ص1      الفهرس     41-50

آفاق جديدة للدفاع عن الكرامة الإنسانية

المحكمة الجنائية الدولية

 

عبد اللطيف حسني

في خريف 1997 كنا قلة من المعنيين، من إيطاليا والولايات المتحدة والنمسا وهولندا وإسبانيا ومالطا والسينغال والجزائر وتونس والمغرب والأردن ومصر ولبنان. تجمعنا بجامعة مالطا بإيعاز من المنظمة الإيطالية "لا سلام بدون عدالة" No peace without justice قصد الإسهام في بلورة رأي عام عالمي بخصوص إحداث المحكمة الجنائية الدولية. لم نكن نتصور في غمرة نقاشاتنا وأحاديثنا مع "ذ.شريف بسيوني" مقرر اللجنة المكلفة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بالسهر على وضع النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. أنه بالإمكان إحداث هذه المؤسسة الدولية في الأفق الذي كنا قد حددناه، أي في أفق سنة 1998[i]. لقد كانت ثمة أشياء كثيرة عالقة، كما أن الأشغال التحضيرية للفريق العامل كانت قد أسفرت عن آلاف وجهات النظر المتضاربة والتي يعسر معها إيجاد قواسم مشتركة تدفع في اتجاه إحداث المحكمة المعنية. لقد كنا كسابقينا في هذا الشأن نحلم بقضاء جنائي دولي، استقر من قبل في مخيال رابطة القانون الدولي التي تمكنت، نظريا على الأقل، في سنة 1926 من وضع نظام أساسي لمحكمة جنائية دولية دائمة. ورغم الأسر النظري الذي ظل هذا النظام الأساسي سجينا له، فإن ذلك لم يحل دون البروفسور V.V.Pella، ووضع مشروع آخر يتعلق بإحداث غرفة جنائية في نطاق محكمة العدل الدولية، وذلك في غضون سنة 1928. وقد توقفت أصداؤه عند حدود اعتماده من قبل الرابطة الدولية لقانون العقوبات. الأمم المتحدة هي الأخرى لم تكف عن الحلم بإمكان قيام قضاء جنائي دولي. ولهذا الغرض أحدثت لجنة كلفت بإنجاز تقرير بشأن قضاء جنائي دولي، قدمته سنة 1953. ولم يلق هو الآخر أصداءه على مستوى التفعيل، ولقد كان على البشرية أن تنتظر إلى غاية سنة 1990، حيث ستنضج فكرة إقامة نظام جنائي دولي، وستظهر ظروف وملابسات دولية جد مشجعة على الدفع باتجاه إقرار عدالة دولية، إذ ستتخذ في هذه السنة الجمعية العامة للأمم المتحدة المقرر رقم 45/41 الذي سيسند بمقتضاه للجنة القانون الدولي مهمة إنجاز مشروع المحكمة الجنائية الدولية التي ستستمر في أشغالها إلى غاية شهر يونيو من سنة 1998 حيث سيتم عرض المشروع النهائي على المؤتمر الديبلوماسي المنعقد في روما، والذي ستلتقي فيه إرادات مختلف فرقاء المجتمع الدولي محدثة بذلك محكمة جنائية دولية.

إذن نحن أمام جهاز ولد في إطار صيرورة تاريخية، مشكلا بذلك أول وآخر منتظم جنائي دولي عرفته البشرية وهي على أبواب الألفية الثالثة، جهاز جاء مستجيبا لمتطلبات ومقتضيات العصر. ذلك أن الكثير من جرائم الحرب والجرائم في حق الإنسانية بصورة عامة لازالت تقترف في مختلف أرجاء العالم، كما أن الكثير من المجرمين في حق الإنسانية يظلون بمنأى عن العقاب، وتتعزز عملية التأسيس هذه بما تراكم على المستوى العملي من سوابق دولية في هذا الشأن، إذ سبق للجماعة الدولية في أعقاب الفظاعات والجرائم التي تخللت الحرب العالمية الثانية أن وقفت موقفا حازما ضد منتهكي القانون الدولي الإنساني، فأحدثت محكمتي نورنبورغ 1945، وطوكيو 1946، كما اضطرت إلى اتخاذ نفس الموقف الحازم اتجاه الأحداث التي عرفتها يوغسلافيا سابقا، (محكمة مجرمي حرب يوغسلافيا-يناير 1993) واتجاه الانتهاكات الجسيمة للحقوق الإنسانية التي اقترفت في رواندا (محكمة رواندا، نوفمبر 1994)، غير أن تأسيس هذه المحاكم الأربع ظل مجرد رد فعل إنساني محدود في الزمان والمكان اتجاه وقائع هزت ضمير الإنسانية بعمق، ذلك أن علاج الأوضاع الخاصة بالانتهاكات التي تطال الكرامة الإنسانية كان يقتضي إقامة محكمة جنائية دولية قارة لتوقيع الجزاءات على منتهكي القانون الدولي، هذا القانون الذي يتعين أن يكون مهابا وفعالا وضامنا للعدل، لذلك كان إنشاء محكمة جنائية دولية قد استهدف فتح آفاق جديدة للدفاع عن الكرامة الإنسانية بتوفير مكان قار لإجراء محاكمة عادلة للأشخاص المتهمين بارتكاب جنايات ذات طابع دولي في ظروف قد لا تكون فيها الإجراءات الأخرى للمحاكمة متاحة أو قد تكون فيما عدا ذلك أقل تفضيلا.

المحكمة الجنائية الدولية (بطاقة تعريف):

المحكمة الجنائية الدولية هي محكمة دائمة، مفتوحة للدول الأطراف وللدول الأخرى وفقا لنظامها الأساسي، وتعقد جلساتها عند الطلب للنظر في القضايا التي تعرض عليها، وتتمتع المحكمة في إقليم كل دولة من الدول بالصلاحيات القانونية التي قد تكون لازمة لممارسة وظائفها ولتحقيق مقاصدها المتمثلة في زيادة التعاون الدولي من أجل تعزيز القضاء على الجرائم ذات الأهمية الدولية وملاحقتها فعليا.

وبشكل جد موجز، فقد اشتمل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على مواد تتعلق بإنشاء المحكمة، وبالمحكمة بوصفها هيئة قضائية تابعة للأمم المتحدة، ومقر المحكمة، والقانون الواجب التطبيق والاختصاص وتنازعه، والضمانات القضائية، كما عالج المسائل المتعلقة بتنظيم وعمل المحكمة من حيث ديمومة الولاية القضائية، ومحل إقامة رئيس المحكمة وكاتبها، والنظام الداخلي والمؤهلات المطلوبة وتعيين القضاة وانتخاب رئيس المحكمة ونوابه، وتعيين كاتب المحكمة وتكوين دوائرها والتوافق مع الوظائف الأخرى وفقدان الوظائف والحصانة الديبلوماسية وشغور أحد المناصب، والالتزام الرسمي والمخصصات والبدلات والمرتبات، والميزانية. وبخصوص الإجراءات فقد اشتمل النظام الأساسي على مواد تتعلق برفع القضايا إلى المحكمة. والتدخل والاتهام والتحقيق والأحكام الغيابية، وتسلم المتهمين وترك المقاضاة والحبس الاحتياطي وسير الجلسات، ومحاضرها، والحكم والعقوبات وطرق الطعن وتنفيذ الجزاءات، والحق في العفو والإفراج تحت شرط.

وقد صممت بنية المحكمة بشكل يسمح بتبين الأجهزة الثالثة التالية:

ـ هيئة القضاء: وهي تتكون من قضاة منتخبين بأغلبية أصوات الدول الأطراف في النظام الأساسي، يراعى في ترشيحهم تمثيليتهم لخلفيات متنوعة وللأنظمة القانونية الكبرى. ينتخبون من بينهم رئيسا، ونائبين للرئيس، وهم يتمتعون بالامتيازات والحصانات الممنوحة لقضاة محكمة العدل الدولية.

ـ قلم التسجيل: وينتخب من قبل هيئة القضاة بناء على اقتراح المكتب وهو يعد المسؤول الإداري الرئيسي لهيئة القضاء، يساعده في أداء مهامه موظفون آخرون عند الاقتضاء بشرط موافقة المكتب.

ـ هيئة الادعاء: تتكون من المدعي العام الذي يترأس الهيئة، ومن نائبه، وما يلزم من الموظفين المؤهلين، وهم ينتخبون بكيفية مباشرة من طرف الدول الأطراف في النظام الأساسي، ويعتبر المدعي العام مسؤولا عن التحقيق في الجناية المدعى أنها ارتكبت.

وقد جاءت هذه الهيكلة نتاج المزج ما بين عنصرين، عنصر المرونة، وعنصر الاقتصاد. وهكذا نجد النظام الأساسي لا يتضمن جميع الهيئات التي توجد عادة في المحاكم الجنائية. فلا وجود مثلا لجهاز تحقيق يعمل مستقلا عن جهاز المحاكمة لأن كل مكتب تحقيق مستقل تكون له مهمة دائمة، ولهذا السبب أحدث النظام الأساسي نظاما للتحقيق تباشره المحكمة نفسها، أي يباشره جهاز المحاكمة أثناء الجلسة نفسها، كما أنه فيما يتعلق بالاتهام لم ينص النظام الأساسي على إنشاء نيابة يتولى إدارتها مدع عام يحتاج لأداء مهامه إلى جيش من الموظفين، وتم اللجوء إلى الحل الأكثر مرونة الذي يتمثل في ترك مهمة الاتهام على عاتق الدولة الشاكية.

طرق متعددة لكفالة الكرامة الإنسانية:

على مستوى اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية، يمكن تبين العديد من الطرق التي نهجها المشرع الدولي من أجل فتح آفاق جديدة أمام الكرامة الإنسانية، وهذه الطرق تنصب في اتجاهين، اتجاه يؤسس لمعايير عالمية للمحاكمة العادلة، واتجاه يصبو بالأساس لتفعيل القانون الدولي الإنساني.

1 – المعايير العالمية للمحاكمة العادلة:

لقد شكلت المرحلة الممتدة من سنة 1990 إلى سنة 1998 فضاء زمنيا مكن فريق العمل التابع للجنة القانون الدولي المكلف يوضع النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، من مراكمة تراث قانوني ضخم، أسس حقيقة لمعايير ذات طبيعة عالمية للمحاكمة العادلة. وتتجسد هذه المعايير في الكيفيات التي ضمن بمقتضاها النظام الأساسي للمحكمة مبدأ استقلال القضاة، والضمانات التي أحاط بها مسطرة التحقيق في الجرائم الدولية، والحقوق المكفولة للمتهمين، وفي ذلك كفالات أساسية لأحد الحقوق اللصيقة بالكرامة الإنسانية، وهو حق الإنسان في محاكمة عادلة.

أ – استقلالية القضاة وهيئة الادعاء:

وفقا لأحكام النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن قضاة المحكمة يتمتعون بمطلق استقلالهم لدى مباشرة وظائفهم كما يتوجب عليهم الامتناع عن إتيان أية ممارسة أو نشاط من المحتمل أن يتعارض مع وظائفهم القضائية أو أن يؤثر على الثقة في استقلالهم، كما يتوجب عليهم بالخصوص أثناء شغلهم لمناصبهم القضائية ألا يكونوا أعضاء في السلطة التشريعية أو التنفيذية لحكومة دولة، أو في هيئة مسؤولة عن التحقيق في جرائم أو ملاحقة مرتكبيها. ويكتمل هذا المنزع المتجه صوب تكريس مبدأ استقلالية القضاة في الصلاحية المخولة لهيئة الرئاسة والتي تمنحها حق عزل القضاة، حيث تم التأكيد على عدم جواز مشاركة أي قاض سبق له وأن تدخل في القضية المعروضة بأي صفة من الصفات، أو التي قد تثير إمكانية الشك بصورة معقولة في حيادهم لأي سبب، وهذا العزل لا يتم إلا بمقتضى قرار يتخذ بالأغلبية المطلقة لأعضاء الدائرة المعنية كما يجعل النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية من هيئة الادعاء جهازا مستقلا من أجهزة المحكمة مسؤولا عن التحقيق في الشكاوي المقدمة وعن مباشرة الادعاء، كما منعت عليه طلب تعليمات من أي مصدر خارجي، ولا أن يتصرف على أساس هذه التعليمات.

ب – مسطرة التحقيق في الجرائم الدولية:

يلزم النظام الأساسي المدعي العام بمجموعة من الإجراءات المنهجية التي يتعين عليه الالتزام بها عند الشروع في التحقيق في الجرائم الدولية، والتي تتماشى والمعايير المتوافق عليها عالميا للمحاكمات العادلة، وهكذا يتعين على هيئة الادعاء طلب حضور واستجواب المشتبه فيهم والمجني عليهم، وجمع كل الأدلة المستندية وغير المستندية، وإجراء تحقيق بموقع الجريمة، واتخاذ التدابير اللازمة لضمان سرية المعلومات أو حماية الأشخاص، كما يتعين عليه أن يلتمس حسب الاقتضاء التعاون من أي دولة أو من الأمم المتحدة.

كما يتوجب على المدعي العام بخصوص الشخص المشتبه في ارتكابه جريمة من الجرائم التي ينطبق عليها النظام الأساسي أن يخطره قبل استجوابه بأنه مشتبه فيه، وبحقوقه في التزام الصمت دون أن يؤخذ هذا الصمت في الاعتبار عند تقرير الإدانة أو البراءة وفي الاستعانة بمحام من اختياره. أو إذا لم تكن لديه الموارد اللازمة لتوكيل محام في أن تنتدب له المحكمة محاميا لتقديم المساعدة القضائية اللازمة له، وبحقه في عدم إجباره على تأدية الشهادة أو الاعتراف بالذنب، وبحقه في أن تتوفر له في حالة استجوابه بلغة غير اللغة التي يفهمها ويتكلمها، خدمات ترجمة شفوية جيدة وترجمة للمستندات التي يستجوب بشأنها، كما يتعين على المدعي العام في حالة المشتبه فيه المقبوض عليه بصفة مؤقتة إعلامه ببيان أسباب القبض، وفي الحالات الأخرى بعريضة الاتهام المعتمدة، وببيان حقوق المتهم وفق النظام الأساسي.

ج – الحقوق المكفولة للمتهم:

عند الحكم في أي تهمة بمقتضى النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يكون للمتهم الحق في أن يحاكم محاكمة عادلة وعلنية وأن توفر له الضمانات الدنيا التالية:

1 – أن يتم إعلامه سريعا وتفصيلا، بلغة يفهمها بطبيعة التهمة الموجهة إليه وبسببها.

2 – أن يتاح له ما يكفي من وقت وتسهيلات لتحضير دفاعه وللاتصال بمحام من اختياره.

3 – أن يحاكم دون تأخير لا موجب له.

4 – أن يكون حاضرا أثناء المحاكمة وأن يدافع عن نفسه بنفسه أو بواسطة محام من اختياره.

5 – أن يناقش شهود الإثبات بنفسه أو أن تتم مناقشتهم من قبل غيره، وأن يؤمن له حضور وسماع شهود النفي بنفس الشروط المتعلقة بشهود الإثبات.

6 – أن يستعين مجانا بمترجم شفوي كفء وبما يلزم من الترجمات لاستيفاء مقتضيات العدالة.

7 – ألا يجبر على الشهادة ضد نفسه أو على الاعتراف بالذنب.

لا يكتفي النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في إطار إقراره لمبادئ العدل المتوافق عليها عالميا، بضمان استقلالية القضاء وهيئة الادعاء، وتوفير إجراءات عادلة عند التحقيق في الجرائم الدولية، وكفالة حقوق المتهم، إذ يضيف إلى ذلك مبدأ الشرعية "لا جريمة بدون نص"، و"قرينة البراءة" ذلك أن المتهم يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته طبقا للقانون، ويقع على المدعي العام عبء إثبات أن المتهم مذنب دون أي شك معقول. كما يقر النظام الأساسي معيار المحاكمة العادلة من خلال تنصيصه على مبدأ عدم جواز المحاكمة عن الجريمة ذاتها مرتين.

2 – تفعيل القانون الدولي الإنساني:

يبدو فضاء القانون الدولي الإنساني الفضاء الذي كاد أن يحظى في المحاضر التحضيرية لإعداد النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بشبه إجماع فرقاء المجتمع الدولي، ويبدو أن الصدى الذي لاقاه القانون الدولي الإنساني في الصيغة النهائية للنظام الأساسي، إنما صدى ينحو نحو توسيع آفاق الدفاع عن الكرامة الإنسانية، ذلك أن لا أحد يمكنه أن يتشكك في أن المرحلة الراهنة من عصرنا، تتسم أكثر من أي وقت مضى بذلك الاهتمام المتزايد المملى من قبل الضمير الإنساني، لإيجاد الضمانات اللازمة لحماية الكرامة الإنسانية، فالإنسان الفرد الذي اصبح عنصرا أساسيا في أي مشروع مجتمعي يتطلع إلى المستقبل، أصبح لزاما عليه فيما يبدعه من أنظمة قانونية لإدارة حياته على كوكبنا أن يشرع من أجل ضمان كرامة الإنسان، ولهذا المعطى بالذات، ونتيجة الشعور بالإهدار الذي تتعرض له باستمرار الكرامة الإنسانية لا سيما في فترات النزاعات، نجد في التاريخ القديم، مبادرات أولى لأنسنة سلوك المتحاربين، نجد ذلك في الأعراف الإفريقية واليونانية القديمة، كما نجده في الديانات الآسيوية والمسيحية والإسلام، وهي الأعراف التي ستدفع فيما بعد لتشكيل القانون الدولي الإنساني الذي يعرف بكونه مجموعة القواعد الدولية التي تستهدف التخفيف من الآلام في حالة المنازعات الدولية وغير الدولية، ويتوافق فقهاء القانون الدولي على أن القانون الدولي يتشكل من فرعين رئيسيين هما:

ـ قانون جنيف: ويعنى بحماية ومساعدة الضحايا المقاتلين الذين لا يشاركون في العمليات العسكرية (الجرحى، المرضى، الغرقى، والأسرى) ومصدره اتفاقيات جنيف لسنوات (1864-1906-1929-1949-1977).

ـ قانون لاهاي: وهو قانون يعنى بتنظيم سير العمليات الحربية ومصدره القانون العرفي واتفاقيات لاهاي 1907 وبروتكول جنيف عام 1925 واتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بالأسلحة التقليدية.

وبصرف النظر عن مضامين القانون الدولي الإنساني والمستوحاة أساسا من الشعور الإنساني والمستهدفة حماية الكائن البشري في حالة الحرب، فإن هذا القانون الدولي الإنساني لازال يطرح على القانونيين الكثير من الأسئلة التي تمس بصفته القانونية بالأساس. فالقانون باعتباره تقنينا لحاجة اجتماعية لا بد وأن تكفل له إمكانيات التطبيق، وهو لكي يطبق لا بد وأن يتوافر له جهاز فعال يتولى تفعيله، وبدون الدخول في متاهات فلسفة القانون، فإن الإجراءات المنصوص عليها في الاتفاقات والعهود التي تشكل مصدر القانون الدولي الإنساني من نموذج احترام الدول للقانون الدولي الإنساني، وترجمة نصوص الاتفاقيات وقوانين التطبيق، ونشر الوثائق الإنسانية وتكوين الأعوان المختصين والمستشارين القانونيين، لم تبرهن إلا على فعالية محدودة، كما أن مبدأ العقوبة الذي يعد عنصرا أساسيا في أي هيكل قانوني لا يكفي بشأنه التنصيص على خلق تعاون دولي في مجال معاقبة مجرمي الحروب، كما أن التحقيق الذي يعتبر إلزاميا، بقي خاضعا لإرادة الأطراف المعنية. واللجنة الدولية لتقصي الحقائق بقيت مرتهنة لموافقة عشرين طرفا في البروتكول الإضافي وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

ومع ذلك، يبقى وجود قانون دولي إنساني مؤشر ذو دلالة على الطابع الإنساني الذي نريد أن تنطبع به حضارتنا في مستهل الألفية الثالثة، غير أن الثغرات التي تسود هذا القانون مؤشر آخر على المجهودات المطلوبة منا من أجل تفعيل هذا القانون، ووفق وجهة النظر هذه فإن هذه الثغرات التي سادت القانون الدولي الإنساني تعد مسؤولة بصورة أساسية على السلوكات المنتهكة للكرامة الإنسانية التي لا تزال سمة مميزة لعصرنا، ذلك أنه بعد مرور حوالي نصف قرن على محاكمتي نورنبرغ وطوكيو، فإن البشرية لم تسلم من جرائم أكثر عنفا ودموية من سابقاتها، ففي رواندا تمت إبادة مليون شخص من التوتسي والهوتو خلال شهر أبريل من سنة 1994، أما في الكامبودج، فإن الخمير الخمر قد أبادوا ما بين 17 أبريل 1974 تاريخ اندلاع الحرب الأهلية بهذا البلد و7 يناير 1979 ما بين 70.000 و325.000 شخصا، وهي إحصاءات للحكومة الكمبودجية الموالية للنظام الفيتنامي. إلا أن إحصائيات أخرى قام بها البروفسور مارك سليفنسكي أستاذ العلوم السياسية بجامعة جنيف بسويسرا ترى أن الرقم الحقيقي يقدر بحوالي مليوني شخص، أي حوالي 25% من ساكنة هذا البلد، وهي إبادة تحتل المرتبة الثالثة من حيث الكم وراء كل من الإبادة الجنسية الستالينية (حوالي 18 مليون شخص) والإبادة الهتلرية (حوالي 10 ملايين شخص)، إنها معطيات تصدم بقوة الضمير الإنساني، وتحط من قيمة إنسانية حضارتنا، لذلك يبدو من المتعين على المجتمع الدولي ترجمة الالتزامات الأخلاقية المتضمنة في القانون الدولي الإنساني إلى التزامات قانونية وذلك بإيجاد جهاز قضائي دولي جنائي يجعل في أولوية أولوياته متابعة الإجرام ضد الإنسانية، وهو ما تحقق بالفعل في روما في يونيو 1998، حيث تم إقرار النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والذي جاء مستجيبا لضرورات تفعيل القانون الدولي الإنساني.

وبالعودة إلى الأشغال التحضيرية التي انبثق عنها هذا النظام الأساسي، وللنظام الأساسي الذي تم إقراره، لا يمكن إلا أن نلحظ ذلك الإجماع التام بين فرقاء المجتمع الدولي حول ضرورة تطبيق القانون الدولي الإنساني.

ففي أول مشروع للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، نجد الباب الثاني المتعلق باختصاصات المحكمة والقانون الواجب التطبيق (المادة 22) تنص على أن اختصاص المحكمة يمتد ليشمل قائمة الجنايات المحددة في معاهدات وأدرج من ضمنها الانتهاكات الخطيرة لما يلي:

1 – اتفاقية جنيف لتحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى للقوات المسلحة في البحار المعقودة في 12 غشت 1949 وفقا لما حددته المادة 51 من تلك الاتفاقية.

2 – اتفاقية جنيف لتحسين حال الجرحى والمرضى بالقوات المسلحة في الميدان المعقودة في 12 غشت 1949 وفقا لما حددته المادة 50 من تلك الاتفاقية.

3 – اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب المعقودة في نفس التاريخ وفقا لما حددته المادة 130 من تلك الاتفاقية.

4 – اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المعقودة بالتاريخ السابق وفقا لما حددته المادة 147 من تلك الاتفاقية.

5 – البروتكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف، والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية المؤرخة في 8 يونيو 1977 وفقا لما حددته المادة 85 من تلك الاتفاقية.

وقد استند الفريق العامل في إسناد الاختصاص للمحكمة الجنائية الدولية بخصوص هذه الاتفاقات والتي تشكل أحد مصادر القانون الدولي الإنساني على اعتبارين رئيسيين:

1)كون الجنايات معرفة بحد ذاتها في المعاهدة المعنية، على نحو يمكن به لمحكمة جنائية دولية أن تطبق قانونا تعاهديا أساسيا فيما يتعلق بالجناية المتناولة في المعاهدة.

2)كون المعاهدة قد أوجدت فيما يتعلق بالجناية المعرفة فيه إما نظاما للاختصاص العالمي قائما على مبدأ تسليم المتهم أو محاكمته، أو إمكانية أن تحاكم محكمة جنائية دولية في الجناية أو كلا الأمرين.

وفي مرحلة تالية من تطور أشغال الفريق العامل المعني بوضع مشروع نظام أساسي لمحكمة جنائية دولية (الدورة 26/2 ماي 22 يوليوز 1994) نجد اللجنة تنص على "الانتهاكات الجسيمة لقوانين الحرب" كما أكدت في نفس الوقت اختصاص المحكمة بالجرائم المحددة في المعاهدات التي ألحقتها بالمرفق، والتي تشكل بالنسبة لسلوك المدعى به، جرائم ذات خطورة استثنائية وتتسم بأهمية دولية.

وهكذا يتبدى لنا بشكل واضح، أن القانون الدولي الإنساني في مصدره المتعلق باتفاقيات جنيف يحظى بإجماع تام من قبل مختلف أطراف المنتظم الدولي، وهو الإجماع الذي سيتكرس في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي شكل تأسيسها بداية عهد جديد في مسار الحضارة الإنسانية، عهد تجاوز مسألة تمجيد الإنسان الفرد والإقرار بكرامته، إلى صيانة الكرامة الإنسانية بواسطة القانون.

 

هوامش:

ـ الوثائق الرسمية للجمعية العامة للأمم المتحدة، الدورة 46، الملحق رقم 10 (10/46/A)، الفقرة 175.

ـ د.زيدان مربيوط، "مدخل إلى القانون الدولي الإنساني"، ص100 وما بعدها، ضمن شريف بسيوني وعبد العظيم الوزير، مجلد حقوق الإنسان II، دار العلم للملايين، لبنان.

ـ لجنة القانون الدولي، الدورة 45/3 ماي/23 يوليوز 1993، تقرير الفريق العامل المعني بوضع مشروع نظام أساسي لمحكمة جنائية دولية، ص22-23.

ـ تقرير الفريق العامل، لجنة القانون الدولي، الدورة 46/2 مايو/22 يولويز 1994، ص19 من نص التقرير.

ـ موجز أعمال اللجنة التحضيرية، 25 مارس إلى 12 أبريل 1996.

 



[i] - ملتقى مالطا العالمي. من أجل تأسيس محكمة جنائية دولية في أفق سنة 1998، مالطا، 12-13 سبتمبر 1997.