ص1         فهرس      41-50

 

تطور وعي… بين الثقافي والسياسي

وصراع الحضارة الغربية مع نتاجها…

محمد عابد الجابري

- ليس هناك صراع حضارات، هناك صراع الحضارة الغربية مع نتاجها. والظاهرة التي نشاهدها اليوم كظاهرة عالمية ليست عالمية إسلامية، بل هي عالمية بمعنى أنها تابعة لعالمية العولمة أو الإمبريالية، وبعبارة أعم تابعة للتاريخ العالمي للحضارة الغربية. وما سيحدث في هذا الإطار، هو من مخلفات الحرب الباردة. - ما حصل هو أنهم عمقوا الـ "لا-عدل"، الذي هو الظلم، فكان لابد أن ينقلب هذا إلى ما انقلب إليه. و القضية ليست قضية هذا الدين أو ذاك بل هي قضية وضعية تجعل الإنسان ينظر إلى العقيدة أو الدين من وجهة نظر خاصة. ليست العقيدة هي التي تصنع الناس (فتجعل من هذا "إرهابيا" ومن ذاك مسالما)،  بل إن وضعية الإنسان هي التي تدفعه إلى اختيار نمط معين من الفهم للعقيدة وللتاريخ. - العنف والإرهاب في قنوات التلفزة… ولو أنه غير مباشر فهو مؤثر ومتواصل! الحضارة الغربية الآن هي حضارة تحدٍّ، لا يهمها إلا الاستهلاك! ووسائل الإعلام أصبحت وسائل لنشر الاستهلاك، هي لا تنتج المعرفة وإنما توزع وتنشر نوعا خاصا من المعرفة، وفي هذا كله علاقة قوى غير متكافئة.

 

أجرت معي هيأة الإذاعة البريطانية (القسم العربي)، نص هذا الحوار الذي دار الحديث فيه حول محورين : محور تناول جوانب من حياة الشخص المحاوَر، تكوينه، تطور وعيه، مؤلفاته الخ، ومحور تناول الوضع الراهن، خصوصا بعد الهجوم الأخير على وزارة الدفاع الأمريكية والمركز التجاري العالمي بنيويورك .. أجرت الحوار، بواسطة الهاتف، المذيعة نجلاء العمري، في إطار برنامج "وتحياتي من لندن"، وأذيع للمرة الأولى يوم السبت 22 سبتمبر الحالي. وهذا نص الحوار كاملا. 

تشكل وعي … بين الثقافي السياسي

بعد عبارات الترحيب كان السؤال الأول بالصيغة التالية:

- لا شك أن كثيرا من المستمعين يتشوقون للتعرف على أراء محمد عابد الجابري في كثير من القضايا، ولكن اسمح لنا أن نبدأ من تكوين وتشكيل وعي الجابري، فنحن نعلم جميعا عن الجابري أنه مولود في المغرب، ونعلم عن دراسته الفلسفة والمشوار الأكاديمي الطويل، وهذا العمل المستمر في مجال البحث ونقد الخطاب العربي والعقل العربي، وبالتأكيد سنتعرض لهما خلال هذه الحلقة. ولكن كيف تشكل وعي الجابري في مثل هذه القضايا؟

- الواقع أن سؤالك صادف أنه السؤال نفسه الذي أعيشه هذه الأيام، بمعنى أني طرحته على نفسي. وما دام الأمر يتعلق بشؤوني الخاصة فلا مانع من أن أنطلق من هذه النقطة، وإن كانت هي النهاية بالنسبة لمشاغلي، لأصل منها إلى البداية. ذلك لأني منشغل هذه الأيام بهذا الموضوع. لقد أنهيت الجزء الرابع من "نقد العقل العربي" وقد كان شغلي الرئيسي في السنوات الأخيرة- وكنت قد كتبت "حفريات في الذاكرة" وهو عبارة عن سيرة ذاتية لمرحلة الطفولة وأوائل الشباب. وفي نهاية هذا الكتاب قلت: إن حياتي انقسمت الآن –ابتداء من البكالوريا أي ابتداء من علم 1957- إلى قسمين : قسم غمرته وملأته السياسة والعمل الوطني، وقسم شغلته الثقافة والجامعة وما إلى ذلك، وبالتالي فمواصلة الحديث عن الذاكرة وما تختزنه أصبح يتطلب مذكرات سياسية وأخرى ثقافية. ومنذ ذلك الوقت وأنا أتلقى، مع كثير من الإلحاح، ما يفيد أن أصدقائي وقرائي، في المغرب خاصة، يرغبون في أن أكتب ما يسمونه "مذكرات سياسية". والسؤال الذي طرحته على نفسي وأنا أفكر في هذا الشأن هو التالي: كيف سأكتب هذه المذكرات؟ فكان من جملة الأفكار التي اهتديت إليها هذه النقطة ذاتها التي أثرتها الآن، وهي أن أحاول أن أستكشف وأن أقرأ تطور وعيي السياسي منذ مرحلة الشباب،إلى الآن.

وإذا عدت الآن إلى البداية فيمكن أن أقول إن وعيي العام، السياسي منه والثقافي، هو "وعي وطني"، كما هو الحال لدى جميع أبناء جيلي في المغرب وفي كثير من البلدان العربية أيضا. فأنا ولدت سنة 1936 ونلت الشهادة الابتدائية في سنة 1948. وفي هذه السنة سنة 1948 وإلى منتصف الخمسينات، كان المغرب مشغولا تماما بالنضال الوطني من أجل الاستقلال، وكانت مصر وإذاعتها وأيضا إذاعة البي بي سي، التي كنا نستمع إليها، لكونها كانت تذيع أخبار المقاومة المغربية، إذن في هذه الفترة بدأ وعيي السياسي في التشكل في آن واحد مع وعيي الثقافي. وكان والدي قد نقلني من المدرسة الفرنسية إلى المدرسة العربية الوطنية التي تجمع بين تدريس العلم وغرس الفكر الوطني/السياسي. وقد استمر هذان الخطان في الحقيقة إلى الآن، فمع أن لدي مؤلفات في المجال الثقافي كما ذكرت، لكن الذين يعرفونني في المغرب، وهم كثر، يعرفون أيضا أنه كان لي حضور، ولا يزال، في المجال السياسي الوطني في المغرب. فمن هذه الزاوية يمكن أن يستنتج المرء أنه لابد أن ينعكس هذا النوع من التكوين في أعمالي الفكرية، كما في أعمالي السياسية.

- هو واضح من مجموعة مؤلفاتك. فهذا التحليل الثقافي للأزمات السياسية وللخطاب السياسي بارز في أعمالك.

- نعم، هذا واضح، وأنا لا أنكره، وكم من مرة كتبت أقول: "أن يكون الإنسان واعيا وعيا سياسيا ويكتب من خلال هذا الوعي لأحسن ألف مرة من أن يكتب السياسة وهو يجهل أنه يكتبها أو يمارسها. أنا راض عن هذا الوضع، لأنني وجدت أن حقيقة الثقافة نقرؤها في السياسة، كما أن مشاكل السياسة نجدها حاضرة بشكل أو بآخر في الثقافة.

الانتماء السياسي ... وعدم الهجرة

- لكن هل ينتمي الدكتور محمد عابد الجابري أو يصنف نفسه ضمن إطار معين، ضمن تيار سياسي معين. أنا لا أريد أن أطرح ما يقال ولكنني أريد أن أسمع منك مباشرة.

- طبعا: قلت قبل قليل إني درست في الأربعينات في المدرسة الوطنية التي كانت من جملة المدارس الحرة التي أنشأها الحزب الوطني آنذاك، حزب الاستقلال، فكنت بالدراسة -وبالوراثة أيضا لأن والدي كان من نشطاء هذا الحزب- كنت منتميا لهذا الحزب الوطني، حزب الاستقلال. وفي سنة 1958 كنت من الشباب الذي ساهموا في الانفصال عن قيادة هذا الحزب لأسباب ليس هاهنا مجال شرحها، وكان من زعماء عملية الانفصال هذه المهدي بنبركة المعروف عالميا. وكنت من الشباب الذين كانوا إلى جانبه، واستمر هذا إلى حين استشهاده. ثم تابعت طريقي في نفس الحزب وكنت، لنقل، عضوا قياديا، ولا فخر. كنت عضوا في المكتب السياسي في السبعينات. وفي بداية الثمانينات طلبت رخصة، واستعفيت لكي أتحرر من الاجتماعات اليومية والمشاكل الحزبية في وقت لم تكن صحتي تتحمل ذلك، فانصرفت إلى عملي الثقافي. ولكن حضوري السياسي في هذا الحزب ظل قائما، لقد بقيت كواحد من الذين يستشارون أو يفكرون في الحزب.  هو حضور حاضر. وأنا لا أخفي هذا. ولا يمكن لمائة غربال أن تخفي الشمس كما يقال. فمن هذه الناحية أنا ملتزم سياسيا وفكريا ووطنيا بالمغرب وبالقضية العربية وقضايا التحرر في العالم الثالث. هذا إلى جانب التزامي الفكري الذي هو العقلانية والديموقراطية الخ.

- والمثير للانتباه أيضا أن الدكتور محمد عابد الجابري لم يغادر المغرب، لم يهاجر!

- لم أهاجر. هذا صحيح بينما اضطر كثير من مناضلي الحزب وزملائي إلى مغادرة المغرب إلى الجزائر أو ليبيا أو فرنسا، عندما كان القمع شديدا في البلاد. فتحت ضغط القمع هاجروا. وأنا لم أهاجر. لقد كنت دائما مقتنعا بأن التغيير يجب أن يكون من الداخل، وأنه يجب أن يكون سياسيا عن طريق نشر الوعي بين الجماهير وعن طريق الحزب الخ. وأيضا فإن نوع العمل الحزبي الذي كنت أتحرك في إطاره باستمرار، وهذا كان معروفا، هو جانب التوجيه، جانب التكوين، جانب صياغة البيانات الخ، إنه الجانب النظري في العمل الحزبي على العموم بما في ذلك المسؤولية عن صحافة الحزب أو المشاركة فيها الخ، وبعبارة أخرى كنت أشتغل دائما داخل الحزب في المجال الشفاف، وهذا لم يكن يسبب لي مشاكل مع أجهزة القمع في ذلك الوقت مع أني نلت حظي منها، ولكن ليس كالآخرين.

ظروف كتابة "الخطاب العربي المعاصر"... والهدف منه

- دكتور محمد عابد الجابري: بالعودة إلى الحديث إلى هذه المؤلفات، وبالطبع عن المشروع الضخم الذي قمت به : نقد العقل العربي، وأنت أشرت إلى إصدار الجزء الرابع منه، نلاحظ أن البداية كانت مع "العصبية والدولة" ثم "نحن والتراث" فـ"الخطاب العربي المعاصر". وأنا أتذكر هنا الحديث عن الحلم والكابوس واللازمنية وغيرها من المفاهيم التي استعملتها في "الخطاب العربي المعاصر"، وأريد أن أسأل، بالارتباط مع هذا الكلام الذي كتبته أنت منذ سنوات عديدة : في أية مرحلة نحن الآن؟

- هنا أيضا نوع من التطابق بين سؤالك وبين رغبة عبر عنها بعض الأصدقاء، منهم ناشر كتبي في بيروت الذي تلقيت منه اليوم بالذات رسالة بالبريد الإلكتروني يخبرني فيها بأن الطبعة السادسة من "الخطاب العربي المعاصر" قد نفدت وأنه بصدد إعداد طبعة سابعة. وبالمناسبة يقترح علي أن أضيف إلى هذا الكتاب الذي كتبته عمليا في أواخر السبعينات –وقد مر الآن أكثر من عشرون سنة- يقترح علي أن أضيف ما يتعلق بهذه السنوات العشرين. فأنت تطرحين نفس السؤال. ولكن بالنسبة لي وربما بالنسبة لكل من يشتغل في هذا النوع من العمل، ليس من السهل أن أكمل أو أتمم أو أن أضيف إلى كتاب صدر لي في أواخر السبعينات ما سيجعله يغطي العشرين سنة الماضية. هذا صعب علي. فلو كان الكتاب كتاب تاريخ، بالمعنى الشائع، لكان ذلك ممكنا، ولكن الكتاب في نقد الخطاب الذي كان سائدا إلى السبعينات. ومشاكل السبعينات وفكر السبعينات وعلى العموم الخطاب الذي حللته تحليلا نقديا، هو الخطاب العربي في الخمسينات والستينات إلى السبعينات. أما ما بعد السبعينات إلى اليوم فالأمر يتعلق بخطاب آخر، مرتبط بمرحلة أخرى، بالانتقال من الحرب الباردة إلى هذا الذي نعيشه اليوم. فالأمر إذن يتعلق بمسائل أخرى ومشاكل أخرى. فمثلا: الماركسية التي كانت مزدهرة في العالم العربي، في السبعينات، لم تعد حاضرة؛ والخطاب القومي الداعي للوحدة العربية تراجع، والفكر الليبرالي القديم يعاد بناؤه، وحضوره يتمظهر بصورة أخرى. وحتى الليبرالية في الغرب تغيرت مفاهيمها وآفاقها. ومن الصعب علي أن أضع ما يشبه تتويجا لشيء له ظروفه الخاصة. ولذلك فلو قدر لي أن كتبت في هذا الموضوع، أو كان لدي الآن ما يكفي من الوقت للانصراف إلى هذا الموضوع، لكتبت كتابا آخر مختلفا تماما، يكون موضوعه "الفكر العربي في القرن العشرين" من بداياته إلى نهاياته، وليس فقط الخطاب العربي الذي غطى عقدين أو عقدين ونصف. ولذلك فلا تنتظري مني أن أتكلم عن الوقت الحاضر كامتداد لـ "الخطاب العربي المعاصر".

- لنبدأ بالحديث عن الكتاب أولا، عن هذه المرحلة التي أشرت إليها.

-  ليكن! لقد التحقت بالجامعة كأستاذ سنة 1967، ودرست عدة مواد منها مادة الفكر العربي الحديث والمعاصر، ابتداء من الأفغاني وعبده إلى لطفي السيد إلى علال الفاسي الخ، درسته كمادة للطلبة. وعندما عزمت على إصدار  "نحن والتراث"  وأخذت في تحرير مقدمة له انبثق في ذهني مشروع نقد العقل العربي، فواجهني السؤال التالي: كيف سأقدم للقارئ العربي شيئا اسمه "نقد العقل"، والحال أن الأمر يتعلق بمفهوم جديد، فالكلام في العقل شيء جديد، في الثقافة العربية المعاصرة، هذا بينما هو في الثقافة الفرنسية أو الأوربية بصفة عامة هو شيء مألوف.فنقد العقل هناك حاضر منذ القرن السادس عشر. قلت في نفسي إذن: كيف سأقوم بنقد العقل العربي، كما تكون في الثقافة العربية الإسلامية عبر التاريخ، والأجيال الحاضرة أو قسم كبير منها لا تعرف من التراث ما يكفي لكي تتابعني في عملية النقد، لأن نقد العقل مرحلة متقدمة إذ يأتي بعد المعرفة. فلكي أشرح هذا النوع من النقد الذي سأقوم به من خلال مادة معرفية متداولة بين الناس قلت في نفسي: لأكتب نقدا للخطاب العربي المعاصر يكون بمثابة نموذج ومدخل للنقد الذي يجب أن نمارسه على العقل العربي. فكتبت "الخطاب العربي المعاصر" في الحقيقة من خلال المادة المعرفية التي درّستها في الجامعة كفكر عربي معاصر، فكر النهضة والثورة. لكن بدل أن أكتبها على الطريقة التعليمية التلقينية أو كمحاضرات للطلبة، كما كانت في الأصل، كتبتها بشكل آخر : أعدت تنظيمها كمادة أمارس فيها منهجا في النقد، جديدا في الكتابة العربية ولكنه استفاد إلى حد كبير من الثقافة الغربية ومن أساليب النقد فيها. فكان "الخطاب العربي المعاصر" في الحقيقة عبارة عن مقدمة لنقد العقل العربي.

قارئ للأحداث … وليس للخطاب!

-  أنا أتفهم ذلك ولكن لنسأل : هل لديك رؤية معينة عما حدث بعد كتابك "الخطاب العربي المعاصر"، منذ الثمانينات وحتى الوقت الراهن؟ أطلب فقط  ملامح تفكيرك أو فهمك لهذه المرحلة؟

ج- في هذه الحالة سيكون الكلام حرا، مرتجلا غير مقيد بمشروع أو منهج معين، (كما كان الشأن في  كتابي "الخطاب العربي المعاصر" ). سيكون الكلام في هذه الحالة نوعا من الاستذكار والتأمل، أو القراءة للذاكرة إذا شئت، لأننا نتذكر الأحداث حين نتكلم عنها، شأننا مع الأحداث التي حدثت مثلا في نيويورك مثلا، في الأسبوع الماضي. 

- نعم!

- هنا سأكون، بطبيعة الحال، لا كناقد للخطاب ولكن كقارئ للأحداث!

كل من يحاول أن يتبين بعض الخيوط، ولنقل بعض الوضوح، في المدة التي تفصلنا عن "الخطاب العربي المعاصر"، أعني عن أواخر السبعينات، لابد أن يستحضر، أو ينطلق بالأحرى، مما حدث في الثمانينات من انهيار المعسكر الشيوعي. فانهيار الاتحاد السوفيتي لم يكن فقط تفكك دولة، بل كان تفكك معسكر ككل، أي كـ"عالم ثان" خصم لـ "العالم الأول". لقد كان العالم آنذاك يصنف إلى ثلاثة أقسام: العالم الأول والثاني والثالث. وما حدث هو أن العالم الثاني اختفى! اختفى ليس فقط كقوة، ليس فقط كنفوذ، ليس فقط كهيمنة، ليس فقط كمعين لدول العالم الثالث في كثير من الأحيان، بل اختفى أيضا ك"عالم" يعادي "العالم الأول"، وكرؤية ومشروع للمستقبل أيضا!

وهذا الانسحاب للعالم الثاني أحدث فراغا في المجال الفكري والمجال السياسي بل وفي المجال الحضاري بشكل عام. لقد تغير المشهد تماما. ذلك أن ما بقي هو "العالم الأول" و"العالم الثالث"، لا غير.  والعالم الثالث، في نهاية التحليل، هو نتاج للعالم الأول، بمعنى أن دول العالم الثالث، كلها تقريبا،خرجت من جوف الاستعمار، أو ضد الاستعمار، أو كنهاية معينة للاستعمار.

- مضبوط! نعم.

ما حدث ليس صراعا بين حضارات… بل هو صراع الحضارة الغربية مع نتاجها.

- ولذلك فما حدث في أوربا ويحدث في أمريكا، وقد يحدث غدا هنا أو هناك، مما يسمى الآن بـ "الإرهاب" وبـ "العنف"  أو بـ "صراع الحضارات"  الخ، هذه الأسماء والتوصيفات هي كلها بالنسبة لي، ظواهر وقتية، ظرفية. ذلك، لأنه من الناحية التاريخية، أي عندما سيأتي مؤرخ بعد خمسين سنة مثلا أو ستين سنة لينظر إلى هذا الواقع الذي نعيشه اليوم، سيرى، أو سيكون من جملة الرؤى التي يمكن أن يتبينها، أن ما حدث الآن، في نيويورك مثلا، وما حدث في عدن باليمن، أو ما قد يحدث في أفغانستان الخ، ليس في الحقيقة صراع حضارات! ليس هناك صراع حضارات، هناك صراع الحضارة الغربية مع نتاجها، مع ما أنتجته هي. وإذا أردنا أن نفصل ونعطي أمثلة فلنأخذ مثلا ظاهرة "الإرهاب" الذي ينسب للحركات الإسلامية. فالحركات الإسلامية كلها، في مصر وفي غير مصر من الأقطار العربية والإسلامية، كانت، في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، خصما للحركات القومية، وكان لها خطها الوطني أو التحرري الخاص بها.

-نعم.

- وفي إطار الصراع بين المعسكر الأول والمعسكر الثاني، في إطار صراع أمريكا مع روسيا، أو صراع الرأسمالية مع الشيوعية، التقت مصالح الأمريكان، مثلا، مع مصالح الإسلاميين في محاربة الشيوعية. لقد كان الغرب نفسه يوظف، أو يخلق أو يتحالف أو ينظم أو يمول، حركات باسم الإسلام، تساعده أو تتعاون معه أو يسخرها، لمحاربة الشيوعية.

مثال أفغانستان … سخروه وتركوه!

- نعم. لدينا الآن مثال واضح في أفغانستان!

-  نعم. في أفغانستان وفي غيرها. لأن التحالف يكون ليس فقط بالسلاح بل وبالكلام أيضا. المهم هو أن هذه الظاهرة التي نشاهدها اليوم كظاهرة عالمية ليست عالمية إسلامية، بل هي عالمية بمعنى أنها تابعة لعالمية العولمة أو الإمبريالية، وبعبارة أعم تابعة للتاريخ العالمي للحضارة الغربية. إنها هي نتاج عملي ومباشر لصراع الحضارة الغربية مع نتاجها، مع نفسها. وبالتالي فما نراه، ما يحدث الآن، وما سيحدث في هذا الإطار، هو من مخلفات الحرب الباردة. أنت ذكرت الآن أفغانستان! نعم أفغانستان التي احتلتها روسيا، وفي إطار صراع النفوذ جندت أمريكا كل من هو معاد لروسيا والشيوعية. وجماعة الطالبان معروف أنها أنشأت في باكستان، وبحضور أمريكا أو تمويلها أو مساعدتها...

- نعم. ولا تخفي أمريكا هذا!

-فعلا. المهم هو أن نتساءل : عندما انهزمت روسيا وانسحبت من أفغانستان، ماذا فعلت أمريكا بهذا "الوليد" أو "الربيب" الذي أنتجته ليساعدها في طرد روسيا من هناك، ماذا فعلت به. تركته! تخلت عنه! كأنها أخذت عبدا وسخرته ثم تركته! هذا العبد لابد أن ينتبه! لا بد أن يقول: هذا سخرني وتركني! هذا غير معقول!

 أنا لا أريد أن أقول إنه كان يجب أن تؤدي أمريكا لهم الثمن. المطلوب ليس ثمنا للأفراد أو الحكومات، وإنما المطلوب هو ثمن "الوضعية". فهؤلاء الذين حاربوا الشيوعية مع أمريكا وأدوا الثمن هم في الغالب ليسوا من البرجوازيين بل هم من الفقراء من الناس، هم المستضعفون من الناس اتبعوا زعامات! فهؤلاء وأمثالهم تركتهم أمريكا في وضعهم المستضعف، اقتصاديا وفكريا وحضاريا الخ، ليس فقط كأفراد بل كبلدان، وبالتالي فماذا سيفعلون؟ لو أن ما بشر به بوش الأب من "نظام عالمي جديد" أخذ في اعتباره تصفية مخلفات الحرب الباردة، ومخلفات الاستعمار الغربي كذلك، تصفية إيجابية عن طريق مساعدة بلدان العالم الثالث على التقدم الحقيقي، فكف الغرب عن قمع أهلها إيديولوجيا وعسكريا، ومعرفيا أيضا بمسك التقنية والعلم عنهم الخ، لو حدث هذا لتطور العالم. أما ما جرى هو أنهم صرفوا الأموال الباهظة في صناعة السلاح، وخلقوا أو شجعوا من يشتري منهم الأسلحة لتتكدس وتتقادم، كل هذا على حساب التنمية، على حساب التوزيع العادل للثروة. فما حصل هو أنهم عمقوا الـ "لا-عدل"، الذي هو الظلم، فكان لابد أن ينقلب هذا إلى ما انقلب إليه.

-       ولكنه ينقلب من خلال إطار فكري متخلف؟

-  لا، ليس متخلفا بذاته… بل بكيفية استعماله!

- الإسلام على الأقل…

 لو كان زماننا زمن الماركسية لكان هناك استشهاد باسمها …

- هذه المسألة فصلت فيها منذ سنوات، منذ عشرين سنة، وقد أجبت عنها؛ وجوابي كان كما يلي، وقد سبق لي أن كررته وأعود فأكرره الآن. قلت وأقول: "لو كان عصرنا الآن، في التسعينات من القرن الماضي وفي هذا الوقت الذي نحن فيه، لو كان عصرنا عصر ماركسية، لكان هؤلاء الذين يستشهدون باسم الإسلام سيستشهدون باسم الماركسية أو أية عقيدة أخرى".

- نعم!

- إذن فالقضية ليست قضية الدين. لا، القضية هي قضية وضعية تجعل الإنسان ينظر إلى العقيدة أو الدين من وجهة نظر خاصة. وأنت تعرفين أن الإسلام نشأ، وكذلك القرآن نزل متدرجا، أعني مساوقا للأحداث. ثلاث وعشرون سنة من النبوة وتأسيس الدولة. في البداية آمن بالإسلام جماعة من المستضعفين، من الفقراء، عانوا من ظلم قريش وعسف قريش الخ، وجاء القرآن وربط حال قريش بفرعون وهامان وقارون الخ. ثم قامت الدولة فجاء التشريع للعدل والمصلحة العامة والتسامح الخ. واليوم كل من يجد نفسه في وضعية المستضعف زمن الدعوة ويجد أمامه الملأ من قريش يستغلونه، يقيم تطابقا تاما بين وضعيته ووضعية المستضعف زمن النبوة كعمار بن ياسر مثلا، ويتقمص شخصية خالد بن الوليد أو شخصية غيره من الصحابة الكبار، فهو قد اختار جانبا واحدا من الإسلام أو من الفهم للإسلام الذي يناسب وضعيته. وهذا فسرته وشرحته في الجزء الثالث من نقد العقل العربي وهو "العقل السياسي العربي"، فقلت : مع الخلفاء الراشدين برز نوعان من الفهم للإسلام: الفهم الذي يمثله هذا الطرف الذي تحدثنا عنه، وكان على رأسه عمار بن ياسر وغيره من الصحابة المستضعفين والذين لم ينالوا ما ناله آخرون، وفهم آخر يمثله عثمان بن عفان، الصحابي الكبير الذي أنفق أمواله في سبيل الإسلام زمن الدعوة، وأصبح خليفة زمن الدولة، يمارس الإسلام بشكل آخر. وكذلك معاوية، الذي كان صحابيا كبيرا وكاتبا للوحي للنبي (ص)، مارس الإسلام بشكل آخر. كل من الطرفين كان يمارس الإسلام كما عاشه، ولا يمكن لأحد من الطرفين أن ينكر على الآخر فهمه للإسلام. أما الذي يدفع الشخص إلى أن يفهم الإسلام على النمط  الذي كان زمن الدعوة، أو على النمط الآخر كما أصبح زمن الدولة، فهو وضعية الشخص الآن. وإذن، فليست العقيدة هي التي تصنع الناس (فتجعل من هذا "إرهابيا" ومن ذاك مسالما)،  بل إن وضعية الإنسان هي التي تدفعه إلى اختيار نمط معين من الفهم للعقيدة وللتاريخ. وهذا ليس خاصا بنا. هذا في العقائد كلها.

 المستضعفون في الأرض كثيرون … فلماذا يحدث هذا بين المسلين وحدهم…!

- ولكن، دكتور محمد عابد الجابري، في سياق هذا التحليل: المستضعفون في الأرض كثيرون! لماذا لا يرتبط هذا النوع من المواجهة للعالم الأول –كما ذكرت- إلا بالمسلمين وبالإسلام؟

       - لا، ليس العرب والمسلمون هم الوحيدون الذين قاوموا الغرب بهذا الشكل. الثورة الصينية معروفة، والثورة الفيتنامية، وثورات التحرير كذلك. لكن العالم الثالث بمجمله كله إسلام. لأنه ما ذا يبقى بعد الغرب؟ تبقى الصين وهي عالم آخر بمفردها ومعها الهند. والباقي كله إسلام أو في نطاق الإسلام.

-        وإفريقيا؟

- إفريقيا فيها الإسلام وفيها الوثنية وفيها المسيحية .. ولكن عدد غير المسلمين من سكان إفريقيا السوداء ليسوا بالحجم الذي يشكل عالما كالعام العربي والإسلامي. ثم لابد أن نأخذ بالاعتبار أن إفريقيا، على كل حال، ليست لها ذاكرة تاريخية كما هو الحال عند العرب والمسلمين. فمنذ أن سقطت فلسطين سنة 1948 والناس عندنا يقولون سيأتي "صلاح الدين" آخر يوما ليحرر فلسطين، وأن فلسطين احتلها الصليبيون لمدة 70 سنة وقد خرجوا، فاليهود لابد أن يخرجوا… إن هذا النوع من الذاكرة الوطنية التاريخية حية ومستمرة وتتكرر كما تتكرر الذاكرة الأخرى التي مرجعها القرآن والمتعلقة بفرعون وهامان والملإ من قريش الخ. وهذا كله غير موجود عند القبائل الإفريقية. ولذلك فالعالم الإسلامي والعالم العربي هو في مستوى حضاري تاريخي أرقى، المستوى الذي يمكنه من أن يكون "الابن" أو "الربيب" المشاغب والمعترض على الاستعمار والإمبريالية والعولمة.

- ليصل إلى ماذا؟

-       ليصل إلى ماذا؟ هو يعيش صراع الحياة. هو يطلب حقه.

العالم بعد خمسين سنة !

-        وكيف سيتطور بعد 50 عاما؟

- العالم الآن لم يعد يحتمل هذا النوع من الصراعات لأن تطور التقنية أصبح خطرا على البشر ككل. وكما قلت قبل قليل إن الغرب الآن يعاني من نتاجه السياسي الحضاري على المستوى البشري… ولكن يعاني أيضا من إنتاجه التقنولوجي. والذين ضربوا نيويورك لم يضربوها بتقنية إسلامية ولا بعلوم إسلامية ولا حتى بعقلية إسلامية. ضربوها بآخر ما أنتجه الغرب من تقنيات. التاريخ هكذا. العالم في صراع. فإذا أراد الغرب وأراد المسلمون وأراد كل من في العالم من أصناف البشر، التعايش، وهذا شيء أصبح يفرض نفسه، فيجب أن تحل مشاكل الماضي. خذي مثل فلسطين. لا يمكن أن يقوم استقرار أو تقدم أو صراع إيجابي في العالم العربي ما دامت لم تحل قضية فلسطين. 

- نعم. وأنت تقول هذا في كتاباتك…

- فإذن يجب أن تحل قضية فلسطين. تصوري لو أن بوش الأب عندما ضرب العراق –ولنغض الطرف الآن عن قضية العراق- لو أنه حل مشكلة فلسطين بشكل نهائي طبقا للشرعية الدولية كما شرعها مجلس الأمن، الذي هو حكومتهم هم، فهل كان سيحدث هذا النوع من الصراع الجاري الآن حول فلسطين؟ فهل كانت المناظر التي شاهدناها ونشاهدها في فلسطين يوميا، من الأمهات الثكلى والأطفال القتلى وتدمير المنازل والهجوم بالصواريخ والطائرات على المدنيين، هذه المناظر التي كان لها دور ولا شك في الذين قاموا بالهجوم على نيويورك –إذا ثبت أن الذين قاموا به هم من العرب أو المسلمين… إن هذه المناظر التي تتكرر يوميا طوال انتفاضة الأقصى التي مر عليها الآن سنة كاملة، لابد أنها قد أثرت فيهم، أعني أنها أثارت فيهم ما هو طبيعي في الإنسان، وهو اللاعقلانية التي تتجاوز العقل وتتصرف ضده أو على الرغم منه لمواجهة لاعقلانية مماثلة.

العنف والإرهاب في قنوات التلفزة… غير المباشر ولكن مؤثر ومتواصل!

- وباستعمال التكنولوجيا الغربية ، بما في ذلك قنوات التليفزيون ومحطات الإذاعة ...!

- حتى في هذا الجانب هناك استغلال. ففي قنوات التليفزيون الآن هناك نوع من الإرهاب والعنف موجه ضد العالم الثالث وضد العالم الفقير. فعندما تعرض سلع معينة من أرقى طراز، وتقدم بواسطة هذه الإشهارات التي نشاهدها كل يوم، أمام فقراء لا يملكون حتى ما يشترون به مدا من الشعير أو مثله، فهذا ممارسة للعنف ضدهم. وعندما يجتهد موظف صغير له مرتب معين ويوفر بعض المال يشتري به سيارة بعشرة آلاف جنيه ويأتي الإشهار في التلفزة للإعلان عن سيارة فارهة سعرها 50 أو 60 ألف جنيه، ويراها عند شخص آخر من جيرانه أو من مدينته، فهو أمام عنف يمارس عليه، وقد يحاول أن يتخلص منه بسلوك غير شرعي فيسرق أو يرتشي ويعمل كل شيء للحصول على هذه السيارة! ولنقس على هذا كثيرا من الأمور. الحضارة الغربية الآن هي حضارة التحدٍّي، لا يهمها إلا الاستهلاك. ووسائل الإعلام أصبحت وسائل لنشر الاستهلاك، هي لا تنتج المعرفة وإنما توزع وتنشر نوعا خاصا من المعرفة وفي هذا كله علاقة قوى غير متكافئة، بين من ينتج هذا ومن هو معروض عليه. وهذا هو العنف. فالعنف هو علاقة قوى غير متكاقئة

نقد العقل العربي لابد أن يأخذ باعتباره  ممارسة النقد داخل التراث

          - دكتور محمد عابد الجابري : من خلال هذا العمل الضخم الذي أشرنا إليه أكثر من مرة، نقد العقل العربي في أجزائه الأربعة، نريد أن نتساءل: في نهاية الأمر من خلال هذه القراءة والعمل الطويل مع العقل العربي وأنت تشير أيضا إلى المرجعية التراثية وأهمية التخلص منها، ألسنا بصدد مرجعية تراثية ربما تعيد بعض العدل على وجه الأرض؟

- هذا صحيح. لكن يجب أن نعترف بالواقع كما هو. الثقافة العربية كما هي منذ الخمسينات إلى اليوم قوامها نخبة قليلة العدد من الذين التحقوا بالمدارس والجامعات الغربية العصرية أو درسوا في بلدانهم، هي نخبة عصرية ذات ثقافة عصرية. هذه النخبة قليلة العدد كما قلنا. قليلة العدد مرتين: مرة لأنها مستوعبة في الإدارات وفي الوظائف والمقاولات الخ، ومرة أخرى لأنها مستهلكة في هذه المجالات الحيوية الشيء الذي يجعل انصراف أعضاءها إلى الثقافة والعمل النظري غير وارد، أو ضعيف. ولذلك فإنتاجها الثقافي ضعيف. أما البقية الباقية وهي الأكثرية الساحقة فهم المثقفون الذين يغرفون مما كان يغرف منه أجدادنا، أي الثقافة العربية الإسلامية القديمة كما تدرس في الأزهر أو في المدارس والجامعات المماثلة لها. وهذه الأغلبية الساحقة هي لب القضية. وبمعنى آخر فأنا عندما بدأت أفكر في نقد العقل العربي تساءلت أي عقل؟ هل عقل النخبة العصرية؟ هذا عقل أوروبي أو متصل به أو متأثر به أو مرتبط به بنوع من الارتباط. أما العقل السائد سواء عند المتعلمين أو عند الجماهير الأمية فهو العقل التراثي. ولذلك اقتنعت وما زلت أزداد اقتناعا، بأن نقد العقل العربي لابد أن يأخذ باعتباره  ممارسة النقد داخل التراث، ليس بالدعوة إلى تركه كما فعل بعض مفكرينا الكبار، منذ القرن التاسع عشر إلى الخمسينات من القرن الماضي. هذه دعوى لا تستقيم لا عندنا ولا عند غيرنا. وإذن فالتغيير يجب أن يكون من الداخل. هذه هي النقطة المركزية في العمل الذي قمت به؟  وكما نقول بالنسبة للصناعة : هل نشتري المصنع بالمفتاح؟ قد يجوز هذا في الصناعة وإن كان لا يشكل تنمية. أما في الثقافة فالذين يقولون : نأخذ ثقافة الغرب في أرقى صورها أو متوسط صورها ونتشبث بها فكأنهم يدعوننا إلى شراء مصنع بالمفتاح! هذا في حين أننا هنا مع بني آدم، مع عقل، مع تكوين. وأنت أول ما سألتنيه سألتني عن تطور وعيي! فتطوير وعي الآخرين، وعي البشر، يجب أن يكون من داخل ظروف ومكونات هذه الوعي نفسه. وإلا فلن يكون هناك تطوير. فالتطوير انتقال من حالة إلى أخرى …

بدلا من الاستشراف … إرادة المستقبل

- سؤالي الأخير، وربما أيضا لننه هذه الحلقة، دكتور الجابري : من خلال هذه المعرفة بالعقل العربي كيف تستشرف مستقبل هذا العقل؟

- "الاستشراف" …! لقد سبق لي أن انتقدت هذا المفهوم بل هذا المنهج. يمكن أن نستشرف أمورا في بلد كأميركا أو أوروبا حيث بنيات المجتمع الاقتصادية والثقافية مستقرة، وفي هذه الحالة يمكن أن نضع السيناريوهات الثلاثة المعروفة: ما سيحدث إذا لم يحصل تطور، وما سيحدث إذا حدث تطور من درجة كذا، وماذا سيحدث لو حصل التطور المطلوب مائة في المائة، وهذا في المدى القريب أو المتوسط أو البعيد؟ هذا ممكن في مثل هذه المجتمعات لأن كيانها مستقر. أما في بلداننا التي ليس فيها هذا النوع من الاستقرار والثبات في البنيات، لا السياسية ولا الثقافية ولا الاقتصادية ولا غيرها، فالاستشراف عملية غير مفيدة. وقد كتبت يوما مقالا بعنوان،: "بدلا من الاستشراف إرادة المستقبل؟"،وهو الآن جزء من كتاب. وهذا يعني أنه يجب أن نضع مكان كلمة "استشراف" : عبارة "كيف نريد مستقبلنا"؟  لأن المطلوب منا هو: لا أن نعرف ما سيكون انطلاقا مما هو كائن، بل المطلوب منا هو أن نغير ما هو كائن طلبا لما نريده أن يكون. أنا اعتقد أن ما سيحدث لا يمكن التنبؤ به في بلدان كبلداننا، لأنه رهن بنا. فإن نمنا فلن يحدث شيء أو قد يحدث الأسوأ، وإن استيقظنا وعملنا كان هناك ما هو أفضل. وأنت ترين ما حدث في فلسطين. فمن كان يتنبأ بالانتفاضة الأولى؟ كانت إسرائيل تعتقد أنها استوعبت الجيل الجديد، جيل ما بعد 1967، فإذا بهذا الجيل هو الذي حمل الحجارة، وبعد أن مرت عليه بضع سنوات حمل القنابل مرة أخرى. وشيء آخر: عندما دخلت المنظمة الفلسطينية في مسلسل أوسلو، فلو أن بعض الناس أخذوا يتنبئون أو يستشرفون: من سيقتل نتيجة الانخراط في هذا المسلسل: عرفات أو ربين؟ لاشك أن الناس سيقولون كلهم : عرفات! ولكن الذي قتل هو ربين! الاستشراف هنا غير ممكن غير مجد، والتغيير المطلوب مرهون بإرادتنا للتغيير.

- دكتور محمد عابد الجابري: شكرا جزيلا على هذا الحوار الذي لم يتسع لقضايا كثير كنا نود أن نطرحها معك.

- ليكن ذلك في فرصة أخرى إن شاء الله.