ص1         فهرس      41-50

شعرية الحداد

قراءة في متخيل ديوان: حدادا علي.. لإدريس الملياني

 

"قال لو أن لي بكم قوة، أو آوي إلى ركن شديد"

قرآن كريم

"من يدلني على مدينة حصينة

ألقي بها حذائي

ألقي بها عصاي

كي تثمر زيزفونة" (ص26)

 

أحمد الويزي

1 – مدخل:

1-1-دخل الشاعر إدريس الملياني بأضمومته العشرية: حدادا علي.. تجربة الإصدار الخامس، منذ أن أعلن عن نفسه منتميا للقصيدة المغربية المكتوبة بالعربية (1967)، المتمثلة في جيل ما بعد الرواد (الكنوني، المجاطي وغيرهما). ويمكن اعتبار هذا الإصدار حدثا شعريا بالنظر من جهة، إلى ما يطبع إيقاع الإصدار الشعري عند الأستاذ الملياني والموسوم بميسم القلة والتقليل، إذا ما قيس بالزمن الفيزيائي (ديوان شعري واحد كل سبع سنوات)، وبالنظر –كذلك- إلى ما يتضمنه هذا الإصدار الجديد من عناصر التنويع والطرافة في تشغيل الخطاب الشعري رؤية وتناصا، على نغمة الحداد الجديرة بالانتباه، من جهة ثانية.

1-2-يؤثث العنوان منذ البدء، لوضعية استقبال قرائي محفوفة بالالتباس (وهل هناك من كتابة تخلو من عنصر الالتباس؟!)، يمكن عدها مقصودة بشدة من طرف الشاعر. ويزيد من درجات الغموض والالتباس هذه، كون العلاقة بين ذات الشاعر الحقيقية والذوات المتناثرة بين ثنايا المتن الشعري، ما يزال يعتورها الكثير من اللبس والغموض والتشويش، لأنها لم تنل حقها الكافي من الدراسة والتنظير الشعريين، كما هو الحال بالنسبة لشعرية الرواية على وجه الخصوص[1].

يشدد العنوان على ضمير المتكلم المفرد المخصوص بحالة الحداد، إذ يمكن تأويل العنوان على الشكل الآتي: "هذا الشعر حدادا علي..". ولأن هذا الضمير النحوي قابل لأن يتماهى ويتماثل مع ذات الشاعر الحقيقية الثابتة أعلى الغلاف (فيصير التأويل كالآتي: هذا الشعر حدادا علي: "أنا إدريس الملياني" مثلما صرح الشاعر وأعلن عن هويته في (ص70 من الديوان)، بملء الحذف الذي تنص عليه النقطتان، وتحويلهما إلى أداة تفسير، فإن الالتباس ينشأ بالنظر إلى حالة الحداد التي لا تكون إلا رديفة الموت والفقد والفوات، الشيء الذي يستتبع لدينا كمتلقين، أسئلة متناسلة تستفهم حول هذه الوضعية المربكة من قبيل: كيف يتمكن الشاعر من أن يؤبن نفسه وهو لا زال على قيد الحياة، بتقديم المتن الشعري حدادا؟ لماذا يلجأ إلى إعلان موته في الحياة، وإلى دخول مرثية الديوان؟ وهل هناك "أنا شعرية" أخرى يعلن الشاعر عن موتها علنا، ثم ما العلاقة بين أناه الأولى والثانية، إن وجدت؟!. إلخ.

1-3-ولأن الشعر خلق للدهشة في المألوف ولعب جدي مقصود باللغة –مثلما يؤكد الأستاذ الملياني في أكثر من مناسبة –فإنه في "الحداد" يحسن خلق الدهشة وإتقان اللعبة وفق قواعد الصنعة والتجويد منذ البداية. إننا لنتأكد من ذلك، حين نعرج على الدفة الثانية من الغلاف حيث يتم استثمار الوضعية الغائمة والملتبسة للدفة الأولى (صورة وعنونة)، لتردف بتقليص نسبي يتوافق وجدل الخفاء والتجلية الأثير في لعبة الكتابة الشعرية[2].

إن هذا الموقع من الغلاف يستخدم استراتيجية شعرية دقيقة، عن طريق الاشتغال على علامتين بارزتين هما: القصيدة/الميثاق القرائي من جانب، والصورة/التوقيع بالاسم من جانب آخر. إنها استراتيجية التعبير والتلميح، الحضور والغياب التي تخدم المقصدية العامة للعنوان/ العتبة كموقع برزخي بين-بين.

ففي القصيدة/الميثاق تحضر "أنا" الشاعر خمس مرات: صريحة مرتين ومستترة وراء الأفعال الدالة على الحاضر ثلاث مرات (أتدخل، أدافع، أعشها). وإذا ما أضفنا إلى هذا الحضور الصورة الشخصية والتوقيع بالاسم، يكون معدل الحضور ملحوظا وملحا. غير أنه في النهاية، سرعان ما يضمحل ويتلاشى لأنه شبيه حضور السراب الخلابي، كلما اقتربنا منه لنقبض عليه انفلت وتوارى وغاب. يبدو ذلك من خلال سياج الموت الذي يحيل عليه الإطار الهندسي الإقليدي الضام لكل عناصر الحضور السالفة: فالمستطيل كشكل هندسي يوحي بالموت والتواري، لأنه يحيل سيميائيا على الجدث والقبر. فتتحول لذلك، الصورة من دلالتها المباشرة على شخص الشاعر، إلى رمز أيقوني يستحضره القبر: وهو الشاهدة. أما القصيدة/الميثاق مع التوقيع بالاسم فتتحولان إلى بقايا رفاث لا حياة فيها، تختصر –لدى الشاعر- في كونها مجرد "ذكريات" لم يعشها (أي بلا حياة حقيقية).

بناء على ما سلف، نطرح الأسئلة التالية: هل يمكن –فعلا- اعتبار ديوان الشاعر الملياني مسكن الموت والموتى (أليس يسكننا الأموات، كما قال الخطيبي؟!)، ومقام "كل الشهـ..راء [ الشهداء + الشعراء] الراحلين" (ص7)، والذين لا زالوا ينتظرون نحبهم [سيما وأن "الميت (ليس من مات فاستراح، وإنما) ميت الأحياء" (ص7)]، وإدريس الملياني منهم؟ وإذا كان الشاعر –مثلما يقدم الغلاف بدفتيه، قد دخل مرثية معلنا عن الحداد، أفلا يحق لنا –نحن القراء- أن نرى في هذا الموت انزياحا شعريا يحتفي بالحياة، خصوصا أن الموت في الفلسفة الحديثة، ليس مضادا للحياة؟ ثم ألا تستقيم شعرية الحداد إلا على رجع الموت وحده، أم أن هناك احتمالات أخرى مكنية يخفيها الديوان عنا؟!

2 – التمرد على سدوم[3]:

2-1-سدوم أرض الخطايا: تقدم قصائد الديوان المكان ضمن نسق تخييلي مرفوض وغير مرغوب فيه، يستحث على التمرد والثورة، لأنه فضاء الفقد العام الذي تستحكم فيه الخطايا الأصلية، ويعشش بين زواياه الجدب والبوار. ومن ثمة، تتأسس حول هذا النسق التخييلي كوكبة من الموضوعات المرتبطة بذات الشاعر في امتداداتها العلائقية مع المحيط الخارجي الذي يشملها، منها موضوعات: التمرد ومحاولة الخروج، ثم الشعور بالإحباط والاعتزال.

وإذا كان إدريس الملياني في زهرة الثلج قد استطاع أن يصوغ شعرية خاصة بالمكان كتجربة أنطولوجية[4]، نظرا للأولوية التي حظي بها هذا المكون ضمن الانشغال الشعري؛ فإن الشاعر في حدادا علي. يجعل المكان منتثرا ومتشظيا في نصوصه، فيبدو –حينا- صريحا ومعلنا عنه (المغرب، الدار البيضاء، سيريلنكا، مليانة، الخيمة، الحانة.. إلخ). وحينا مستترا خفيا وقابعا خلف الإطار المنضد للقصيدة، الشيء الذي يقتضي الانتباه والتركيز لتمثل معالمه الغائمة والمعتمة.

ففي الحداد، يتأسس المكان على خلفية السقوط العام، لأنه مرتع الرذيلة ووكر الاستلاب والتشييء، الذي تعمه الدعارة ويلفه الموت والجدب: ("قال المغني والبلاد هي البغي"(ص44) و"ستجلس الدار البيداء في ركنها الطللي كزانية الصحراء" (ص54). في هذا المكان، تعرض الكائنات الإنسانية مثلما تعرض البضاعة لتباع وتشترى في أسواق النخاسة حيث ("إماء تبيع وتشتري فيها وكالات.. وأطفال الشوارع.. تلوط بهم عصابات شيوخ" ص76)، كما تقدم المدن ومن بها ("في المزاد ولا من يزيد، ومن يشتريها، ص121/122). إنه كون مظلم تتناسل فيه البشاعة وهي تتغدى على ولائم الدنس والانحطاط. سدوم الجديدة التي يشملها الهتك ويغشاها الانحدار السفيف، إذ ("العرض يهتك والعذارى فضت بكارتهن في عقر الديار" ص47). سدوم التي يتهالك عليها الزبناء متهافتين ("يقرعون الكؤوس، ويقترعون عليها، ويقترحون كنوز السماء" ص55) من أجل أن (يغشوا المحارم كلها، هتكا وإهلاكا" ص78)؛ فيها يستحكم "شهريار الحاج"(ص47) قبضته على الرقاب، ليحول المكان إلى مجرد جسد مستباح ترسم شهوته الذكورية المستبدة خريطته بإيروتيكية سادية ("كل جغرافيتي جسد العذارى" ص39).

فوق هذه الأرض الدنس الخراب يتحرك الشاعر مغمورا بمظاهر التمرد المشبعة بالإحساس الحاد بالوحدة ("أنا الوحيد المبتلى فيكم" ص48)؛ فيصر على مواجهة الانحطاط العام الذي أصاب المدينة التي ("لا رب فيها، ولا أنبياء" ص55)، حالما بزمن جديد ريان يمحق السقوط، ويبعث الحياة والخلق من جديد على هيئة أخرى. إنه الإصرار على الارتباط بالمستقبل، بما هو قادم، بزمن الخصب والامتلاء. إصرار يسمح بتجاوز أشكال الانحلال العامة والنزوع نحو حالة من التعالي التي تحتفي بالحياة بصيغة أنقى وأقدر على البقاء. غير أن ذلك لا يمكن أن يدرك إلا بقبول الثمن الباهظ الذي تفترضه التضحية، والشاعر لا يبدو غافلا عن ذلك ("فدية النفس" ص22).

إن الإصرار على سحق معالم السقوط، والانشغال بانبعاث خلق جديد يقتضي وضع النفس أمام محك غير يسير، لأن ذلك من شأن الكائنات الاستثنائية. فيبدأ مسلسل التقدمة عبر مدرج تصاعدي، تكون العتبة هي نكران الذات، فنسيانها وحرمانها، لبلوغ الشأو الأعلى في رتب الافتداء، وهو "الارتباط بما هو آت"، بالمستقبل، بالحياة الجديدة، التي تغطي على ما فات. إن "فدية النفس" إذن، انشغال بالحياة بين أنقاض اللاحياة. ومن ثمة، ينبغي على الشاعر المسكون بالآتي أن يحاول الخروج دون أن يركبه حنين للذي فات (دون الالتفات للوراء)، حتى لا يصير عمودا من الملح، كما في قصة النبي لوط.

هكذا إذن، يتأسس طقس محاولة العبور في الديوان من خلال تدخل الشاعر الذي يجود بنفسه فدية وتقدمة رغبة في عالم أفضل، بتجديد الطوفان الذي ("يعيد الحياة لهذه الحياة" ص29). وبتدخل الشاعر، يوضع عالم السقوط (سدوم الجديدة) في مقابل عالم نقيض محلوم به ومأمول، هو عالم السمو والتعالي على التحلل والانحطاط. إنه تدخل يفتح الديوان على رؤيا التمرد التي تشتغل على حالة النزوع نحو المتسامي والمتعالي، حيث "هناك دائما –كما يوضح مارسيا إلياد- طريق ينفتح ليسمح بالعبور من كون إلى كون، ومن وضع إلى وضع، ومن حالة إلى أخرى"[5].

2-2-الرغبة في مواجهة السقوط محاولة للعبور:

إن الارتباط بالمستقبل يقتضي التطهر والتخلص من رموز الدنس والخطيئة القادمة من الماضي، لذلك يلتمس الشاعر من طائر الخلاص العنقاء[6] تطهيره ("اخلع لي العذار" ص111)، حتى يتمكن من التوحد مع معبوده في شبه حلول مطلق للشروع في دورة حياة جديدة ("تمل في تمل فيك، نجدكني عبدا وربا.. لنبدأ من جديد، دورة التكوين" ص108)؛ أو حتى يتمكن هذا العبد وهذا المعبود من أن يتصلا ويتكاملا في شخص أندروجينية خصيبة ومطلقة، ظلت في عالم السقوط مكبوتة ومعذبة ("عبد ورب إنه إثنان، من طين آدم ومن طينته حواء.. يردني مني إلي.. يخبر عني ويقولني: ص110).

يهيمن على طقس محاولة العبور في الديوان نوعان من الاستعارة: استعارة ذات مرجعية مائية وأخرى نارية. فإذا كانت الاستعارة النارية مع إبدالاتها تتصل بالمواجهة البطولية القائمة على التصدي والهدم من أجل تطهير الأرض من دنس السقوط ("أمدد فوق لساني اللهب" ص63، "أمسك الجمر كالنرد في راحتي" ص64"، "يضرم فيها النار" ص90، "تحت الجوانح نار ضريرة تشب.. وآه من النار حين تشب" ص99)، "فإن استعارة الماء تنزع نحو الهدف نفسه مضاف إليه ما للماء من فاعلية الإخصاب، مع فارق رئيسي مائز هو أن استعارة النار وراءها الشاعر وأقنعته (علي، عبد الله)، في حين أن الاستعارة المائية موكولة إلى قوة عالية من رموزها: بعل، الرب أو بيرسيفوني ("يجدد طوفانه فيعيد الحياة" ص29، "أرتوي من نهرها الليثي مغسولا" ص103..).

غير أن ما يهيمن على عنصر الرغبة في مواجهة السقوط من أجل محاولة العبور هو هذه الصورة المنحرفة عن نموذج البطولة المثالية التي ألفناها في الشعر العربي الحديث؛ ذلك أنه على الرغم من أن الشاعر يمتلك أداة نارية حاسمة في طقس المواجهة والتمرد الأفقيين على المدينة الساقطة (استعارة "اللسان/القنبلة" ص63)، فإنه يستعيض عن المواجهة المباشرة مع رموز التحلل والسقوط (ص52 مثلا) ويتحاشى الدخول معها في صراع معلن بشكل صريح، لفائدة مواجهة من نوع آخر. إنها المواجهة المنثنية على عذاباتها الخاصة والصاعدة عبر مدارج المجاهدة، تلك التي تؤثت لمشهد التحمل والعذاب الفرديين من أجل خلاص جماعي، إذ يتطوع الشاعر لحمل الجمر في راحته (ص64)، ليصعد "يوما فيوما محرقات لبعل غضوب" (ص15)، واهبا نفسه كقربان الافتداء من أجل "أن ينهض من رماده العنقاء" (ص109)، وتعود الحياة لهذي الحياة.

وفي أقصى درجات التضحية التي يقدم عليها الشاعر وأقنعته فداء للجماعة، يصاب باغتراب فظيع ناتج عن اللاتصال/اللاتواصل بينه وبين الذين جاء منهم "شاهدا وشهيدا"؛ فيتعمق دليه الإحساس بالغربة ("أنا الغريب" ص46)، والوحدة القاتلة ("ليس لي غير نفسي، ومالي سواي" ص17)، فيقرر الاعتزال خصوصا بعد أن يتيقن من استحالة العبور والتحول العام، مع استكمال دورة الموت لدائريتها التناوبية الذي يترقب أن تفضي إلى النقيض المأمول. فما أن "يدور حول نفسه البيكار، في برزخ من نار" (ص109)، مبشرا بدورة حياة جديدة آتية من رحم المستقبل، حتى يتصادى الإخبار بال "آت" (الزمن الذي قدم الشاعر نفسه فدية من أجله) مع نعي ال"م ااات" (ص121)، فتنغلق الدائرة على ذاتها بما يؤكد على الفاجعة وينص على المأساة والكارثة ("ولا مطر غير دمع الحوامل.. لا مطر غير دم الرقاب" ص136).

يتصادى إذن، الزمن الذي يستحث على الخروج (= الآتي)[7]، مع وضع الموات الشامل المعشش فوق أرض السقوط العام، والذي لا يمكن أن ينشأ عنه سوى المزيد من الدمع والدم والرماد. ففي اللحظة التي تنفتح فيها الرؤيا الشعرية المسكونة بهاجس التمرد والعبور على زمن التسامي الخصيب، يكون الانبعاث المومأ إليه في الديوان محكوما بالعقم والموت، إذ يكون نهوض العنقاء من الرماد نهوضا ذكوريا لا أنثويا (ص109)، أي غير حامل لخصيصة رحم الولادة، ولمعالم الخصوبة والتجاوز، وبالتالي مشددا –بشكل ضمني- على استحالة الاتحاد بالمقدس والعبور إليه معا ("ولا أستطيع إليك وصولا" ص15)، الشيء الذي يكثف من مأساوية الموت.

3 – الحداد رفض:

عندما يتمثل الشاعر استحالة العبور والتحول، يقع داخل وعيه الشعري نوع من الانثناء على الذات والارتكان إليها تعبيرا عن رفض واقع السقوط، وحرصا منه على تسبيج المسافة بين ذاته وبين هذا الواقع، حتى لا يحصل بينهما الاتصال أو التصالح والتساكن. ضمن هذا الأفق الرؤيوي الرافض، ينتحي الشاعر ركنا منيعا شديدا يتحصن بين أتونه، سعيا للمحافظة على كينونته الاستثنائية من آثار وقائع السلب والتكلس والارتكاس المهيمنة على الواقع الخارجي بامتياز، حيث "يخرج الموتى عرايا، يملأون البحر بالنيران، والأرض دماء، والسماوات شظايا، ويغنون انتصار الموت، للأحياء في كل مساء" (ص147).

يصر الشاعر –ضمن هذا المستوى من التخييل- على تشييد وإحداث قطيعة حادة مانعة ومنيعة مع واقع الموت العام، ليدخل مع ذاته مسارب طقس تسام من نوع آخر يلتمس كبديل عن العبور المتعذر. ومن تم، فإن إدراك المكان والزمان في رؤيا الرفض، يتغير عما كان عليه الحال في رؤيا التمرد والثورة على السقوط. فيتقلص المكان والزمان أكثر فأكثر، ليتوافقا ورغبة الذات الملحة على التماهي مع نفسها في الآن/هنا الخاصين، ملغية أمر الخارج والمستقبل من انشغالاتها وهمومها.

فإذا كان المكان في رؤيا التمرد قد جدد اللقاء التاريخي الأسطوري بسدوم المدينة المسكونة بالخطايا والمتبوعة باللعنات، فإنه في تجليات رؤيا الرفض ينكمش أكثر متقلصا ومتخلصا من المرجعيات الخارجية، إلى أن يغدو مجرد ركن شبه معتم (في خمارة أو مقهى)، ترتكن إليه ذات الشاعر عن سبق إصرار وتبصر ("سأظل أصر على الركن مثل العجائز" ص94)، لتتحصن تحت سقفه الحديدي خالقة ضمنه شرط الممانعة المتصدية لهذا الوضع الوجودي الساقط، رافضة المشاركة في تفعيل أطواره ("لن أتدخل في أمر كاف ونون، مصابين بالسرطان، وفقد المناعة، والذاكرة" ص95).

بالموازاة مع ذلك، ينشد الشاعر إلى زمن آخر غير الزمن الآتي (الذي لن يأتي مثلما اشتهاه)، هو حاضر هذه الذات المنثنية على نفسها، المتشوفة إلى نقائها وعلاها، العازمة على استغوار مكامنها، المصرة على الغوص في طقس تساميها عميقا؛ فتتخذ الخمرة رمزا وسيطا للاقتراب من مشارف هذا الزمن الموغل في حاضر التسامي والمنفصل عن السيرورة ("اليوم خمر، ولا كان أمر غداة غد" ص140).

إن اختيار الشاعر لهذه الاستراتيجية التخييلية الجديدة على مستوى الرؤيا، يتزامن والتحول العام في متخيل القصيدة المغربية الحديثة، بخروج الكتابة الشعرية من تمثل نماذج البطولة والفروسية المندفعة بحماسة إيديولوجية إلى مصارعة "الواقع"، مسكونة بهاجس التغيير المنفتح على الموضوعي والآجل؛ لتحتمي بجرحها النرجسي المستغور، ملتمسة من "اللا-بطولة" متخيلا رؤيويا جديدا يقربها من مرآة نرسيس[8].

ضمن رؤيا كتابة الرفض، يسعى الشاعر إلى إقصاء الزمن الخارجي الموضوعي (الزمن العام) والالتجاء إلى مكان مستغور أكثر حميمية (ركن، قبو، قبر، مغارة[9]) حيث يتم فيه تقريب الفجوة بين الذات وصورها وتمثلاتها عن نفسها ضمن ترسيمة التقليص والتقريب والانثناء. وينشأ عن ذلك، التغاضي الكامل عن تشغيل علاقات التعارض العامة كما اقتضتها وتداولتها الذات في رؤيا التمرد والثورة، إن على مستوى الزمان أو الإنسان أو الأشياء (فات/آت، ذات/موضوع، موت/حياة.. إلخ)؛ لصالح رؤية متزنة[10] –بحسب كاستون باشلار- للعالم وللأشياء، تقتضي الانشغال بما هو حسي وملموس.

ولذلك يتم في هذا المستوى تشغيل نوع من الاستعارة المخصوصة التي يتم تركيب عناصرها بدمج مرجعيتي الماء والنار فيما بينهما دمجا تفاعليا، وإن جاء ذلك عابرا في الديوان. فتنضيد كتابة أكثر حسية على مستوى رؤية العالم والأشياء كما تقتضيها فصول كتابة الرفض، يستتبع دمج العناصر المرجعية للاستعارة فيما بينهما لصوغ عوالم محسوسة وملموسة، يجعلها الشاعر معبرا لتساميه، وجسرا لتذويت الموضوعي فيه. ولعله من الدال جدا أن تحظى قصيدة "الليلة يعود عبد الله"(ص86/97) وهي القصيدة البؤرية في رؤيا الديوان، بهذه الخصيصة التخييلية حيث يفترض الشاعر لو أن عبد الله راجع فكر أن يضرم في المدن النار، ويحولها إلى قدح ملموس ("يشرب فيه البن المنقوع بالفيوباب" ص90). ومن ثمة تختصر المدينة كلها، في شيء محسوس (قدح) يلتمس في طلب المتعة الذاتية تحت ركن منيع وحصين، مثلما فعل ديك لجن بزوجته(ص90).

4 – الحداد ركن من حديد (أو الأنوثة المهربة):

هل نصدق أن الشاعر –وهو يعلن الحداد- قد دخل مرثيته (ص93)؟ وهل يمكن اعتبار الديوان مسكن الموتى والراحلين، والذين اختاروا الموت في الحياة؟ ثم ما هي دلالات الحداد المسكوت عنها والمتخفية بين غياهب لا وعي اللغة، والديوان جزأ من هذه اللغة؟

لقد جعل الشاعر إدريس الملياني –وعلى امتداد الديوان- الموت[11] مركز التخييل الشعري، سواء في متخيل التمرد أو في متخيل الرفض. وقد استطاع الشاعر أن يرصد هذه الموضوعة العامة على امتداد أزمنة متناثرة ومتنافرة في مرجعيتها، ضمن أفق تخييلي يعتمد الذاكرة الحية الخلاقة التي تتيح للشعر الجمع بين الأزمنة والتوحيد بينها. إن موضوعة الموت العام (السقوط) جعلت الزمن الجديد يوقظ الأزمنة القديمة، تتسلل مخاتلة بين نسيج الزمن الجديد (يونان، رومان، فراعنة، أمازيغ، نصوص امرئ القيس، المتنبي، الكتاب المقدس، القرآن..)، لتعيش كرة أخرى في الزمن الشعري الجديد. ولأن الشعر "يصبح في قمة التوحد والاتحاد، أو قل إنه لا يكتسب هذه الوحدة والاتحاد إلا بقدر ما يتشعب ويتعدد ويتشتت"[12]، فإن موضوعة الموت في قصائد "الحداد" استطاعت أن تعدد محطات الفقد وأشكاله العامة في أزمنة وأمكنة متنوعة ومتشظية، وأن توحد بينها في إطار صياغة متناغمة ومتآلفة وفق متخيل شعري رؤيوي ناظم.

وإن جعل الموت مركز التفكير والتخييل الشعريين في الديوان، ليس يعني بالمطلق التشديد على عنصر السقوط الذاتي الخاص من موقع خنوع الشاعر وانهزاميته (مثلما قرئ المتن الشعري المغربي ذات مرحلة)، وإنما يعني بالنسبة لنا إصرار الشاعر على الإمساك بنسغ الحياة طريا والاحتفاظ به قبل أن يلحقه الدمار ويحظى به السلب العام، تحت ركن منيع (والحديد لغة جوهر منيع ومانع[13]. إن إعلان الحداد إعلان لرفض الموت العام الذي يحدق بالشاعر، واندفاع صوب حماية الحياة الحقيقية والاستثنائية من حتمية السقوط. فهو إذن نزوع احتمائي يرتكن إليه الشاعر الذي انتابته حدة العيش وسط المدينة الساقطة (والحدة –كما في الحديث الشريف- تعتري خيار الأمة)[14]، لائذا بركن شديد بعدما عدم قوة محقها والقصاص منها (: ألم يقل الله على لسان النبي لوط في القرآن الكريم: "لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد" هود الآية 80)؟!

إن إيلاء الموت المادي والرمزي الصدارة في متخيل قصيدة الحداد، يسمح لنا بالتفكير في الحياة المهربة والميلاد المنثنى عليه تحت سقيفة الحديد، لأن من رحم الموت تخرج الحياة بصيغة أخرى، ومن بطنه الموحشة ينسل ميلاد طري. ومن ثم، فإن جعل الموت مركز التفكير والتخييل في الوجود العام، هو إيذان بميلاد جديد، لأن الموت ليس مضاد للحياة أبدا كما قال نيتشه[15].

ففي لسان العرب، تمدنا مادة (حدد) التي هي أصل لفظة حداد، بمجموعة من الوحدات الدلالية التي تقترب من العناصر العامة التي تم تركيمها أعلاه والتي تفيد أن الحداد ممانعة ولوذ بالحياة ضد الموت العام ضمن كتابة الرفض؛ يمكن اختصارها كالآتي:

أ-إن الحداد "ثياب المآثم السود" وهو وضع خاص بالمرأة (التي هي رمز الولادة والخصوبة)، لأن الحديث: "لا يحل لأحد أن يحد على ميت أكثر من ثلاثة أيام إلا المرأة.. فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا"[16]. إن الحداد تأنيث إذن، في زمن يبعث فيه العنقاء ذكرا وينتصر فيه الموت العام.

ب-إن ثياب الحداد شبيهة في لونها بـ"ثياب الحداد (معالج الحديد)". وقد استعمل الشاعر استعارة الحداد النارية في سياق الكشف عن براعته الخيميائية: "أمدد فوق لساني اللهب، وأنفخ فيه، وأخرجه من ثيابي ذهب" (ص63). إن معالجة الحديد والمعادن الأخرى تقتضي البحث عنه في الأعماق (المغاور والكهوف والمناجم)، أي تقتضي الاستغوار والعودة إلى الحياة المستبطنة. ولأن الشاعر حداد، فإنه يرتدي لباس الحداد للغوص عميقا في الذات، قصد إخراج الذهب من تحت الثياب (أخرجه من ثيابي ذهب)[17].

ج-والحداد لغة أيضا: البواب والسجان، لأنهما "يمنعان من الخروج". والشاعر وفقا لهذا المعنى أيضا، حداد لأنه يصر على منع ذاته من الخروج وصدها عنه، لكي لا يتأثر بأجواء الموت العام. ومن ثمة، يأوي إلى ركنه المنيع طواعية، ليحافظ على "أنوثته" من الضياع والموت والفقد العام، خصوصا وأنه من "خيار الأمة".

د-الشاعر رجل حديد الناظر "لا يتهم بريبة، فيكون عليه غضاضة فيها"، أي "لا يقرب الأمر المحدد الذي لا يحل ارتكابه"، سيما وأن الفضاء البراني الذي يلفه هو فضاء الرذيلة والسقوط: فضاء سدوم الجديدة، كما أسلفنا.

هـ-و"الحد" هو الفصل بين شيئين "لا يختلط أحدهما بالآخر": كالموت البراني والحياة الجوانية مثلا. والشاعر في الحداد، يفصل بينهما ويحشر نفسه بين القوم الحداد، أي أحداء "اللسن، والفهم والغضب" وهم خيار الأمة. "روي عنه –عليه السلام- أنه قال: خيار أمتي أحداؤها" (ص143 من لسان العرب).

نخلص من كل ذلك إلى القول بأن شعرية الحداد في ديوان إدريس الملياني شعرية تحتفي بالحياة الأنثوية الحقيقية النقية الكامنة، تسيجها وتلوذ بها تحت ركن مكين، لتجعلنا بعد قراءة الديوان نحلم بتفاصيلها وهي تتشكل كنطفة خصيبة في رحم "مغارة الريح" المنتظرة.

 

 

 



[1] - نفكر على الخصوص في كتاب جاب لانتفليت (Jap.Lintvelt) الذي يعد أساسيا في نمذجة الكتابة الروائية، بتحديد ورسم العلاقات القائمة بين الكاتب والقارئ والسارد Typologie du roman.

[2] - أفترض أن هناك دائما، نوعا من التوافق والتعاون بين الأديب والفنان معد الغلاف لا يمكن إنكاره، خصوصا إذا كان وراء الغلاف فنان كأحمد جريد صديق الشعراء والكتاب، كما هو الحال في الديوان أعلاه.

[3] - سدوم (Sodome) رمز تاريخي ديني أسطوري للمدينة الملعونة التي سامها العذاب الرباني بعدما عاث فيها الفساد في عهد النبي لوط. وقد استعرنا هذا الرمز التاريخي/الأسطوري لقراءة المدينة عند الملياني، دون أن تكون إشارة إليها في الديوان يحمسنا تناص القصيدة الشعرية عند الملياني مع الكتاب المقدس، خصوصا في الأناشيد الأولى.

[4] - انظر: علي أيت أوشان، الصورة الشعرية والمكان، مجلة آفاق، عدد مزدوج، 63/64، 2000.

[5] - انظر مقالة محمد علوط، متخيل القصيدة المغربية الحديثة: أسطورة العبور ورمزية الولادة الثانية، العلم الثقافي، ليوم السبت 18 نونبر 1995، ص7. ثم انظر ميرسيا إلياد، المقدس والمدنس، ص26 و156، منشورات 1965، باريس، كاليمار.

[6] - يلح معجم الرموز (Dictionnaire de symboles) على خصيصة الاتحاد الدلالية الرمزية التي يحيل عليها الطائر الأسطوري (العنقاء) في التصور الإسلامي السني ولدى المتصوفة. ص53/54 مادة (Simorgh) ANQA.

[7] - في ص121 من الديوان، يستثمر إدريس الملياني تقنية التقطيع والصدى التي تجمع بين المعنى وضده حيث يقول: زغردي يا أمه زعردي، واملئي الأرض بالزغردات، يووو أغليد يووو كرتن اليووو، م ااات، فيحصل لدينا: اليوم آت و م ات.

[8] - محمد علوط، متخيل القصيدة المغربية الحديثة. رؤيا الرفض، العلم الثقافي ليوم السبت، 27 يناير 1997، ص5.

[9] - إن الشاعر يعدنا في نهاية الديوان بقرب إصدار جديد يحمل العنوان الدال أكثر على كتابة الرفض: "مغارة الريح"، باعتبار المغارة مكانا حميميا سادرا في الاستغوار، ومساعدا على الرؤية المتزنة للعالم والأشياء.

[10]  - انظر: Jean Burgus: Pour une poétique de l'imaginaire, Edition  Seuil, 1982, p164.

[11] - بلغ تعداد معجم الموت في الديوان ما يقارب 71 لفظة، في مقابل 39 لفظة من معجم الحب.

[12] - كاستون باشلار: شعرية أحلام اليقظة، ترجمة جورج سعد، ص27، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، 1993.

[13] - ابن منظور: لسان العرب، المجلد 3، ص140، دار صادر، بيروت، دون تاريخ.

[14] - نفسه.

[15] - عبد الرحمان بدوي: الكوت والعبقرية، ص18، مكتبة النهضة المصرية، 1962، الطبعة الثانية.

[16] - لسان العرب، ص143.

[17] - ألم يكن الحداد مقربا للآلهة في الأسطورتين اليونانية والرومانية، يصنع لها الأسلحة والحلي ويبهرها؟ أنظر هيفيوست (Hêphaistos) وفولكان (Vulcain) في الأسطورتين.