ص1      الفهرس     41-50

 قراءة في :

كتاب الشاعر والتجربة(*)

للشاعر حسن نجمي

إبراهيم أولحيان

"أتحدث عن التجربة الشعرية، كما أتمنى أن تكون دون أن أشير إلى ما أعتبره الأفق الضروري لكتابة القصيدة الجيدة(…) من خلال الحديث عن آخرين، عن تجارب أخرى، عن رهانات واستراتيجيات شعرية أخرى" (الشاعر والتجربة، ص.7)

 

يعيش كل مبدع حقيقي تجربته في الكتابة، انطلاقا من موقعه الخاص، وتعبيرا عن قناعات يؤمن بها، ويحاول تجسيدها في مغامراته الإبداعية، المتسمة بالقراءة والتميز، مما يدفعه إلى كتابة نصوص موازية لإبداعاته، يطرح فيها أفكاره ومواقفه، وتصوراته حول ما يكتبه، موضحا ما غمض منها، مبرزا ما خفي في ثنايا الكلمات أو داخل الشكل الذي يشتغل فيه. نصوص تجعل المبدع يفصح عن عوالم أخرى منفتح عليها، وذات حضور في إبداعاته.

لذلك نجد كثيرا من المبدعين يكتبون نصوصا موازية، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: بورخيس في محاضراته وحواراته، كونديرا في كتابيه: فن الرواية والوصايا المغدورة، غويتيسولو في كتابيه: شجرة الأدب وغابة الكتابة، أدونيس في كثير من كتاباته المعروفة: الثابت والمتحول، الشعرية العربية…إلخ، أوكتافيو باث في: متاهة العزلة، اللهب المزدوج، الصوت الآخر..، عبد الرحمن منيف في كتاباته الفكرية: الكاتب والمنفى مثلا، محمد بنيس في حداثة السؤال وكتابات أخرى.. هذه أمثلة على هذا النوع من الكتابة الذي أصبح من الضروري الاشتغال عليه، إنه هامش النصوص الإبداعية، الذي يعتبر –في نظري- عتبة أساسية لولوج عوالم المبدع، ومتاهات أسرار كتاباته.

ينتمي كتاب: الشاعر والتجربة لحسن نجمي لهذه الكتابات –النصوص الموازية- لأن صاحبه معروف ومتداول باعتباره شاعرا بالأساس، حيث أصدر مجموعة من الدواوين بدءا بـ لك الإمارات أيتها الخزامى إلى حياة صغيرة مرورا بـ سقط سهوا والرياح البنية، قصائد عرفت تغيرات كثيرة على مستوى الرؤية الشعرية للعالم، وأيضا على مستوى استيطيقا الشعر بشكل عام، وبدت في ديوانه حياة صغيرة وفي القصائد التي ينشرها الشاعر في الجرائد والمجلات، ولم تجمع بعد، أكثر هدنة، وأكثر ارتباطا باستراتيجية شعرية واضحة المعالم والسمات، أكثر التصاقا بجسده وبهواجسه في هذا الكون. إن الشاعر في حاجة إلى وقت طويل ليرسو عند قناعات فكرية وشعرية تجعله منسجما فيما يكتبه من قصائد ونصوص وما يصرح به في شكل حوارات، أو من خلال دردشات مع الآخرين؛ لذلك فـ"الرؤية الشعرية تأتي من تبلور الموقف الفكري الخاص من الواقع، ومن "نظام الأشياء" والعلائق اليومية العامة والخاصة، ومن ثم لا يمكن لحداثة السن ولا لحداثة التجربة أن تعطي رؤية شعرية متجددة وناضجة، قد تفصح عن بعض الإرهاصات الرؤيوية، ولكنها تظل بحاجة إلى إمكانات أخرى كي تتجاوز هشاشتها واندهاشها الأول" (الشاعر والتجربة، ص152).

ذلك ما يناقشه نجمي في كتابه، أي علاقة الشاعر بالتجربة: التجربة الحياتية بكل معاناتها وقسوتها، هزائمها وانكساراتها، وأيضا أفراحها ونجاحاتها، والتجربة الشعرية بكل متاهاتها، وعتماتها، وآلامها الداخلية العسيرة. إن التجربة بهذا المعنى مزدوجة: داخلية وخارجية، مرتبطة بالمعيش (اليومي) وبالجسد (الذات) لأن "القصيدة الحقيقية تكتب داخل الجسد(…) التصويبات والتنقيحات الضرورية تتم داخل الجسد في الغالب" (ص133)، قناعات يدافع عنها صاحب كتاب الشاعر والتجربة ضد أولئك الذين يكتبون "قصائد بلا شعر" حسب تعبيره، "أولئك الذين تغمرهم كيمياء اللغة(…) لأن اللغة هي التي تتناسل كي تكرم صبرهم، وطول انتظارهم"(ص134).

إن نجمي يرى إلى الشاعر في مدى اقتناصه لتلك اللحظات المنفلتة، ولتلك الدهشة المتخفية في الأشياء، وارتباطه بالتفاصيل الصغيرة، العابرة التي تحتاج إلى عين أخرى لرؤيتها، إنها عين الشاعر المرتبط بالحياة وباختبار الحواس الداخلية اتجاه العالم. إنه يرى الشعر في تفاصيل الأشياء والعلائق، لا في تفاصيل اللغة وتناسل معجمها، حيث لا تحيل إلا على ذاتها، يقول: "إن الشعر المستسلم لإغراء اللغة ولثرثرتها لا يمكنه أن يحقق تواصلا جيدا مع العالم(…) إن الشعر المؤهل أكثر، في ظني، لتحقيق التواصل الإنساني هو الشعر الذي يراهن على البساطة والتجربة وثراء الصورة الشعرية"(ص19)، فالبعد الجمالي للقصيدة ضرورة ملحة بجانب التجربة في غناها وثرائها، لأن هذه الأخيرة (التجربة) تمتح أيضا من المقروء الذي يعتبر أيضا سلاح الشاعر في مواجهة تجربة الحياة، ومقاومة التشوشات التي تعترض صفاء الكلمة وبساطتها. ولذلك يقدم لنا نجمي في كتابه الشاعر والتجربة رفاقه في درب الشعر، ومسانديه في الرؤية الشعرية التي منها يكتب قصائده، ومن خلالها يمارس الشعر. ففي حديثه عن هؤلاء الشعراء: روبيرتو خواروت، أو نغاريتي، غيليفيك، ماياكوفسكي، إزرا باوند، نيرودا، ليونارد نولنس، برودسكي، ولاس ستيفنز، أدونيس، جويس منصور، نجده قد ركز على ما يضيء تجربته في الشعر، ورؤيته للعالم. هكذا نجده يقول بأن "روبيرتو خواروت شديد الالتصاق بالمرئي (هنا تهمني كتابته بالأساس)". ويقول عن أونغاريتي: "شعره أوتوبيوغرافي بامتياز. كل قصيدة له كان يعلوها غبار التجربة والحدث المعيش فعليا، ومن ثم كان يتخطى في كتابته كل ما هو مأثور وجاهز وعائم، ولائد بكيمياء اللغة المترهلة" (ص53)، ويقول عن غيليفيك بأن "الكينونة كسؤال تنهض لديه من خلال التقاط الأشياء العادية، البسيطة واليومية" (ص35)، "لا تقول قصيدته إلا ما تراه. إنه "لا يتخيل" شيئا على الإطلاق. ينظر ويصف بحساسية أخرى، بوعي آخر، بنظرة مختلفة، حتى حين يتذكر بعض المشاهد والأشياء، فإنه يكتبها كما لو كان يراها في لحظة الكتابة"(ص37)، ويكتب عن ماياكوفسكي لارتباط شعره بالمدينة، وبالتحولات التي تعرفها الحياة، والتي يجب أن يعرفها أيضا الشعر والشاعر. أما إزراباوند فلارتباطه بالحركة التصويرية، و"لأن استراتيجيته لم تكن لتقتنع بمداعبة ما ليس مرئيا أو بمحاذاة ما هو أبدي، وبالعكس فقد كان متعلقا بما هو "خاص" وشخصي ومرئي، وملموس" (ص108)، واهتم بنيرودا لانبثاقه من التجربة السياسية التي علمته الإنصات للآخرين، واشتغل على أدونيس لأنه "استثمر البعد التشكيلي لتجديد العلاقة مع النص، وإعطاء الشكل دلالة جوهرية".

إن ما يمكن أن نستشفه من قراءتنا لهذه النصوص أن الشاعر حسن نجمي يركز على مسألة الإنصات التي تعتبر أساسية بالنسبة للشاعر: الإنصات إلى الآخرين، الإنصات إلى نبض العالم، الإنصات إلى الصمت الداخلي للشاعر نفسه، وهذا الإنصات يتم بكل الحواس من أجل القبض على نبض الأشياء في حيويتها، وحركاتها الداخلية العميقة.. وبه تنكتب القصيدة داخل الجسد، بشكل تلقائي ومفاجئ، لأنها نابعة من علاقة شخصية مع الحياة.

فهذه النصوص حول هؤلاء الشعراء (أفرد لهم الشاعر قسما خاصا أسماه "شعراء في العالم" (129 صفحة) تقدم لنا جزءا من رؤية الشاعر للقصيدة كما يكتبها ويمارسها، "ذلك أن القراءة فعلا اختيار وتمثل"(ص8). فهي تعبر عن تصورات الشاعر لقصيدته الممكنة، وتلقي "مزيدا من الضوء على اهتمام شخصي بالشعر ومادته الحية"(ص8). وترتكز هذه الرؤية الشعرية على المرئي، من أجل الكشف على المخفي والمتستر في اليومي المكرور، لذلك فالقصيدة تقول العادي، والتافه، والمهمل لتجلي الحجب عن أشياء أساسية في الحياة اليومية للأفراد، ولتضيء لهم عتمات الدواخل: لكن ذلك يبقى صعبا ما لم ينفتح الشعر على جماليات أخرى، وخصوصا ما يرتبط منها بالبصري، لذلك نجده في القسم الثاني من كتابه المعنون بـ تخاطبات يفرد حيزا كبيرا لمناقشة هذا الموضوع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فجل نصوص هذا القسم هي عبارة عن كتابة عن أشخاص ربطته بهم علاقة صداقة حميمة، وأغلب هؤلاء الذين يخاطبهم في كتابته هذه تشكيليين: القاسمي، جاريد، الحريري، يوسف سعدون.. أو لهم علاقة بالفن التشكيلي: موليم العروسي باعتباره ناقدا للفن، والطاهر الجمعي الفوتوغرافي. فمن خلال الكتابة عنهم يناقش أعمالهم، من جهة ارتباط الشعر بالتشكيل.

إن علاقة حسن نجمي بالفن التشكيلي قديمة، فمنذ ديوانه الأول: لك الإمارات أيتها الخزامى يركز على علاقة الشعري بالتشكيلي، حيث جاءت أشعاره مرفقة بتخطيطات عبد الله بلعباس، رغم نقده لهذه التجربة فيما بعد واعتبارها باهتة، لأنها لم تستوعب حدود العلاقة سواء على المستوى الشعري، أو على المستوى التشكيلي، إضافة إلى انتقاده لتجربة عبد الله زريقة مع عباس صلادي في كتاب: تفاحة المثلث أو تجربة محمد الواكيرة مع الفنان إيكن في ديوان: Moments، أو علاقة الشاعر عبد الله بنسماعين مع إيكن أيضا في ديوانه Verset pour un voyageur، فأغلب التجارب التي من هذا النوع تقف عند حدود التزيين أو تؤسس علاقتها على التبعية؛ تبعية التشكيلي للشعري أو العكس؛ في حين أن "العلاقة بينهما يجب أن ترقى إلى مستوى زواج معرفتين ممكنتين: معرفة ممكنة حول التشكيل، ومعرفة ممكنة حول الكتابة"(ص155)، وأيضا معرفة الحدود بين الأجناس والأشكال، لأن لكل خصوصيته، والتقاؤها لابد أن يكون شفافا نابعا من خصوصية كل واحد منهما.. إذن فنجاح هذه العلاقة مرتبط بفهم هذه الخصوصية، وبمدى إدراك الشاعر للتشكيل، والفنان التشكيلي للشعر، لكي يؤسس كل منهما خطابه انطلاقا من نقطة مشتركة، تجعلهما متحدين في استقلاليتهما.

هكذا فحسن نجمي ينفتح على التشكيل، بجانب شعراء آخرين، من أجل تأسيس رؤية شعرية جديدة، يكون فيها الشاعر منفتحا على حقول أخرى مجاورة، بصرية على الخصوص، وعلى أشياء هذا العالم المعاصر المنبنية على المرئي، يقول: "لا بد لكي يتم هذا التحقق أن ينشغل الشاعر بقضية جوهرية، بانشغالات فكرية ونفسية، وجمالية، وبالتالي نكون أمام ضرورة قصوى لتعدد الفاعليات المنتجة، واختلافها كي يولد النص الشعري الجديد، ومن ضمن هذه الفاعليات أساسا الفاعلية الجمالية التي يشكل التشكيلي أحد أبعادها" (ص152). فالنص الشعري الجديد لا يجاور النص التشكيلي فقط، كما في عمل محمد بنيس وضياء العزاوي في ديوان: كتاب الحب أو محمد القاسمي مع حسن نجمي في ديوان الرياح البنية، بل يشتغل أيضا من داخله، بتركيزه على التقاط المرئي، وكتابة ألوانه، وانسكانه بالمدهش، وتصويره للعابر في لقطة مركزة، ومكثفة ودالة. في نظري لا يستطيع الشعر المعاصر اليوم أن يغفل الجماليات البصرية والتصويرية، لأنه يتماشى معها في أكثر من بعد، ويتقاطع معها في أشياء كثيرة، ولأن عين الشاعر المعاصر منفتحة على جماليات غير كتابية.

أكيد، أن هذه التجربة، في حاجة إلى "قارئ عاشق، بعين جديدة وبإحساس جديد وبذاتية مختلفة" (ص158)، قارئ يقاوم "عطب التلقي" فيما هو يصر على الانتماء إلى فضاء الشعر الرحب، فضاء الابتكار والتجديد، وفي هذه الحالة فهو يواجه معرفتين: معرفة شعرية، ومعرفة بصرية؛ لكل منهما مرجعياته الخاصة، إلا أنهما يلتقيان في أفق جمالي موحد. إنها كتابة مغايرة، تستند إلى رؤية شعرية جديدة، وهي بذلك "في حاجة إلى لمسة قارئ ودود كي يملأها بألق خاص"(ص171)، قارئ منخرط في الثقافة المعاصرة بكل تجلياتها.

إن قيمة هذا الكتاب نابعة من انشغاله بسؤال الشعر، فرغم تعدد واختلاف المقالات التي يضمها، فإن الخطي الناظم فيما بينها هو الشعر، كما يقف عنده الشاعر حسن نجمي، ويقتنع به. ورغم أن هذه النصوص لا تسلك مسلك النقد بشكل مباشر، أعني النقد بأدواته الإجرائية، ومصطلحاته المنهجية، إلا أن لها "انشغالها النقدي" كما يؤكد ذلك الكاتب نفسه، بمعنى أنها تقف مع، وتقف ضد، وتصدر أحكاما، إما بشكل ضمني يستشف من سياق الكلام، أو بشكل صريح وجريء أحيانا، عندما يستدعي الأمر ذلك؛ يقول في إحدى نصوصه: "أقول لأصدقائي(…) بأن الشعر السائد في المغرب هو في الغالب "قصائد بلا شعر" لاقتناعي بهيمنة نزوعات النظم والكتابة من خلال المقروء، لا من خلال الحياة والتجربة، وامتحان الحواس"(ص135)، أو حين يدافع عن خصوصية الشعر ضد المركزية المشرقية التي تلغي سؤال الشعر المغربي، وتبحث عن أجوبة لأسئلتها في شعر له هويته المتميزة، وفي ذلك نقد لكثير من الكتابات الشعرية المغربية التي تضع المشرق أفقا لها: يقول: "نحن نعتبر شاعرا مغربيا كل من يكتب قصيدة بروح مغربية، بهوية مغربية داخل جغرافيا شعرية مغربية أساسا"(ص268). إنه يمارس النقد بشكل حميمي، وينخرط في القراءة العاشقة من أجل شعر مغربي يمتلك رؤية جديدة للذات، للعالم، للغة، وللشعر..

تقدم لنا، إذن، نصوص كتاب الشاعر والتجربة متعة اكتشاف شعراء في شعرهم، وفي مسارب حياتهم، ومتعة التعرف على فنانين في محترفاتهم، وفي أزقة طفولتهم وحياتهم، ويمنحنا، أيضا، فرصة التعرف على الشاعر حسن نجمي، واكتشاف فضاءاته، وانشغالاته، وأيضا مقروءاته. إنه نوع من التناص المعلن، أو ما يمكن تسميته مع الشاعر إدريس الملياني بـ"الوشاية بالذات"، ما أحوجنا لمثل هذه النصوص، لأنها تضيء للقارئ كثيرا من عتمات القصائد، وتفتح أمامه آفاقا أخرى للبحث والقراءة، وإعادة القراءة.

وأختم حديثي هذا، قائلا مع حسن نجمي، على لسان الشاعر الأرجنتيني روبيرتو خواروث: "والآن ينبغي الخروج، لكن هل ثمة خارج؟"