ص1         فهرس      41-50

سؤال الثقافة والمثقف

محمد معتصم

  1-الذاكرة الأدبية:

1.1/ الرؤية الفجائعية نمط سرديٌّ له خصوصيات تميزه عن السرود العربية، كالسرد الواقعي، وكالسرد التاريخي، وكالسرد التعليمي مثلا لا حصرا. وخصوصيات الرؤية الفجائعية تتمثل في الرؤية ذاتها، وهي رؤية الفاجعة كإحساس باطني تجاه قضايا خارجية، وتجاه الحس المرهف والمفرط للذات، وتتمثل الرؤية الفجائعية خصوصيتها في الفتر الزمانية للحكي.

   فالروايات التي وقفنا عندها إلى حدود الآن طرحت قضايا في غاية الأهمية، وتتصل بموضوعات جوهرية ما تفتأ الذات العربية تنشغل بحلها والبحث فيها. كسؤال الهوية الذي طرحته رواية (الميراث)(


[1]) لسحر خليفة، ويرتبط هذا السؤال بالشرائح المزدادة خارج الوطن العربي أو من زواج مختلط. ويستدعي سؤال الهوية موضوعات من صلب الإشكالات المطروحة على الوجود العربي على مشارف الألفية الثالثة، وفي ظل التغييرات السياسية والفكرية العالمية واقتصاديات السوق الحرة، وأطروحة العولمة. في ظل هذه الإشكالات يصبح طرح السؤال جوهريا بل طريقة صياغة السؤال هي الأهم، خصوصا السؤال الأدبي. وقد حاولنا إبراز ذلك في الدراسة السابقة([2]).

   أما (يقين العطش)([3])فإنها تطرح سؤال الكينونة والوجود، في ظل الشروط السابقة أعلاه، وفي خضم تصاعد الصراعات العصبية وامتداد التيارات المناهضة للأقليات العرقية أو الدينية، وهو ما تطرقنا إليه في رواية (سلالم الشرق)([4]) لأمين معلوف. لكن إدوار الخراط فإنه يكتب روايته بصيغة جذابة وطافحة بالجمال الأدبي والإبداعي، ولا يسمح بوضع فاصل يحول بين الأدبي وطرح القضايا الجوهرية والكبرى، مرصعا ذلك بقصة حب لا ينضب معينها، وملتفتا بين حين وآخر إلى علم الآثار أو إلى العرض السيري ( السير ذاتي تاريخ العلاقة بين الأقباط والمسلمين).

2.1/ في رواية (سيدة المقام)([5]) للمبدع الجزائري واسيني الأعرج تتمثل الفاجعة خير تمثيل، لأن الرؤية التي تصدر عنها الرواية رؤية فجائعية بكل المقاييس، ولأن الموضوع المتحدث عنه مفجع ( موت مريم)، ولأن المعنى العميق للموضوع أشدّ فجائعية ( انكسار النفوس، واندحار البلاد واضطهاد الأدبي والثقافي)، ولأن الشخصيات المحورية ستعاني في ظل الصراع السياسي، وتطاحن المصالح الذاتية من أجل السيادة والسلطة، كونها شخصيات مثقفة ( أناطوليا التي ستُرحّل إلى بلادها بعد ربع قرن من العمل بالجزائر، زمريم راقصة الباليه، والراوي؛ إستاذ جامعي دكتور في الفن الكلاسيكي، والذي سيلقي بنفسه من أعلى الجسر منتحرا احتجاجا على حال البلاد وسوء مصير العباد، وانتهاك حرمة الحلم والإبداع وغربة المثقف والثقافة).

3.1/ تفتتح الرواية المكونة من أحد عشر فصلا بِ :"مكاشفة المكان". هذا الفصل الأول يقدم له بمدخل شامل من خمسة أسطر، يتوجه به الراوي إلى القراء مفسرا حالة انكسار المدينة ( الجزائر العاصمة مكان وقوع الأحداث) واضطرابها، وحالة الالتباس والاختلاط في النفس. يقول المفتتح:" شيء ما تكسر في هذه المدينة بعد أن سقط من علو شاهق.

   " لست أدري من كان يعبر الآخر: أنا أم الشارع في ليل هذا الجمعة الحزين. الأصوات التي تملأ الذاكرة والقلب صارت لا تعد، ولم أعد أملك الطاقة لمعرفتها. كل شيء اختلط مثل العجينة.

   " يجب أن تعرفوا أني منهك ومنتهك وحزين ومتوحد مثل الكآبة".ص(5).

   يتصل هذا المفتتح الاختزالي بلحظة الفاجعة. وفجائعيته صادرةٌ عن مكون الزمان، زمان القصة، لحظة الحادث التي تطول لتشمل يوم الجمعة الحزين، وهو ما يدل عليه العنوان الفرعي للرواية ( مرثيات اليوم الحزين )، يوم الجمعة 07 أكتوبر من خريف 1988م([6]). وتكثيف الزمان اتصل أبدا في الدراسات الأدبية بالتراجيديا أو المأساة. ولكن زمان الخطاب فإنه أوسع من ذلك بكثير، لأن الراوي سمح لنفسه بالعودة إلى طفولته وطفولة ( مريم )، وأبعد من ذلك زفاف أم مريم بِ ( لحسن )، وذهب به في كل اتجاه حتى انغلق الخطاب على فاجعة انتحار الراوي بإلقاء جسده من أعلى جسر "تيليملي".الواقع أن السارد كان قد وظف عددا من الحوافز الدالة على الانتحار: أول تلك الحوافز تنبيهه في المفتتح على حالة الهبوط النفسي ( La depression) التي يتكرر استرجاعها عددا من المرات خلال النص الروائي. ثانيا استرجاعه لذكرى انتحار الشاعرة " صفية كتو "([7]). ثالثا تركيزه على جسر "تيليملي" ( وهو جسر عال داخل العاصمة)([8]).

   هذه الحوافز الثلاثة تتصل بأجزاء الحكاية. فالهبوط النفسي جاء نتيجة موت مريم. والجسر كان رمزا وإشارة لمكان نهاية الخطاب وانغلاقه، ومكان نهاية الحكايات المروية داخل النص عامة. أما الشاعرة المنتحرة فهي حافز ودافع الشخصية/ السارد إلى اقتفاء الأثر والتمثل بفعلها الانتحاري.

   4.1/ يقول النص:" أريد أن أتحرر من هذه الذاكرة المثقلة يالحنين والأوجاع". ص: (12). 

   تعتبر رواية ( سيدة المقام ) رواية الذاكرة ورواية الاسترجاع. فالقصة لا تتجاوز لحظة زمانية تصل بين مستشفى ( مصطفى باشا )، وهو " مستشفى عام بالجزائر العاصمة"([9]) ، وبين جسر " تيليملي". إلا أن تقنيات كتابة الرواية فرضت على الكاتب الالتجاء إلى توسيعات في القصة من خلال توسيع الخطاب. أي ترتيب الأحداث التي تنهال على الذاكرة، أحداث من الماضي وأخرى معيشة في الحاضر، وإشارات إلى انغلاق الآفاق المستقبلية.

   في النص المجتزإ أعلاه يتأكد ذلك، فالراوي/الشخصية الروائية يحاول التخلص من ثقل الذاكرة. والذاكرة متصلة أبدا بالحنين، والحنين يستدعي الذكريات. في هذه الرواية تتأرجح ذاكرة الراوي والشخصية الروائية بين الأحلام الوردية والكوابيس، وبين الحياة والموت، وبين الحب والعنف القاهر، وبين الكوابيس والحقيقة التي تفوق الكوابيس رعبا ورهبة. يقول النص: " إنه الكابوس الذي صار أقل من الحقيقة التي نحياها"([10]). فما الحقيقة التي تحياها الشخصيات وتحفل بها الرواية ؟

   إن الذاكرة في الرواية ليست مرتبطة فقط بالحنين إلى الهالكة ( مريم ) رمز الحياة والعنفوان والحلم والحرية، رمز الجزائر العاصمة قَبل استنزافها من قِبل من ينعتهم الكاتب في الرواية بِ ( بني كلبون )   و ( حراس النوايا )إشارة منه إلى الجماعات المتصارعة والمتعاقبة على الحكم غافلة عن الفئات الصغيرة من أبناء الشعب الجزائري، كما تستهدف هذه الجماعات السياسية المتسلطة الثقافة والمثقف: كبش الفداء. إن الذاكرة في الرواية مرتبطة أيضا بالحنين إلى الوطن، ذلك الذي ضحى من أجله العديد من الجزائريين حتى أصبحت الجزائر تعرف ببلاد ( المليون شهيد )، وما يفتأ الراوي يذكِّر بذلك في ثنايا الرواية ويعلن عن اكتشاف رفاتهم حتى الوقت الحاضر، ويُصعِّدُ الراوي من ذلك الحس المفجع عند تذكر والده الذي مات عند السدرة واقفا من أجل الجزائر. يقول النص، في دفق من الاستذكار:" ينتابني أحيانا الإحساس بالبكاء على أبي الذي وجد معلقا على سدرة شوك في البلدة بعد أن ثقبته رصاصات عديدة في الرأس والصدر. قيل عنه إنه مات واقفا بجرأة؛ قيل إنه قاوم الرصاصات الأولى التي ثقبت بطنه، في الأخير مد يديه إلى رأسه بقوة ثم تهاوى على السدرة، عاش ما كسب، مات ما خلى. لم يتحصل على شهادة الاستشهاد إلاَّ عندما اندثرت عظامه، بعد عشرين سنة، بمناسبة إعادة الاعتبار للشهداء. أمي في ذلك الزمن البعيد قالت: مد دمه للبلاد. خيرنا لله وليس للعباد"([11]).

   لكن هل التخلص من الذاكرة وثقلها يأتي باسترجاعها أم بنسيانها ؟ إن الجواب على هذا السؤال تفصح عنه الرواية بالفعل الختامي، أي انتحار الأستاذ، بمعنى أن الذاكرة لا يمكن التخلص منها سواء بالاسترجاع والحكي عن الماضي المؤلم، ولا يمكن التخلص منها بالنسيان. لأن الذاكرة تاريخ الشخص، كما هي تاريخ الأمم وتاريخ المكان. وما يقوم به الكاتب هنا هو نوع من التأريخ، أدبيا لمرحلة صعبة من مراحل تطور الجزائر. فلو كان الراوي قادرا على السلوان لما انتحر، ولكان اختار طريقا أخرى أقل فجائعية وأكثر عجائبية؛ كالإصرار على مواصلة الحياة ومواصلة الكتابة بدلا من تدمير المخطوطة ( مخطوطة الرواية التي بين أيدينا، نوع من استحضار الخارج وتوظيفه كمادة للحكاية مما يدل على وعي الكاتب وحضوره في بناء النص جماليا ) ، يقول:" حملت الرواية بين يدي. ورّقتها بصعوبة. فصولها تكاد تنتهي. أحد عشر فصلا. لم يعد للكتابة معنى في غيابك. بدأت أبعثرها فصلا فصلا حتى يكون وقع الألم محتملا "([12])

   5.1/ لكي تكون الفاجعة أقوى، وحتى يكون وقع الألم محتملا دفع الراوي/الكاتب مسار الأفعال نحو الرقعة المظلمة الضيقة :

                   ·                   موت مريم في عنفوانها رغم حبها الكبير للحياة والرقص.

                   ·                   ترحيل أناطوليا إلى بلادها عنوة.

                   ·                   انتحار الراوي/الشخصية الروائية.

                   ·                   التخلص من إثباتات الهوية: بطاقة التعريف الوطنية، وجواز السفر.

                   ·                   التخلص من الكتابة كهوية ثقافية بتدمير الرواية.

                   ·                   إغلاق قاعات العرض، والمعاهد، والجامعات والأندية، والمسارح... أي موت البلاد ثقافيا.

                   ·                   سقوط الشخصيات في الجنون والموت والخطل... إلخ.

   إن استرجاع الأشياء الجميلة يحتم حضور الأشياء الطارئة القبيحة، لذلك نجد الرواية تصر على الجمع بين النقيضين حتى يكون وقع الألم أعمق وأكبر، وتصر على التحول بالأشياء من الأحسن إلى الأسوأ. ولكي يكون الوقع أشد، يصور الكاتب كيف تم اغتصاب البلاد، وكيف هضمت حقوق الشهداء الذين ضحوا بكل غال وبالنفس من أجل استقلال البلاد. كما يصور اضطهاد الكتاب والفنانين واقتناصهم وسحب البساط من تحت أرجلهم ودفعهم إلى الرحيل دفعا، سواء من خلال إغلاق الجامعات أو إغلاق المراقص والأندية والمسارح زكل معالم الحياة الثقافية.

   6.1/ يقول النص:" نفضت رأسي من الذاكرة المتعبة ".ص: (31). لكنه لم يفعل على امتداد الفصول العشرة الأخرى سوى الاسترجاع وحث الذاكرة على التذكر كي لا تنسى ما حدث. إن فكرة التخلص من الذاكرة المثقلة والمتعبة في آن لا يمكن أن يكون إلاّ بالتذكر أكثر فأكثر عبر الحكي. وقد جاء الاسترجاع في الرواية بصور متعددة :

      ·      رواية الأستاذ عن تلميذته وحبيبته مريم في حكي متدفق ملتاع، وفي حكي يقترب أحيانا كثيرة من المناجاة والتضرع، مصعدا من صورة مريم لتصبح رمزا معادلا للوطن/الجزائر أو معادلا للعاصمة الجزائر. يقول النص في بداية الحكي:" كانت مريم وردة هذه المدينة وحلمها، وتفاحة الأنبياء المسروقة في لحظة غفلة، رعشة المعشوق وهو يكتشف فجأة خطوط جسد معشوقته...". ص: (5). يضيف:" آه مريم.. أيتها الأبجدية الغائبة، الرقصةُ المستعصية والأغنية التي تسد الحلق([13]).

      ·      رواية مريم عن نفسها، وعن ماضيها من خلال الرواية عن أمها وأبيها، وعلاقة أمها بالعباس (العم والوالد بالتبني في آن). والإفصاح عن هواجسها وأحلامها وآمالها. تقول مثلا:" ... لم أجرؤ أبدا على رؤية وجهي في المرآة. وعندما تشجعت ورأيته كان منكدرا مثل البطاطا. تحسست جسدي. رأيت بقع الدم واللزوجة اليابسة تلتصق بفخذي. أغلقت باب الحمام وبكيتُ بصمت، طويلا وبدون دموع..."([14]) تضيف:" وحياتك، أشعر أحيانا أن أناطوليا أعطتني من الحب، أكثر مما أعطتني أمي. أشياء كثيرة تحت عيني فيها معها وبحضورها، طفلة ريفية، مغمضة العينين كنت"([15]). (يعطي النص إمكانية التأويل وربط الأم بالجزائر وأناطوليا بالنظام الاشتراكي السوفياتي).

      ·      رواية مريم عن الأستاذ. وتأتي في صورة رواية مسترجعة من الذاكرة، يسترجعها الراوي في صيغة (الحوار) الحر المتداعي فيما لي:" قلتِ: ما يعجبني فيك هو شيء حار ينام في الأعماق، لايخرج من قلبك إلاّ بصعوبة، في عالم محنَّط وملفوف داخل مشنقة متنقلة اسمها ربطة العنق. ربطة العنق أسوأ وأبلد ما أنتجته الحضارة [...] أعرفك.. ذلك البوهيمي المنكوب في كل شيء إلاّ في داخله الذي يصرّ دائما أنه ملكه وأنه ليس مجبرا على الإفصاح عنه بسهولة لهذه المدينة التي يمكن أن تخون في أيةِ لحظةٍ"([16]).

      ·      رواية الأستاذ عن نفسه في الفصل الأخير حين الوقوف عند حالة الهبوط النفسي والانقياد نحو الجسر للانتحار بعد التخلص من الهوية والانتماء لهذا العالم المتغيِّر. وعند استرجاع لحظات الطفولة، المرحلة التي كان فيها الحضور قوياًّ للوالد الشهيد. يقول النص:" هاه! أيها الرجل الصغير ؟! لقد نسيتَ نفسك. تفتح الآن فمك عن آخر. تعيدك الدهشة إلى الطفولة. مشدوها كنت أمام رقصات نساء القرية. تركب حصانك الخشبي. قصبتك الهوائية. عود بالخضر. وعند الحاجة تحولها إلى عصا للرقص"([17]).

                   ·                   استرجاع قصة الأم (أم مريم) على لسان مريم في فصل ( حنين الطفولة )([18]).

   إن أساليب الحكي التي وظفها الكاتب عديدة إلاّ أن أغلبها يمتاح من الذاكرة في محاولة للتخفيف من ضغطها واستجابة للحنين العاطفي الجارف تجاه الأشياء الحبيبة إلى النفس، واستجابة للنوسطالجيا، الحنين إلى الوطن والمدينة في حال تضاعف وتكاثف حس الراوي بالغربة. والمثقف غريب غربة صالح في أهله، إبان استفحال الصراعات السياسية من أجل السلطة، وإبّان استفحال الصراعات الفكرية والعقائدية.

   إن ما يقوم به الراوي هنا ليس إلاَّ حفراً في الذاكرة وتأكيدا على حضورها القويِّ، لأنها الوجه الآخر للتاريخ؛ التاريخ المنسي غير المدون.

2- محنة الثقافة والمثقف:

   1.2/ لحظة الفراغ الوجودي:

   تتبدى الفاجعة في لحظة الفراغ التي تهوي فيها الذات وتحس بوجودها الأعزل، وتشعر بأنها عاريةً تماما من كل حماية أو سند يقوي كيانها ويقيها من التلاشي. في ( سيدة المقام ) لحظة الفراغ الوجودي تستغرق الرواية، ومادامت ( سيدة المقام ) رواية فجائعية فإن موضوعها تمحور حول الفراغ المفزع والبياض الهائل، بياض الموت؛ البياض الذي يسبق الموت حيث تتلاشى الوجودات وتضيع الأشكال والصور، ويصبح للكائنات وللكيانات لون واحد، لون اللالون، البياض الهائل الذي يتحول فجأة إلى ظلام سائد وشديد الحلكة.

   يعبِّر عن هذه اللحظة من البياض مشهد احتضار (مريم) في مستشفى (مصطفى باشا)، يقول النص:" كنت أشعر بحرارة أنفاسها وهي تتقطع بهدوء وتتباعد شيئا فشيئا، ثم من جديد تضيق بينها المسافات، بشكل غير طبيعي، أظن أن المسألة لا تعدو أن تكون إغفاءة لم أكن مستعدا لتضييعها عليها. الموسيقى تتقطع. الأشعة التي كانت تملأ عينيها، بدأت تتكسر بعنف، عندما فتحت عيني باتجاه المدينة، كانت العصافير تنسحب من أزقتها، وشوارعها، وبحرها. شعرت بها تحاول أن تفتح عينيها بصعوبة كبيرة. حاولت أن أتشجع أكثر على مواصلة القراءة، بهدوء وبدون توقف، مع انحدارات الموسيقى في أعماق الأعماق. بحثت عنها مرة أخرى داخل هذا الوله المخيف، بدأت عيناها المفتوحتان تتعمقان، والبياض يزداد نصاعة بعد حالة الذبول. كانتا تصران على المواصلة"([19]).

   إن هذه الفقرة المجتزأة، على طولها، تمثل الفاجعة، والتدرج نحو المناطق الأكثر نصاعة، تلك التي ينعدم فيها التمايز ويسودها التماثل المطلق وتعود الألوان إلى أصولها؛ البياض الناصع لوهَّاج الحارق القارس، والسواد السيد، حيث الألوان تفقد خصوصياتها إنه الموت في تجلياته القصوى. نهاية الوجودات المتألمة، الموجودات الثقافية الجميلة؛ الرقص والكتابة والموسيقى، والموجودات الطبيعية الجميلة؛ أشعة الشمس، والعصافير والبحر وحبات المطر البلورية، تلك التي تعمق الإحساس بالفاجعة وتدفع إلى عيش المأساة في عمقها. يقول النص:" كان المطر قد بدأ يخف. هوذا المطر الذي أحبه وصارت تحته مريم. إنه يعمق الإحساس بالفاجعة ويدفع إلى عيش المأساة في عمقها"([20]).

   أما لحظة الفراغ واتساع الهوة وسقوط الذات في حالة من الذهول والعراء والعزلة فيمثلها (الأستاذ) الشخصية المحورية الثانية إلى جانب (مريم) راقصة الباليه. وتتمثل بوضوح في الإحساس الفظيع بالهبوط النفسي، وبفقدان القيمة الحقيقية في الوجود، وشعوره العميق بأنه عضو فائض عن الحاجة، عضو معطل عن العمل والفعل، يشعر بذلك عندما يُلقى به المزبلة مع النفايات. يقول النص:" رموك هناك في سيارة زبالة تابعة للبلدية؛ وراحوا.

   " وظل يحكي لي كيف سحبني من كومة الزبالة التي رموني فيها () قال: رأيتهم عندما جاءوا بك. كانوا مسعورين كالكلاب الضالة"([21]).

   إن الحالة التي وصل إليها أستاذ تاريخ الفن الكلاسيكي تعلن عن الفجائعية، وعن الشعور القوي باللاّجدوى، وتعلن أن الفن عموما، وبمختلف تشعباته لم يعد له مكان يقف عليه؛ إنه فائض عن الحاجة، وحادث الإهانة هذا سيُعمِّق لدى الشخصية الروائية الإحساس بالعزلة والغربة. أي سيعمق الإحساس بالحاجة إلى الحماية، بمعنى آخر أن الهوة ستتسع في الذات لتسقط سقوطا هائلا تتكسر فيه كل الأشياء الجميلة، تلك الألوان الزاهية المختلفة المتعددة، ويحل محلها البياض الصاقع.

   إن ما أطلقنا عليه لحظة الفراغ الوجودي والبياض، هما قطبا الرؤية الفجائعية في (سيدة المقام)، ولحظة الفراغ والبياض تقع بين الوجود الفعلي في الحياة والمجتمع وبين الموت كمنطقة شديدة السواد والعتمة تضيع فيها كل الألوان ( الاختلافات اللونية، والفكرية، والسياسية... إلخ) وتفقد الموجودات حقيقتها التي هي الاختلاف والتغاير والتمايز.

   2.2/الفاجعة الروائية:

   لحظات الفراغ والبياض تستحوذ على فضاءات الروايات التي تطرقنا إليها([22]). ففي (هلوسات الترشيش)([23]) يطلع السؤال عن المصير من قلب الهوة متسائلا عن الإرث، وعن الآفاق، ويخلص إلى التيه والضياع في الصحراء الممتدة. وفي (يقين العطش)([24]) ينبجس سؤال الكينونة من بين الأنقاض، كاكتشافٍ جديد في عالم الحفريات المصرية، ومن بين علاقات الماضي بين الأقباط المسيحيين والمسلمين وعلاقات الحاضر، يظهر كسؤال مفزع رهيب. في رواية (سحر خليفة) (الميراث)([25])يستفيق سؤال الهوية كالفينيق المنبعث من رماده، هائلا مخيفا تشعر فيه الذات بالخلخلة    سؤال الهوية ويضطرب اليقين بين مرحلة النفي والغربة وبين مرحلة تأسيس الدولة والكيان المستقل. أما في رواية (سلالم الشرق)([26])فالهوة المفزعة ولحظة البياض تتمثل في الفترة التي قضتها الشخصية المحورية في المعزل/المصحة العقلية. والفاجعة/الهوة ناتجة عن لحظة البطولة ( احتفاء الأب بابنه البطل) وعن اللحظة المناقضة؛ لحظة استلاب الحق في الإرث، والحق في الحياة الطبيعية عند استيلاء الأخ الأصغر على الحقوق العائلية واغتصابها وهكذا.

   فالرؤية الفجائعية تتجسد بعمق في ما أسميناه لحظة الفراغ الوجودي والبياض (لحظة الاحتضار). والحاجة الملحة إلى الحماية، لأن الذات تكتشف فجأة عراءها وعزلتها في عالم المتناقضات.

   3.2/ غربة المثقف:

   يقول النص:" كتاباتي،، هل هناك شيء أهم من الكتابة، من تحويل الكلمات الضائعة، الحافة إلى كائنات حية ؟ ولكن في بلادنا مسكين الكاتب. يصرخ في وادٍ خالٍ "([27]).

   إن الكتابة ملاذ تحتمي فيه الذات من عفونة الواقع وتردي مستوى الحياة، وقصور الوعي عن الذهاب بعيدا في أعماق الموجودات وسبر أغوار المجهول الإنساني والطبيعي، والرقي يالإنسان في سلم الحياة الإنسانية والابتعاد به عن المناطق الضحلة التي يتساوى فيها والحيوانات التي تحيا سعيدة بغرائزها المجبولة والمفطورة عليها دونما حاجة إلى ثقافة نهذب الحس وترهف المشاعر وتساعد الإنسان على فهم دوره في الحياة فهما إيجابيا وبناء.

   والكتابة ليست ملاذا تحتمي فيه الذات فحسب، بل هي مستوى من الإدراك الإنساني وموقف من الأشياء والوجودات المتعددة والمختلفة عبر التاريخ. والكتابة رتبة حضارية. الكتابة؛ مستوى ودرجة الإتقان في الكتابة كصنعة عنوان على ما وصلته الأمة من تقدم وازدهار. لكن الكتابة لا تصبح ملاذا ومظلة للاحتماء إلاَّ لحظة ارتعاب الذات وخوفها من وجودها الذي يصير مهدداً وملاحقاً بالنفي والإقصاء. إنه اللحظة التي تتخلخل فيها القيم الحضارية وتضطرب التصورات الثقافية إلى درجة التناحر والإبادة؛ لحظة رفض الرأي الآخر المخالف. في هذه اللحظة المحتدمة تصبح الكتابة ملاذا، وتصبح الكتابة لحظةَ تمثل الذاتِ لذاتها في أقصى العزلة ومن ثمة البوح الشجي المؤلم المفجع، لأن الحوار داخليٌّ، وأن الكلمات صدى بعضها في الهوة السحيقة. يقول النص:" المشاكل اليومية لم تساعدني على إتمام هذا النص. هموم مريم. متلعب أناطوليا. خيبتي مع هذه المدينة التي بدأت تنفصل عنا بقوة وعنف كبيرين. أنتظر اللحظة المفجرة، الكتابة، لأهرب داخل عنفوان الكلمات والأشياء التي تحافظ على ألقها حتى النفس الأخير"([28]).

تأخذ الكتابة هنا معنى الملاذ لأن الذات تشعر بالخطر، وتحس أنها محاصرة ومرفوضة، ومع ذلك تقاوم التحلل والتفسخ من خلال الممارسة والإصرار على البقاء بالتدوين والتقييد وبتهريب الواقع الخارجي والأشياء الجميلة الحبيبة إلى النفس إلى رحاب الكلمات. إن الوجود المادي يتحول هنا إلى وجودات لغوية ومتخيلة خوفا عليها من الضياع، خوفا عليها من التشويه والتحريف. إن الذات المفجوعة تحيط ذاتها بأشيائها الجميلة، كما كان الفراعنة يفعلون قديما. يموتون ويدفنون معهم أشياءهم الخاصة أملا في حياة ثانية. هذه هي الكتابة، تُهرِّبُ أشياءها الجميلة (ذكرياتها) إلى الكلمات الرحيمة الخالدة أملا في حياة وبعث جديدين.

   لكن إلى متى " وكل شيء يقودني يقول النص إلى الفاجعة "([29]). وكل شيء جميل تتهدده الرداءة والعفونة، يقول النص:" إننا نموت بشكل متجزئ، يموت الفرح. تموت الذاكرة. تنحني الأشواق. تدخل في الرتابة، ثم ننسحب. نشيخ بسرعة وبشكل مذهل. شيء ما يتآكل يوميا في داخلنا"([30]). أمام هذه الكارثة والقيامة العظمى تفقد الكتابة جدواها وتنطفئ جذوتها ويخبو ألقها، وفي انتظار فجر جديد يتخلص (الكاتب) المنهزم من الداخل، من هويته (البطاقة الوطنية، وجواز السفر، وفصول الرواية)، ويتخلص من ثقل الجسد الذي يجبره على البقاء في عالم يرفضه؛ ويقذفه كحجر من أعلى جسر تيليملي. إنها محنة الثقافة وعزلة المثقف ومعاناة كل الفنون الجميلة في زمن قياميِّ تتصارع فيه القيم من أجل السلطة، فينتفي كل ما هو إنساني وكل ما هو اجتماعي، وكل ما هو فكري ليسود عرس الدم في هيجان عصابيِّ لا ينقي ولا يدر.

   3- مظاهر الرؤية الفجائعية:

   1.3/ المنفى الاختياري، الذات المتوحدة:

   في (سيدة المقام) سيل جارف نحو الداخل كاختيار، كمنفى تتوحد فيه الذات لتمارس اختياراتها، لتحيا طقوسها الشديدة الخصوصية.

   إن الذات المتحدَّثِ عنها تختلف عن الذوات الأخر، تلك المحكومة بشروط الوجود اليومي والعادي، شروط قهرية غير اختيارية، شروط الوجود الفرض الحتمي والقصري؛ شروط خارجيةٌ. من هنا يتولد الاحساس بالفاجعة، عند تصادم ذات حرة بذات غير حرة. والذات الحرة كما تصفها الرواية؛ ذات بربرية، غجرية تخترق الحدود والفواصل. والذات غير الحرة هي التي لا تأتي أفعالها طواعية وعفو الخاطر بل تنفذ ما يطلب منها فعله. إذن ففعلها خارج ذاتها، خارج اختيارها.

   تتمثل الذات الحرة في شخصية (مريم) راقصة الباليه التي ما تفتأ (أناطوليا) تذكرها " بضرورة تعميق وجدانها الداخلي بالثقافي"، وتلح عليها:" أنتِ لستِ إنسانا عاديا"([31]). كما تمثِّل ذات (الأستاذ) نموذجا آخر من الذوات الحرة التي تحب التوحد وتشعر بالحرج والضيق والضجر وسط الجماعة، شخصية ترفض الجائزة التي منحت لها، وتعيش في بيت صغير في العاصمة (الجزائر)، وترفض الفرص المعروضة عليها من أجل الرقي في السلم الاجتماعي لأنها شخصية فنان، ورفضه ذلك ليس إلاَّ صورة على عبثية تحياها الشخصية، وتمسكها بالعيش وسط البسطاء ليس انتماء أو إلتزاماً سياسيا بل هو فقط مغايرة واختلاف، ورفض لحياة الأضواء والصخب. تقول مريم:" حكت لي عنك أناطوليا. تودك كثيرا، وتثق في ذوقك. بوهيمي ذوقه صاف، تقولها دائما"([32]). ويقول عن نفسه:" كنتُ بوهيميا، يتعشَّق الموسيقى، والمطر والألبسة الصوفية الخشنة، والكتابة في لحظات العنفوان، بدون السقوط في وهم التحول إلى أديب عظيم.رجل بسيط، يملك حساسية كبيرة تجاه الأشياء التي تنبض بالعنفوان والحياة. الشهرة أساسا ليست إلاّ إرضاءً للأنا الصغيرة المملوءة بالمكبوتات"([33]).

   2.3/ الحكي الحميم:

   إنَّ الحكي الحميم يلون المشاهد الخارجية بلون الذات، ويصهرها في حركة تدفق جارفة، فتصبح الأشياء فاقدة كل خصوصية، وتفقد الأشياء مسافاتها الفاصلة الخاصة لتدوب في الأشياء الأخرى المماثلة والمخالفة. إن الحميمية هنا تعلي من صوت الفرادة، صوت الذات التي تتبنى العالم الخارجي. تذوته، تفقده كل الملامح الظاهرة المحددة، تلك المظاهر العرضية الحسية. فيصبح الخارج صدى للمشاعر الدفينة. نوع من الإعلاء، نوع من تصعيد الحالة إلى أقصى ما يمكن وصوله، إلى الشفافية الجارحة، إلى الانمحاء والذوبان، إلى التلاشي. هذا ما يفعله الكاتب الراوي، يقول النص:" هل تشعر بي ؟! لقد صرتُ شفافة!!!! تشعر بنفسها قد صارت شفافة حقيقة مثل خرقة زفاف العاشقة. ترفع رأسها بكبرياء باتجاه صفاء تتخيله في نقطة ما، مجللة بالبياض. تصعد في اتساعات الفضاء. هل صرت شفافة ؟! لا بدَّ أن أكون قد صرت كذلك"([34]).

   إن الحكي الحميم يضيع المسافات الفاصلة بين الكاتب والمكتوب. ويكسر الحدود الموضوعية بين الراوي والشخصية المروي عنها. في الحكي الحميم تتداخل الذوات المتعددة وتذوب في ذات واحدة. في الحكي الحميم التباس المشاعر. وهو تعبير عن الفاجعة حيث تتوحد الذوات في بوثقة واحدة، كورس متناغم منسجم. يتجاور الواقعي واللاَّواقعي، ويجاور الحلم الحقيقة، وتجاور الكتابة الشفاهة، والعقل اللاَّعقل إن العالم الحميم تصعيد وإعلاء وسمو بالعالم الخارجي وتحويل اللحظات العامة إلى لحظات خاصة، شديدة الخصوصية. إنه التلاشي والذوبان في اللاَّمحدود، يقول النص:" كنتُ أتأمل جسدها من وراء الكأس والانكسارات الضوئية كانت عبارة عن شكل هلامي من النور المتعدد الاستطالات والألوان"([35]).

   تتمظهر الحميمية في الحكي من خلال التركيز على الذات كبؤرة وكمصهر تتجمع فيهما الأفعال والأزمنة والأحداث الخارجية والمقروء لينصهر الجميع ويفقد كل خصوصياته ويذوب في الكل. إن الذات بهذا المعنى مرتكز وقطب الرحى كما يقال. تتلون الأشياء فيها بلون واحد، إنه لون الفاجعة. فالذات المكلومة تُعليِ من قيمة الأشياء البسيطة وتصعدها في نشيد ملحميٍّ وجنائزيٍّ. قيامة الأشياء، انفصالها عن حقائقها وتجردها. لذلك تبدو الذات في (سيدة المقام) حزينة، لا ضير فإنها تشهد التقهقر والانكسار، وانحسار الضوء وسيادة الظلام والظلم. ومادامت الذات المؤطرة في النص ذاتا مثقفة، ومادامت الثقافة مستهدفةً فإن الفاجعة والألم يسودان ويسوِّدان الفضاء.

   من تجليات الحميمية غياب المسافة الفاصلة بين الكاتب والمكتوب، واندماج الراوي والشخصية المروي عنها، وغياب الفواصل والحدود بين الحقيقي والخيالي، وبين العجائبي والواقعي، وبين المخزون الثقافي (الأدب، والموسيقى، والتشكيل، والرقص...إلخ ) والأفعال المروية (المحكي)، عن هذا التداخل والتمازج نورد من الفصل السابع (الجنون العظيم) ما يلي:" ...لا يعرف سحر الجنون إلاَّ من جربه. رأسي كان قد بدأ في الغليان. كل المشاهد كانت تغلي وتضيع أمكنتها، لتعود لها بعد بحث هادئ ورزين، أو يحاول أن يكون رزينا. وينك يا عود أبا لخضر ؟ قصبة فقط تنزع من الوديان ثم توضع بين الرجلين"([36]). ويطول النص، لكن الذي نورده هنا هو غياب المسافة الفاصلة بين الحكي عن (مريم) والحكي عن (الذات) الراوي الذي يتحول دون إرادة منه إلى شخصية روائية. إنه حكي عن الذات، تمثلها خارج الذات، تمثلها كخارج ذاتي. وهو نموذج مجتزأ لإبراز تداخلات من نوع آخر كتداخل شهرزاد بحياة مريم، وتداخل الرقص بالموت.

   يتجلى اعتماد الذات كمصهر في شخصية مريم وهي تقدم شهرزاد أمام الأستاذ وأناطوليا، كالدراويش يدورون في حركة رتيبة مفرغة من أية دلالة، حركة مكرورة، أفرغها التكرار من كل معنىً. لكن هذا الفراغ هو الذي تختاره الذات لتقف فيه معزولة متفردة ومتوحدة مع العناصر. وقتها فقط يمكن للجسد أن يتلاشى بكل ثقله، وأن يتلاشى العالم بضجيجه، وأن يصبح الماضي حاضرا قويَّ الفعل، ويمكن من خلال تلك المنطقة المعزولة الخالية من المعنى اللاَّممغنطة أن يتوحد الإنسان بالذات العليا خارج حدود الزمان والمكان، لحظة مطلقة. هكذا تبدو مريم من خلال الوصف المسرود الذي يقوم به الراوي (الأستاذ) المشاهد إلى جانب (أناطوليا). هكذا تبدو مريم لحظة معلقة بين الأزمنة المختلفة يتوحد فيها الحاضر بالماضي وبالمستقبل، معلقةً بين عوالم متناقضة، عالم الفرح والانتشاء وعالم الألم الذي يتحول إلى فرح خاص وخالص. في هذه الرقصة الرائعة البهاء تستحضر مريم آلامها؛ آلام الاغتصاب والقهر، يتحول الرقص إلى ترنح، ويتحول إلى موت. إنها ترقص رقصة موتها الأخيرة. يقول الراوي:" هي لا ترقص،

                                هي لا تبكي..

                                هي تموت..."([37]).

   يتحول الرقص كفعل إبداعي إلى الألم كتوجع ودوار ثم يتحول إلى (موت)؛ احتضار، حالة بين الوجود والعدم.

   هذه الذات الحميمة تؤثر على الحكي فيصبح أكثر تدفقا وانجرافاً تماما كالسيل الجارف يحمل في طريقه كل ما يصادفه. كما أنها تؤثر على الوصف، فالوصف في هذا المشهد مسرودٌ متدفق، نقل للحركة في سيرورتها وجريانها. وصفٌ متداخلٌ لا يركز على شيء إلاَّ لفترة بسيطة ثم ينجرف جهة الاستبطان. إنه يصف الظاهر والباطن في حركيتهما دون حصر أو حياد. الراوي في هذا الوصف أشد انفعالاً، ومندمج كليا في اللحظة المشهدية، لحظة موت مريم على خشبة المسرح.

   3.3/ أثر الفاجعة على الفضاء الروائي واللغة:

   لقد أملت الرؤية الفجائعية على النص الروائ روحها وبثتها فيه لتسود جل المكونات وأولها الفضاء.

   إن الفضاء الروائي يتسع لكل مكونات النص بما في ذلك الفكرة الشعرية؛ أي تلك التي يتمحور حولها النص الروائي، ويريد إبلاغها وتوصيلها إلى القارئ، كتعرية المخبوء وكشف المعمّى، وانتقاد حالات الضياع والتردي والبؤس الاجتماعي والإفلاس الاقتصادي والتورم السياسي، والانحلال الخُلقي واهتراء الأفكار والرؤى. لذلك فالفضاء الروائي في (سيدة المقام) فضاء فجائعيٌّ. والفاجعة هنا بمعنى الشعور بالمأساة، الشعور بالأسى تجاه شيء عزيز، والشيء العزيز في الرواية ليس إلاّ الوطن الذي تناهبته الرغبات والشهوات في التملك والتسلط والاحتواء.وكل تسلط حصر للحرية ولآفاقها، وكل حصر للحريات يعني الموت. لذلك تتكرر في الرواية لفظة الموت والقتل والاستشهاد والانتحار والذبول والفناء وهي مرادفات للموت؛ ذلك الموت البطيء.

   من آثار الفاجعة على اللغة وأسلوب الرواية استعمال الكاتب على لسان الشخصيات الرئيسية ألفاظ التوجع والتضجر وأسلوب النداء سواء أكان نداء الميت (صورة من صور الندبة) أو نداء الحي.

   وقد أحصينا في الرواية اسم فعل التضجر (أفٍ) فبلغ تكراره أربعين مرة متبوعا بعلامات التعجب، وجملة تدل على التذمر واللاَّجدوى، مثل:

                   ·                   "أوف، العمر يمضي".ص (21).

                   ·                   "أوف!!لا شيء يستحق الذكر".ص (19).

                   ·                   "أوف...مجنونة...".ص (23).

                   ·                   "أوف. قلة حياء!! ".ص (29).

                   ·                   "أوف. وهل هناك شيء...".ص (45).

                   ·                   "أوف. هذه المقطوعة تحتاج إلى جنون...".ص (73)... وهكذا.

   كما أحصينا في الرواية اسم فعل التوجع والتشكي (آه) فبلغ تكراره ست عشرة مرة متبوعا بالنداء وعلامات التعجب (صورة التعجب على النداء)، مثل:

                   ·                   "آه مريم... ".ص (8).

                   ·                   "آه يا ابن أمي!! ".ص (9).

                   ·                   "آه لولا هذه الرصاصة الملعونة! ".ص (21).

                   ·                   "آه يا سيدي الإمام دعوتك... ".ص (29).

                   ·                   "آه يا مريم ".ص (134).

                   ·                   "آه!! ما أحزنكم أيها الغرباء...".ص (157) وهكذا.

   إن اللغة في روايات الفاجعة تكون حميمية، وتكون حامية مليئة بالتأوهات والتأسف على حالات وأوضاع فاتت أو حالات وأوضاع مقبلة. واللغة والأساليب اللغوية والتراكيب النحوية بذلك جزء هام في استجلاء الرؤية الفجائعية لذلك نجد أسلوب النداء والتعجب والاستفهام ونقط الحذف توظف بشكل ملفت للنظر. ويثبت ذلك مرة أخرى أن اللغة ركن رئيسي في التعبير عن الأفكار، ومكون من مكونات الخطاب الروائي.

   4.3/ أنواع السرد الروائي:

   في (سيدة المقام) يتلون السرد بالرؤية الفجائعية فيتخذ مظاهر متعددة، من تلك المظاهر:

                   ·                   السرد المتدفق.

                   ·                   الوصف المسرود.

                   ·                   التداخل أو التداعي.

 

   السرد المتدفق:للسرد المتدفق مظاهر جزئية خاصة وموضوعات ملازمة، ومن تلك المظاهر الجزئية توظيف الكاتب لأسلوب النداء، والتوجع، والتأفف، وهذه لا تخطئها عين القارئ النبيهة. والسرد المتدفق لا يقف للوصف ولا للحوار (الخارجي) الفعلي، بل يسترسل في حالة من الجيشان الداخلي الملتاع، وهيجان باطنيٍّ يلغي كل الفواصل التي تشترطها الكتابة كالترقيم والفقرات... إلخ. ومن موضوعاته الولازمة وهي شديدة الاتصال بالأساليب اللغوية والتراكيب النحوية السابقة موضوعة الحب، ذلك الحب المفقود والمسترجع بكثير من الألم والحرقة، كإحساس مفتقد ومهيجٍ للمشاعر..

   الوصف المسرود:يعتبر الوصف مكونا هاما من مكونات الرواية والكتابة السردية عموما، لأنه يعوض الديكور في المسرحية، ولأن السرد لغويٌّ بالدرجة الأولى. فاللغة أداة هامة وقناة موصلة وموضوع للسرد أيضا.

   وميزة الوصف التدفق والسكون خاصة في الكتابات (الواقعية) التي تقف كثيرا عند جزئيات المكان والشخصيات... إلخ. ومعنى الوقفة هنا التركيز الدقيق على حدث أو شيء بذاته، وخلوّ السرد من الزمان والاسترسالوالتدفق.. ونمثل لهذا الوصف المسرود في رواية (سيدة المقام) بوصف السارد  (الأستاذ) لرقصة مريم أثناء أدائها لرقصة باليه شهرزاد، حيث يتتبع وبالتدقيق حركات الراقصة وتساقطات الأضواء على جسدها، وانثناءات وانحناءات الجسد، وحركات الثوب وتموجات خصلات الشعر، والانفعالات الداخلية لمريم عند اندماجها الكلي واستغراقها لماضيها وذكرياتها المؤلمة المخزَّنة. حالة التوحد حيث تصبح الذات بؤرة مصهراً لكل اللواعج وكل الحيوات والأزمنة المختلفة والمتعددة. إنه وصف مسرود لا يتوقف زمانيا.

   التداخل والتداعي:يتضمن هذا العنوان تحته معنى اللاَّتجانس، وهو مظهر من مظاهر الكتابة الحداثية، ويناقض التجانس الذي كانت الرواية التقليدية تحرص على إبرازه والخضوع لمنطقه. واللاَّتجانس الذي يميز الكتابات المعاصرة (الحداثية) يسمح بتداخل الخطابات المختلفة وتفاعلها سواء من حيث الأساليب والتقنيات الكتابية أو من من حيث الموضوعات في خطابات محددة كالتاريخ والتقرير السياسي والروبرتاج الصحافي والوصية والرسالة... إلخ.

   أما التداعي فإنه يتصل بالأحاسيس والاسترجاعات والاستذكارات التي يتدفق فيها الحكي عن كل تلك الهموم واللواعج دون حدود فاصلة.

   نمثل للتداعي وللتداخل من رواية (سيدة المقام) بفصل (الجنون العظيم) حيث يصبح الحكي هذيانا جارفا تمليه الوضعية المزرية في الخارج والرؤية الفجائعية التي يصدر عنها الكاتب واسيني الأعرج.

   5.3/ فواجع الشخصيات الروائية:

   من مظاهر الفاجعة في رواية (سيدة المقام) الاندحار والانكسار والتدرج نحو الأدنى والأسوأ. يسود ذلك كل مكونات النص الروائي. على مستوى الزمان الداخلي، زمن الأحداث وتحولها وسيرورتها، فإنه يسير باتجاه الانغلاق وظلمة القبر وبرودته. وعلى مستوى المكان، فإنَّ البلاد تتحول بين الترديات، والاستنزافات، والنهب، وإنها كذلك تزحف نحو حتفها بعد أن حرقت خيراتها وفرصتها في الحياة، واغتيل فيها كل جميل، وكل أمل. والأحداث المروية تتفاقم ليتلاشى كل منطق ويسود التشوش والاضطراب والانحلال.

   أما الشخصيات وهي مكون مهم في أيِّ عمل سردي فإنها ستتلوَّن بلون الفاجعة. وستسدُّ آفاقها لتصبح نهبا للقلق والحيرة والضجر، وستصبح طعماً سائغا للفساد الداخلي والتحلل.

   الأم: تحكي الأم سيرتها المفجعة على لسان مريم، فأين تتجلى الفاجعة ؟

   ترتبط الفاجعة بالزواج، فزواج الأم صغيرة من (لحسن)، الشهيد قبل الاستقلال سيترتب عنه جرح واسع في غياباته ستتآكل ذات الأمِّ ويطحنها الألم. ولأن الحياة صعبة قبل الاستقلال، فإن الزوج سيضطر إلى مغادرة البلاد. هذا الغياب مظهر أول من المأساة. لكن المظهر الثاني فأكثر فجائعية وهو وصول خبر موت/قتل (لحسن) على الحدود إبَّان إعلان استقلال البلاد. هذا المظهر الثاني يتضمن الفاجعة لأنه يجمع بين لحظتين زمانيتين متناقضتين؛ فرح الناس بالاستقلال والحرية واسترجاع السيادة الوطنية على الجزائر، وحزن الأم والأهل على موت/قتل الشهيد.

   قد مرت الأم بتجربتين في الزواج، كانت الثانية أفظع ولأفجع، لأنها أُرغمت على الزواج من (العباس) أخ الهالك. والمفجع في هذا الزواج كان نفسانيا، لأن الأم كانت غير قادرة على تحمل العيش مع شريك ثانٍ أكثر قربا وقرابة من الأول. تقول الأم:" ... كنت أشعر بإثم كبير في أعماقي. في نفس السرير يا الله! لحسن وأخوه ؟! لم يغادرني وجه لحسن لحظة واحدة"([38]).

   إن الشعور بالذنب والإثم (نفسانيا) حالا بين انسجام الذات.

   المظهر الثالث للفاجعة يتجلى في اندحار (العباس) وانطوائه الكئيب، خاصة بعد اكتشاف عقمه، وخيبة ظنه في المولودة، ابنة الهالك.

   هذه المحطات الثلاث كانت عنوانا على الفاجعة وعلى آلام الأم:

                   ·                   زواج لم يستمر طويلا.

                   ·                   زواج بائس أدى إلى الشعور بالإثم والذنب.

                   ·                   زواج عصيب عانت فيه الزوجة من عصاب الزوج المطعون في كبريائه.

   لحسن الأب:تتمثل فاجعة الأب في تصادم اللحظات؛ لحظة العودة إلى الوطن ولحظة الاستقلال. إنها لحظة الغذر والاغتيال. يقول النص:" خرج ليلا. من يومها لم يعد أبدا. وعندما حاول أن يدخل القرية بعد شهرين، قيل له إن الاستقلال على الأبواب. فقتلته المنظمة السرية    o.A.S.هكذا سمعت([39]). وللحكاية وجه آخر أكثر إيلاما وفجائعية، إنه انتحار الأب احتجاجا على تزويج الأهل زوجته لأخيه (العباس). يقول النص:" عندما عاد، وجد زوجته قد تزوجت. وعندما كانت البلاد تحتفل بأعيادها، كان هو يتدلى على شجرة الخروب الوحيدة على أطراف القرية"([40]).

   العباس:العم والأب في آن. انشطار داخل مريم. فهو عمها ووالدها بالتبني. لكن مريم تعد مظهرا من مظاهر الفاجعة لديه. إنها تذكره بعجزه، بحالة العقم. لهذا كان يطلق عليها اسم الناقصة و(المزوزية). يقول النص:" وعندما ولدتِ بعد شهورٍ من زواجي، لم يقل شيئاً. لم يعلِّق كثيرا لكنه منذ ذلك اليوم صار يناديك الناقصة أو المازوزية"([41]).

   إن الرؤية التي يصدر عنها الكاتب رؤية فجائعية تمس كل مكونات العمل السردي. لهذا سنلاحظ أن الشخصيات تسير نحو الضيق، وباتجاه المناطق الأكثر خطورة. وشخصية العباس نموذج للفاجعة أو سوء الطالع.

   إحساس العباس بالهزيمة سيتضاعف عند عودته من الفحص الطبيِّ وقد اكتشف أن مريم ابنة أخيه، وأنه غير قادر على الانجاب، يقول النص:" عندما أخذني وفحصني الطبيب تقول الأم أحرجهُ وأخضعه لفحوص استمرت قرابة أسبوع. عندما عاد إلى البيت كان محزونا حتى القلب، منهكا. يائسا. شيء ما سقط فيه بقوَّةٍ..."([42]). وقد تدهورت حالته حتى سقط في الهلوسة والخطل.

   أناطوليا  : ستفجع في صديقتها مريم عندما أصابتها الرصاصة الطائشة في الرأس. وسيفجعها حال البلاد التي استضافتها لفترة طويلة. وسيفجعها حال الثقافة التي أصبحت هدفا للصراعات السياسية والأهواء الشخصية. وستشعر بألم شديد عندما طُلِبَ منها العودة إلى بلدها روسيا.

   مريم:تعبر عن فجيعتها في الحياة في القول الموالي:" شفت اشحال الدنيا صعبة ؟ بنت من مواليد الاستقلال مباشرة، أبوها قُتِلَ قبل أيام من الاستقلال ؟ اليد الحمراء..  O.A.S.. هي التي قتلته. لا نعرف حتى قبره. أحيانا ينتابني إحساس غريب بأنه مايزال حيا حتى الآن"([43]).

   يجسم هذا المجتزأ إحساس مريم الفاجع. إنها تقع بين حالتين؛ فقدان الأب وافتقاده. إن حاجتها إلى وجود الأب كبيرة، وغياب الأب سبب من أسباب اضطراب الذات: أي غياب الحماية.

   الأستاذ: مدرس الفن الكلاسيكي. فنان بوهيميٌّ. تتمثل فاجعته في التناقض بين ما يطمح إلية وبين ما هو كائن وواقع. شخصية تحب العزلة والوحدة والموسيقى والكتابة. شخصية تحب وطنها إلاَّ أنها ستفجع فيه عندما ترى ما تحب يؤول إلى الانهيار. وسيؤدي اليأس بالأستاذ إلى الانتحار قاذفا بجسده من أعلى الجسر.

   إنَّ الرؤية الفجائعية في (سيدة المقام) تتحكم في جلِّ مكونات العمل الروائي؛ في الفضاء، وفي الشخصية الروائية، وفي الأحداث التي تتقهقر وتندحر، وفي الزمان الراكد، وفي السرد الذي يتدفق بسرعة، وفي المعجم الذي سادته ألفاظ الفاجعة كالسواد والكآبة والمرض والجنون، والموت.

   إِنَّ الرؤيةَ الفجائعيةَ موقفٌ وإحساسٌ تجاه العالم الخارجي وتجاه الذات. تأتي الفاجعة من الهوة الفاصلة بين الذات كمشاعر خاصة وحميمة تحمل كل الخاصيات المحدّدة للذات الواحدة، وبين العالم الخارجي الذي يخالف الذات.

 

 

 



[1] - سحر خليفة، الميراث. رواية. دار الآداب. ط1. بيروت. 1997م.

[2] - محمد معتصم، سؤال الهوية. مجلة عمان. ص(72). العدد (47). 1999م.

[3] - إدوار الخراط، يقين العطش. دار شرقيات. ط1. 1996م.

[4] - أمين معلوف، سلالم الشرق. ترجمة، منيرة مصطفى. دار تبرا للطباعة والنشر. ط1. 1996م.

[5] - واسيني الأعرج، سيدة المقام (مرثيات اليوم الحزين). منشورات الجمل. ألمانيا. ط1. 1995م.

[6] - سيدة المقام. ص(6).

[7] - سيدة المقام. ص(231).

[8] -سيدة المقام. ص(125).

[9] - سيدة المقام. ص(5).

[10] - سيدة المقام. ص(48).

[11] - سيدة المقام. ص(216).

[12] - سيدة المقام. ص.ص(279.278).

[13] - سيدة المقام. ص(8).

[14] - سيدة المقام. ص.ص (115.114).

[15] - سيدة المقام. ص(93).

[16] - سيدة المقام. ص.ص (19.18).

[17] - سيدة المقام. ص(65).

[18] - سيدة المقام. ص.ص (79 إلى 100).

[19] - سيدة المقام. ص.ص (256.255).

[20] - سيدة المقام. ص (271).

[21] - سيدة المقام. ص (226).

 

[22] - محمد معتصم، الرؤية الفجائعية (الأدب في بداية الألفية الثالثة). مخطوطة نشرت متفرقة بعدد من المجلات والجرائد العربية.

[23] - حسونة المصباحي، هلوسات الترشيش. دار توبقال. ط1. 1995م.

[24] - يقين العطش. سبق ذكره.

[25] - الميراث. سبق ذكره.

[26] -سلالم الشرق. سبق ذكره.

[27] - سيدة المقام. ص(238).

[28] سيدة المقام. ص(241).

[29] - سيدة المقام. ص(248).

[30] - سيدة المقام. ص.ص(236.235).

[31] - سيدة المقام. ص(70).

[32] - سيدة المقام. ص(69).

[33] - سيدة المقام. ص(68).

[34] - سيدة المقام. ص(168).

[35] - سيدة المقام. ص(176).

[36] - سيدة المقام. ص(175).

[37] - سيدة المقام. ص(178).

[38] - سيدة المقام. ص(84).

[39] - سيدة المقام. ص(81).

[40] - سيدة المقام. ص(90).

[41] سيدة المقام. ص(86).

[42] - سيدة المقام. ص(88).

[43] -سيدة المقام. ص(90).