ص1      الفهرس     41-5

من أجل رؤية معقدة للسياسة الدولية

 

محمد سعدي

يوضح الدارسون للعلاقات الدولية أن تغيرات هيكلية قد طرأت على السياسات الدولية، فالتحولات العميقة في العقود الأخيرة تختلف بشكل جذري من حيث خصائصها العامة عن تلك المراحل التي تبلور فيها النظام الدولي طوال مرحلة الحرب الباردة. وترتب عن هذا عجز التنظير الدولي عن تقديم أنساق نظرية قادرة على استيعاب مختلف التفاعلات الدولية. وهذا ما يفرض إعادة نظر جذرية في ثوابت شبكاتنا التحليلية باعتبارها لم تعد تنسجم مع طبيعة وأبعاد المتغيرات الجذرية التي تعيشها الإنسانية. ولهذا أصبح من الضروري البحث عن منظورات وتصورات جديدة لتدريس مادة العلاقات الدولية بشكل يتجاوز تلك التقسيمات التقليدية والتعاريف الجامدة التي دأبنا عليها طوال مرحلة الحرب الباردة، مما سيفتح آفاقا جديدة للباحثين في العلاقات الدولية.

وقد قام برتران بادي[1] مع العديد من الباحثين بتحليل جديد للتطورات الجديدة التي تعرفها العلاقات الدولية، وذلك على ضوء التحولات التكنولوجية، الاقتصادية والاجتماعية للعالم المعاصر.

ينطلق هذا التحليل من مقاربة سوسيولوجية لحقل العلاقات الدولية المعاصرة قصد تبيان بعض المتغيرات التي أصبحت تطبع النظام الدولي الراهن. ويبدو أن المبادئ الثلاثة التي ارتكز عليها المنظور التقليدي الدولي أي الترابية La territorialité، السيادة والأمن لم تستطع الحفاظ على توازنها أمام التحولات العالمية التي مست كل المجتمعات الإنسانية، بحيث أصبحت السياسة العالمية تبتعد نسبيا عن الطابع القومي ما بين الدولاتي interétatique من حيث منطق حركيتها وأنماط علاقاتها وتفاعلاتها.

إن النظام الدولي أصبح يفتقد تدريجيا صفة الدولاتية L’Etatisme، فنحن أمام فضاءات ومجالات تتداخل فيها المصالح الاقتصادية، الأديان، الثقافات، الأفراد، المهاجرين.. والعلاقات الدولية لم تعد من صنع الدول فقط بل تحركها سياسات جديدة تقودها تيارات العولمة، وكل هذا يعيق إمكانية وضع معايير فعالة ونماذج تحليلية قادرة على استيعاب التفاعلات الجديدة للحقل الدولي[2].

تراجع القدرة التفسيرية لمجموعة من الإطارات التنظيرية والمفاهيمية الكلاسيكية الخاصة بالحقل الدولي (المقترب الواقعي والمثالي) ساهم في تحفيز الباحثين في العلاقات الدولية على البحث عن مقتربات جديدة للتنظير الدولي عبر استراتيجية تحليلية تدمج داخلها مختلف الحقول المعرفية المعنية، لمحاولة فهم تعقد النظام الدولي الراهن.

وفي هذا الإطار يدخل ما يسمى بسوسيولوجيا العلاقات الدولية Sociologie des relations internationales وسوسيولوجيا الفاعلين Sociologie des acteurs كمفاهيم جديدة في حقل التنظير الدولي[3]. يقول برتران بادي وماري سموت: "إلى جانب النماذج الواقعية التي تسلم بالسيادة المطلقة للدول أو النماذج النظامية التي تستسلم لوهم التكامل الأولي للنظام الدولي، يجب أن تعيد سوسيولوجيا العلاقات الدولية بناء هيكلها النظري فتنهل من الآفاق الجديدة التي تفتحها أمامها التطورات الجديدة في علم الاجتماع الداخلي أو في العلوم السياسية المقارنة أو في دراسة التدفقات العابرة للقوميات"[4].

لقد انتقل التفاعل الدولي من كيان دولة الأمة ليصبح نتاجا لثلاثة عوالم مختلفة في منطقها ومصالحها، وهي تستدعي الفرد ليصبح فاعلا في الساحة الدولية من خلال ثلاثة نداءات: نداء المواطنة من طرف الدولة، نداء المصلحة من طرف المستثمريـن عبر الوطنيـين  les entrepreneurs transnationaux   ونداء المستثمرين لمجال الهوية Les entrepreneurs identitaires والذي يعتمد على الانتماء الهوياتي الذي يسمو على مستوى المواطنة والمصالح الاقتصادية، ومنطق دولة-الأمة يتعارض مع التدفقات ما عبر الوطنية سواء كانت اقتصادية، تجارية، مالية أو إعلامية لأنها تحد من مبدأ السيادة. ونداء الهوية هو صراع دائم مع فضاء دولة الأمة لكونه يضع ولاء المواطنة موضع تساؤل بتجاوزه لكل الحدود الترابية والجغرافية. كما أن العلاقة بين التدفقات ما عبر الوطنية والامتداد الهوياتي هي متوترة، فإذا كانت التيارات الما عبر وطنية تسعى لتقويض الخصوصيات الثقافية وتأحيد كل الديناميات الدولية فإن المستثمر الهوياتي يسعى للتشبث بالجذور الثقافية والوقوف ضد تشكيل ثقافة كونية موحدة. ورغم كل هذه العلاقات التصارعية فإن ثمة تفاعل جدلي مستمر بين هذه القوى الثلاثة، على أساسه تتشكل صورة العالم الراهن.

إن العلاقات الدولية أصبحت تتفاعل داخل هذا البعد الثلاثي وطبيعة التفاعل هي معقدة، فهذه النماذج الثلاثة لا تتوانى عن التصارع فيما بينها حسب اختلاف المصالح والوضعيات الاستراتيجية[5]. وفي هذا الإطار يرى برتران بادي بأننا بصدد مرحلة جديدة في العلاقات الدولية حيث أن الوضعية الحالية تتسم بحركتين متوازيتين، من جهة تدعيم وتقوية الاعتمادات المتبادلة والتدفقات ما عبر الوطنية ومن جهة أخرى انتعاش للتيارات المحلية والمرجعيات الهوياتية. إن هاتين الحركتين التي ينظر إليهما كنقيضين هما في الواقع متكاملتين ومتفاعلتين بشكل إيجابي. وتفاعلهما يشكل ظاهرة جديدة في العلاقات الدولية يطلق عليها برتران بادي مصطلحا جديدا هو La glocalisation (تركيب لكلمتي: العولمة La globalisation والمحلية La localisation) وهذه الظاهرة تضفي المعنى والانسجام على مختلف الديناميات الاقتصادية والاجتماعية العالمية[6]. وهي تتجسد من خلال العلاقة الجدلية بين قوى التكامل أي تلك الروابط التي تتجاوز إطار الدول نحو اندماجات سياسية، اقتصادية واجتماعية وتعاون أكبر بين الدول والشعوب، وقوى الاستبعاد التي تمثل تلك الكيانات والوحدات التي ليس لها القدرة على الاندماج الإيجابي في الشبكات الما عبر وطنية أي المهمشين على المسرح الدولي وداخل مختلف المجتمعات خصوصا في دول الجنوب (تعميق الهوة الاقتصادية بين الشمال والجنوب، سكان الريف والمدن، عدم التكافؤ في الخدمات الاجتماعية)، وهذا ما سيكون مصدرا لتوترات شديدة في المستقبل وسيؤثر كثيرا على السياسة الدولية[7].

إن الوضعية الراهنة تشهد تناميا متزايدا ومعقدا للتدفقات الاقتصادية، الثقافية، الإعلامية، الدينية، المافيوزية.. وهي تنفلت بسهولة كبيرة من أية رقابة تمارسها الدولة. وقد أصبحت هذه التدفقات محددة للحركات والتفاعلات الدولية. وقد أفضى هذا إلى بروز قوي لمجموعة من الفاعلين الجدد في العلاقات الدولية (الفرد، الشركات المتعددة الجنسية، الثقافة، الدين، الشبكات الما عبر وطنية للإجرام، حركات الهجرة..). مما ساهم في إحداث مجموعة من المتغيرات على مستوى المفاهيم المؤطرة للنظام الدولي والديناميات المحركة للعلاقات الدولية. فمفهوم السيادة أصبح يعرف تراجعا شاملا وعميقا، والدبلوماسية لم تعد تتحدد بمنطق المصالح الوطنية فقط بل انطلاقا من مبادئ تتجاوز المنظور الواقعي الكلاسيكي للدول نحو الإقرار بالمسؤولية المشتركة La corresponsabilité  لمختلف الفاعلين في السياسة الدولية. وهذا الوضع هو بصدد خلق جغرافية جديدة، فالدول تندمج بشكل متزايد في جماعة دولية تتشكل على المستوى العالمي. كما أن بداية تشكل مجتمع مدني عالمي بدعم من المنظمات غير الحكومة والرأي العام الدولي ووسائل الإعلام سمحت بترسيخ المسؤولية الجماعية للإنسانية.

إن مفاهيم القوة، العنف والأمن أصبحت تعيش تحولا جذريا، فالأمن لم يعد يرتبط بالمفهوم التقليدي الهوبزي (نسبة إلى هوبز) والعنف لم يعد يتأطر بالمفهوم الويبري (نسبة إلى ماكس ويبر) بخصوص الاحتكار الشرعي للعنف من طرف الدولة. فالدول لم تعد تستمد شرعيتها من خلال ضمان أمن المواطنين على ترابها الوطني، والسياسات الأمنية أصبحت مرتبطة بمراقبة التدفقات ما عبر الوطنية. وهذا ما يتطلب مقاربة جديدة لمفهوم الأمن والمجال L’Espace. ذلك أن العنف أصبح مفتتا ولم يعد محتكرا وممركزا في مجالات ترابية محددة. ومن هنا صعوبة التمييز بين العنف العام La violence publique الذي تمارسه الدول والعنف الخاص La violence privée المرتبط بمجموعة من الأنشطة التي تتجاوز حدود الدول. وينطبق هذا على التدفقات المافيوزية les flux mafieux التي أصبحت تشكل فاعلا خاصا للعلاقات الدولية، كما أصبحت الشركات الإرهابية تتجاوز كل تأطير ترابي وتكتسي بعدا ما عبر وطنيا يسهل عليها التحرك والتنقل عبر الحدود.

وهكذا فإن العديد من ركائز القوة أصبحت تخرج عن نطاق السلطة العامة، مما يفقد النظام الدولي وسائله للضغط على التطورات الدولية. فنحن بصدد الانتقال من نظام دولي احتكرت فيه الدول وحدها العنف الدولي إلى ديناميات اجتماعية وسياسية توظف استراتيجيات محلية ولا مركزية تطالب فيها كل هوية ذاتية بحقها في ممارسة العنف، وهذا ما يخلق نموذجا جديدا في العلاقات الدولية أصبح فيه الأمن الجماعي محل تساؤلات عدة. فطبيعة الصراعات أصبحت غامضة لا تخضع لأية قواعد وفي عدة مناطق أصبحنا نعيش خوصصة للعنف، وهذا ما يفرض إرساء سوسيولوجيا جديدة للصراعات الدولية[8].

ويرى برتران بادي أن الثقافة تلعب دورا مهما كمتغير وسيط بين مجموعة من التفاعلات المرتبطة بصعود الصراعات القومية وعودة المقدس Le sacré على مستوى حركية المسرح الدولي. والمتغير الثقافي يضفي معاني مختلفة على الهوية التي يمكن أن تتجسد في الأمة، القبيلة، العشيرة، أو أن تتخذ طابعا إقليميا، وهذا ما يؤدي إلى تصاعد ديناميات الانفجار الثقافي في ظل التعددية الثقافية[9]. حيث أن عدة استراتيجيات اجتماعية وثقافية أصبحت تعارض عولمة مبدأ الترابية La territorialité، مما يخلق توترات وصراعات عنيفة[10]. وفي عالم يمتاز باللا عدالة، فإن الثقافات قد تقوض انتماء المواطنة بفعل تضامنات ما عبر وطنية تنفلت من مراقبة الدول، وبروز الولاءات التي تتجاوز الانتماءات الوطنية هو مصدر لعدم الاستقرار واللاتسامح ورفض الآخر[11]. ولهذا يرى بادي أنه من الضروري دراسة الفاعلين الهوياتيين Les acteurs identitaires ومفعول الثقافة والهوية في إرساء ديناميات دولية جديدة، في إطار سوسيولوجيا تهتم بالحركية الهوياتية وهو الأمر الذي لم يحض بعد بالاهتمام الكافي[12].

وبخصوص طبيعة النظام الدولي في الوضع الراهن يرى برتران بادي أن العلاقات الدولية تعرف نوعا من اللامركزية والفوضى وغياب آليات الضبط ولذلك فهو دخل في نمط جديد من الإقطاعية والعودة إلى حالة الطبيعة. واتجاهات السياسة الدولية تنحو نحو مظاهر الانفجار أكثر مما تتجه نحو الانسجام وبناء المجتمع العالمي المثالي. لكن التناقضات التي يزخر بها النظام الدولي تشكل أيضا الأعراض المصاحبة للتحول المعقد إلى ديناميات دولية من نوعية جديدة ما زالت تفتقد لضوابط واضحة[13].

وظاهرة افتقاد الضوابط والقواعد ليست خاصية مميزة للعلاقات الدولية فقط، بل إن كل نظام اجتماعي يحمل في ذاته أزمات تنظيمية حادة وعنيفة، وهذا الأزمات هي بمثابة آليات ضبط ذاتي للنظام الدولي[14].

ما يمنح المصداقية للمقاربة السوسيولوجية في تحليل العلاقات الدولية ويجعلها أكثر اقترابا من ملامسة مختلف الظواهر المعقدة للسياسة العالمية هو كون النظام الدولي يعتبر من أكثر النظم السياسية افتقارا إلى الاستقرار حيث يتألف من عدد لا نهائي من الوحدات التي تتحرك جميعها في آن واحد. وبتعبير كلود سموت وبرتران بادي فإن: "النظام الدولي يتبدل تحت أنظارنا دون أن يتسنى لنا تقنينه أو تتبع مصيره"[15]. والدراسة السوسيولوجية للفاعلين الدوليين من خلال هويتهم، حركيتهم، استراتيجيتهم في التفاعل مع المحيط كفيلة بمنح إمكانية إدراك بعض الظواهر المعقدة للنظام الدولي المعاصرg



[1] - برتران بادي عالم سياسة، أستاذ بمعهد الدراسات السياسية في باريس ومدير منشورات المؤسسة الوطنية للعلوم السياسية.

[2] - انظر برتران بادي، ماري كلود سموت، انقلاب العالم، ترجمة سوزان خليل، دار العالم الثالث، 1998، ص9.

[3] - الكثير من الباحثين في العلاقات الدولية يرجعون أصول سوسيولوجيا العلاقات الدولية إلى الباحث الفرنسي ريمون أرون، إلا أننا نعتقد أنه كان أقرب في تحليلاته إلى المدرسة الواقعية. حيث اعتبر الدولة، من خلال جدلية الدبلوماسي والعسكري، الفاعل الأساسي في العلاقات الدولية. ومقابل التيار الواقعي الذي ما زال قويا بفرنسا والذي يتزعمه مجموعة من المؤرخين والعسكريين ورجال القانون والذين ينشطون من خلال مجموعة من معاهد العلاقات الدولية المرتبطة بالمؤسسات العسكرية، فإن المعارضين للمقترب الواقعي أصبحوا منذ بداية التسعينات ينشطون في مراكز العلوم السياسية والاجتماعية ويمتازون في أبحاثهم الدولية بتوظيف المقاربات السوسيولوجية المتعددة الأبعاد في دراسة الظواهر الدولية. وقد أصدر مجموعة منهم كتابا مشتركا هو بمثابة بيان يعبر عن أفكارهم:

Marie Claude SMOUTHS, (sous la dir.), Les nouvelles relations internationales, Presses de sciences po., 1998.

[4] - برتران بادي، ماري سموت، مرجع سابق ذكره، ص16.

[5]  - BADIE (Bertrand), Culture, identité, relations internationales, Etudes maghrébines, n°7, 1998, p14.

[6]  - Voir BADIE ( Bertrand), Un monde sans souveraineté: Les Etats entre Ruse et Responsabilité, Fayard, 1999.

[7] -برتران بادي، كلود سموت، مرجع سابق ذكره، ص191 إلى 196.

[8] - المرجع نفسه، ص161.

[9] - المرجع نفسه، ص16.

[10]  - BADIE (Bertrand), La fin des territoires, p70.

[11]  - BADIE (Bertrand), Culture, identité…, p6 et7.

[12]  - BADIE (Bertrand), La fin des territoires…, p106.

[13] - بادي سموت، مرجع سابق ذكره، ص228.

[14] - بادي سموت، مرجع سابق ذكره، ص106.

[15] - بادي سموت، مرجع سابق ذكره، ص8.