي الميول.

هذا النوع من التصنيف هو أشبه بالتصنيف الذي كان سائدا, والذي كان يقوم على الفصل بين العلوم النقلية والعلوم العقلية أو بين علوم الأوائل وعلوم الإسلام الخ. و كما أدى بي البحث الإيبستمولوجي في نظم المعرفة في الثقافة العربية الى اقتراح تصنيف آخر هو التصنيف الى بيان وعرفان وبرهان, وجدتني مضطرا، في ميدان الأخلاق هذه المرة أيضا، الى ترك التصنيف القديم جانبا واقتراح تصنيف آخر اكثر ملاءمة لمبحث نظام القيم. وإذن فما يجمع الشخصيات المذكورة في حقل القيم رغم انتمائها الى حقول مختلفة هو كونها عملت بصورة واعية في كثير من الأحيان على إنشاء "أخلاق إسلامية", أو على الأقل محاولة أسلمة الأخلاق اليونانية.

يتعلق الأمر إذن بمحاولات أو مشاريع تريد أن تجعل الإسلام مرجعية لنظام القيم في المجتمع العربي الإسلامي بدل المرجعية اليونانية والفارسية والعرفانية الوافدة. وبعبارة أخرى فإذا انطلقنا من أن لكل ثقافة نظاما للقيم خاصا بها, فان الذين عملوا على بلورة نظام القيم الثاوي في الموروث الاسلامي الخالص هم هذه الشخصيات المذكورة. وإذن فما يجمعهم هو النزوع الصريح الذي نلمسه فيهم, في نصوصهم ومشاريعهم الفكرية الى إنشاء "علم أخلاق" إسلامي، يقف موقف الند مع علم الأخلاق اليوناني.

سؤال : لكن يبدو أن الأمر لم يتحقق هكذا دفعة واحدة بقدر ما كان هناك نوع من التطور والتدرج من متصوف لآخر, ومن مرحلة لأخرى.

جواب : فعلا هناك نوع من التدرج والتطور في هذا المجال. لقد بدأ المحاسبي بـ "إبراز" جانب من "أخلاق القرآن"، وهو الجانب الذي يتعلق بالآخرة وحدها, فوضع أخلاقا إسلامية للممارسة الدينية. وجاء الراغب الأصفهاني ثم الماوردي ليبرزا الجانب الآخر في الأخلاق الاسلامية, الجانب المتعلق بالدنيا. فكتب الماوردي كتابه "أدب الدنيا والدين" مخصصا الحيز الأكبر لأدب الدنيا وأدب النفس. وألف الراغب الأصفهاني كتابه "الذريعة  الى مكارم الشريعة" مهتما بإبراز "المكارم" أي الأخلاق التي تنسجم مع الروح الاسلامية. بل إنه ذهب الى القيام بنوع من أسلمة الأخلاق اليونانية. وكما هو واضح, فمحاولة الماوردي والأصفهاني لم تتحررا من البنية التي تأسست عليها الأخلاق اليونانية عند أفلاطون خاصة، وهي تقسيم النفس الى نفس شهوانية ونفس غضبية ونفس عاقلة. أما المحاسبي فقد بقي مرتبطا مباشرة بفقه الآخرة كما ورد في القرآن.

أما الأخلاق الاسلامية التي تتناول الدنيا والدين وترتكز على بنية خاصة بالفكر الاسلامي فقد كانت من حظ العز بن عبد السلام الذي تحرر تماما من البنية اليونانية وتأثيراتها، ومن الفصل بين النفس والجسد وبين الدنيا والآخرة. وهكذا اتخذ من بنية علم الكلام الإسلامي (الذات - الصفات - الأفعال) أساسا أرسى عليها الأخلاق الاسلامية, واعتمد مفهوما أساسيا في الفقه الاسلامي, مفهوم المصلحة الذي يجد هو الآخر أساسه في القران (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فجعل الغاية من الأخلاق الاسلامية هي المصلحة. وهكذا أصبحت الأخلاق الفاضلة هي العمل الصالح. لقد شيد العز بن عبد السلام مشروعا للأخلاق الاسلامية ينطلق من العقيدة : الفصل بين ما يمكن أن يتحلى الإنسان به من صفات الله وما لا يمكن. وهكذا ألقى جانبا بالقيم الكسروية كلها لأنها تتحدث عن صفات خاصة بالخالق مثل الحاكم والقهار الخ وتنسبها إلى السلاطين، ثم أخذ الصفات الأخرى التي لها طابع مصلحي إنساني كالرحمة والتسامح الخ، وجعلها الميدان الحقيقي للأخلاق الاسلامية.

وهكذا ينتقل العز بن عبد السلام بقارئه من فضاء الموروثات الوافدة إلى فضاء الموروث الاسلامي "الخالص".

لم يدفنوا في أنفسهم بعد أباهم أردشير…!

سؤال: تختمون كتابكم حول العقل الأخلاقي العربي بعبارة تلخص تقريبا كل ما ورد في الكتاب, ولها أبعاد راهنية كذلك, وهي:  "لم ينهض العرب والمسلمون بعد,، ولا إيران ولا غيرها من بلاد الإسلام, النهضة المطلوبة! والسبب عندي أنهم لم يدفنوا بعد في أنفسهم "أباهم", أردشير! " ما هو تعليقكم عليها?

جواب: هذه الجملة تنطوي على شيء من الرمزية, ولاشك أن الذين يعرفون ما تعنيه "عقدة أوديب" والمعنى الذي يقصد من الرمز "قتل الأب" يدركون الأبعاد الحقيقية والعميقة التي أردت أن أضمنها هذه العبارة التي لم أجد أفضل منها في تلخيص كل ما احتوى عليه الكتاب من تحليلات.

لم استثن في هذه العبارة لا السنة ولا الشيعة ولا غيرهما من فرق الإسلام, بل لقد نظرت إلى الموضوع في إطار أوسع يشمل العالم الإسلامي كله ليس بوصفه يدين بالإسلام, بل لأنه ينتمي إلى منطقة من العالم طالما وصف الباحثون والإيديولوجيون في أوربا نمط الحكم فيها بما عبروا عنه بـ"الاستبداد الشرقي«.

كانت عبارة "الاستبداد الشرقي" التي انتشرت على أقلام المستشرقين والإيديولوجيين الأوربيين منذ القرن 19, عبارة تنطوي على اتهام (بالاستبداد) ولكن دون بيان لمضمونه وأبعاده, ثم إن نسبة هذا "الاستبداد" الى الشرق ينطوي على نوع من الحتمية الجغرافية باعتباره قد ربط بمنطقة جغرافية وكأن الغرب لم يعرف الاستبداد.

وعندما جاء ماركس واستعمل هذه العبارة, وأراد هو وخلفاؤه الماركسيون من بعده أن يعطوها معنى ماديا، مرتبطا بعلاقات الإنتاج, ربطوا مفهوم "الاستبداد الشرقي" بأساليب الإنتاج التي تقوم على الزراعة على ضفاف الأنهار الكبرى, كما في الصين والهند وآسيا الوسطى ومصر. هذا النوع من الفهم لمقولة "الاستبداد الشرقي" ينطوي هو الآخر على نوع من التقسيم الجغرافي مفاده أن الغرب اعتمد على علاقات الإنتاج الإقطاعية ثم الصناعية, وأن الشرق لم يشهد هذه العلاقات وإنما عرف علاقات أخرى بحث لها عن أساس مادي فيما سمي بأساليب الإنتاج التي تعتمد الزراعة على ضفاف الأنهار الكبرى.

واضح أنه لم يكن هناك مجال في الكتاب للدخول في هذه التفاصيل والمناقشات, فلم يكن مما شغل ذهني الرد على تفسير الغرب للحياة في الشرق ولا العكس, كان كل اهتمامي منصرفا الى فهم الواقع التاريخي الذي عرفته الحضارة العربية الإسلامية؛ وعندما أخذت أبحث عن أصول ظاهرة الحكم في الإسلام, الذي اتخذ صبغة "الخليفة" صاحب الحق الإلهي -وهو شيء يقع خارج عقيدة الإسلام- وجدت أن أصل هذه الظاهرة باعتبارها أسلوبا في الحكم يرجع إلى الموروث الفارسي الذي يحتل فيه أردشير موقع المرجعية والرمز.

بعد هذا الاستطراد لنعد الى عبارة "قتل الأب", كما تطرح في إطار التحليل النفسي بالعلاقة مع عقدة أوديب,. إن عبارة "قتل الأب" هنا تعني التخلص من هيمنة "الأب الأصل" كرمز وكسلوك وكوجدان وهو هنا "أردشير" مؤسس الدولة الساسانية, محرر بلاد فارس من ملوك الطوائف وتطاحناتهم, وكانوا قد ظهروا كنتيجة لاحتلال الإسكندر وقواده العسكريين لهذه البلاد؛ فأردشير من هذه الزاوية هو الأب المؤسس للدولة, المشرع المحرر للبلاد, إضافة إلى أنه خاض حروبا مع الفرس انتصر فيها فلقب بملك الملوك، باعتبار أن ملوك الأطراف والنواحي كانوا تابعين له, ومنهم النعمان بن المنذر المشهور, ملك الحيرة. ليس هذا وحسب, بل إن أردشير الذي جمع البلاد وأرسى فيها سلطته الواحدة, جمع الدين أيضا حينما أحاط به رجال الدين حول نصوص جمعها من كل جهة من جهات فارس واستخلص منها النص أو النصوص التي قام الإجماع حولها بوصفها الكتاب المقدس الفارسي (أفيستا), الذي ينحدر من نبيهم زرادشت. من هنا كانت وحدة الدين والدولة عبارة عن عملية واحدة, وحدت البلاد ووحدت وجدان الشعب حول رمز واحد حي، له تاج مرصع، منه تصدر الأوامر، والجميع إليه ينصت وينظر ... إنه ملك الملوك أردشير.

هكذا إذن ورثت الحضارة العربية الإسلامية هذا النمط من "الحاكم", فهو حامي الدين, وهو حامي البلاد والعباد ومحرر الأرض والمدافع عن الوطن  الخ. لقد تقمص أبو جعفر المنصور هذه الشخصية كما روجت لها، ولصفاتها وخصالها، الأدبيات السلطانية التي نقلها عن الفارسية ابن المقفع وغيره, وتقمصها الإمام الشيعي البديل للخليفة السني. أسماء فقط, أما المضمون فواحد وهو أردشير بكل مضامين الرمز الذي تحول إليه. وهكذا, وكما سبق أن بينا, فإنه لا الحكم ولا المعارضة للحكم ينفصلان عن رمز أردشير, بل الحكم أو الخليفة القائم يقدم نفسه كأردشير المتحقق على الأرض وحامل اسم "الخليفة"، أما المعارضة الشيعية وغيرها, فقد جعلت من الإمام البديل الذي يشخص الرمز /الأصل: أردشير الجامع بين الدين والدولة.

وإذا نحن ألقينا نظرة على الحكم في الإسلام, في إيران أو في بغداد أو القاهرة أو في المغرب والأندلس، فإن الذي يبرز كنموذج واحد يتكرر عبر التاريخ هو نموذج أردشير الموروث عن الفرس والذي كرسته الثقافة العربية بأسماء مختلفة, في الأدب وعلم الكلام والفقه والفلسفة والتصوف الخ.

لقد حققت أوربا ثورتها ودخلت عصر الحداثة انطلاقا من فكر الأنوار الذي جعل حدا لإيديولوجيا الإقطاع في تحالفه مع الكنيسة, أما مقولة "الاستبداد الشرقي", فهي بالنسبة لي مقولة تجد أصلها لا في الشرق, بل في ما تخيل الغرب أنه كان في الشرق لكونه لم يكن عنده هو.

وإذن فالدخول الى الحداثة السياسية في العالم العربي والإسلامي يتوقف, من جملة ما يتوقف عليه، على التخلص من نموذج أردشير الذي هو المضمون التاريخي الواقعي لما أراد الغرب أن يعبر عنه بـ"الاستبداد الشرقي". إن شيخ الصوفية والمفتي والحاكم بأمره وشيخ القبيلة ورئيس الطائفة وزعيم الحزب, دع عنك "الزعيم الأوحد" و"الزعيم البطل" الخ, إن هؤلاء ومن في معناهم هم الذين يدبرون مدينة العرب والمسلمين بصورة مباشرة أو غير مباشرة. قد لا يدبرونها على صعيد الواقع, كما يعيشه الناس في هذه المدن –وإن كان هذا حاصلا فعلا في كثير من الأنحاء- ولكنهم وبكل تأكيد يدبرون مدينتنا في نفوسنا على مستوى الشعور واللاشعور، ومن هنا تلك العبارة التي ختمت بها الكتاب: "لم يقتلوا بعد في أنفسهم أباهم أردشير". لم يتخلصوا من خرافة "المستبد العادل"، من التناقض الوجداني الذي ينشأ ضرورة من الجمع بين الاستبداد والعدل في شخص واحد، شخص "الأب". بعبارة أخرى لم يعانوا بعد تجربة ما ندعوه هنا بـ "الختان السياسي" الذي ينقل الشعوب من وضعية "الرعايا" إلى وضعية المواطنين، وضعية الرشد السياسي، تماما مثلما ينقل "الختان" "العادي" الطفل إلى الرشد … الجنسي.

شيء أشبه بالمذكرات السياسية!

سؤال: الآن وقد أنهيتم مشروع "نقد العقل العربي" فهل لنا أن نتساءل عن المشروع المقبل، وبالضبط الكتاب المقبل?

جواب : لقد سبق لي أن حددت في عدة مناسبات المجالات الفكرية التي وجدت نفسي أتحرك فيها منذ أن دخلت عالم البحث كأستاذ جامعي, وبالتحديد منذ أواخر الستينات، حينما كنت أعد رسالة لأطروحة دكتوراه الدولة. وقد كانت كما هو معلوم عن ابن خلدون. وقد نتج عن التحاقي بالجامعة منذ 1967 أن أخذت أتحرك في عدة حقول معرفية كأستاذ وكباحث. وقد انحصرت لدي هذه الحقول في أربعة رئيسية: قراءات في التراث, قراءات في الخطاب العربي المعاصر, قراءات في الفكر العالمي المعاصر العلمي منه والفلسفي والإيديولوجي. أما الحقل الرابع فهو الشؤون المغربية. في إطار البحث في الحقل الأول أنجزت كتاب نقد العقل العربي بأجزائه الأربعة بوصفه محورا لجميع أبحاثي في هذا الحقل. وبالنسبة للحقل الثاني كتبت الخطاب العربي المعاصر وإشكاليات الفكر العربي المعاصر, وقضايا أخرى من صميم اهتمامات الفكر العربي الحديث و المعاصر. وفي الحقل الثالث كتبت مدخلا الى فلسفة العلوم في جزأين (الفكر العلمي) وكتبت في موضوعات عدة معاصرة كموضوعات حقوق الإنسان والديمقراطية والعولمة وصدام الحضارات الخ.

أما الشأن المغربي, فقد كانت لي فيه ومازالت عدة مساهمات نشرت بعضها في كتاب صدرت في أواخر الثمانينات بعنوان "المغرب المعاصر". وهناك مقالات ومساهمات أخرى في نفس الموضوع لم يضمها بعد كتاب.

وتشاء الأقدار أن أجد نفسي، قبل سنزات، في حاجة الى ما أسد به بعض واجباتي العائلية وعلى رأسها متطلبات اندماج الأولاد في الحياة العملية المعاصرة, أقول وجدت نفسي مضطرا الى التماس طريق للحصول على مبلغ يمكن أن يساهم في سد هذه الحاجات, مع العلم أن ما أحصل عليه من كتبي كحقوق للمؤلف, إن كان يسد ثغرات النفقات اليومية التي ليس لي من مصدر آخر لسدها غير راتبي الشهري كأستاذ, فهو لا يكفي بل ولا يمتد الى النفقات الطارئة من النوع الذي ذكرت أعلاه.

لقد التمست طريقي إذن للحصول على ما أنا في حاجة إليه بالتعاقد مع جريدة "الشرق الأوسط" على قدر معين مقابل نشر مذكرات عن سيرة حياتي. ومن هنا كان الإسراع في كتابة القسم الأول من هذه المذكرات تحت عنوان "حفريات في الذاكرة". وبما أنني قد اعتدت دائما على الكتابة في جريدة حزبنا, وفي السنوات الأخيرة خلال شهر رمضان، فقد اشترطت على جريدة "الشرق الأوسط" أن تسمح لي بنشر حلقات تلك المذكرات في جريدة "الاتحاد الاشتراكي" في اليوم الموالي لنشر كل حلقة (وكان ذلك بدون مقابل كما هي العادة منذ أن انخرطت في الكتابة في صحف حزبنا التي شاركت في تأسيسها أول مرة سنة 1959).

وعندما قطعت أشواطا في "حفريات في الذاكرة" تبين لي أنه ليس من الممكن كتابة ما يمكن أن يعتبر مذكراتي الشخصية مرة واحدة. ولذلك قررت الوقوف في "الحفريات« عند مرحلة الانتقال من الطفولة إلى الشباب، مرحلة الحصول على البكالوريا من جهة, والارتباط بالشهيد المهدي وبالعمل من أجل تأسيس "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" من جهة ثانية. هكذا وجدت نفسي أمام مسارين جديدين في حياتي يختلفان عن مسار الطفولة وأوائل الشباب. فوعدت القراء حينها أن اكتب مذكرات عن هذين المسارين, مذكرات سياسية, ومذكرات ثقافية.

ومنذ أن صدرت "حفريات في الذاكرة", وكثير من الأصدقاء والقراء  في المغرب وخارجه يتساءلون عن موعد كتابة المذكرات السياسية. واليوم وقد كثر الاهتمام بالحديث عن الخمسين سنة الماضية من خلال ما يكتبه بعض المناضلين عن تجاربهم النضالية, أو ما ينشر هنا وهناك من كتابات حول وقائع من تاريخ هذه الحقبة الهامة من تاريخنا, حقبة: 1950 - 2000, أجد نفسي أمام نوع من الإغراء يدفعني إلى كتابة مذكراتي السياسية ربما قبل الأوان الذي كان من المفترض أن تظهر فيه. إن الكلام في الماضي هو دوما من أجل الحاضر, وأنا اشعر أن الكلام الرائج الآن حول الماضي يكتبه مناضلون لم يعيشوا فترة الخمسين سنة هذه كاملة كمناضلين فيها, بل ربما منهم من ولد خلالها ولم يشارك فيها إلا في مراحل لاحقة. ولا أخفيك أنني أجد نفسي أحيانا أمام آراء وتحليلات لأحداث ووقائع مقطوعة عن أصولها وفصولها، وبالتالي يخيل إلـي أن فيما أقرأ نقصا, وأحيانا اختزالا.

ومن أجل المساهمة في تقديم صورة كاملة –نوعا ما- عن نضال الشعب المغربي من أجل الاستقلال والديموقراطية، ومن أجل فهم أحسن –ربما- للتموجات السياسية التي عرفتها بلادنا خلال الخمسين الماضية, يخيل إلـي الآن أنه قد سيكون من المفيد على الصعيد المغربي العام, كما على الصعيد الحزبي (الاتحاد الاشتراكي)، كتابة شيء في الموضوع لم أجد بعد له عنوانا, ولكنه سيكون عبارة عن ما سميته قبل بـ "مذكراتي السياسية«.

هناك مشاريع فكرية أخرى تنتظر أن أنقطع لها. وكنت قد ألمحت إلى بعضها مثل "نقد العقل الأوربي" من جهة, وما أشرت إليه مؤخرا في كتابي "العقل الأخلاقي العربي" حول موضوع العلاقة بين الأحكام والأخلاق في الإسلام. هذا إضافة إلى مشروع يلح علي بصدده بعض الزملاء في المشرق, موضوع "الفكر العربي في القرن 20".

لا أدري هل سأتمكن من إنجاز شيء من هذه الموضوعات, ولا أدري هل سأفاجأ بموضوع يفرض نفسه علي خلال الطريق, فموضوعات البحث كما ترى تتوالد خلال ممارسة البحث.

سؤال : إذن سوف يطلع القراء قريبا على مذكراتك السياسية?

جواب :ربما, وإذا سارت الأمور كما هي الآن بالنسبة لمشاغلي, فمن الممكن أن أجازف، وأقول إن نصا في هذا الموضوع ربما يرى النور مع بداية العام القادم.

 



* -حوار أجراه مع المؤلف الأستاذ مصطفى النحال ونشر في جريدة "الاتحاد الاشتراكي" المغربية  26/7-8/8-2001. نعيد نشره تعميما للفائدة. بقية ما نشر في العدد الماضي.