ص1    الفهرس   41-50

العلمانية العربية.. خطاب دائم الالتباس

سعيد شبار

ليس الغرض هنا أن نرافق، في شيء من التقصي أو الاستقراء، رحلة هذا الخطاب منذ بداياته في مطلع القرن العشرين نتيجة التغلغل الاستعماري العسكري والثقافي في البلاد العربية والإسلامية، ونتيجة مظاهر الانبهار والاندهاش التي عبر عنها المبعوثون الأوائل طلائع البعثات "العلمية" إلى الغرب، وكذلك خريجو المعاهد والكليات والإرساليات المسيحية، الأمر الذي أدى فيما بعد إلى توالد نخب وتيارات فكرية وسياسية ذات ولاء وتحيز كامل للنظم الغربية. حيث كانت مظاهر وتجليات العلمنة على كل حال جزئية تكاد تنحصر فيما هو سياسي واقتصادي، تنافح من خلال نخب فكرية وسياسية عن المقولة الأساس "فصل الدين عن الدولة". وحيث كانت المرجعيات الكبرى للأمة، الدينية والثقافية والتاريخية واللغوية.. ما تزال تشكل ثوابت ومرتكزات أو بتعبير البحاثة د. المسيري، كانت الثنائيات الصلبة وأهمها ثنائية (الإنسان/الطبيعة أو المادة) وثنائية (دين/دولة) إحداها أيضا، و(المرجعية الروحية المتجاوزة) ما تزال مؤثرة وموجهة. أي قبل أن تحل مظاهر الاجتياح الإعلامي والمعلوماتي وطوفان المفاهيم والأفكار والفلسفات الموجهة للقيم والسلوك والأذواق والرغبات.. في نهاية القرن. حيث انعدمت فيها الثوابت والمطلقات، وتحللت الثنائيات إلى واحديات صلبة أولا ثم سائلة ثانيا في ظل القيم الإمبريالية العلمانية الشاملة، وحيث انتهى الإنسان إلى أن ينسحب من عالمه الإنساني الاجتماعي لينخرط كليا وفي سباق محموم في عالم الطبيعة والمادة ليسري عليه قانون الأشياء، ويتحقق بكمال اللذة والمتعة في "الفردوس الأرضي" كما نظرت له الداروينية والفرويدية والفلسفات الوضعية الحديثة.

إن الغرض بالدرجة الأولى من هذا كله هو الوقوف على أسباب أو محددات ومظاهر أو تجليات الغموض والالتباس في الخطاب العلماني العربي المعاصر الكامنة في اغترابه المزدوج: فلا هو وليد شرعي نابع من رحم ثقافته وتاريخه الذاتي، ولا هو تلميذ وفي لمبادئه وأصوله الغربية وخاصة في مجالات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. ولهذا تنضاف إلى آفة الغموض والالتباس فيه، آفة الانحراف والتحريف الطارئة على أصوله كما أفرزتها معطيات الواقع الغربي هناك


(*). إذ مهما تكن ملاحظاتنا على التجربة العلمانية في الغرب، فهناك منطق ضابط لسيرورة الأحداث التاريخية والدينية والسياسية والاجتماعية والفكرية.. التي أنتجتها، والتزام داخلي بمقرراتها.

العلمانية التي كانت هناك ثورة على الكنيسة كمؤسسة وليست صراعا ضد الدين ومعاداته كما هو الشأن هنا. العلمانية التي عنت هناك أول ما عنت حرية الاعتقاد والتعبير، لا تلك التي أضحت هنا نظاما من العصبية والمضايقة والضغط والإكراه العقائدي والسياسي. العلمانية هناك التي أنتجت مجتمعا وحضارة واستعانت في ذلك بالدين نفسه، والعلمانية هنا التي أنتجت التبعية والانحطاط وجعلت من التهجم على الدين تعويضا عن الإخفاق والفشل. وتبقى العلمانية العربية –كما يعبر بعض الباحثين ممن لا يحسبون من أعدائها- مسألة مزيفة تعبر عن حاجات بمضامين غير متطابقة حيث تتحول إلى غطاء تبريري للتغطية على قيم الاستبداد والتمييز الاجتماعي.

وبدل مراجعة أطروحاتهم في شيء من الصرامة والالتزام، وقد فعل البعض، يصر علمانيون آخرون على المماثلة وأحيانا المطابقة بين التجربتين الغربية والإسلامية، بدعوى وحدة العقل والفكر البشري ومنطق التغيير والنهضة والإصلاح.. مع القفز على فوارق واختلافات وخصوصيات لا يمكن التنكر لها إلا بضروب من المغالطة والتأويل، تجعل صاحبها بعيدا كل البعد عن حقائق التاريخ وموضوعية العلم والتزام الباحث.

وإنه ليخطر بذهني مرارا تشبيه للمسألة العلمانية في الفكر العربي المعاصر بمسألة التثليث في الفكر المسيحي، من حيث الغموض والاضطراب وعدم الاستقرار على رأي محدد واضح. إذا كان النصارى يعتقدون بالتثليث دون أن تستسيغ عقولهم ذلك السؤال المحير "كيف يكون الثلاثة واحدا؟" فإن لفيفا من العلمانيين العرب حريص على تأكيد "أصالة" و"إسلامية" العلمانية مع تشبثهم بمضامينها ودلالاتها الغربية. ومع كون المعطيات الدينية والتاريخية للتجربة الإسلامية تناقض دعواهم وتبطلها من الأساس. ثم إذا كان النصارى يلتفون حول الإجابة الصريحة على السؤال المتقدم بتبريرات وتفسيرات واهية أغلبها متكلف، فإن هؤلاء العلمانيين لا يبتعدون عن هذا النهج من اللف والدوران بتصيد وانتقاء الأدلة من حالات أو واقعات شاذة واستثنائية، أو غاية في السطحية والجزئية ليجعلوا منها عماد ومرتكز دعوتهم.

1 – في المصطلح والمفهوم:

إن كلمة "سيكولاريزم = Sécularism"(*) كلمة إنجليزية لها نظائرها في اللغات الأوروبية، وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية "سيكولوم = Seculum" وتعني "العصر" أو "الجيل" أو "القرن"، أما في لاتينية العصور الوسطى (التي تهمنا في هذا المدخل)، فإن الكلمة تعني "العالم" أو "الدنيا" (في مقابل الكنيسة).. وقد أورد قاموس أو كسفود تعاريف عديدة لكلمة "سيكولار = Secular" أي علماني. منها أنه يستخدم للإشارة إلى أعضاء الكهنوت الذين يعيشون في الدنيا لا في عزلة الأديرة، وأنه ينتمي للحياة الدنيا وأمورها (ويتميز في ذلك عن حياة الكنيسة والدين).. وهو مدني وعادي وزمني، (ويلاحظ هنا ترادف هذه الكلمات)، والواضح أنها تحمل دلالات سلبية مخالفة، فهي تعني "غير كهنوتي" و"غير ديني" و"غير مقدس". ولهذا استخدمت كلمة علمنة للإشارة إلى عضو الكهنوت الذي يتحلل من قسمه ويقرر أن يترك الكنيسة وينتقل إلى الدنيا. وفي دائرة المعارف البريطانية أن العلمانية "حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها. ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر. وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت العلمانية تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية(...) وظل هذا الاتجاه إلى العلمانية يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله باعتباره حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية".

كانت الكلمة تطبق على الأدب والتاريخ والفن.. ومن ثم على الكتاب والفنانين، وكانت تعني أيضا "غير معني بخدمة الدين.. وكانت تستخدم إلى الإشارة إلى المباني، فـ"المباني العلمانية" هي "المباني غير المكرسة للأغراض الدينية". أما في مجال التعليم، فإن الكلمة تشير إلى الموضوعات غير الدينية. (وأصبحت الكلمة مؤخرا تعني استبعاد تدريس المواد الدينية في المعاهد التي ينفق عليها من المال العام) ومن هنا فإن تعبير "مدرسة علمانية" يكون بمعنى "مدرسة تعطي تعليما غير ديني". والعلماني جملة هو الذي ينتمي إلى هذا العالم الآني والمرئي تمييزا له عن العالم الأزلي والروحي الآتي غير المرئي.

إنها "اللادينية" "Unreligous" أو "Laïcisme".. التي لا تعير اهتماما للدين ولا للآخرة في شؤون الحياة العامة وحتى الخاصة، تهمشهما وتسقطهما من الاعتبار في أحسن الأحوال، إن لم تتنكر لهما جملة كما يوجد لدى بعض أجنحتها المتطرفة.

وقد استخدم المصطلح "سكيولار = Secular" لأول مرة (عام 1648) عند توقيع صلح "وستفاليا" وبداية ظهور الدولة القومية (أي الدولة العلمانية الحديثة). وهو التاريخ الذي يعتمده كثير من المؤرخين بداية لمولد الظاهرة العلمانية في الغرب. وكان معنى المصطلح محدود الدلالة في البداية إذ تمت الإشارة إلى "علمنة" ممتلكات الكنيسة بمعنى نقلها إلى سلطات سياسية غير دينية، أي إلى سلطة الدولة أو الدول التي لا تخضع لسلطة الكنيسة. وفي فرنسا في (ق18) أصبحت الكلمة تعني (من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية) المصادرة غير الشرعية لممتلكات الكنيسة، أما من وجهة نظر المفكرين الفرنسيين المدافعين عن مثل الاستنارة والمعروفين باسم الفلاسفة.. (الموسوعيين).. فإن الكلمة كانت تعني المصادرة الشرعية لممتلكات الكنيسة لصالح الدولة.. ويبدو أن جون هوليوك (= holyooke John) (1817-1906) هو أول من نحث المصطلح بمعناه الحديث الأكثر شمولا. وقد حاول أن يجعله مصطلحا محايدا تماما، يصف "الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية ودون التصدي لقضية الإيمان سواء بالقبول أو بالرفض. فهو لا يرفض الدين وإنما يتجاهله. وقد أسس هوليوك حركة علمانية للدفاع عن هذه الرؤية. وقد تم تبسيط مصطلح هوليوك فأصبح" فصل الدين عن الدولة"، أي فصل العقائد الدينية عن رقعة الحياة العامة. وقد أصبح هذا التعريف (المرتبط بالمراحل الأولى لتطور العلمانية الغربية) من أكثر التعريفات شيوعا في الشرق والغرب. وهو تعبير عن الفشل في التوصل إلى خطاب فلسفي مركب لوصف ظاهرة العلمانية. فهذا التعريف يقتصر على الإشارة إلى أوضح جوانب العلمنة وأكثرها ظهورا، أي علمنة المجال السياسي وربما الاقتصادي. أما المجالات الأكثر عمقا وتأثيرا في حياة الإنسان، فإن هذا التعريف لا يمتد إليها أبدا، ومن ثم فإن المقدرة التفسيرية والتصنيفية للمصطلح السائد ضعيفة إلى أبعد حد. خاصة بعد أن ظهرت أدبيات في الغرب في غاية العمق تتناول هذه القضية، وبعد أن تصاعدت معدلات العلمنة بحيث تجاوزت مجالات الاقتصاد والسياسية والإيديولوجيا، وأصبحت ظاهرة اجتماعية كاسحة وتحولا بنيويا عميقا يتجاوز عملية فصل الدين عن الدولة.. وأي تعريفات معجمية.. وأي تصورات فكرية قاصرة محدودة، فلم يعد هناك رقعة للحياة العامة مستقلة عن الحياة الخاصة..

وقد أدرك هذا كثير من المفكرين الغربيين الذين تناولوا ظاهرة العلمانية، أي أنها عملية تغطي كل مجالات الحياة الإنسانية ظاهرا وباطنا، وتشمل ظواهر متجانسة.. ومع هذا لم يتم إعادة تعريف "العلمانية" وتوسيع الحقل الدلالي للمصطلح ليشير إلى المجالات الجديدة والمشاكل الناجمة عن تصاعد معدلات العلمنة وتغلغلها في كل جوانب الحياة. وبدلا من هذا أخذ علم الاجتماع الغربي يرصد الظواهر المختلفة مستخدما مفردات واصطلاحات وعبارات مختلفة، حاول عن طريقها التعامل مع الجوانب المختلفة للظاهرة كما لو كانت ظواهر متنوعة ومستقلة. وقد تزايدت المصطلحات وتكاثرت، وهي مصطلحات ذات مجال دلالي مشترك أو متداخل، ومع هذا لم يقم علم الاجتماع الغربي بالربط بينها وتكوين نموذج للعلمانية أكثر تركيبا وشمولا وتفسيرية من نموذج فصل الدين عن الدولة[1].

ولا ينفي هذا أن ظهور أشكال العلمنة، تاريخيا، في العالم الغربي كان حدثا منسجما ونتيجة طبيعية للأحداث هناك. ولعل الناظر إلى ما كانت تمارسه الكنيسة باسم الدين من وصاية على الدين نفسه وعلى الدولة، ليدرك أن حجم الرد بالتطرف ضد الدين في كل التيارات المادية والإلحادية التي ظهرت، إنما كان بحجم الاستبداد والطغيان والتسلط.. أو باختصار، بحجم التطرف الكنسي ذاته.

التطرف في الوصاية على الدين واحتكار فهمه وتفسيره، وزعم الاستمداد المباشر من الله أو من المسيح، وتخويل الذات صلاحيات مطلقة "تفويضية" في الغفران وتكفير الخطايا وحجز مقاعد في الجنة..

التطرف في السياسة بامتلاك حق تعيين الملوك أنفسهم أو تنحيتهم، وإقرار النظم والتشريعات التي تخدم مصالح الكنيسة أولا..

التطرف في الإقطاع، بامتلاك الأراضي الشاسعة والقصور الضخمة وآلاف الرقيق والأقنان وفرض الضرائب والمكوس والإتاوات..

التطرف في قمع حرية الفكر والإبداع العلمي، إلا في حدود ما تسمح به كي لا يظهر العلم على الخرافة، ومتابعة وتصفية كل من يخالف أو يخرج عن الطوق..

التطرف في الانحلال الخلقي وشيوع مظاهر الإدمان والشذوذ في صفوف القيمين الدينيين لدرجة جعلت ناقدا مؤرخا مثل ول ديورانت يقول: "إن رجال الجيش أرقى خلقا من رجال الدين"..الخ.

ثم لحماية هذه الأشكال من التطرفات عمدت الكنيسة إلى رصد مؤسستها الضخمة المعروفة بـ"محاكم التفتيش" المجهزة بكل أنواع التصفية والتعذيب، لتابعة وملاحقة المخالفين من رجال الفكر والعلم والدين أيضا، وعلى رأسهم "المحتجون" المنشقون كلوثر وكالفن وغيرهما. كل ذلك بوحشية وهمجية جعلت نفس الناقد يعبر عنها بقوله: "إذا ما عفونا عن بعض هذا الشذوذ الجنسي (المذكور سابقا) والانهماك في ملاذ المأكل والمشرب فإننا لا نستطيع أن نعفو عن أعمال محاكم التفتيش"[2].

فهذا بعض مما كانت تقوم به الكنيسة باسم الدين في الغرب، وهو الذي جعل العلمانية تكون في جوهرها عزلا للدين والكنيسة معا عن شؤون الحياة، وفسحا لمجال العقل والفكر والذات التي كانت مقهورة في "ظلام العصور الوسطى" كي تنطلق من جديد، وكي يولد العقل الغربي ميلادا ثانيا بعد الميلاد اليوناني الأول ليحقق "الاستنارة" أو "الأنوار"، وكل ما من شأنه أن يبدد تلك الظلمة. حيث استطاع الغرب فعلا أن يحقق المعجزة مرة أخرى، وأن يصعد مدارج الرقي الصناعي والتقني والإعلامي.. إلى درجة الاستفراد والقدرة على التحكم بـ"مصائر" الشعوب وفرض نظامه العالمي "الوحيد".

ولا شك في أن تأثر الذات العربية الإسلامية التي وصلت في هذه المرحلة من التحولات الغربية الكبرى درجة من الانحطاط والتخلف، قد كان كبيرا بهذه المنجزات في مختلف مجالات الحياة. التأثر بالأنماط الثقافية والاجتماعية والسياسية والتقنية.. التي مررت إليها عبر ثلاث قنوات أساسية:

*قناة الاستعمار الغربي الذي اجتاح البلاد الإسلامية وما رافقه من مؤسسات تبشيرية واستشراقية..

*قناة البعثات الطلابية الأولى التي زامنت بعضا من هذه التحولات والتي عادت تصف أحوال الممالك "الأورباوية"، وتلخص "إبريز الحياة الباريزية"..

*قناة المؤسسات التعليمية المسيحية في البلاد العربية والإسلامية والتي كان يديرها مسيحيون عرب خاصة في لبنان وسوريا ومصر.. وما كانت تصدره من إعلام يدعو ويبشر بهذا الاتجاه..(*).

كانت الرغبة جامحة في اللحاق بهذا الركب، وفي النهضة عموما، أما كيف يكون ذلك؟ فقد كان هذا مفترق الطرق بين اتجاهات ومدارس الفكر العربي والإسلامي، والتي كما تقدم يمكن حصرها في ثلاث كبرى:

*اتجاه يدعو إلى الانخراط الكلي والشامل في النموذج الغربي والقطيعة مع التراث.

*اتجاه يدعو إلى التحديث حسب "قواعد" وخطوات التجربة الغربية، لكن من داخل قارة التراث والتاريخ الإسلامي.

*اتجاه يدعو إلى التجديد والنهضة من داخل التراث وبأدوات التراث نفسها أو بما يناسبها مما يمكن استعارته.

وداخل كل اتجاه تكمن اتجاهات فرعية قد تقترب أو تبتعد قليلا أو كثيرا من بعضها دون أن تخرج عن إطاراتها العامة المذكورة. وحوارنا هنا طبعا هو مع الاتجاه الثاني الذي وجد نفسه أمام أول صعوبة حقيقية وكبيرة تتجلى في نقل المصطلح نفسه إلى المجال التداولي العربي الإسلامي، وإيجاد "مرجعية" وأرضية للانطلاق منها والبناء عليها.

وهكذا تأرجحت تعريفاته للمصطلح بين كون ما يدعو إليه هو:

*"العلمانية"، بكسر العين نسبة إلى العلم..

*"العلمانية"، بفتح العين نسبة إلى "العلم" أي العالم..

*"الدنيوية"، أي "الإيمان بأنها هي الحياة الدنيا ولا يوجد سواها"..

*"الزمنية"، أي "أن كل الظواهر مرتبطة بالزمان وبالدنيا ولا علاقة لها بأي ما ورائيات.."[3].

*"الديموقراطية"، "العقلانية"، "الاستنارة"، "الحرية".. وغيرها من المفاهيم "الإيجابية" التي تضفى على المصطلح من أجل تبرير حضوره ووجوده.. الخ.

إن المصطلح على العموم كان وما يزال غامضا ملتبسا، عصيا على "التبيئة" لا في مجال اللغة ولا في مجال الحياة الاجتماعية العامة القائمة أساسا على التدين العميق تاريخيا ووجدانيا. وهذا ما نجد تعبيرا واضحا عنه عند أبرز دعاة العلمانية، وعند بعض المتحفظين عليها. إن "هذا المصطلح ما فتئ يعامل منذ لحظة اكتشاف وجوده معاملة القريب الفقير (...). وبغض النظر عن اللفظ بحد ذاته، فإن المفهوم لم يفلح قط في أن يفوز بحقوق المواطنة، فقد بقي على امتداد عقود بكاملها منبوذا متجاهلا متحاشى مستبعدا من أي تأسيس نظري حتى من قبل العلمانيين أنفسهم"[4]. فـ"العلمانية بالمعنى الأوروبي لا تقبل التبيئة في الحقل الإسلامي، تماما مثلما أن الخلافة أو الإمامة بالمعنى الإسلامي، أو العصبية بالمعنى الخلدوني.. لا تقبل التبيئة في الحقل الثقافي الأوروبي"[5]. إن "العلمانية مصطلح محدث.. لا يوجد في العربية ولا يوجد في المعجم الإسلامي، معنى هذا أن اللفظ  ليست له أرضية معرفية تمكن القارئ العربي والمستمع العربي لهذا اللفظ بأن يربطه بجميع المحتويات الفلسفية والشرعية والنظمية والتاريخية التي يحتوي عليها (…) وهو مفهوم يخص المجتمعات الغربية، لأنه يدل على جدلية تاريخية كونت وأثرت في النزاع الطبقي الاجتماعي بين البرجوازية من جهة، وأهل الدين والأرستقراطية والأشراف.. من جهة أخرى". يدرك د.أركون هنا الأبعاد الشمولية للفلسفة العلمانية لكن في سياق مغاير لما تقدم مع د. المسيري وإن كان يشترك معه في بعض المقدمات. فالعلمانية "ليست فقط جدلية اجتماعية من أجل استلام السلطة، بل أهم من ذلك العلمانية تدل على جدلية فكرية أساسية جذرية بين وضعين نفسانيين للعقل البشري. وضع يكون فيه العقل البشري خاضعا مسلما (لدين أو عقيدة أو فكرة (…) ووضع ثان هو الوضع الذي لم يدركه العقل البشري ولم يفكر فيه في أي ثقافة معروفة في التاريخ." ويحدد الكاتب ميلاد هذا العقل الناقد الفعال بظاهرة الفلسفة اليونانية، وتجدده في (ق16) في أوروبا حيث "العقل يتكلم بالأنا، أنا العقل ومن أنا العقل ينطلق الفرد كفرد مستقل عن المعطى.."[6].

إن غرابة مصطلح ومفهوم العلمانية عن المجال الدلالي اللغوي والثقافي للحضارة العربية الإسلامية، فضلا عن "الحساسية" التي ارتبطت به كحامل لمضمون تجربة مغايرة أصولا وفروعا، وليست بذات موضوع في العالم الإسلامي، هي التي جعلت نفرا من المفكرين من دعاتها وغيرهم يدعون إلى الاستغناء عنه واستبداله بغيره من المضامين التي يمكن "تنزيلها" في البيئة الإسلامية دون أن تثير من الضجيج والالتباس ما تثيره العلمانية. فـ"بما أن العلمانية تعني ثلاثة أشياء في المرجعية الأوروبية، فصل الدين (الكنيسة) عن الدولة والعقلانية والديموقراطية، وبما أن فصل الدين (الكنيسة) عن الدولة غير ذات موضوع في الإسلام، فإنه يمكن إرجاع العلمانية بالنسبة لنا إلى العقلانية والديموقراطية. وبما أن هذا المصطلح، أعني "العلمانية" ملتبس لكونه يحيل إلى فصل الكنيسة عن الدولة، مما يجعله لا يقبل التبيئة عندنا، فأنا أرى –يقول د.الجابري- الاستغناء عنه والاحتفاظ بالديموقراطية والعقلانية مع تأصيلهما في ثقافتنا وهو شيء ممكن"[7]. ويذهب آخر –مؤكدا نفس الخيار- إلى أن "الديموقراطية كإطار نظري وعملي لتحقيق قيم العقل والحرية والثورة السياسية عامة قد جبت العلمانية كإشكالية مذهبية"[8]. بل عنده أنه "ليس من الضروري وجود فلسفة علمانية ونجاحها حتى تتحقق الديموقراطية، ولا العكس أيضا. فليس بينهما علاقة وجوب، كما أنه ليس من الضروري أيضا لقيام الأمة وتوحيد الدولة فلسفة علمانية خاصة"، فـ"يمكن أن توجد القيم الدنيوية وتتطور بقوة في المجتمع من دون حاجة للعقيدة العلمانية ولمفهوم العلمانية. بل إن القضايا التي كانت ترتكز عليها العلمانية كنظرية تسعى إلى تسريع دوننة النشاطات الاجتماعية، قد أصبح من الممكن حلها من دون اللجوء إلى النظرية العلمانية، فالديموقراطية على صعيد نظرية الدولة أهم وأغنى كمفهوم للدوننة(…).

والعقلانية مفهوم أوسع على مستوى دراسة وتطوير منهجيات الفكر والتفكير والتربية العقلية والنظم العلمية من مفهم العلمانية كموقف فلسفي مناقض للفلسفة الدينية. فالديموقراطية تضمن عدم استخدام معاداة الدين للتغطية على الاضطهاد الديني أو لتبرير هذا الاضطهاد. كما تضمن العقلانية أن لا يكون العقل في حريته النقدية تابعا لموقف العداء الديني للدين. فالدين وكل البنية الرمزية والقيمية عنصر من العناصر الأساسية التي ينبغي على كل عقلانية اجتماعية ناجحة أن تستوعبها وتضمنها في رؤيتها الذاتية"[9]، وإن كان هذا عنده "لا يعني أن الديموقراطية الحديثة والأمة العصرية، بمعنى المواطنة الواحدة لجميع السكان، تقوم بالدين ولا تستدعي التغيير الفكري والبنيوي"[10].

 ولا يرى الكاتب إلا ترجمة واحدة للكلمة بمعناها العميق "هي حرية الاعتقاد والتعبير. [وأنها]، طالما اعتبرت مذهبا بحد ذاتها يفرض نفسه على الآخرين، فقدت جوهرها وأصبحت مناقضة في قيمها الأساسية لما تدعي هي نفسها التعبير عنه. وهذا يفسر أيضا مأزقها في العالم العربي"[11]. ويميز بين "العلمانية كفلسفة حديثة متعارضة مع اللاهوت ومكونة للقيم التي يقوم عليها النظام الحديث، نظام الدولة القومية أو دولة الأمة وحرية الفكر" والعلمانية "كحركة سياسية جوهرها مناهضة الدين والكنيسة". "وفي العالم العربي لم تظهر العلمانية إلا كدعوة دهرية سياسية متمثلة في معاداة الدين"[12]. و"لو كان الأمر بيدنا –على حد تعبير د.المسيري- لاستغنينا تماما عن مصطلح "العلمانية" ولاستخدمنا بعض المصطلحات الأخرى.. [ كـ] مصطلح "نزع القداسة" [ لأنه ] أكثر شمولا وأكثر عمقا ودقة"[13]، وتعبيرا عن المضمون في المجال التداولي العربي خصوصا. فـ"مصطلح علمانية من أكثر المصطلحات غموضا وإبهاما واضطرابا في اللغة العربية رغم شيوعه في الآونة الأخيرة. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب: فهو.. مصطلح منقول من المعجم الأجنبي ومن التشكيل الحضاري الغربي.. ويوجد داخل هذا التشكيل الحضاري عدة تشكيلات فرعية.. التشكيل الكاثوليكي.. التشكيل البروتستاني.. التشكيل الأورثودكسي.. وقد عرف كل تشكيل هذا المصطلح بطريقة مختلفة من خلال تجربته الخاصة. [و] خاضت هذه التشكيلات الحضارية تحولات مختلفة وتزايدت فيها معدلات العلمنة، واختلفت المواقف من العمانية باختلاف المرحلة التاريخية"[14]. وعند باحث آخر أنه "إذا ما كان مصطلح علمانية يثير حساسية خاصة، فيمكن أن نستبدل به الوصف "مدني" فهو أقرب إلى دلالته الأصلية ووظيفته المشروعة، وليس هناك ما نخشاه على الدين.."[15].

لم يتردد عن الدعوة إلى التخلي عن المصطلح كذلك أحد منظريه الكبار، بعد أن وضع بين يدي هذا التجاوز جملة شروط يعتبرها "قواعد" و"روحا" للعلمانية بمعناها "الواسع والمنفتح". فعن طريق:

*بلورة المعرفة النقدية التي "تفترض أن نقف موقفا حياديا تجاه كل الأديان والعقائد والنظريات المتشكلة سابقا فلا نتحيز لواحدة منها ضد الأخريات بشكل مسبق..

*مقدرتنا على توصيل المعرفة المكتسبة على هذا النحو إلى الآخرين(...) [مع ] الحرص على أن لا نؤطر عقول الناس عن طريق التلاعب الخفي بواسطة الأساليب البلاغية والحيل الكلامية..

*صحة المعلومات التي تلقن للطلاب.. الاحترام الصارم لكل العقائد الدينية.. ولكل الآراء والحساسيات.."[16] ، وهذان –عنده- مكتسبان ثمينان للمبدأين السابقين. "تصبح العلمنة عندئذ بالمعنى الواسع والمنفتح للكلمة موقفا حرا للروح أمام مشكلة المعرفة، ثم محاولة إيجاد القواعد أو الوسائل الملائمة لتوصيل هذه المعرفة إلى الآخرين. هذه هي العلمنة وهذا هو تحديدي لها، بل ويمكن عندئذ أن نتخلى عن كلمة العلمنة إذا شئنا دون أن يؤدي ذلك إلى أي خطر(...). [ فـ] العلمنة مفهوم عرضي أو تاريخي، وليس أزليا أو سرمديا كما يتوهم البعض.."[17].

نجد عند الكاتب أيضا تقسيما للعلمانية ضمن توجهات الحداثة إلى "العلمانية الإيديولوجية=Laïcisme Militant" وهذه تعكس الجانب السلبي للحداثة، ثم "العلمانية بالمعنى الإيجابي والمنفتح للكلمة" وهي إحدى منجزات الحداثة الكبرى..[18] وبلفظه "أفضل العلمانية المنفتحة الواسعة على العلمانوية الضيقة والمتعصبة"[19].

وعلى العموم فإن "المصطلح سواء كان بالعربي أو مترجما تظل الإشكالية ملازمة له، أما الحقل الدلالي فمحصور في قضية فصل الدين عن الدولة.. مقصور على الحقل السياسي فحسب، لأن فيه إشكالية كبرى. [لكن ] ماذا يحدث في بقية مجالات الحياة؟(…) [ فـ] كلمة علمانية بعد أن نوسع من معناها الدلالي ستشمل كل المصطلحات الأخرى مثل: التشيؤ، الاغتراب، التكميم، الإباحية، وهكذا (…)، [ إنها] فصل كل القيم سواء كانت إنسانية أو أخلاقية أو دينية عن العالم، والعالم هنا يعني الإنسان والطبيعة وكل شيء.. هي نزع القداسة عن كل شيء بحيث تصبح الأمور متساوية. العلمانية بدأت بسحب الأشياء من عالم الإنسان ووضعها في عالم الأشياء حيث يسود منطق الأشياء، ثم انتهت بسحب الإنسان من عالم الإنسان ووضعه في عالم الأشياء بحيث يسود على الإنسان منطق الأشياء. والعلمانية من هذا المنظور هي سيادة منطق الأشياء"[20].

إن "المتتالية النماذجية العلمانية بدأت بعلمنة الاقتصاد أولا في العصور الوسطى، ثم انتقلت إلى الدولة في عصر النهضة، وانتقلت بالتدريج من البروتستنتية إلى الكاثوليكية، وتمت علمنة العلوم، كالعلوم الطبيعية في (ق17)، وعلمنة الفلسفة في (ق18)(...). وعملية العلمنة هي فصل القطاع عن أي منظومة قيمية (= دينية، أخلاقية..) [بحيث ] يصبح كل شيء مرجعا في حد ذاته. يصبح الإنسان مرجع ذاته وتظهر الأنانية ويبدأ التفكك.. تفكك الأسرة.. الحمل غير الشرعي.. الهروب من المنزل.."[21].

فعندما "تحررت العلوم الطبيعية في الغرب من الأخلاق المسيحية، ومن الغائيات والمطلقات الإنسانية، ومن أي مرجعية متجاوزة تؤكد الهدف والغرض والمضمون المتجاوز للمادة.. أصبحت العلوم محايدة ومنفصلة عن أي قيم، تنظر للعالم من خلال النموذج المادي الرياضي العلمي باعتباره مادة صماء خالية من أي معنى داخلي، وباعتباره آلة دقيقة تتبع قوانين صارمة لا علاقة لها بالأخلاق أو القيم، وباعتباره كما خاضعا للقياس والرصد الخارجي.."[22]. و"النظام العالمي الجديد هو تصعيد لعمليات العلمنة، ومحاولة لإعادة صياغة العالم بأسره حتى يصبح جزءا من الآلة التي ستستمر في الدوران إلى أن ترتطم بحائط كوني (مثل الإيدز وثقوب الأوزون والفشل الذريع في التخلص من النفايات النووية وغير النووية..)، ويمكننا اليوم الحديث عن "الاستهلاكية العالمية" بدلا من "الاشتراكية العالمية" أو "الرأسمالية العالمية" أو "الإمبريالية العالمية".."[23]. فـ"إعلان فوكوياما نهاية التاريخ، هو إعلان نهاية الإنسان، وانتصار الطبيعة/المادة، أي الموضوع (اللاإنساني) على الذات (الإنسانية). ومعناه تحول العالم بأسره إلى كيان خاضع للقوانين الواحدية المادية(…) والتي تحول العالم إلى مادة استعمالية"[24].

إن الوجه الأساس والحقيقي للعلمانية، أي اللادينية، هو عند باحث آخر "نظام سياسي كامل يقوم على الأسس التالية:

·   تجريد الدولة من صبغتها الدينية، ولا يتحقق ذلك إلا بقلب نظامها السياسي مثلما حدث في الدول المسيحية وفي تركيا الإسلامية وغيرها..

·             إلغاء وإغلاق جميع المعاهد والمؤسسات الدينية.

·             إلغاء المحاكم الشرعية وتعويض جميع القوانين والأحكام الدينية بالقوانين المدنية الغربية.

·             إلغاء التعليم الديني من مدارسها إلغاء تاما.

·             إلغاء وزارة الأحباس وتعويضها بمديرية عامة وتنمية أموالها وفقا لأصول المصارف.

·   تقليد الغرب في لباسه وعاداته وتقاليده وعطلته الأسبوعية وتقويمه التاريخي والتقرب إليه وأخيرا الاندماج فيه.

·             اعتبار الدين عاطفة وجدانية لا علاقة له بالسياسة والدولة ونظامها"[25].

2 – نماذج من التفسير العلماني الملتبس:

لعل ما تقدم حول إشكال العلمانية مصطلحا ومفهوما قد غدا واضحا ولو بنسبة معينة في شقه الغربي على الأقل. وبالرغم من ذلك فإننا نجد دعوات عديدة لعمليات الإسقاط والتنزيل الآلي والحرفي لهذه التجربة في أقطار من العالم الإسلامي، بل والغلو فيها إلى أبعد نقطة ممكنة من حيث الموقف من الدين خصوصا. نجد هذا عند القادة السياسيين كما نجده عند القادة الفكريين. فإذا كان الغرب الاستعماري قد فهم العلمانية على أنها فصل بين سلطتين واختصاصين مع اعترافه سلفا بوجودهما واستمرار نفوذهما(*)، وجند جيوشا من المبشرين المنصرين في حركته الاستعمارية وقدم لهم إمكانات هائلة من الدعم المادي لبناء الكنائس والمدارس والمستوصفات والأندية.. وتقديم الخدمات...، فإن بعض الحكام العرب فهموا من العلمانية أنها محاربة الدين والقضاء على سلطته ونفوذه، والقيام لا إلى جنبه بل على أنقاضه، فتتبعوا منابعه يجففونها مهما صغرت ولو كانت "روض أطفال" أو "كتابا دينيا".

أما القادة الفكريون، فبالرغم من إيمانهم بكون التجربة غربية خالصة، فإنهم يدعون إلى جعلها نموذجا في "التحرر" و"الانعتاق" من "سلطة الدين"، وسبيلا إلى "التطور" و"الرقي" كما حدث في الغرب تماما. هذا دون أن يلزموا أنفسهم بمعطيات الواقع الديني والتاريخي للأمة، المخالفة أصولا وفروعا للتجربة الغربية.

ولا نحتاج أن ندخل في مسلسل من المقارنة الجزئية بين الواقع الديني هنا وهناك، والتجربة التاريخية هنا وهناك، والخلاصات هنا وهناك.. لكن يكفي أن نسجل ثلاث ملاحظات عامة تصلح مؤشرات واضحة وقوية على استحالة تنزيل هذا المشروع وتحقيقه بالكامل في البلاد الإسلامية، الأولى دينية، والثانية علمية، والثالثة حقوقية.

*أولاها: كون الاستبداد الذي مورس طوال قرون سميت بالمظلمة في الغرب كان باسم الكنيسة ورجالها الممثلين للدين المسيحي بعد تحريفه والانحراف عنه، لم يعرف له نظير في التاريخ الإسلامي. بل مورس الاستبداد باسم الدولة ورجالها حكاما وولاة بقدر بعدهم وانحرافهم عن الإسلام. ولم يكن للجهاز الكهنوتي الغربي بصلاحياته المطلقة نظير في الإسلام أبدا، ولا معنى إطلاقا لمقارنته –كما تفعل بعض القراءات العلمانية التبسيطية- بأهل الحل والعقد، فوظيفة هؤلاء شورية بدرجة أولى يختارهم الجمهور أو الحاكم، ولا يزعمون وصاية على كتاب ولا استمدادا من رب أو إله ولا استبدادا أو طغيانا في الأرض. وتجوز مخالفتهم في اجتهاداتهم لأي كان في الأمة من أهل العلم وطلابه، ويمكن عزلهم في أية لحظة.. كما أنه ليس في الإسلام سلم طبقي للتدين، ولا فيه إلزام أو إكراه على التدين أصلا..

*ثانيا: أن من أظهر عناصر الطغيان والاستبداد الذي مارسته الكنيسة محاصرتها لرجال العلم والفكر والإبداع.. واحتكارها النظر في الكتاب المقدس وتفسيره، وإقامتها المحاكم والمشانق والمحارق للمخالفين في ذلك.. كان هذا أيضا من أظهر العوامل للتمرد عليها وإقصائها وتنحيتها باعتبارها عرقلة حقيقية في سبيل نهضة الغرب وتقدمه. ولا يخفى على الناظر في التجربة الإسلامية بدءا من نصوصها المقدسة قرآنا وسنة أنها إنما قامت على العلم، بالدعوة إليه والترغيب فيه بل والترهيب من التخلي عنه وإهماله أو كتمانه، سواء تعلق الأمر بالعلم الشرعي أو العلم الوضعي، ومن أي وعاء خرج هذا الأخير. ولعل تجربة الغرب نفسه في الإفادة من العلم التجريبي الإسلامي غنية عن التذكير. فإذا كانت الكنيسة هناك باسم الدين قد أقامت المحاكم لأمثال غاليلي وبرونو وكوبيرنيك.. لإدانتهم وتخطئة نظرياتهم العلمية.. فإن الدين هنا يجعل من معجزاته المفتوحة الموجبة للإيمان به، النظر في الآفاق وفي الأنفس ليتبين الإنسان أنه الحق. وكل شيء ناطق فيه بالدعوة إلى التدبر والتفكر والتعقل والنظر والتعلم.. كما أنه إذا كان مصدر المعرفة يسعى لأن يكون عقليا صرفا هناك، لأنه إما أن يكون كذلك وإما أن تسود الخرافة ويسود الجهل، فإن مصدر المعرفة هنا وإن كان دينيا فإنه يعتمد أول ما يعتمد سلطة العقل في هذه المعرفة تماما كما يجعل العلم الصحيح طريقا إليها.

*ثالثا: أن إقرار حقوق الإنسان وضمان حرياته: الدينية الاعتقادية، والعقلية الفكرية، والسياسية الوطنية.. التي هضمتها له الكنيسة هناك باسم الدين يمنحها له الدين هنا، ففلسفة التكريم والتسخير والاستخلاف.. التي تفرد بها الإسلام، كلها إعلاء من شأن الإنسان وقيمته وجعله محورا سيدا في هذا الوجود. ثم ليس هناك ما يبرر إطلاق حيلولة هذا الدين أمام ما يمكن سنه من تشريعات ونظم وقوانين تضمن حرية الإنسان وكرامته، وتنظم اجتماعه، وتحقق تطوره.. إلا أن يكون ذلك على أساس من الظلم والقهر والاستعباد لأفراد أو شعوب. إن الإسلام يقدم أصولا أخلاقية وفلسفة مرجعية يمكن بالاستناد إليها الذهاب إلى أبعد حد من أشكال التنظيم والتقنين والتشريع، سواء تعلق الأمر بالنسبة للذات كذات، أو في علاقتها مع الآخر.

لعل عدم الإجابة بشكل صريح وواضح على سؤالين جوهريين يحددان أصل هذا الإشكال، هي التي فاتت دعاة هذا الاتجاه، وكانت سببا كبيرا في تناقضات مواقفهم وهم يحاولون تبرير العلمانية بجذورها الغربية، ثم إسنادها من الداخل الإسلامي بشكل أو بآخر. وبما أن الغاية والقصد من وراء كل هذا هو النهضة والتحديث والتقدم.. فإن السؤال الأول المتوجه هو: هل الإسلام فعلا يحول دون تحقيق التحديث والتعددية والحرية وحقوق الإنسان.. وأنه لا يمكن إنجاز هذه المطالب إلا بالانفصال عنه وتهميش دوره أو تغييبه في ذلك كله؟ ألا يمكن للإسلام أن يكون أرضا حقيقية بمادته التشريعية والأخلاقية ورصيده النفسي والتاريخي.. نحو هذا الإنجاز إذا ما تظافرت الجهود ووحدت الرؤى وصدقت النيات؟

السؤال الثاني: هل التجربة الغربية في الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية، والذهاب بالعلمانية إلى أقصى حد، إلى التنكر لكل القيم والمطلقات والتمركز حول الذات وطغيان واستبداد الأنا الفردية والجماعية وتسلطها على الإنسان والطبيعة والكون.. بالتفكيك والتخريب الجزئي.. ما تزال صالحة فعلا لأن تكون نموذجا عالميا لا يتحقق التقدم والنهضة والتحديث.. إلا بسلوك سبيلها والمرور عبر محطاتها؟

ألم يحن وقت الاستفادة والحسم من التجارب والدروس التي تقدم وتتكرر هناك في الغرب، أو التي تقدم وتتكرر هنا في أرض العروبة والإسلام، باسم العلمانية، قرونا هناك وعقودا هنا.

ليس المراد عندي الإجابة عن هذه التساؤلات ولعلها تمت بشكل أو بآخر، وهي على كل حال أسئلة مفتوحة للراغب في الإجابة عنها من دعاة العلمانية، من أجل رفع القلق والالتباس عن الخطاب العلماني خاصة الذي يريد أن يقدم نفسه في زي إسلامي. وما لم يتم هذا، فستبقى العلمانية مصطلحا لقيطا، وسيبقى الخطاب العلماني دائم الالتباس والاضطراب، متناقضا بين نموذج "مثالي" هو ملك للذات الغربية، وبين نموذج مستعص على الذوبان والإلحاق متشبث بمقوماته الذاتية الدينية خصوصا، مهما كان وضع الانهيار فيه، ومهما كان نفوذ الغزو العلماني قويا ومؤثرا، ومهما تبدى من نجاحات شكلية سطحية أو حتى عميقة هنا وهناك، فلا تعدو أن تكون جزئية. إذ المراهنة الحقيقية هي على القيم الثقافية الاجتماعية العامة التي تؤطر المجتمع، الثقافة التي صيغت عبر قرون وأجيال ولها قابلية الحياة والاستمرار مهما اعتراها من عوامل الضعف والانحطاط، لأنها تتغذى أساسا من مرجعها الأول والأعلى، الوعي الإلهي المنزه، المتجلي في الرسالة الخاتمة المحفوظة والموجهة إلى الغرب نفسه.

ولنقرأ في توضيح هذه الازدواجية والاضطراب في الخطاب العلماني بين النموذجين النصوص والأمثلة التالية: "راحت المجتمعات المسيحية قبل المجتمعات الإسلامية بوقت طويل جدا تقوم بتجربة تاريخية أكثر حيوية وأكثر محسوسة، وذلك تحت تأثير الحداثة العقلية.. والمادية.. راحت تنبثق سلطة روحية علمانية تؤكد على إمكانية العقل البشري في أن يفتتح المعنى والقوة باستقلالية كاملة(…) إن النقاش الذي أثاره دخول الحداثة في الإسلام لا يختلف في شيء عن ذلك الذي واجهته المسيحية بدءا من حركات الإصلاح والنهضة"[26]. ورغم تقرير آخر بأن "العلمانية لفظ غربي خالص يعبر عن مسألة غربية خالصة، وهو رفض سلطة رجال الدين"


[27]، نجده يؤكد أن "الإسلام دين علماني منذ البداية، علمانيته معطاة من الداخل بوضع إلهي وليست مكتسبة من الخارج بجهد إنساني"[28]، "والعلمانية هي أساس الوحي، فالوحي علماني في جوهره والدينية طارئة عليه من صنع التاريخ في لحظة تخلف المجتمعات"[29]. فبداية اللبس في كلام الكاتب حصره العلمانية في "رفض سلطة رجال الدين"، لتمرير كون الإسلام "دين علماني" لأنه ليست به هذه السلطة. ثم لا يلبث الكاتب يتقدم لتبرير كون أساس الوحي نفسه "علماني" وأن "الدينية طارئة عليه". ومعناه بشيء من الوضوح، أن الوحي شيء رباني منزه خاص بالإله وهو مفصول عن البشر ودنياهم، يتصرفون فيها بمحض إرادتهم وعقولهم، وأن أشكال تدين المجتمعات هي طارئة في حالات التخلف خصوصا. هذا معنى "علمانية الوحي" بالمعنى الأصلي "المصدري" للعلمانية أي كونها "فصل الدين عن الدولة"(*).

وفي شيء يشبه حتمية التفسير العلماني للتاريخ الإسلامي، نجد عند البعض أن "الخلافة قد كانت منذ نشوئها مؤسسة دنيوية مدنية، وهي لم تحسم مرة إلا وكان الله غائبا عن مسرح الأحداث، وليحل محله الإنسان بأهوائه ولعبه بفضائله ورذائله". ويستشهد الكاتب بمقتل ثلاثة من الخلفاء، والصراعات والفتن اللاحقة، والملك العضوض.. في جميع العصور وكل العهود.. "ولا غرابة فالأمر الإلهي لا بد أن يترجم إلى أمر إنساني، ولا ترجمة من دون نسخ أو تبديل.."، "ولا نجد دولة من الدول التي تعاقبت على الحكم قد سميت "دولة إسلامية"، بل نسبت تلك الدول إلى أصحابها ومؤسسيها.. فقيل الخلافة الأموية، الدولة السلجوقية، السلطة العثمانية، عهد الرشيد(…) هكذا فالدول الإسلامية ترتبط كغيرها من الدول بالشاهد لا بالغائب، بالذين يستولون عليها، لا بالشريعة التي تستند إليها"[30]. "صحيح أن الشريعة هي إلهية في الأصل والمبتدى، لكنها تؤول عند التفسير والتطبيق أناسية دنيوية، لأن المجتهد أيا كان مبلغ علمه وفهمه يصدر عن ظن فيما يراه أو يستنبطه، ولا يمكن له أن يبلغ اليقين"[31]. ولا أجد أمام هذه التقريرات السطحية التي لا تعبر عن مضمون معين بقدر ما تعكس منهجا في التبرير والتبسيط والإسقاط، إلا التساؤل عن الصور والمواقف المقابلة لما يعتبره الكاتب علمانية. نتساءل أولا هل نزل هذا الوحي إلى بشر، إنسان مكلف مستخلف أم نزل إلى عدم حيث لا تكليف ولا استخلاف؟ هل جاء الوحي يدعو الإنسان إلى البناء والتعمير والاختيار الراشد إلى الصلاح والفلاح في الحال والمآل، أم جاء يجرده عن عالمه المحسوس ليزج به في عالم المثاليات والرهبة والانقطاع؟.. إذا تم التسليم بهذه المعطيات المعلومة من الدين بالضرورة علمنا أن القول بأن الخلافة "مؤسسة دنيوية مدنية" هي كذلك بإرادة الشرع لها أن تكون كذلك وفق مبادئه، موكلا ذلك إلى بشر يؤمنون به ويزاولونه، يلتزمون قطعياته وكلياته ويجتهدون في ظنياته وفروعه وما ترك لهم حق إعمال الرأي والنظر فيه، ومعظمه من أمور تدبير المعاش وتنظيم الاجتماع. أما أن لا يلتزم الناس هذا الشرع أو ينحرفون عنه فهذه مسألة ثانية لا علاقة لها بالأولى من حيث النفي أو الإثبات، من حيث بقاء الشرع أو ارتفاعه، أو بتعبير الكاتب من حيث "غياب الله" أو "حضوره". فالشرع باق دائما على حاله حاضرا كما نزل، والإنسان يتفاعل معه سلبا أو إيجابا، كل تجربة تنال حظها من الاقتراب منه أو الابتعاد عنه. وتلبس الإنسان بالوحي لا يسلب عن هذا الأخير صفته الإلهية ويحوله إلى شيء إنساني محض، بل الشرع نفسه يسمح بهذا القدر من الالتزام الذي يطيقه الإنسان شرط بذل الجهد والإخلاص فيه. فصاحب الشرع يقول: "فاتقوا الله ما استطعتم.."[32] ، وهو لا يكلف نفسا إلا وسعها، والمومنون يقولون "ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وراحمنا أنت مولانا.."[33]. ورسولهم الكريم يقول لهم "إذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه"[34]. وليس هذا تسويغا وتبريرا للتهاون في الالتزام وعدم طلب درجات عليا فيه، لكنه الواقع الذي يكون شرعيا باعتبار الشرع نفسه عندما يقف الإنسان، بعد بذل الجهد والعمل وإخلاص النية والقصد، عند حد معين من الالتزام. إذ ذلك المطلوب شرعا منه، ثم ليس معنى هذا أن الشرع ما لم يطبق كاملا فقد ارتفع وحل محله الإنسان بنوازعه المختلفة، فهذا العمل هو شرعي وإنساني معا، شرعي من جهة الآمر به، وإنساني من جهة القائم به، ولا معنى لفصل أحدهما عن الآخر(*). بل إن الشرع يؤطر الخلاف نفسه الذي يقع باسمه، بدءا من الخلاف العادي البسيط في الرأي إلى الخلاف العالي في أنواع من الاجتهاد، إلى الخلاف المفضي إلى القتال. وتأمل في ذلك قوله تعالى: "وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله"[35]. كيف سمى كلا مؤمنين وأمر بالإصلاح ثم قتال التي تبغي بعد ذلك.

إن الوحي أو الشرع قد نزل فعلا ليتلبس به الإنسان لا أن يبقى مجرد نظريات مثالية جوفاء، وإذا أضفنا أنه الشرع الخاتم للناس كافة، علمنا قدرته الاستيعابية التجاوزية لمختلف التشكلات الاجتماعية، والتي قدمت تجربته التاريخية "العالمية الأولى" نموذجا حيا عنها.

أما أن تتسمى الدولة المتعاقبة "إسلامية" أو بأسماء مؤسسيها، فهذا نظير قول القائل بأن الإسلام لم يؤسس دولة لأن كتابه لم ينص عليها ولا ورد لفظها فيه!!

لم تسلم النبوة بدورها من هذا التفسير، فـ"صحيح أن النبوة بما هي وحي يوحى، مبتدى الإسلام ومبدأه، (…) لكن النبوة بما هي وحي يتلقاه الإنسان، ذات طبيعة ناسوتية وصفة دنيوية. والحق أن الأنبياء قد انخرطوا في الواقع المعاش وتملكوا الحياة الدنيا، إذ كانوا يقودون الجيوش ويفتحون الفتوح ويدخلون البلدان ويدبرون الأمور.."[36]. وكأني بالكاتب يقصد أن الأنبياء كي لا يكونوا "علمانيين" عليهم أن يتخلصوا من ناسوتيتهم وبشريتهم وأن لا يزاولوا أعمال دعواتهم ومعاشهم! بل وفي حتمية علمانية تقريرية نجد عند الكاتب أن "العالم بأحوال دنياه البصير بشؤونها، القادر على مجابهة صروفها وتصريف أمورها، هو علماني دون ريب وإن لم يع علمانيته ويسعى إلى التنظير لها أو تأسيسها عقلا، ولهذا يمكن القول بأن المسلمين كانوا علمانيين بهذا المعنى ولا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك"[37]!!

والعجيب من أمر الفكر العلماني، أن هذا "التفسير الجديد" للعلمانية من خلال تأكيد وإبراز ألفاظ من قبيل (مدنية، دنيوية، أرضية، بشرية، إنسانية، تلبس الوحي بالإنسان، انقطاع الوحي، النسخ فيه..)، والذي يجعل الإنسان المؤمن المكلف بدءا من الأنبياء مرتبطا أشد الارتباط بواقعه ومجتمعه تنظيما وتحديثا، وفق منهج شديد الالتواء، يبتدئ بالإقرار بربانية الوحي والشريعة ثم لا يلبث ينزعها عنهما حين تلبسهما بالإنسان المخاطب المكلف. هذا التفسير كان هو المرفوض والمحارب بكل أشكال التبرير الممكنة لدى فئات علمانية أخرى تحرص كبير الحرص على أن تجعل وظيفة الرسالة والنبوة والشريعة الأولى هي دعوة روحانية تبشيرية تبليغية دينية خالصة، أما شؤون الحياة والدنيا والأرض والسياسة.. فلا دخل للدين فيها، فتلك دعوة زمنية من أجل الدنيا، وهذه دعوة روحانية من أجل الآخرة. ويعمد هذا الاتجاه إلى تجميع الآيات والأحاديث والآثار التي يدعم بها وجهة نظره (آيات التبشير والإنذار والرحمة واليوم الآخر..)، في الوقت الذي يغض فيه الطرف عن "آيات وأحاديث وآثار تشكل الشق الثاني لعموم الرسالة (آيات الحكم والقضاء والسلم والحرب والبيع والشراء..) وما يتعلق بالإنسان المكلف في حياته الدنيا، أو يتم تأويلها تأويلا يصرفها عن الوجه الذي يناقض مراده(*).

لتأكيد مبدأ العلمانية من الداخل ودائما في سياق من الالتباس، يعلمن الكاتب مبدأ الاجتهاد باعتباره الآلة المتحركة بين النص والواقع والعقل البشري. يتساءل "ما هي حقيقة الاجتهاد إن لم يكن ممارسة عقلانية ذات طابع علماني تنويري. والحال، فإنه بالاجتهاد بما هو إعمال للعقل أي بما هو رأي وقياس أو استدلال، إنما يستعيد العقل دوره المعطل ويتحرر من سطوة النص. صحيح أن العقل في الممارسة الاجتهادية مرتبط بالنص محكوم له، ولكن للمسألة وجهها الآخر، ذلك أن من يسلك طريق العقل، أو يلعب لعبته [!]، أو يتبنى استراتيجيته [!] في الدفاع عن النص أو استثماره لا بد أن ينقلب به الأمر، وعندها يصير العقل مؤسسا للنص"[38]. فانظر إلى الاضطراب والغموض في مواطن التشديد: "يتحرر من سطوة النص"، "مرتبط بالنص محكوم له"، "ينقلب به الأمر"، "يصير مؤسسا للنص"، وكل ذلك عن طريق "لعبة يلعبها" أو "استراتيجية يتبناها"!! ولست أدري ما الذي يمنع من تأسيس عقلانية الاجتهاد في الفضاء الرحب والمسؤول والمنضبط الذي يقدمه النص، بما هو دعوة إعمال للعقل، وإنشاء للحوار والشورى وتداول الرأي، وتربية وتعليم، والتزام وعمل.. من غير احتياج إلى مصطلح ملتبس من مرجعية ثقافية أخرى وإقحامه في كل شيء وكأنه المفتاح السحري لحلم النهضة والتغيير والتقدم.. إذا كان الغرض هذه المطالب فعلا.

كاتب آخر يأخذ على نفسه أن حديثه سيكون "حديث تاريخ وسياسة وفكر، وليس حديث دين وإيمان وعقيدة.. حديث مسلمين لا حديث إسلام"[39]، معتبرا أنه "بوفاة الرسول استكمل عهد الإسلام وبدأ عهد المسلمين". ثم لا يلبث يخوض في تاريخ الإسلام يتصيد الأحداث والواقعات الشاذة والنادرة ليجعل منه تاريخ حروب ودماء وخلاعة ومجون على طريقة المنهج الاستشراقي المتحامل، جاعلا من كتب: الحيوان للدميري، ومروج الذهب للمسعودي والفتنة الكبرى لطه حسين.. وما إليها، مصادر "أصيلة" لرواياته ونقولاته. ومعلوم أن ما حوته تلك الكتب من ضعيف الروايات والأخبار وموضوعها وسقيمها ومنتحلها.. مما لا يمكن الوثوق به فضلا عن اعتماده دليلا يبنى عليه. وإذا ما تم اعتماد مصدر في المادة كتاريخ الطبري، نجده ينتقي من الروايات والواقعات ما يخدم توجهه دون نقد وتمحيص ولا معرفة بمنهج الطبري في جمع مادة كتابه بما صح وضعف من الأسانيد ليبرئ ذمته من نقل المادة ويبقى تمحيصها ونخلها على من يأتي بعده. وهذه من أكبر آفات الفكر العلماني عموما، لا في توثيق الأحاديث وأحيانا الآيات –إذا سلم نقلها كما هي- في كتب الآداب والفنون متقدمها أو متأخرها، بل أيضا في ضعف الإلمام بالثقافة الشرعية والعلوم التراثية عموما بالمقارنة مع ما يسعون إليه من معارف الغرب، وقسط كبير من معاداتهم لهذه العلوم نابع عن الجهل بها.

إنه من التعصب الأعمى أن نسمو بتاريخنا من أن توجد فيه سلبيات اقترفها بعض الأسلاف، لكن من الحيف والجور أن نجعلها هي التاريخ كله، ونضرب صفحا عن حضارة حققت ما لا نكاد نحلم به الآن.

ينتهي الكاتب من خلال جولته في أوراق الراشدين والأمويين والعباسيين إلى أن "الفصل هو السبيل الوحيد للحفاظ على الوحدة الوطنية، وأن الوصل هو السبيل الأكيد لهدم صرحها العتيد"، ذلك لأن "وقائع التاريخ التي سردناها في الكتاب تنهض دليلا دامغا [!] على ضرورة الفصل وعلى خطورة الوصل"[40].. ينتهي إلى القفز عبر المسلمين إلى الإسلام وأنه يصلح دينا لا دنيا، وأن تجاربه الخالفة قد جبت تجاربه السالفة، ولا مطمع في العودة إلى الأمجاد إلى من خلال ما يراه الكاتب من استبعاد للدين! وكأن ما تحقق كان بالانفصال عنه لا بالاتصال به. لم يكلف الكاتب نفسه الإجابة عن ماذا فعلت لبلدانها النماذج العلمانية الحاكمة وكل ما بين يديها من إمكانات مسخر لذلك، والغرب من ورائها وأمامها وعن أيمانها وشمائلها يمدها من وراء بر وبحر..؟! وإنما تساءل عما قدمت حركات ناهضة أو تحاول النهوض باسم الإسلام، والعقبات حافة بها من كل جانب. اعتقد الكاتب أنه بتشويه الرصيد التاريخي للأمة قد لحن على مخالفيه بالحجة، وفاته أن ما ذكره من تاريخ، هو تاريخ "خاص" بحتمية "أزلية" للخطابات العلمانية وتلويناتها المتعددة الملتبسة مهما حاولت دفع ذلك عنها. ويكفي أن هم التأريخ للخلاعة والمجون والدماء.. قد فوت عليه النظر إلى الواقع العلمي والحركة المنهجية التي عرفتها الحقبة التاريخية، موضوع دراسته، في مختلف العلوم. وهو لو فعل لاستطاع بذلك على الأقل معرفة تنقيد مروياته التاريخية كي تكون دامغة فعلا.

إنها أزمة فكر حقيقية وعميقة تلك التي يعاني منها الفكر العلماني. أزمة تعكس نوعين من مظاهر اغتراب هذا الفكر، اغترابه الأول في توليه الكلي نحو الغرب لاقتباس هذا المفهوم من بيئة دلالية مغايرة مع تحريف لكثير من مضامينه ومعانيه التي حملها في بيئته. واغترابه الثاني عن ثقافته المحلية التي ترفض خصوصياتها الدينية والتاريخية والاجتماعية قبول هذا المصطلح الملتبس. وأزمته، أنه يحاول منذ عقود خلت تمرير هذا الفكر بتجريب مختلف الوسائل والأساليب، أسلوب "المواجهة" أولا بحمل لواء الدعوة التغريبية الصريحة والعداء للإسلام، أسلوب "المصالحة" ثانيا بعدم الجهر بالعداء للإسلام والإقرار بدين وتراث الأمة، أسلوب "النفاذ" ثالثا إلى هذا الدين والتراث والمناورة من داخلهما(*). ونقرأ لمزيد من توضيح هذا الاضطراب في تناول اللفظ ومفهومه وتأكيد اللبس فيه –مع التركيز على مواطن التشديد-: "نقترح العلمانية بصورة من الصور، علمانية غير معادية للإسلام، بحيث لن تستمد دافعها من شعور لا إسلامي (…) نحن ندعي العلمانية بمعنى أننا نعتقد ضرورة الفصل الجذري بين التشريع الديني والمؤسسات الاجتماعية والقانونية والأخلاقية الممارسة. لكن هذه العلمانية لها حدود حيث نعترف بالعلاقة الجوهرية بين الدولة وبعض عناصر السلوك الأخلاقي والاجتماعي وبنية الشخصية الجماعية والعقيدة الإسلامية. ونحن نؤيد بقاء هذه العقيدة ونؤيد إصلاحها. لا يجب أن يتم [الإصلاح ] على حساب الدين، بل يقع في الوقت نفسه بواسطة الدين وفي الدين ومستقلا عنه"[41]. إنها أزمة فكر مضطرب لم يجد له مشروعية، هي التي تجعل كاتبا مثل هشام جعيط يجمع في نص واحد قصير بين "ضرورة الفصل الجذري" بين التشريع والمؤسسات، وبين "العلاقة الجوهرية" بينهما. بين أن يقع الإصلاح في الوقت نفسه "بواسطة الدين وفي الدين" وبين أن يقع "مستقلا عنه"!!. ثم إنها أزمة منهج أيضا يقوم على إسقاط فكر حديث ومعاصر، بأسماء ومصطلحات ومضامين حديثة ومعاصرة، على فكر قديم ليس من الضروري أن يتطابق وتلك الأسماء والمضامين، بل له القدرة على توليد أسمائه وتجديد مضامينه وفق منظومته الخاصة.

فـ"إذا كانت إشكالية العلمانية.. لم تطرح من قبل في الفكر العربي والإسلامي، فذلك لأن الإسلام الديني كان هو الذي أسس بنفسه للحيز المدني وأكد عليه وشرع له، منذ أن جعل الرسالة المحمدية خاتمة النبوة وكل وحي في العالم، وأعطى للعقل بدءا من ذلك الوقت الدور الوحيد في تسيير المجتمع والتاريخ حتى قيام الساعة(…) وهو ما يعنيه الاجتهاد، وهذا ما فهمه المسلمون الذين سنوا مبدأ التأمل العقلي والتفكير البشري في معاني القرآن. ولم يدع أحد منهم الوحي أو الإلهام الرباني، ولم يقبل لأفكاره أن تكون أكثر من اجتهادات فردية وإنسانية"[42]. و"لو أردنا استخدام اللفظ الحديث لقلنا إن الدولة في المجتمعات الإسلامية، بمعنى الدستور العميق الفاعل الضامن لوحدتها وتضامنها المقوم لوجودها، لم تكن شيئا آخر سوى الدين. ولكن ذلك لم يكن ليتحقق إلا بتطوير مفهوم الدين نفسه في اتجاه شموله العقل الإنساني وليس الوحي فحسب"[43]. فـ"الإسلام كدين لا يضمن تحققه التاريخي تماما دون الدولة، ولهذا فقد كان مؤسسا لدولة، وجاءت الدولة كتتويج طبيعي للجماعة والروح الجمعية التي أنشأها"[44]. و"لا يكفي أن ندمر الدين في مجتمع ما، أو نبعده عن الحياة المدنية حتى يتجلى العقل بقيمه المذكورة، ولو فعلنا ذلك لن نجد أمامنا إلا الأمية والفراغ والهمجية، فالعقل يبني ويربي ويكون، وإذا فشل هذا التكوين فليس السبب مقاومة الدين، ولكن خطأ الاستراتيجيات والسياسات التي أخذت على عاتقها بناءه(…) وفي هذه الحالة ينبغي الرجوع إلى هذه النظريات ورؤية العطب الذي تعاني منه. إن التهجم على الدين غالبا ما يتحول إلى تعويض عن إخفاق العقل وفدية له"[45].

إن "مسألة العلمانية في العالم العربي مسألة مزيفة، بمعنى أنها تعبر عن حاجات بمضامين غير متطابقة مع تلك الحاجات، إن الحاجة إلى الاستقلال في إطار هوية قومية واحدة، والحاجة إلى الديموقراطية التي تحترم حقوق الأقليات، والحاجة إلى الممارسة العقلانية للسياسة، هي حاجات موضوعية فعلا. إنها مطالب معقولة وضرورية في عالمنا العربي، ولكنها تفقد معقوليتها وضرورتها بل ومشروعيتها عندما يعبر عنها بشعار ملتبس كشعار "العلمانية"[46]". والعصر والواقع إنما يعملان على إظهار وإبراز الحاجة إلى تلك المطالب في الوقت الذي تزداد فيه العلمانية انحسارا وتتحول إلى غطاء تبريري "يستخدم في العديد من الحالات للتغطية على قيم الاستبداد والتمييز الاجتماعي والسياسي. وهذا في الواقع مصير كل عقيدة تجاوزتها الحقيقة الاجتماعية والتاريخية.."[47]. فـ"ليس المطروح أن نتناول العلمانية في موطنها الغربي، بل أن نتناولها في تطبيقها العربي، وأن ندرك جيدا الفرق بين العلمانية هناك حيث أنتجت مجتمعا وحضارة، والعلمانية هنا حيث أنتجت التبعية والانحطاط. بين العلمانية هناك حيث عنت الصراع بين الثورة والكنيسة (كمؤسسة سياسية "دينية") وبين العلمانية هنا حيث عنت الصراع ضد الدين"[48]. إن "العلمانية لم تنبثق هنا من الصراع الاجتماعي الداخلي(…) ولكنها نشأت عن طريق التبني من قبل نخبة محدودة العدد وغالبا معزولة عن الشعب"، حيث "تحولت إلى دين جديد لفئة اجتماعية جديدة"، و"أداة قمع اجتماعي وسياسي" بيد هذه الفئة النخبوية ضد الغالبية الشعبية، و"أيديولوجيا تبرير" لضرب حرية الاعتقاد الأساسية، "حرية الرأي والصحافة والتنظيم الحزبي"، و"وسيلة للتغطية على انعدام هذه الحرية في الواقع والممارسة". "جاءت العلمانية العربية كوسيلة لتقوية النظام السياسي القائم وتدعيم الطبقة المسيطرة" و"كاستمرار وتطوير لسياسة فصل الجمهور المتزايد عن السلطة وتحرير الدولة من سلطة الدين آخر مرجع شعبي ووسيلة الضغط الوحيدة بيد المعدمين من السلطة والعلم"[49].

إن فصل دين قائم في معظم مادته على التشريع أصلا للمجتمع، عن توجيه قطاعات هذا المجتمع، هو تنكر بشكل أو بآخر لهذا الدين الذي لا يقبل تجزيئا أو تبعيضا، والتفاف بشكل أو بآخر على تعاليمه في مجالات الحياة المختلفة. أما نقد التطبيقات السلبية أو الفاشلة فهذا أمر مطلوب باسم الدين نفسه، ولا يمكن أن تعود عليه بالإبطال والإلغاء مهما كانت ومهما تلبس بها الإنسان. فدعوة الشرع إلى النقد والتقويم والمراجعة والاعتبار من التجارب الماضية أو الحاضرة وتشديده في ذلك، حتى في حق الرسول الذي يوحى إليه، دليل على أن استيعاب تلك التجارب وتجاوزها نحو الأفضل والأمثل مطلوب شرعا، وإذا بذل الجهد وتوقف الإنسان عند حد معين من الإنجاز فذلك المطلوب منه شرعا. إن الشرع الموجه لقيم الثقافة والحضارة حاضر دائما في كل تجربة، سلبية بتقويمها وتسديدها وله فلسفته وأحكامه في الإصلاح والتقويم، وإيجابية بتشجيعها وتأييدها وله كذلك منطقة في التجديد والبناء. إنه الشرع الخاتم الذي نزل للحياة الدنيا والحياة الآخرة معا، يقيم بينهما نسبا من الاتصال والارتباط لا تنفصم عراه إلا بمفارقة الإنسان للدين أو للدنيا. وقد ذهب الشيخ محمد عبده إلى "أن فصل الدين عن الدولة ليس غير مرغوب فيه فحسب، بل هو مستحيل، ذلك أن الحاكم لا بد له من أن ينتمي إلى دين معين، فكيف يمكنه أن يتحرر في أفعاله من تأثير هذا الدين. فالإنسان وحدة، لا مجرد شيئين يتصل أحدهما بالآخر، وهي الجسد والروح اللذان لا انفصال بين وظائفهما، فكيف يمكن إذن فصل السلطات التي تهيمن عليها"[50].


و"ليس صحيحا أن يقال إن الدين والدولة جانبان أو وجهان لشيء واحد. فالإسلام حقيقة مفردة لا تقبل التحليل، وهو يبدو في صورة أو أخرى بحسب نظرك إليه"[51]. "إن تجزئة ما أنزل الله إلى ديني وغير ديني تجزئة مضللة ولا تقوم على أساس سليم"، وهي كمن يقبل قوله تعالى "وأقيموا الصلاة"[52]. ويرفض قوله "وآتوا الزكاة"[53]. يقبل قوله "وإلهكم، إله واحد إله إلا هو الرحمن الرحيم"[54]، ويرفض قوله "إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون[55]".[56]    .

 



(*) حدثنا د.المسيري أنه حمل أعمال بعض العلمانيين العرب إلى بعض العلمانيين في الغرب فأنكر هؤلاء إنكارا جازما وفي شيء من السخرية أن يكون هذا المكتوب له علاقة بالعلمانية فضلا أن يكون هو العلمانية ذاتها.

(*) اعتمد هنا بشكل أساسي في تحديد المفهوم اللغوي والاصطلاحي للعلمانية على: عبد الوهاب المسيري: مقدمة لتفكك الخطاب العلماني، نموذج تفسيري وتصنيفي جديد، (بحث مرقون)، ج1/ص244 وما بعدها. وينوي الكاتب إصدار هذا العمل في موسوعة من ثلاثة أو أربعة أجزاء تحت عنوان "العلمانية الإمبريالية الشاملة".

[1] - انظر قائمة طويلة بالمصطلحات ودلالاتها التي تشترك أو تتداخل مع العلمانية في نفس الحقل الدلالي، أو قل هي إحدى تجلياتها، المسيري: مقدمة لتفكيك الخطاب العلماني، ج1، ص247-300.

[2] - انظر بهذا الصدد الكتب التي أرخت لهذه المرحلة، وعلى سبيل المثال: ول ديورانت: قصة الحضارة، ج14 وج21.. ولم أشأ التطويل بنماذج ونصوص لكل حالة من حالات التطرف المذكورة، فلتنظر في مظانها وإن كان أغلبها قد غدا معروفا ومكشوفا.

(*) كمجلة الجنان لبطرس البستاني، والمقتطف ليعقوب صروف وفارس نمر، والهلال لجرجي زيدان، والجامعة لفرح أنطون.. ودعوات شبيلي شميل الأولى للداروينية.. وغيرها. ويرجع د.الجابري بعض عوامل تبني المسيحيين العرب للعلمانية إلى كونهم أقلية دينية ترغب في حماية حقوقها السياسية والمدنية. وبالرغم من أن تلك الحقوق "لا يمكن ممارستها إلا في ظل الديموقراطية، فإن الليبرالي العربي (المسيحي خصوصا) فضل آنذاك توظيف شعار "العلمانية"(…) ليس فقط لأنه كان يريد فصل أو انفصال العرب عن الترك وبناء الدولة القومية بدلا من الخلافة الإسلامية، بل أيضا –ولعل هذا هو السبب الدفين- لأن الديموقراطية تعني حكم "الأغلبية" وبالتالي تهمش "الأقلية" التي كان منها وينطق باسمها". الخطاب العربي المعاصر، ص93، دار الطليعة، ط2/1985.

[3] - المسيري: مقدمة لتفكيك الخطاب العلماني، ج1/ص246.

[4] - جورج طرابشي: عرض لكتاب العلمانية لموريس باربييه. مجلة أبواب، ع7/1996، ص131.

[5] - الجابري: في حوار أجريناه معه. منشور بجريدة الراية، أع: 187-188-189 / 1416-1996.

[6] - محمد أركون: في حوار أجريناه معه، منشور بملحق الفكر الإسلامي لجريدة العلم، أع: 4-7، أبريل 1997.

[7] - الجابري: حوار ملحق رقم 2، ص626. ويذهب الكاتب إلى أن "التجربة العلمانية الوحيدة الصريحة والمعلنة في العالم الإسلامي هي التجربة التركية، وهي تجربة لم تسفر عن شيء يختلف عما عليه الأمر في باقي الدول العربية الإسلامية. فتركيا لم تتقدم كالدول الأوروبية، والإسلام في تركيا قائم حي بما في ذلك الإسلام السياسي"، نفسه، ص627.

[8] - برهان غليون: نقد السياسة، الدين والدولة، ص402 (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1/1979).

[9] - برهان غليون: (المحنة العربية، الدولة ضد الأمة) (حوار)، مجلة النهج، ع38، س11 – 2/1995، ص280.

[10] - برهان غليون: المسألة الطائفية، ص67 (دار الطليعة، ط1/1979).

[11] - برهان غليون: اغتيال العقل، ص267 (دار التنوير، ط2/1987).

[12] - برهان غليون: المسألة الطائفية، هامش ص69-70. وانظر قريبا من هذا التمييز أيضا بتعبير مخالف، الحوار المتقدم معه في مجلة النهج، ص280.

[13] - المسيري، مقدمة.. ج1/ص237.

[14] - نفسه، ج1/ص237.

[15] - صلاح قنصوة: (المثقف المصري إزاء المشكلة الزائفة للهوية)، ع10-11، س3/1411-1991، ص33.

[16] - محمد أركون: أوروبا الإسلام الغرب، ص102، دار الساقي، ط1/1990.

[17] - نفسه، ص103. هذا بغض النظر عما يمكن توجيهه من تساؤلات حول مقدمات الكاتب، كالتساؤل مثلا حول "الموقف الحيادي" وعلاقته بـ"المعرفة النقدية" والتساؤل حول "التوصيل" و"التأطير" وحدود العلاقة بينهما.. فهل ذلك ممكن فعلا؟ وما نسبة إمكانه؟ وماذا قدمت التجارب المختلفة؟..

[18] - أركون: (الإسلام والحداثة)، ندوة مجلة مواقف، ص16، دار الساقي، ط1/1995.

[19] - أركون: أوروبا الإسلام الغرب، ص101.

[20] - انظر ذلك بتوسع في: مقدمة لتفكيك الخطاب العلماني، نماذج من علمنة قطاعات الحياة المختلفة: السياسة، الاقتصاد، التعليم، الأسرة، الطعام، الملابس، الجسد، الجنس، الأحلام والرغبات، الرياضة.. أيضا علمنة العلوم الاجتماعية والإنسانية والطبيعة.. ج1/ص323-338.

[21] - نفسه.

[22] - المسيري: مقدمة.. ج2/ص448.

[23] - نفسه، ج2/ص445.

[24] - نفسه، ج2/ص416.

[25] - إدريس الكتاني: المغرب المسلم ضد اللادينية، مطبعة الجامعة بالدار البيضاء، 1378-1958، ص101-102.

(*) نقرأ في هذا المعنى لبرهان غليون "إن العلمنة نفسها لا تفترض ولم تفترض في أي مكان فصل الدين عن السياسة، أو المعارضة في قيمها، فقيم السياسة لا يمكن أن تصدر عن شيء آخر غير معتقدات المجتمع وإيمانه، وإلا أصبحت السياسة نفيا لهويته الوطنية. إنها التمييز بين مهام رجال الدين ومهام رجال الدولة. وهم جميعا يخضعون من حيث المبدأ، أو المفروض يخضعون في مجتمع سيد للقيم ذاتها والأهداف والتربية والتكوين العام الجماعي والقومي ذاته. أي أنه فصل (أي تحديد أيضا) بين صلاحيات لا بين أنماط قيم وعيش". (نقد السياسة، الدين والدولة، ص332، 333). والحق أن كلام غليون إن كانت له بعض المصداقية على المستوى النظري، وفي المراحل الأولى للعلمانية، فإن القيم الموجهة للعلمانية الحالية الآن لا علاقة لها بالمعتقد، القيم المادية النفعية اللحظية التي تحولت هي نفسها إلى عقائد لدى أصحابها. أما التمييز بين الاختصاصات فهذا أمر عرفته وتعرفه كل المجتمعات تقريبا.

[26] - أركون: الفكر الإسلامي قراءة علمية، ص135، مركز الإنماء القومي، بيروت، ط1/1986. لاحظ تبسيط الكاتب في التقريب بين النموذجين علما بأن الفروق بينهما عميقة والمواقف تجاه الحداثة متباينة جدا، خاصة بمفهومها العلماني.

[27] - حنفي: التراث والتجديد، دار التنوير، بيروت، ط1/1981، ص155.

[28] - نفسه، ص155.

[29] - نفسه، ص55.

(*) علق د.الجابري على مقولة "الإسلام دين علماني" بأنها لا تختلف عن عبارات مثل "الإسلام دين اشتراكي" و"الإسلام دين رأسمالي".. الخ، "فهذه العبارات ومثيلاتها لا تحل المشكل ولا تدفع إلى التفاهم". وأكد بعدها أن الإسلام دين ودنيا و"أنه قد أقام دولته منذ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن هذه الدولة توطدت أركانها زمن أبي بكر وعمر.. وإذن فالقول بأن الإسلام دين لا دولة.. قول يتجاهل التاريخ. فالعلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة غير ذات موضوع في الإسلام، لأنه ليس فيه كنيسة حتى تفصل عن الدولة أو تفصل الدولة عنها". مجلة اليوم السابع (حوار المشرق والمغرب)، العلمانية والإسلام، ع256، ص3/1989، ص20.

[30] - علي حرب: النص والحقيقة II، نقد الحقيقة، المركز الثقافي العربي، ط1/1993، ص62.

[31] - علي حرب: النص والحقيقة، ص65.

[32] - سورة التغابن، آية 16.

[33] - سورة البقرة، آية 285.

[34] - انظر تمام الحديث في: صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، ج9/ص100-101. أخرجه أيضا ابن ماجة وأحمد.

(*) لم يسلم من هذا اللبس حتى بعض نقاد العلمانية في زيها العربي، انظر في هذا ما ذهب إليه برهان غليون حين اعتبر "أن الذي يعاقب على الأرض عند تطبيق الأحكام هو الحاكم البشري(…) وهو لا ينفذ بأي شكل إرادة الله، ولا يعيره ذراعه ولا يقوم في مكانه لتطبيق قصاصه، فقصاص الله مكانه وموعده يوم القيامة(…) وقصاص المجتمع قصاص مدني وأرضي سواء أكان مستوحى من تعاليم الله أو العقل"، (نقد السياسة الدين والدولة، ص368). ويتوجه عليه ما توجه على سابقه. فقصاص الله هو في الحياة الدنيا وفي الآخرة معا، والإنسان مكلف بتنفيذ الشق الأول وفق مقتضيات الشريعة ذاته، فهو "مدني وأرضي" بهذا الاعتبار، وحكم الحاكم إذا استوفى شروطه في نازلة أو قصاص هو حكم شرعي بالاعتبار نفسه.

وفرق كبير بين هذا الذي ذهب إليه برهان غليون وبين مراده في التمييز بين "الشريعة بما هي دين منسوب إلى الله، أي نابع منه، وبين الشريعة بما هي مذهب فقهي واجتهاد منسوب للمجتهد، [ وكون ].. الخلط بينهما.. يهدد بأن يحول البشري والمدني والإنساني إلى الإلهي". قريبا من هذا أيضا ما ذهب إليه د.الجابري في تمييزه بين عمل "الزعيم السياسي والفاتح العسكري" وبين عمل "النبي الرسول". ففي شيء من الغموض والالتباس الكبيرين يقرر الكاتب أولا أن "الرسول كان بالفعل رئيس الجماعة الإسلامية وقائدها(…) خاض حروبا وقاد حملات ونظم شؤون الجماعة وسهر على وحدتها وبعث بعوثا وعين عمالا، لكنه فعل ذلك كله لا بوصفه زعيما سياسيا أو قائدا عسكريا، بل بوصفه صاحب دعوة وناشر دين جديد"! والأغرب من هذا قوله ثانيا، في الفرق بين الوضعين، "أن الزعيم السياسي والفاتح العسكري يقصران اهتمامهما على شؤون الدنيا وحدها [!]، شؤون الحكم والسياسة(…) أما النبي الرسول فهو يركز اهتمامه ودعوته على المصير بعد الدنيا، على شؤون الآخرة.." (الدين والدولة، ص14-15). فانظر كيف يناقض آخر الكلام أوله، وكأن الفتوحات التي استمرت بعد الرسول صلى الله عليه وسلم والتي ترأسها قادة وزعماء وهم قبل ذلك دعاة، لم تكن لنشر الدين الجديد وتعاليمه في الدنيا والآخرة، وكأنها كانت من قبيل الحركات الاستعمارية الغربية ذات الطبيعة المادية المحض. ولا أدري معنى لهذا التكلف في التمييز بين العملين بالرغم من وضوح النصوص والدلالات والمعطيات، إلا أن يكون معنى واحدا، وهو الاضطراب النابع من أصول التفسير العلماني ذاتها حين تنزيلها على تاريخ ومجتمع وثقافة مغايرة.

وفرق كبير أيضا بين ما ذهب إليه الجابري هنا، وما أراده، في مكان آخر، من جمع الصفتين "العلمية والسياسية" في شخص واحد: "أن يكون الحكام "علماء" بالدين مخلصين له قائمين بأمره"، "والعلم بالدين هنا لا يعني مجرد المعرفة بأحكامه، بل أيضا، وهذا أهم، امتلاك القدرة والصلاحية على الاجتهاد فيه اجتهادا يجعل أحكامه تستجيب للتطور وتعتبر وجه المصلحة العامة في كل وقت وعصر"، وأن هذا الجمع "إن تحقق على عهد الخلفاء الراشدين، فقد تعذر بعدهم ولم تزده الأيام والسنون إلا صعوبة وندرة" (نفس المرجع، ص34). فالجمع بين السلطتين واضح، كما تقدم، في حديث "إذا اجتهد الحاكم فأصاب"، وفي شروط المجتهد.. ولا علاقة تبعية ولا لزومية بين انفصال العلم عن الحكم، وانفصال الدين عن الدولة. فقد كان الخلفاء الراشدون وهم علماء حكام يستشيرون وتفوتهم من العلم أشياء. وإنما على من لم يضم إلى سلطة الحكم سلطة العلم، أن يوسع دائرة الشورى من أهل الشرع والرأي حتى تدار أمور الحكم والدولة على مدار الإسلام, فهذا المهم والجوهري لا الأشكال والرسوم والأسماء. صحيح أن هذا الانفصال قد خلف نتائج وآثارا سيئة في تاريخ الأمة تتجلى في تهميش كثير من العلماء واستبداد كثير من الحكام، وأن الجمع بينهما يوفر كثيرا من هذه المتاعب وهو المطلوب شرعا، لكن مهما كان الأمر فإن ذلك لا يعني بالضرورة فصل الحكم والدولة عن الشرع والدين.

[35] - سورة الحجرات، آية 9.

[36] - علي حرب، النص والحقيقة، ص61.

[37] - نفسه، ص68.

(*) انظر كتابات من هذا القبيل في: علي عبد الرزاق، الإسلام وأصول الحكم، وسعيد العشماوي: الإسلام السياسي، والخلافة الإسلامية.. وغيرها. وإن كانت هذه الكتابات عموما تشترك مع غيرها في أصل الدعوى وفي كثير من القضايا الأساسية والثانوية.

[38] - علي حرب: النص والحقيقة، ص63.

[39] - فرج فودة: الحقيقة الغائبة، عيون المقالات، ط2/1989، ص6.

[40] - فرج فودة: الحقيقة الغائبة، ص145.

(*) ليس من الضروري أن تكون هذه الخطوات دائما بهذا الترتيب، فهناك من اختار منذ البداية الانطلاق من قلعة التراث محاولا استيعابه على تشعباته، والنظر في نفس الوقت إلى قلعة الآخر علوما ومناهج وتجارب وتنزيلها بشكل أو بآخر على التراث.. وإن كانت كلها محكومة بمنطق لا تخفى تداعياته العلمانية تصريحا أو تلميحا، ويكفي أن نشير إلى نموذجين كبيرين استجمعا هذه الشروط "الشمولية" في التناول: أعمال محمد أركون، ومشروع حسن حنفي خصوصا. أما الترتيب المذكور فهذا يمكن لمسه في الخطاب العلماني بمختلف توجهاته القومية واليسارية والليبرالية، والناظر في سيرورتها التاريخية عمليا وتنظيريا يلمس دون شك تلك التحولات عند معظمها.

[41] - هشام جهيط: (الإصلاح والتجديد في الدين)، مجلة الاجتهاد، ع10-11، ص3/1411-1991، ص222.

[42] - برهان غليون: نقد السياسة الدين والدولة، ص288.

[43] - نفسه، ص98.

[44] - نفسه، ص124.

[45] - نفسه، ص346.

[46] - الجابري: وجهة نظر، ص111، المركز الثقافي العربي، ط1/1992.

[47] - برهان غليون: نقد السياسة.. ص405-406. وانظر حديثه عن نماذج من العلمانية حكمت فتحكمت ولم تنجز شيئا من وعودها، كحكم الشيوعية العلمانية الأكثر تشددا التي "لم تحل بعلمانيتها أي شيء. ولكنها أنتجت (…) أكثر النظم استبدادا وتعصبا وضيقا مذهبيا، فلم تكفل حرية الاعتقاد المذهبي والفكري ولا ضمنت قيام الحريات الأساسية والمساواة الفعلية بين المواطنين. ويمكن تكرار الفعل نفسه بالنسبة لبعض الأنظمة العربية التي لم تمنعها علمانيتها المعلنة، وهو ما يجعلها مقبولة لدى الغرب، من ممارسة أقسى السياسات طائفية".

[48] - عبد الإله بلقزيز: تعقيب في ندوة الحوار القومي الديني، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1/1989، ص102.

[49] - برهان غليون: المسألة الطائفية، انظر في النقول المتقدمة، ص11-12-52-53-66-82-88.

[50] - حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة، ص309، ترجمه كريم عزقول، دار النهار للنشر، ط1/1986.

[51] - محمد إقبال: تجديد التفكير الديني، ص177، ترجمة عباس محمود، ط2/1968، القاهرة.

[52] - سورة البقرة، آية 42، وتكررت بهذه الصيغة المزدوجة مرات عديدة.

[53] - نفسه.

[54] - سورة البقرة، آية 162.

[55] - سورة المائدة، آية 92.

[56] - القرضاوي: من أجل صحوة راشدة، ص77-78، دار المعرفة، البيضاء، المغرب.