ص1      الفهرس     41-50

مصير الوطن العربي ومساراته

عز الدين الخطابي

تقديم:

تنامت في السنوات الأخيرة المواقف المنادية بـ"موت الإيديولوجيا" وبـ"نهاية التاريخ". وهي بمثابة نسخة منقحة عن النظريات والتصورات التي سادت في السبعينيات والثمانينيات حول "موت الإنسان" نتيجة لهيمنة الأنساق والبنيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي اختفى في إطارها الإنسان الفاعل والإرادي.

وبطبيعة الحال فإن مقولة "موت الإنسان" هي تعبير مجازي عن تقلص فاعلية الإنسان وتأثيره في محيطه الخارجي "لأنه في النهاية نتاج بنيات وشروط خارجية تؤثر في إرادته وسلوكاته ومواقفه"[1]. ولقد عبر الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو عن ذلك، حينما أقر بأن مقولة الإنسان هي مقولة إيديولوجية استخدمتها الثقافة الأوروبية للتعبير عن تحول عميق حدث في الثقافة وتمثل في إيلاء الإنسان مكانة مركزية في المعرفة والتاريخ. وهذا الإنسان سرعان ما امحى على يد العلوم الإنسانية كما تمحي صورة الوجه المرسومة على الرمل، بفعل هبة أول موجة على الشاطئ. لذلك فإن علوم الإنسان ستنتشر من الآن فصاعدا في أفق لم تعد تهيمن فيه النزعة الإنسانية. فالإنسان سيختفي في الفلسفة لا كموضوع للمعرفة بل كذات تتمتع بالحرية والوجود[2].

ومن "نهاية الإنسان" إلى "نهاية التاريخ" ليس هناك سوى خطوة سيجتازها المنظر الأمريكي الجنسية [ الياباني الأصل ] فرانسيس فوكوياما، وذلك ضمن مقالة شهيرة له، نشرت صيف 1989 بمجلة The national interest تحت عنوان "نهاية التاريخ" وتم تحليل عناصرها بشكل موسع ضمن كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير[3]، حيث سيتناول المسألة في بعدها السياسي والاقتصادي والحضاري، بعد أن طرحها فوكو من قبله في سياقها الفلسفي والمعرفي. هكذا سيبين أن الإنسان يوجد في أواخر هذا القرن على مشارف نهاية التاريخ، لأن الديموقراطية الليبرالية واقتصاديات السوق لم يعد لها منافس كوني. وكما هو معلوم، فإن أطروحات فوكوياما قد أثارت موجة من الاحتجاجات والاعتراضات والجدل في الأوساط الاقتصادية والسياسية والفكرية عموما.

ومع ذلك، لا يزال فوكوياما يؤكد بأنه لم يحدث في السياسة الدولية أو الاقتصاد العالمي خلال السنوات العشر الماضية، ما يمس صحة استنتاجاته بأن الديموقراطية الليبرالية واقتصاديات السوق هي البدائل الوحيدة الملائمة للمجتمعات الحديثة. وقد جاء ذلك في مقالة له تناقلتها مؤخرا بعض الصحف العربية [ كجريدة الشرق الأوسط وأسبوعية العصر بالمغرب ] وملخصها أن الفوضى المالية التي أدت إلى الأزمة الاقتصادية الآسيوية والاضطراب الذي ظهر فجأة في النظام المالي العالمي، كانت أخطر على مقولة "نهاية التاريخ" من كل ما حدث في النصف الأول من هذا العقد.

وسيلاحظ فوكوياما بأن العولمة جاءت لتبقى وذلك لسببين هامين على الأقل.

ـ الأول أنه ليس هناك نموذج تنموي بديل يعد بنتائج أفضل من نتائج العولمة.

ـ أما السبب الثاني، فإنه يتعلق بالتقنية. فالعولمة الحالية أصبحت معززة بثورة المعلوميات التي نشرت الهاتف والفاكس والتلفزيون والانترنيت في أقصى المعمورة. لذلك فإن الذين حاولوا دحض نهاية التاريخ استنادا إلى الأحداث السياسية والاقتصادية كانوا كمن يغنون لعشيقة صماء. وسيختم عرضه بالقول: "إن التقنية الحيوية ستزودنا خلال جيلين بالطرق والوسائل التي تؤهلنا لإنجاز ما أخفق فيه المهندسون الاجتماعيون في الماضي، عند ذاك سنكون قد كتبنا نهاية التاريخ الإنساني، لأننا سنكون في الواقع قد ألغينا الناس أنفسهم، وحينها سيبدأ تاريخ جديد.. تاريخ ما بعد الإنسان"[4].

على الرغم مما قد تثيره هذه الآراء من ردود أفعال معارضة، فإن هناك حقيقة تتضمنها أطروحات فوكوياما كخبير في القضايا الاستراتيجية، وهي أن وتيرة التقدم بالعالم الغربي تزداد تسارعا، كما أن القيم التي يدافع عنها هذا الأخير ويعمل على تكريسها، مثل المبادرة الخاصة والنزعة الفردية ومبادئ الليبرالية والديموقراطية، تزداد انتشارا.

وفي ظل هكذا أوضاع، أي مصير ينتظر وطننا العربي وما هي المسارات الواجب اتباعها لضمان حق الشعوب العربية في التنمية والتقدم والكرامة؟

1 – عن المسار والمصير:

قبل الإجابة على هذه التساؤلات والقيام من خلال هذه الإجابة بتشخيص الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بوطننا العربي، نتوقف لحظة عند مفهومي المسار والمصير، مستنطقين خلفيتهما الفلسفية وحمولتهما الفكرية والاجتماعية. فالمسار هو بمثابة طريق وبحث عن منفذ، وهو، يضع الفكر وجها لوجه أمام موضوعه. وإذا ما اعتبرنا الطريق نهجا [أو منهجا] واعتبرنا الفكر سيرا على نهج بغية الحصول على المعرفة، فإننا نستنتج بأن الطريق هو في جوهره "طريق الإبداع"[5].

فالطريق يقتضي السير باتجاه الهدف. لكن المسار لا يفضي دائما إلى نهاية الطريق، لأنه بمثابة كشف ومساءلة وانكشاف.

إن المسار يقول الفيلسوف الألماني هايدجر، هو التوجه نحو داعينا وهو ما يسمح لنا بنهج السبيل، لذلك فإن لفظة مسار تقترن بالكائن الإنساني باعتباره حاملا للفكر[6]. وهنا يرتبط المسار بفعل الإنسان وإرادته وبفعاليته الفكرية والاجتماعية والتاريخية بغية إقرار وتقرير مصيره.

وحسب التحديد الهايدجري، فإن مفهوم المصير يعني المغامرة الأصلية للوجود التاريخي لشعب ما، إنه "بمثابة الاقتدار المستعد دوما لتجاوز كل الحواجز التي تواجه كيانا ما"[7].

إن الأمر يتعلق بانخراط جدي ومسؤول في الواقع التاريخي كمصير مشترك لكل الشعوب. "فعبر التواصل والنضال تتحرر كل قدرات المصير المشترك الذي يشكل، باعتباره مصيريا destinal، المغامرة الخاصة لكائن موجود هنا والآن[8]. فالشعوب لا تراقب مصيرها ولا تمسك به إلا بقدر ما تتوفر عليه من إمكانات "وليس تدبير المصير سوى انفتاح شعب ما على المستقبل، داخل الممكن التاريخي الخاص به Son propre historialité"[9].

في ضوء هذه التحديدات، كيف يمكن للشعوب العربية أن تتصرف في مصيرها وأن تنخرط بالتالي في مصير العالم وتفصح عن الممكن التاريخي لديها، كأفق للإبداع وليس للاتباع وكمجال للإرادة والفعل وليس للاتكال والخضوع؟

هذا مع العلم بأننا لن نشارك حقا في مصير العالم، إلا بالقدر الذي نكون فيه واعين بواقع عصرنا وبالأفق الذي ينتظرنا.

2 – في تشخيص الوضع العربي:

يقتضي الحديث عن مصير الشعوب العربية، التوقف أولا عند الأوضاع العربية القائمة بهدف تشخيصها وإبراز الميكانيزمات المتحكمة في سيرورتها. ولا تدعي عملية التشخيص الإحاطة بكل الجوانب المتعلقة بهذه السيرورة، بل تهم أساسا قضايا التقليد والحداثة والديموقراطية والتنمية. وهو ما سيسمح لنا فيما بعد، بإثارة أبرز التحديات التي تواجه شعوبنا في أفق الألفية الثالثة، ونقصد بذلك تحديات العولمة والحداثة.

ونود في البداية، تقديم شهادتين لمفكرين عربيين بارزين، تعتبران بمثابة تقييم للوضع العربي الراهن.

ـ الأولى لهشام شرابي في دراسة له حول البنية البطركية ومفادها: "أن العالم العربي [ المجتمع العربي ] من الناحية الثقافية والسياسية، عالم كئيب، ثقيل الوطأة يصعب النضال فيه من أجل الأهداف الديموقراطية والإنسانية. أما بالنسبة إلى شعبنا العربي [وليس بالنسبة إلى المثقفين و"الواعين فيه" وحدهم ]، فقد يخبئ له المستقبل أقل مما نتمناه. ولعل رغبتنا شديدة في التغلب على الصدمة التي سيطرت على الجيل الذي ننتمي إليه والتي تسيطر أيضا على الجيل الطالع، لعل هذه الرغبة هي التي تدفعنا إلى التأكيد على أن مجتمعنا ليس فقط قادرا على الاستمرار في البقاء، بل أيضا على تجاوز ما في صميمه من عقبات وعوارض مرضية، وما يواجهه من أخطار ومصاعب، كي يتحول من مجتمع مكبل وعاجز، إلى مجتمع حر وحديث تتوفر فيه كل عناصر القوة"[10].

ـ أما الشهادة الثانية فهي لبرهان غليون، ضمن دراسة له حول الديموقراطية العربية ومفادها: "أن اليأس بدأ يدب في أوساط الجمهور الذي يتحمل بصعوبة بط ء الإصلاحات والتحولات في مجتمع يعيش أكبر أزماته التاريخية.. فهناك يأس من جدية الانفتاح الذي حصل نحو بعض الفئات السياسية باسم التعددية والديموقراطية. وهناك يأس كذلك من التقدم في الإصلاحات الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، لدرجة أصبح حديث الشعوب العربية في مجموعها، حديث الغلاء والجوع والفقر"[11].

إن المطلع على هاتين الشهادتين، يستنتج على الفور بأن اللوحة قاتمة، وأن العالم العربي مشتت، عاجز، مكبل، مريض، يائس، تعاني فئات عريضة فيه من الفقر والأمية، مما ينعكس سلبا على فعاليتها وإرادتها في تجاوز هذا الوضع.

ونعتقد أن المشكلة الأساسية تتمثل في الطابع الهجين الذي يسم القيم السائدة في مجتمعنا العربي، سواء تعلق الأمر بقيم اجتماعية أو بمفاهيم اقتصادية أو سياسية أو حقوقية، حيث أفرغت هذه المفاهيم من مضامينها الفعلية وأصبحت مجرد جمل شعارية ليس إلا. وهذا هو حال مفاهيم كالديموقراطية وحقوق الإنسان والإرادة الشعبية والإقلاع الاقتصادي والتنمية والمساواة والعدالة الخ.

إلا أن الواقع يفيد غير ذلك، فهناك فقدان الثقة الشعبية بالسلطة وبالنخب السياسية وغياب للروح المدنية والوطنية المؤمنة بالمصلحة العامة، وبالتالي سيادة القيم الأنانية والانعزالية والنفعية والزبونية.

وهذا الوضع الهجين نابع من تأرجح الإنسان العربي بين قيم متنافرة في جوهرها، مثل قيم التقليد والحداثة وقيم الديموقراطية والاستبداد وقيم الخضوع والتحرر.

وسنتوقف في هذا الإطار عند حالتين وهما: حالة الإنسان العربي بين مطرقة التقليد وسندان الحداثة وحالته بين عنف الإخضاع ومطمح الحرية والديموقراطية.

أ – في التقليد والحداثة:

نود الإشارة إلى أن التعريف الشائع للتقليد يعني الالتزام بقواعد السلوك الاجتماعي المحددة سلفا، والخضوع لنظام المجتمع وثقافته، ورفض كل بديل يمكنه أن يحقق القطيعة مع الماضي وإلزاماته. وكما يؤكد جورج بلانديي G.Balandier "فإن مفهوم التقليد ينطبق على مجموع القيم والرموز والأفكار والإلزامات، التي تحدد انتماء الفرد إلى نظام اجتماعي وثقافي، نظام يبرر ذاته بالرجوع إلى ماض هو بمثابة حصن منيع أمام قوة التغيير"[12].

وتتحدد وظيفة التقليد في إعادة إنتاج نفس الأنماط السلوكية ونفس العلاقات الاجتماعية التي كانت موجودة في الماضي، باعتبارها مرجعا أو قدوة. لذلك فإن هذا المفهوم يستدعي "رفض أو عدم القدرة على تقبل أي بديل يمكنه المساهمة في قطع الصلة مع الإلزامات المحددة من طرف الماضي"[13].

لكن بالرغم مما قد يصدر عن المجتمعات التقليدية من ردود أفعال ومن مقاومة تجاه التغير والتجديد، فإنها تظل مع ذلك قابلة للتحول. لأن كل مجتمع، بما في ذلك المجتمع التقليدي، يشكل حقلا للصراع بين عناصر التجديد وعناصر المحافظة، "فهو مجال المواجهة الدائمة بين عوامل الثبات وعوامل التغيير، وبالتالي فإنه يحمل في طياته أسباب انتظامه وأسباب الخلخلة المؤدية إلى تحويله"[14].

في المقابل، تعني الحداثة القطيعة مع الأنماط التقليدية على مستوى القيم والعادات والعلاقات الاجتماعية، وتسمح ببروز أدوار جديدة يحددها في المقام الأول، التطور الاقتصادي الناجم بدوره عن التطور الصناعي والتكنولوجي والتنظيم العقلاني للمجتمع. وقد كانت فكرة الحداثة في صورتها الأكثر طموحا، هي التأكيد بأن الإنسان إرادة وفعالية، وبأن هناك تلاؤما بين الإنتاج الذي أصبح أكثر فاعلية بفضل العلم والتكنولوجيا والإدارة المعقلنة وتنظيم المجتمع بواسطة القانون وأيضا إرادة التحرر من كل الإكراهات. ويلاحظ ألان تورين A.Touraine بهذا الصدد أن العقل هو الذي يحرك العلم وتطبيقاته، وهو الذي يتحكم في تكيف الحياة الاجتماعية مع الحاجيات الفردية والجماعية، وهو الذي يستبدل الاعتباطية والعنف بدولة الحق وبالسوق. فالإنسانية بتصرفها وفق قوانينه، تستطيع أن تتقدم في نفس الوقت، نحو الوفرة والحرية والسعادة"[15].

ونتساءل في هذا الإطار: ما هو الموقع الذي تحتله الأقطار العربية ضمن ما سماه تورين بمجال الوفرة والحرية والسعادة؟ من المؤكد أنها لا تعثر لها على مكان في هذا المجال، وأن وضعها الحقيقي بالهامش، لأن مقومات الحداثة، وخصوصا الجوانب المتعلقة بالتنظيم العقلاني وبسيادة القانون والحق، لازالت تواجه بمقاومة عنيفة من طرف الذهنية العتيقة التي تغلف رفضها للقيم الحداثية باللجوء إلى مفاهيم الهوية والأصالة والمحافظة. ولدينا نماذج عديدة من هذه المقاومة الفاعلة، من أبرزها الموقف من تحرر المرأة ومساهمتها في بناء المجتمع وفي تقدمه. وكمثال على ذلك: الموقف السلبي من العمل السياسي للمرأة، بل ومن مشاركتها الانتخابية وكذلك من الدور الذي يمكن أن تلعبه كمسيرة في قطاعات هامة: اقتصادية ومالية.

ولا يسعنا إلا أن نثمن الفكرة القائلة بأنه "لا يمكن للمجتمع أن يصبح حرا، إذا كان نصفه مستعبدا أو مشلولا"[16].

وهنا تطرح مسألة الحقوق والواجبات ومسألة الحرية والديموقراطية داخل المجتمع العربي، وهي أيضا إحدى المعضلات التي تعاني منها شعوبنا العربية.

ب – عن الحرية والديموقراطية:

هناك رهان مصيري يواجه الشعوب العربية في أفق الألفية الثالثة، وهو المساهمة في بناء الثقافة الديموقراطية وثقافة حقوق الإنسان والتسامح، وذلك بمناهضة العنف والتعصب وتكريس الحق في الاختلاف كأساس لكل حوار عقلاني مثمر. غير أن عملية البناء هاته، تخضع لشروط من اللازم توفرها في مجتمعنا العربي لكي ينخرط في الفعل الديموقراطي حقا وحقيقة، ومن بينها: الاستقلالية النسبية للحقل السياسي وجعله مجالا تداوليا قابلا للنقد والمحاسبة. وهذا الشرط لا يتوفر إلا بالانتقال من الشرعية السياسية التقليدية إلى الشرعية العقلانية[17]. وكذلك الفصل بين السلطات الأربع الأساسية: التشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلامية. ووجود مجتمع مدني قادر على الدفاع عن نفسه من عسف السلطة وتجاوزاتها. وتوافر ثقافة سياسية ديموقراطية تعترف بتعدد الرؤى وبحق كل الأطراف في الاختلاف وبفضيلة الحوار والتسامح ونبذ العنف والإرهاب والتطرف وحق التداول الحر للمعلومات والمعارف[18].

وغني عن البيان، أن مثل هذه القيم والممارسات لازالت بعيدة المنال في جل الأقطار العربية، نظرا لتشتت النخب السياسية وفقدان ثقة الشعوب بالسلطة وبالفعاليات السياسية، وسيادة الأمية الثقافية وهيمنة الأفكار الانهزامية والنكوصية وغياب ما سميناه بالثقافة الديموقراطية. فهذه الثقافة تقوم على مبدأين أساسيين وهما: تنمية الطاقة الإبداعية للشخص والإقرار بدوره الفاعل داخل المجتمع من جهة، والاعتراف بالآخر المختلف بوصفه ذاتا تقاوم كل أنواع الحيف وتسعى لإقرار المساواة في الحقوق والواجبات[19].

لقد أصبح هناك ارتباط بين الديموقراطية وحرية التعبير والاجتماع واحترام الحقوق الأساسية للمواطن والعودة إلى النقاش السياسي، وهو ما يسمح بتحقيق "المواطنة الديموقراطية التي تنبني في إطارها علاقات تشاورية، يعاد فيها الاعتبار إلى الذات الفاعلة في المجتمع كفضاء عمومي للعلاقات القائمة على الحوار والاختلاف وسيادة ثقافة البوح والاعتراف"[20].

هكذا، يمكن القول بأن مستقبل الديموقراطية في وطننا العربي رهين باتخاذ الثقافة الديموقراطية مسارا، واختيار الحرية قاعدة ومعيارا للسلوك داخل المجتمع، وجعل المواطن متشعبا ومتشبثا بالأسس الكبرى للتربية الديموقراطية، ونعني بها: التمرس بالفكر العلمي والتعبير عن الذات والاعتراف بالآخر بما هو انفتاح على ثقافات ومجتمعات مغايرة[21]. إنها مهام صعبة تواجه شعوبنا، ويزيد من صعوبتها التحدي الكبير المطروح عليها في هذه المرحلة التاريخية بالذات، ألا وهو تحدي العولمة. فما هي تجليات وتأثيرات هذه الأخيرة على مسار مجتمعنا العربي؟

3 – التحدي:

لقد شهدت السنون الأخيرة تطورا مذهلا في المجال التكنولوجي والعلمي وفي ميادين الاتصالات والإعلاميات. وهو الأمر الذي فتح الآفاق واسعة جدا أمام رؤوس الأموال العالمية، لتضاعف اختراقها للحدود القومية، مما شكل أساسا لطرح نظام عالمي اقتصادي يقوم على ما يعرف بالعولمة[22].

إن العولمة ستعني إذن اندماج أسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة وانتقال الأموال والقوى العاملة والثقافات والتكنولوجيا، ضمن إطار من رأسمالية حرية الأسواق. وبالتالي خضوع العالم لقوى السوق العالمية، لأن العنصر الأساسي في هذه الظاهرة هي الشركات الرأسمالية الضخمة متعددة الجنسيات[23].

هكذا، فإن سوق العولمة أصبح مسيرا من طرف مجموعة من المتاجرين بالعملات والأسهم والسندات الذين يتعاملون مع أجهزة الكمبيوتر ولا يعترفون بالظروف الخاصة لأية دولة، وإنما يعترفون بقواعدهم فقط، إن كانت لهم قواعد حقا[24]. وبالفعل، فقد أعلن كل من كلاوس شفاب رئيس المنتدى العالمي الاقتصادي وكلود سمادجا مدير هذا المنتدى، في مقال لهما بجريدة الهيرالد تربيون بتاريخ 29 يناير 1998، بأن العولمة لعبة جديدة من غير قواعد ويقتضي الأمر وضع قواعد لها[25]. لقد أصبحت العولمة مرادفة لتجاوز الحدود الوطنية، فهي تملك آليات تحويل العالم إلى قرية موحدة تلغي الحدود القطرية. وعلى المستوى الثقافي، تشير ظاهرة العولمة الراهنة إلى أن الإنسانية تتجه نحو ثقافة عالمية ومشتركة. حيث أصبح العديد من المبادئ والقيم المرتبطة بالديموقراطية وحقوق الإنسان ووضعية المرأة والأقليات، مكونات لثقافة كثير من شعوب العالم. ويعول البعض على ما يسمى بـ"الديموقراطية الإلكترونية" التي تقوم على أساس الأنترنيت، ويمكن أن تستخدم لاستيعاب جمهور عريض في عمليات صنع القرار[26].

لقد أصبحت الكلمة الفصل الآن لمفاهيم مثل الرأسمال العالمي والسوق العالمية والشركات المتعددة الجنسيات والمقاولات والمنافسة. ففي تقرير أنجزته "الهيئة الأوروبية" في لقائها بـ"كورفو" بتاريخ 24/25 يونيو 1994، وهو المعروف بتقرير بانجمان Bangeman وعنوانه "أوروبا ومجتمع المعلومات الكوني"، جاء ما يلي: "يجب أن نترك الأسواق ترشد المجتمعات الأوروبية نحو مجتمع المعلومات، ويجب الإصغاء لحاجيات المقاولات، وأن نعرف كيف نصغي لهذه الحاجيات حتى نتسلح بالوسائل الناجعة ونصبح قادرين على المنافسة في الأسواق العالمية"[27].

هكذا، ففي عالم يتعولم فيه كل شيء، لم يعد هناك مكان للمجتمع ولا للدولة ولا للمواطن، بل أصبح نظام السوق هو المحدد لكل العلاقات: سياسية كانت أو اجتماعية أو ثقافية أو فكرية. "لقد أصبح العالم من منظور العولمة شبكة واسعة للاتصال، متوفرة على طرق سيارة. وستنفق 700 مليار وحدة نقدية أوروبية على هذه الطرق، بينما لن تنفق أية شركة اتصال ولو فلسا واحدا، لإنشاء شبكة هاتفية في إفريقيا لأكثر من 700 مليون من السكان الذين لا يشكلون سوقا مربحا"[28]. إن العولمة ستكرس مبدأ الغلبة للأقوى، وستزيد من تعميق الهوة بين من سيتأقلم معها ومن سيتضرر منها، سواء كان ذلك على مستوى الدول أو الشركات أو الأفراد.

فما هو المصير الذي ينتظر وطننا العربي في إطار هذه الهيمنة "العنيفة" لأسواق المال والأعمال على مجمل النشاطات الأخرى، الاجتماعية والثقافية والسياسية؟ في سنة 1996، عمل تقرير المنتدى الدولي الاقتصادي دافوس، على ترتيب خمسين دولة حسب قدراتها التنافسية، باعتباره المعيار الذي يحدد قابلية كل دولة على حدة لامتطاء قطار العولمة أم لا، في أفق الألفية الثالثة. وتبين بأن العالم العربي لا يوجد إلا بشكل خجول في هذه اللائحة وذلك من خلال نموذجين وهما: الأردن الذي يحتل الدرجة الثامنة والعشرين ومصر التي تليه مباشرة، علما بأن إسرائيل تحتل الرتبة الرابعة والعشرين[29].

ولا تختلف هذه الصورة عن تلك التي قدمها البنك الدولي عن دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في أكتوبر 1995، حيث جاء في تقريره: "إن اقتصاديات الشرق الأوسط شمال إفريقيا لم تستطع أن تمنح مواطنيها مستويات متحسنة للعيش في غضون العقد المنصرم. فلو قارنا ما حققته هذه الدول مع دول أخرى، لتبينا كيف أنها مختلفة سواء في مستوى حجم التصدير والاستثمار الخاص أو مردودية الشغل وتدبير استمرارية مواردها الطبيعية. والسبب هو أن السياسات المرسومة لا تتلاءم مع الاقتصاد العالمي الذي يختلف اختلافا جذريا عن اقتصاد الماضي"[30].

وعلى سبيل المثال، فإن الناتج القومي لاقتصاديات الدول العربية الذي يزيد بقليل على 510 مليار دولار هو قريب من قيمة الناتج القومي لهونغ كونغ. ولا تزيد قيمة صادرات البلدان العربية، إذا استثنينا النفط، على قيمة صادرات فنلدنا التي لا يتجاوز عدد سكانها خمسة ملايين نسمة.

وعلى صعيد آخر، أثبتت العديد من الدراسات بأن العرب لا ينفقون على البحث العلمي سوى 600 مليون دولار إلى حدود سنة 1992، وهو ما يعادل 0,014% من الناتج القومي الإجمالي ويعد من بين أدنى المعدلات في العالم الثالث نفسه. في حين تخصص الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، 120 مليار دولار للبحث والتطوير أي نحو 300 ضعف ما تخصصه البلدان العربية على أساس نصيب الفرد الواحد"[31].

وعلى خلاف عوائد الصادرات التي هي في تناقص، فإن حجم الواردات يتزايد باستمرار، ومن المتوقع أن تلتهم واردات المواد الغذائية نصف ما تدره الصادرات. هذا في الوقت الذي تضاعفت فيه نسبة الديون الخارجية حسب كل فرد، لتقارب نسبة الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء. أما الاستثمار الخاص فنسبته في حدود واحد في المائة من مجموع الاستثمارات العالمية، إذ لم تستطع الدول العربية أن تستقطب القطاع الخاص الأجنبي، نظرا للعراقيل الإدارية وبط ء وتيرة الإصلاحات وهشاشة البنيات التحتية فضلا عن عوامل سياسية[32].

يتضح من خلال هذه المعطيات أن العالم العربي يوجد في وضعية لا يحسد عليها، فأوضاعه الراهنة لا تسمح له بلعب دور المنافس العنيد، بل إن مآله في ظل سيادة منطق الأقوى والأصلح، سيكون مزيدا من التهميش والإقصاء.

فما هي رهانات الدول العربية وشعوبها لمواجهة تحديات الحداثة والعولمة، وتلافي البقاء في مستويات متدنية من النمو والارتقاء؟

خاتمة: المصير

إذا كان تدبير المصير هو، كما سبق أن بينا، انفتاح شعب ما على المستقبل داخل ممكنه التاريخي، فإننا نعتقد بأن مصير شعوبنا العربية هو ركوب قطار العولمة.

إلا أن ثمن التذكرة سيكون باهظا، لأنه يستلزم إعادة النظر في مجموعة من المواقف والسلوكات التي تهم النظام السياسي ونسق القيم والأدوار التي يقوم بها الفاعلون داخل المجتمع. إذ لا يمكن الحديث عن إقلاع اقتصادي وانخراط في المنافسة العالمية بدون وجود دولة الحق والقانون التي تضمن للمستثمرين المواطنين والأجانب حقوقهم وتحدد واجباتهم. وهو ما يستدعي توفر نظام قضائي مستقل ونزيه وإدارة غير مثقلة بالتعقيدات البيروقراطية وغير خاضعة للزبونية والأهواء والمصالح الفردية والفئوية. وهذا يعني الحاجة إلى ممارسة ديموقراطية حقة "تفترض أساسا دولة قوية ومجتمعا مدنيا قادرا على أن يفرز ثقافة ديمقراطية. ولا يتأتى ذلك إلا في مجتمع خرج من طور الأمية وتجاوز سقف الخصاص المادي"[33].

كما أن تحقيق المطلب الديموقراطي يستوجب الانفتاح على الحداثة السياسية التي يتحول فيها أفراد الشعب من رعايا إلى مواطنين متمتعين بكامل حقوقهم المدنية والسياسية، وذلك في إطار نظام دستوري يضمن العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق بين جميع الأطراف وعلى كل المستويات.

ولا يعني الانخراط في العولمة انسلاخا عن الخصوصية الثقافية والحضارية، لأن صدام الحضارات هو أمر لا مفر منه، إنه صراع قبلي على نطاق كوني، حسب التعبير الشهير لصموئيل هنتنجتون S.Huntington[34].

إن العولمة وإن كانت قدرا لا مفر منه، إلا أنه من الضروري اعتبارها معركة عالمية جديدة، لا بد لكل طرف أن يدافع فيها عن حقه، من موقع خصوصيته الإقليمية وهويته الثقافية. لذلك "فإن الألفية الثالثة مقبلة ليس على تنميط ثقافي، بل على صراع وعلى تحالفات جهوية وقارية، قد تكون تحالفات عربية/عربية أو عربية/إسلامية أو عالم ثالثية"[35]. وخير دليل على ذلك ما حدث مؤخرا بمدينة سياتل Seattle الأمريكية أثناء انعقاد المؤتمر الوزاري للمنظمة العالمية للتجارة ما بين 30 نوفمبر و3 ديسمبر 1999، وما آل إليه من فشل بسبب اصطدام المواقف وتعارض المصالح، وما واكبه من احتجاجات ومظاهرات شعبية في قلب أمريكا وفي عواصم عالمية أخرى.

إن التأكيد على الخصوصية الثقافية والجهوية، معناه عدم السماح للآخر بأن يقرر بدلا عنا، وإلا ظلت ممارستنا اتباعية. فمن الممكن إعادة صياغة الأفكار الكونية وفقا للخصوصية الذاتية، وتلك هي الحداثة المبدعة التي تقترن بالوعي التاريخي لدى شعب من الشعوب: وعيه بماضيه وبراهنه وانشغاله بأفقه ومصيره.

ولكي نسمح لأنفسنا بالحديث عن حداثة مبدعة في وطننا العربي وجب الإقرار، كما يشير إلى ذلك فيصل دراج، بعناصرها الثلاثة المكونة لها، والتي يؤكد أولها على ضرورة تملك المعرفة الكونية ولو بشكل نسبي. ويرتبط ثانيها بتأمل تاريخ الحداثة العربية في انتصاراتها القليلة وإخفاقاتها الكثيرة. ويقوم العنصر الثالث فيها باستدعاء فعل المقاومة. وهو ما يطرح مسألة مصير الشعب وإرادته وتحرره[36]. إن الأمر يتعلق بممارسة نقدية ذات خاصية مزدوجة: فهي مساءلة للذات العربية ولمعمارها الفكري الذي أنتجته الثقافات السائدة في الوطن العربي، هذا المعمار الذي لا يزال يئن تحت وطأة الحمولة التقليدية والميتافيزيقية[37].

وهي أيضا مساءلة للغرب ونقد للمفاهيم التي استند عليها في قراءته لذاته وللآخر الذي هو نحن. إن هذه المفاهيم ظلت على الدوام –من فكر الاستشراق إلى فكر الحداثة وما بعد الحداثة والعولمة- متمركزة حول ذات الغرب، محتفلة بسيادته وهيمنته على مختلف المستويات: اقتصاديا وتكنولوجيا وإعلاميا.

والحال أننا مطالبون، لولوج المستقبل والانخراط في الألفية الثالثة، بالقيام بهذا النقد المزدوج، كضرورة لرسم طريق متميز، لا هو بالانطوائي ولا هو بالاتباعي، طريق يأخذ بعين الاعتبار التحولات الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العالم، ويتعامل معها بمنظور نقدي يؤمن بالحق في الاختلاف وبمبادئ الحوار والتسامح والديموقراطية وحقوق الإنسان. إنه المسار الذي نعتبره ضروريا بالنسبة لوطننا العربي: فهو مصيرنا وممكننا وخيارنا.



[1] - محمد سبيلا، حقوق الإنسان والديموقراطية، سلسلة شراع، عدد 16، طنجة ، شتنبر 1997، ص49.

[2] - ميشال فوكو، حوارات، مجلة بيت الحكمة، العدد الأول، أبريل 1986، ص20.

[3] - انظر الترجمة العربية للكتاب: فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة حسين أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة 1993.

[4] - أسبوعية العصر، العدد 82 بتاريخ 15 نوفمبر 1999، المغرب.

[5]  - Octavio Paz, le singe grammairien, Flammarion, Paris 1972, p6.

[6]  - Marin Heidegger, Acheminement vers la parole, Gallimard, Paris 1976, p183.

[7]  - M.Heidegger, Etre et temps, Gallimard, Paris 1986, p449.

[8]  - Ibidem.

[9]  - Ibid, p450.

[10] - د.هشام شرابي، البنية البطركية، بحث في المجتمع العربي المعاصر، دار الطليعة بيروت، 1987، ص. 140

[11] - برهان غليون، (الديموقراطية العربية: جذور الأزمة وآفاق النمو)، ضمن مؤلف جماعي بعنوان حول الخيار الديموقراطي، دراسات نقدية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1994، ص163.

[12]  - George Balandier, Sens et puissance, PUF, Paris, 1971, p105.

[13]  - G.Balandier, Anthropo-logiques, Librairie générale française, Paris, 1985, p221.

[14]  - G.Balandier, Sens et puissance, op.cit., p107.

[15]  - Alain Touraine, Critique de la modernité, Fayard, Paris, 1992, p11.

[16] - د. هشام شرابي، البنية البطركية، مرجع مذكور، ص10.

[17] - محمد سبيلا، حقوق الإنسان والديموقراطية، مرجع مذكور، ص69.

[18] - نفس المرجع، الصفحات من 70 إلى 72.

[19] - ألان تورين، ما هي الديموقراطية    ترجمة حسن قبيسي، دار الساقي، لندن 1995، ص197.

[20] - نفس المرجع، ص199 وانظر أيضا:

Jürgen Habermas, Théorie de l’agir communicationnel, Fayard, Paris 1987.

[21] - ألان تورين، نفس المرجع، ص192.

[22] - منير شفيق، (ملحوظات حول العولمة)، مجلة المنعطف، العدد 14، السنة 1999، ص9.

[23] - محمد الأطرش، (العرب والعولمة: ما العمل؟) مجلة فكر ونقد،  العدد 7، مارس 1998، ص97.

[24] - نفسه، ص121.

[25] - حسن أوريد، الإسلام والغرب والعولمة، منشورات الزمن، الكتاب، 6، الرباط، شتنبر 1999، ص56.

[26] - ستيفن كاسلز، (العولمة والهجرة، بعض التناقضات الصارخة)، المجلة الدولية للعلوم الاجتماعية، عدد 156، يونيو 1998، ص39.

[27] - ريكاردو بتريلا، (الأنترنيت، قرية كونية أو "برج بابل")، مجلة المنعطف، عدد مذكور، ص49.

[28] - نفسه، ص52.

[29] - حسن أوريد، الإسلام والغرب والعولمة، مرجع مذكور، ص64.

[30] - نفسه، ص67.

[31] - برهان غليون، (الوطن العربي أمام تحديات القرن الواحد والعشرين: تحديات كبيرة وهمم صغيرة)، مجلة المستقبل العربي، عدد 232، يونيو 1998، ص23.

[32] - حسن أوريد، مرجع مذكور، ص68-69.

[33] - نفسه، ص94.

[34] - صموئيل هنتنجتون، صدام الحضارات، إعادة صنع النظام العالمي، ترجمة طلعت الشايب، كتاب سطور، القاهرة 1998، ص329.

[35] - منير شفيق، (ملاحظات حول العولمة)، مجلة المنعطف، عدد مذكور، ص14.

[36] - فيصل دراج، (ما بعد الحداثة في عالم بلا حداثة)، مجلة الكرمل، عدد 51، ربيع 1997، ص89.

[37] - نستعمل لفظة "ميتافيزيقا" هنا في المعنى الذي قصده هايدجر ودريدا وخطيبي وغيرهم من مفكري الاختلاف، فهو يحيل على الفكر الذي يستند على مفاهيم الهوية الخالصة والحقيقة المطلقة والثابت والمركز، هذا الفكر الذي سيتم انتقاده باسم الاختلاف والتعدد والهامش. انظر مثلا: عبد الكبير خطيبي، النقد المزدوج، دار العودة، بيروت 1980.