ص1       الفهرس      41-50

الحداثة كمخرج من الحداثة

سعيد المتدين

من موقع اشتغال محمد سبيلا على مفهوم الحداثة ومن منطلق ملامسته، عن كثب، لمختلف التحولات التي تطال هذا المفهوم، يرى بأن ما بعد الحداثة لا تشير إلى تتابع زمني يأتي فيه واقع بدل آخر أصبح مستنفذا، بل هي تعمق لمسار الحداثة، أو هي سرعة ثانية للحداثة(ص: 70). فالمؤلف ينهج ذات الاتجاه الذي رسمه هابرماس والذي ينطلق من القناعة بأن "مشروع الحداثة لم يكتمل بعد"، إلا أنه يختار منحى مميزا في سياق الانتصار لهذه الأطروحة، إذ يميز في كل من الحداثة وما بعد الحداثة بين مستويين: مستوى سوسيولوجي ومستوى فكري، لينتهي إلى مقاربة تحاول ما أمكن رفع الالتباس والإبهام الذي يطال مصطلح ما بعد الحداثة الذي هو من صميم وصلب الحداثة ذاتها.

يقع كتاب الحداثة وما بعد الحداثة في 108 صفحة متضمنا أربعة فصول هي: 1) الأسس الفلسفية للحداثة، 2) الحداثة وما بعد الحداثة، 3) الحداثة والتقنية، 4) العرب والحداثة. وهذه الفصول يجمع بينها التماسك والتوليف لتنتهي إلى مقاربة فلسفية لمفهوم الحداثة تنطلق من الحداثة لتعود إليها. وليس سهلا أمر حصر المضامين والأبعاد التي يفتح عليها هذا المؤلف بمقتضى شساعتها وتعقد فهمها، لذلك سنحاول بذل جهد في تقريب الأفكار والدلالات التي ترتبط به وتعبر عن محتواه.

1 الأسس الفلسفية للحداثة:

ينطلق الدكتور محمد سبيلا من رصد مجمل التحولات الفكرية الكبرى التي ترتبط بلحظة الحداثة في شتى الميادين مركزا على قياس درجة التغيير التي طرأت على هذه الميادين، ليخلص إلى أن الحداثة تتميز بكونها تحولا جذريا على كافة المستويات، في المعرفة، في فهم الإنسان، في تصور الطبيعة، وفي معنى التاريخ، هذه التحولات أفرزت حالة من الفصام والصدمة والصراع بين التقليد والحداثة.

وفي سياق النبش في الأصول الفلسفية للحداثة، يؤكد المؤلف بأن الحداثة قد دشنت الوعي الفلسفي بذاتها منذ اللحظة الهيجيلية التي رسخت تقليدا فلسفيا اضطلعت خلاله الحداثة بوظيفة إيجاد التوازن والبحث عن المشروعية انطلاقا من ذاتها كمرجعية أساسية، ويندرج ذلك كله ضمن فكرة عامة دعاها هيجل بالحاجة إلى الفلسفة.

وإذا كانت للحداثة جغرافيتها وديناميتها الخاصة، فإن المؤلف لا يجد حرجا في بسط تصنيف جغرافي خرائطي للحداثة، تقترح فيه الحداثة الأوروبية نفسها كحداثة مرجعية بموجب كونها المظهر الأول لتجليات الحداثة التي أخذت تكتسب بشكل تدريجي طابعا كونيا. في حين تظهر الحداثة الأمريكية كحداثة موازية متسارعة، أو كحداثة ليس لها أجداد ولا تاريخ، إذ هي حداثة لا تستند إلى نظام قديم وأرضية صلبة، لكنها في المقابل حداثة تجد خصوصيتها في التجربة الأمريكية التي اعتبرت مثالا فعليا ونموذجا واقعيا. أما الحداثة اليابانية فقد استلهمت معطيات الثقافة الغربية في سياق تمثلها بشكل مرن، ويصف د.محمد سبيلا هذه الصيغة بالتمرير اللطيف للحداثة الغربية (ص47). وبموازاة مع ذلك تقدم التجربة الروسية نموذجا آخر للحداثة، وهي الحداثة الاستدراكية التي تفتقر إلى مرجعية ماضوية ولا تلتزم بحتمية التطور التاريخي.

وإذا كان الشك قد انسحب تاركا مكانه لليقين بخصوص تمظهر الحداثة كفعل ومفعول، فإن الحديث عنها (أي الحداثة) كفاعل، لم يخرج بعد عن دائرة الجدل والسجال ولم يستقر على رأي يغطي مساحة الإجماع والاتفاق. لذلك لا يتردد المؤلف في اقتراح تصور بنيوي لثلاثية الفعل والفاعل والمفعول التي تجتمع تحت سقف التماهي والتداخل متجاوزة الأطروحة الانعزالية. ولعل ظهور الفاعل في شكل مستتر وضبابي ومعتم هو ما يعطي الانطباع بأن الحداثة صيرورة بدون ذات فاعلة.

وكتذييل لهذا الفصل يقدم المؤلف تشخيصا عرضيا لأزمات المشروع الحداثي الغربي والتي ارتبطت أساسا بالمجال الإنساني والاجتماعي، بحيث لم توفق الحداثة بين الواقع والمأمول، ولم تنطبق شعاراتها الداعية إلى التحرر والتقدم مع الواقع الذي يكرس طقوس الاستبداد والإمبريالية والهيمنة.

وإذا كان "هنري لوفيفر" يرى بأن الحداثة لا يمكن أن تواصل مسيرتها بدون أزمات، وينعت أزمة الحداثة بأنها أزمة خصبة تهيئ الحداثة لمراجعة ذاتها وتصحيح مسارها، فإن المؤلف ينهج ذات الاتجاه معتبرا أن الأزمة لا تغير شيئا ما دامت الحداثة مليئة بالوعود والآمال، وهذا هو المعنى الضمني الذي تفتح عليه مقولة هابرماس الشهيرة "مشروع الحداثة لم يكتمل بعد"، أي مشروعا قابلا للتعديل والتصحيح والتوجيه، ولاستبدال الوجه الكالح بابتسامة ملأى بالبشائر(ص52).

2 الحداثة وما بعد الحداثة:

يتناول المؤلف في هذا الفصل إشكالية الحداثة وما بعد الحداثة مساهمة منه في بلورة موقفه الرامي إلى كسر حدود النهاية أمام الحداثة ووضعها في سياق لا متناهي، إذ هي دائما ذلك المشروع الذي لم يكتمل بعد. ويأتي هذا الجهد ضمن منحى نقدي لأطروحة ما بعد الحداثة التي تجعل من موت الحداثة نقطة لبدايتها ومؤشرا على شرعيتها الفلسفية، أي أنها تتوسل بأخلاقيات الموت والنهاية لتستشرف مستقبلها.

يقسم المؤلف هذا الفصل إلى ثلاثة محاور هي: 1) هل ما بعد الحداثة ضد الحداثة؟ 2) بين فكر الحداثة وفكر ما بعد الحداثة، 3) الحداثة وما بعد الحداثة: قطيعة أم استمرار.

1) هل ما بعد الحداثة ضد الحداثة؟

يرى المؤلف بأن مصطلح ما بعد الحداثة ينطوي على لبس وخدعة في الدلالة، إذ أن المصطلح يوحي بنهاية الحداثة وتحقق عملية الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحداثة. في حين أن الأمر يتعلق فقط بسرعة ثانية للحداثة يطلق عليها المؤلف اسم "الحداثة البعدية"، وهي شق ضمن الحداثة يسعى إلى إعادة التوازن الداخلي في الحداثة واجتزائها من دائرة الأزمة.

يحاول المؤلف في هذا المحور إبراز تهافت التيار ما بعد الحداثوي الراديكالي، وذلك بإخضاع أطروحة ما بعد الحداثة للنقد والتفكيك متوسلا ترسانة من الأفكار والأطروحات النابعة عن استيعابه الشامل والدقيق لفلسفة وماهية الحداثة.

2) بين فكر الحداثة وفكر ما بعد الحداثة:

يعتبر المؤلف أنه بالرغم من امتزاج الحداثة بصور التوتر والنفور والنفي المستمر والتجديد من أجل التجديد، فإن ذلك لا يمثل عائقا أمام إمكانية تحديد سماتها الأساسية. ويرى د.محمد سبيلا أن الحديث عن الحداثة بصيغة الإجمال أمر لا يستقيم، لذلك يكون من الأوفق الحديث عن مستويات الحداثة. ولا يفوت المؤلف هنا إخضاع التقسيم الثنائي للحداثة للنقد باعتبار أن هذا التقسيم الذي يقترح نوعين من الحداثة: حداثة مادية وحداثة فكرية، لا يخرج عن دائرة الاختزال والتبسيط وطمس العلامات المميزة للحداثة. من هنا جاء مبرر تقسيم الحداثة إلى حداثات، وهي كما أوردها المؤلف: الحداثة التقنية، الحداثة السياسية، الحداثة الاقتصادية، الحداثة الاجتماعية والأخلاقية. وإذا كانت هذه المستويات من الحداثة تشكل قاعدة أو بنية تحتية للحداثة، فإن الحداثة الفكرية تشكل بنيتها العليا "فالحداثة الفكرية هي بمثابة الروح من كل هذه الحداثات"(ص65).

وإذا كان المؤلف يرى أنه من الضروري التمييز بين المكونات الأساسية لفكر الحداثة وبين فكر ما بعد الحداثة، فإنه بهذا يخطو خطوة أخرى في اتجاه نقد ما بعد الحداثة وترسيخ أطروحته القاضية بأن فكر ما بعد الحداثة ليس إلا شقا ضمن الحداثة، أو هو ذلك الجانب النقدي التفكيكي في الحداثة الذي يقوم بدور المراجعة وتصحيح المسار، وتعميق فلسفة الحداثة وفكر الحداثة.

3 الحداثة وما بعد الحداثة: قطيعة أم استمرار؟

ينطلق المؤلف في هذا المحور من نقد التصور الذي ينظر إلى ما بعد الحداثة كحقبة تعقب الحداثة معلنة عن موتها ونهايتها، معتبرا أن طبيعة العلاقة بين الحداثة وما بعد الحداثة أعقد بكثير من هذا التصنيف السريع والتحقيب المتعجل. ولتعميق السجال حول هذه النقطة يطرح المؤلف السؤال التالي: هل ما بعد الحداثة هو عصر آخر مختلف نوعيا عن عصر الحداثة؟ أم هو مرحلة أخرى من مراحل الحداثة؟

يميز المؤلف في كل من الحداثة وما بعد الحداثة بين مستويين: مستوى سوسيولوجي، ومستوى فكري. فعلى المستوى السوسيولوجي عرف المجتمع الغربي الحديث تحولات شاملة طالت كافة مستويات الكل الاجتماعي ومنها مثلا: ظهور "المجتمع الاستهلاكي" و"المجتمع ما بعد الصناعي" و"المجتمع الإعلامي والمعلوماتي"، وهذا ما أعطى الانطباع بأن المجتمع الغربي دخل مرحلة جديدة من تاريخ تطوره. وإذا كان التحول أمرا متفقا عليه، فإن الاختلاف يبقى واردا في مرجعية تسميته والنظر إليه، وكذا في طبيعة العلاقة بين المرحلة الجديدة والمرحلة السابقة.

كما ظهرت تسميات جديدة تعكس الخليط الاجتماعي الذي عرفه المجتمع الغربي الحديث ومنهما: "مجتمع الفراغ" و"عصر الشك" و"عصر سيادة المحاكاة"، إلا أن هذا النزوع يكشف حسب المؤلف- عن ضلوع في الإبهام والغموض وإعادة إنتاج الالتباس.

أما على المستوى الفكري فإن الطابع العام الذي يميز فكر ما بعد الحداثة هو افتتانه بأخلاقيات الفوضى والتشابك، فهو ينكر النظريات الشمولية الكبرى، ويتبنى تصورا انفصاليا وفوضويا للزمن، ومنظرو براغماتيا للحقيقة، وميلا إلى إلغاء الذات(ص 70).

والخلاصة التي يخرج بها المؤلف، هي أن ما بعد الحداثة عبارة عن شق ضمن الحداثة يضطلع بوظيفة التطعيم والدعم والمراجعة ولا يخرج عن خط الاستمرار والصيرورة الذي رسمته الحداثة لنفسها باعتبارها مفهوما غير قابل للاستنفاذ.

3) الحداثة والتقنية:

لقد خصص الدكتور محمد سبيلا لهذا الفصل مدخلا أسماه "في رثاء الطبيعة"، وهو بمثابة توطئة تتجه مضامينها إلى إظهار طبيعة العلاقة بين التقنية والطبيعة، مع التركيز على الخلل والتوتر الذي انسحب على جوانب الاتصال بينهما.

وفي إطار رصد درجة التغير التي طرأت على الطبيعة، وقياس مدى تأثير التقنية على سياق الطبيعة، ومضمونها، ينهج المؤلف مسلكا تكتسي خلاله هذه التغيرات حلة أكثر جلاء ووضوحا، ويتعلق الأمر بأنسنة الطبيعة وتوظيفها في النص كشخص يتحدث بلسان حاله: "بل اصبح لهذه (أي الطبيعة) رأيها وصوتها وكلمتها" (ص75)، "هذا الحوار العلمي القائم بين الإنسان والطبيعة"(ص75). وهذا ما يجعل رد الفعل من لدن الطبيعة أمرا واردا.لقد جسدت التقنية وساطة حقيقية بين الإنسان والطبيعة في علاقة عدوانية تستند إلى العنف والسلب، فحولتها من غاية إلى وسيلة، ومن مشهد إلى أداة، مما أفقدها وظيفتها الأصلية وعطل دلالتها الأولى. وقد بلغت التقنية في العصر الحديث مرحلة التتويج، وهو العصر العلمي التقني الذي مثل المسرح الزمني لتحولات جذرية وحاسمة في التاريخ البشري. ولعل الحدث البارز الذي ميز العصر التقني هو ذلك التحول المعرفي المحوري الذي جعل الإرادة المعرفية تنفلت من طقوس المعرفة التأملية الخالصة لتسقط في دائرة السيطرة والتحكم. ومحصلة ذلك أن ماهية التقنية هي بمثابة مشروع تنصهر فيه الأوجه الثلاثة للعصر العلمي التقني وهي: إرادة المعرفة وإرادة التحرر وإرادة السيطرة.

وإذا كان المؤلف يؤكد بأن للتقنية ثقافة ضمنية مصاحبة لها، وتجد أبرز تجلياتها في المجال السياسي والثقافي والاجتماعي في إطار صياغة منظومة تستلهم ثقافة الحداثة بكل مكوناتها، فإن ذلك معناه أن الحداثة والتقنية هما وجهين لعملة واحدة، وأنهما عنصران أساسيان يظهر شكل تلازمهما في صورة ترابط عضوي ووجودي. ولعل الخيط الرفيع الناظم للعلاقة بينهما هو الحداثة التقنية.

ويختم المؤلف هذا الفصل بعقد باب أسماه "العلم كمعلم أساسي للحداثة"، وهو عبارة عن محاولة لفهم ماهية العلم واستيعاب الفلسفة الضمنية الثاوية خلفه، انطلاقا من النبش في طبيعته واستنباط خلفياته الإيديولوجية والفلسفية والميتافزيقية. لقد سعى البحث الفلسفي المعاصر إلى ردم الهوة بين العلم والتقنية، فبعد أن كانت التقنية هي الوجه التطبيقي للعلم، على مستوى النظريات والنتائج، أصبحت بموجب كونها موقفا وتصورا- جوهر العلم الحديث الذي هو علم تقني بامتياز.

وليس من شك في أن العلم التقني قد رسم لنفسه سبل التطور بوتيرة سريعة لم يسبق لها مثيل. لقد حقق العلم التقني الحديث ثورات فكرية هائلة في جميع الميادين، إذ غير صورة الطبيعة وغير مكوناتها في مختلف المجالات، وغير علاقة الإنسان بالكون إلى حد بعيد (ص87). وهذا يجرنا بالضرورة إلى الاعتراف بأن العلم التقني هو السمة البارزة والمعلم الأساسي للحداثة.

4 العرب والحداثة:

يقترح الفصل الرابع نفسه كتتويج للجهود النظرية التي بذلها المؤلف في الفصول السابقة لأجل تعميق النظر في أدبيات الحداثة وما بعد الحداثة، وبلورة رؤية نقدية تستعرض الحداثة في سياق لا متناهي ولا محدود. إن الأمر في إطار الفصل الرابع يتعلق بدراسة حالة، أو بتعطيل الجانب النظري الصرف انطلاقا من القيام بعملية إسقاط المفاهيم المجردة على الواقع المعيش. وقد تضمن هذا الفصل ثلاثة محاور هي: 1) الحداثة الهجينة والهوية الخلاسية، 2) المشروع النهضوي العربي ومخاض الحداثة، 3) نحن والنزعة الإنسانية.

1) الحداثة الهجينة والهوية الخلاسية:

يقترح المؤلف تغطية شاملة لصورة التوتر والقلق الذي ترتب عن ارتطام الحداثة الغربية بالواقع العربي المثقل بأسئلة الهوية والتقليد والحضارة. فيرى أنه انطلاقا من الاستراتيجية الجبرية القدرية التي تنهجها الحداثة، استطاعت هذه الأخيرة أن توسع دائرة انتشارها متوسلة العنف تارة واللطف والإغواء تارة أخرى، لتشمل الواقع العربي. لذلك فإن الحداثة العربية هي عبارة عن حداثة خاضعة لعملية التبيئة، مما جعلها تقترن بحالة الصدمة، وتدخل في صيرورة معقدة وملتوية من الصراع مع الهياكل التقليدية التي تؤثث المجتمع العربي.

لقد تراوحت ردود الفعل التي أفرزتها صدمة الحداثة بين الاندماج التلقائي، الذي يؤدي حسب المؤلف- إلى الامتساخ وتفكك الهوية وذوبان الخصوصيات، وبين رد الفعل العنيف الذي ينطلق من رفض البنية الفوقية الثقافية والميتافيزيقية للحداثة.

2) المشروع النهضوي العربي ومخاض الحداثة:

يطرح المؤلف في هذا المحور فحصا إبستيمولوجيا لمصطلح المشروع الحضاري العربي بغية تحديده وفك رموزه، باعتبار هذا الأخير مصطلحا فضفاضا وضاربا في اللبس والتعقيد. ويقف المؤلف على الدلالات التي تفتح عليها كلمة "مشروع" فيرى أن الأمر يتعلق بطموح العرب النهضوي، وباستشراف المستقبل أكثر من تقديم تقرير عن الحاضر. في حين تعطي كلمة "حضاري" للمصطلح بعدا شموليا، فكلمة حضاري هنا ذات دلالات وصفية شمولية من جهة، كما أنها محملة بشحنة قيمية إيجابية من حيث دلالتها النهضوية.

لقد استيقظت الأمة العربية على درجة عالية من الوعي الشقي، الذي تشكل بموجب الشطط والخلل الحاصل بين مثالية الذات ودونية الواقع. في الوقت الذي يقترح فيه الطرف الثاني في اللعبة الذي هو الغرب- نفسه كقوة عظمى ورائدة في التقنية والتقدم والمعرفة وكفاعل كوني مهيمن على كل الميادين والمجالات، وينظر إلى الآخر كتابع ومستهلك على الدوام. كما يرى المؤلف أن انخراط الأقطار العربية في مخاض الحداثة وإن كان قد حقق لها بعض المكاسب المختلفة، إلا أنه أفرز حالة من الشعور بالدونية والتبعية، وكل ذلك نابع من تكريس الحداثة للهيمنة الغربية.

وإذا كان المشروع الحضاري النهضوي الشامل هو المشروع الكلي الذي ينطلق من الواقع العربي الملموس في اتجاه تحقيق الأهداف الاستراتيجية العربية الكفيلة بوضع العرب على سكة التاريخ الحديث، فإن مفاصل المشروع النهضوي العربي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية لم تجد حسب المؤلف- طريقها إلى الانطباق في الواقع العربي، بحكم افتقاد هذا الواقع لشرط أساسي وهو ضرورة استيعاب أسس الثقافة الحديثة.

3) نحن والنزعة الإنسانية:

ينطلق المؤلف في هذا المحور الأخير من الفكرة التي استهل بها هذا الكتاب، وهي التأكيد على وجود تحولات فكرية كبرى صاحبت مشروع الحداثة محدثة تأثيرات عميقة طالت الطبيعة والتاريخ والمعرفة وتصور الإنسان على الخصوص.

يندرج تصور الإنسان إذن في سياق بنيوي مترابط لا سبيل إلى فصله. لذلك يكون من غير المنطقي رصد التحولات التي طالت مفهوم الإنسان دون استحضار الطبيعة والتاريخ والمعرفة كعناصر تدخل في سياق شبكي علائقي مع مشروع الإنسان.

والسؤال الذي صاغه الدكتور محمد سبيلا في سياق تركيز النظر حول هذه النقطة هو: ما هي التحولات التي رافقت حلول العصر العلمي التقني والتي أحدثت تأثيرا على مستوى تصور الإنسان ومفهومه؟

على سبيل الإجابة عن هذا السؤال، ينهج المؤلف منحى دقيقا وممنهجا يتمثل في محاولة رصد الاستراتيجية التي طبعت مسار الفكر الغربي في سعيه الدائم إلى صياغة مفهوم الإنسان. هذه الاستراتيجية تقوم في مجملها على معطى أساسي وهو الانتقال التدريجي من تصور حول الإنسان إلى آخر، فمن التصور المسيحي إلى النظرية الداروينية إلى أطروحة التحليل النفسي، قطع مفهوم الإنسان أشواطا كبرى وتراوحت تأويلاته بين البعد الروحي والبعد العضوي وكذا البعد السيكولوجي.

فالنزعة الإنسانية العقلانية الإرادية الحرة هي الصورة المثلى لماهية الإنسان في فجر الحداثة، هذه الصورة مثلت مسرحا لأسهم النقد التي تزامنت مع اكتمال صورة الحداثة عن نفسها ابتداءا من القرن 19.

لقد شكل كل من نيتشه، ماركس، ماكس فيبر، فرويد، هايدجر، وآلان تورين جبهة قوية تصدت بالنقد والتفكيك لإيديولوجيا الحداثة الغربية، وللنزعة الإنسانية الكلاسيكية كأبرز صورها ومظاهرها، إلا أن هذا النقد والمراجعة قد انطلق حسب المؤلف- من خلفية الدعم والتعميق والتطوير، وذلك كله لا يخرج عن الطابع العام للفكر الغربي الذي يقوم في مجمله على أسس نقدية وتفكيكية كعامل من عوامل المراجعة وتصحيح المسار.

 

خاتمة:

إن المضامين والدلالات الثاوية خلف أسطر كتاب الحداثة وما بعد الحداثة لا تهب نفسها للقارئ في سهولة ويسر، فالكتاب بحكم اغتنائه وتوسع مادته وآثاره لإشكاليات تملأ مساحة الجدل في الأدبيات المعاصرة، يحتاج إلى عناء فكري وقراءات متعددة لتيسير استيعابه واستلهام أبعاده وإيحاءاته.

ومهما يكن من أمر، فإن النظر إلى كتاب الحداثة وما بعد الحداثة كنص غير قابل للاستنفاذ لا يقف أمام محاولة رصد المضامين التي ينطوي عليها، ووضعها في سياق تحليلي تساؤلي، وتلك هي خلفية هذا العرض.

لقد أفضى بنا تقديم هذا الكتاب إلى وضع الخلاصات والاستنتجات التالية:

1-يقدم المؤلف في هذا الكتاب تقصيا ممنهجا ودقيقا لمفهوم الحداثة كمفهوم حضاري شمولي يطال كافة مستويات الوجود الإنساني، ويظهر ذلك من خلال قيام المؤلف بتأصيل المفهوم، والنبش في الماهية الفلسفية للحداثة، ورصد مجمل التحولات التي طالت المفهوم، مركزا على طبيعة هذه التحولات وانعكاساتها على الحداثة.

2-يطرح المؤلف تصورا مميزا في معرض مشاركته في النقاش المتعلق بجدل الحداثة وما بعد الحداثة، إذ يضع الحداثة في صيرورة لا متناهية مكسرا حدود نهايتها. كما يستبدل مصطلح ما بعد الحداثة بمصطلح "الحداثة البعدية" باعتبار هذه الأخيرة شقا ضمن الحداثة، يمثل الجانب النقدي في الحداثة ويهدف إلى إعادة التوازن الداخلي إليها.

3-إن البادئة (ما بعد) في مصطلح ما بعد الحداثة لا تفيد التجاوز والبعدية بالضرورة، ولا يفهم منها دائما أنها تعني القطيعة، بل إنها قد تعني التزامن والقبلية أيضا. إن درجة وصف البادئة (ما بعد) للتغير الطارئ على الحداثة يتوقف على استخدام هذا الناقد أو ذاك. فإذا كان "ليوتار" يوظف البادئة (ما بعد) في كتابه La condition post-moderne بمعنى (ما قبل)، فتصبح ما بعد الحداثة عنده مرادفة لما قبل الحداثة انطلاقا من قوله "لا يمكن لعمل أن يصبح حداثيا إلا إذا كان ما بعد حداثيا أولا، وما بعد الحداثة بناءا على هذا الفهم ليست الحداثة عند نهايتها بل في حالة الميلاد"، فإن الدكتور محمد سبيلا يستعمل العبارة (ما بعد) بمعنى تزامني استدماجي يفيد التضمن والإثبات "إن ما بعد الحداثة هي تعميق لمسار الحداثة، أو هي سرعة ثانية للحداثة، بمعنى أنها استمرار لمنطق الحداثة ولعمقها الصائر حيث هي نقد مستمر وتجاوز مستمر لذاتها"(ص70).

4-إن نقطة قوة الحداثة هي كونها تتسع لأكثر من تعريف وصياغة، ولا تنضبط في تحديد يغطي مساحة الإجماع بين الباحثين، فهي مفهوم لا يقدم أية إجابة محددة حول معناه، لذلك ظهرت الحداثة كمفهوم لا يستهلك. ولعل هذا التوجه الذي رسمته الحداثة لنفسها يلمز بالرفض إلى كل دعوى لإحلال ما بعد الحداثة محل الحداثة.

5-يندرج نقد الحداثة ضمن محاولة للدفاع عن الحداثة والدعوة لها، فالنقد هو جزء من الوعي الحداثي ومن تفكير الحداثة، لذلك كانت الحداثة نقدا وتجاوزا مستمرا للذات. والحق إن هذا المنحى لا يخرج عن الإطار العام للفكر الغربي الذي يقوم في مجمله على أسس نقدية وتفكيكية كعامل من عوامل مراجعة مقوماته وأساليب اشتغاله. لذلك لم تتوقف الحداثة عن بذل جهود نقدية على مستوى الذات والأنساق والنتائج، ولعل ذلك نابع بالأساس من طبيعة الحداثة ذاتها والتي تنبني على مفهوم النقد والمراجعة.

وعلى الجملة، فالحداثة مفهوم صلب ومتجذر في منظومة المفاهيم، وليس سهلا تجاوزه أو الانفصال عنه. إن الحداثة لحظة مستمرة وصيرورة تاريخية لا تعرف الانقطاع، إنها مشروع لم يكتمل بعد، أو مشروع للحاضر والمستقبل معا g

 

 

<