ص1      الفهرس     41-50

الشعـر في حوار النظم والنثر

محمد العمري

تمهيد:

بعد تأمل لمجموع الأسئلة التي تطرحها قضية الإيقاع في التجربة (أو التجارب) الشعرية الحديثة بدا لي من المفيد النظر إلى الموضوع من خمس زوايا:

1 – الشعر في حوار النظم والنثر: في ضوء تاريخ الشعر العربي.

2 – معنى الإيقاع ومكوناته.

3 – تحقيب الدورات الإيقاعية الشعرية.

4 – تجليات الإيقاع وبدائله.

5 – حركة النفس والمعنى وضرائر الشعر (أي متطلباته).

سبق أن تطرقت للقضايا المدرجة في النقط 2، 3، 4، 5 في مناسبة سابقة (الملتقى الأول للشعراء العرب بتونس، 1997، ونشرت مادة الدراسة المنجزة بتلك المناسبة في مجل فكر ونقد، 18). ولذلك أحيل عليها وأخصص هذا المقال للنقطة الأولى. وقد كان بدا لي، في المناسبة الأولى، أن قضية التداخل بين المنظوم والمنثور تنتمي إلى المعلوم بديهة[1]، فاكتفيت فيها بالإشارة، غير أنني تأكدت، بعد ذلك، أنها غير مستحضرة عند كثير من المحاورين في الموضوع، سواء من الشعراء النقاد أو من مناوئيهم من المحافظين. فقررت توسيع النظر فيها من خلال التجربة الشعرية العربية، حيث تكون المعرفة في مقام الحجة.

1 – تحيين الإشكال:

يعتبر الموقف من الإيقاع أهم الإشكالات التي تطرحها الهوية الشعرية في القصيدة الحديثة، خاصة في العقود الأخيرة حيث صارت عبارة "قصيدة النثر" تثير ردود فعل متناقضة بعد أن هدأت المعركة حول مشروعية شعر التفعيلة. فبرغم التوسع الإنتاجي لقصيدة النثر، وبرغم كثرة الشعراء المقبلين عليها، فإن ذرعها النقدي ما زال مخترقا، هذا فضلا عما قيل ويقال حول علاقتها بالمتلقي أو تضحيتها به، وحول وفائها بمتطلبات الشعر عند من يصر على وجود ثوابت في هذا المجال. وقبل الدخول في عرض خيوط المشهد العام للمسألة في تاريخ الشعر العربي يحسن أن نحين الإشكال بالاستماع إلى صدى من أصداء تفاعلاته الحالية.

سئل أدونيس أخيرا عن "الدعوات المكرورة لإقصاء قصيدة النثر من مسرح الشعر بوصفها كائنا هجينا"[2]. وكان السؤال كما هو صريح من صيغته استرفادا برأي أحد رواد القصيدة الحديثة. غير أن جواب أدونيس كان، بخلاف ما يستدعيه لحن قول السائلي، تشكيكا في المسألة كلها[3]. تساءل أدونيس عما حققه "ما اصطلح على تسميته بـ"قصيدة النثر"، فنبه إلى أن المشروعية لم تعد مسألة خارجية، أي: هل يعترف الآخر أو لا يعترف؟ المسألة داخلية: مسألة "صناعة" و"فن"[4] و"جماليات"، إلى غير ذلك من الألفاظ التي لا تسر الناظرين في قصيدة النثر بعين الرضا المطلق. ولتخفيف الوقع سوى بين الموزون والمنثور في المنطلق: الكل في الهم سواء. العبرة "بالفن"، قال: "ومسألة "قصيدة النثر" أصبحت الآن كمسألة قصيدة الوزن: داخلية فنية، وليست "خارجية" قبولا أو رفضا، بل بوصفها نوعا من الكتابة الشعرية. أقول ذلك لأنه لا يجوز الاستمرار في كتابتها بوصفها "مضادة" لقصيدة الوزن، فذلك يكشف عن "طفولة" لا تليق بالشعر، لا في وعيه ولا في لا وعيه على السواء، يجب أن تكتب هذه القصيدة نصا آخر في شجرة الشعر. أختا ورفيقة لقصيدة الوزن".

وبعد إبراز مخاوفه من الركون إلى السهولة القاتلة للحس، أردف قائلا: "وما سمي "بقصيدة النثر" ليس إلا مجرد إمكانية لتعبير شعري آخر. وتبدو الآن عبر "ركام" الكتابات، كما عبرتما في كلامكما، أنها مجرد "مادة" لا "فن" فيها، والكتابة بها حتى الآن تعطي غالبا انطباعا بأننا أمام "بحر" أو "وزن" يتكرر بلا نهاية دون تقنية بارعة، أو جديدة تحل محل التقنيات الوزنية التي خرج عليها، فلم يخلق الانتقال من قصيدة "الوزن" إلى "قصيدة الثر" طرقا وأشكالا تعبيرية وتقنيات في مستوى هذا الانتقال الذي يمكن وصفه بأنه جذري، لكي لا أستخدم لفظة ثوري التي فقدت معناها"[5].

وبعد فإنما اخترنا كلام أدونيس تنشيطا للإشكال وتحيينا له، لأنه –بالإضافة إلى قامته شاعرا- ضليع في أطراف المسألة يمينها ويسارها، وقد بدأ يتحول إلى ضحية لشعاراته، كما تحولت نازك الملائكة ضحية لشعارات قصيدة التفعيلة[6].

2 – المركز والهامش: القصيد والرجز

لا نروم، في مقام الدارس الذي نفترض وجودنا فيه، الانضمام إلى إحدى القلعتين المتراشقتين بسهام التنافي. كما أن طبيعة عملنا تقتضي فتح البصيرة من موقع أعلى يسمح بمشاهدة أرض الشعر في أقصى حدودها. لذلك سنحاول تأمل حوار النظم والنثر في الشعر العربي (في ارتباط بمفهومهما اللغويين). النظم بمعنى التجميع والتنظيم في تناظر وتوازن، والنثر خلاف ذلك (التفريق الذي قد يكون ترسلا وقد يكون سجعا).

وبذلك نترك الشعر (أو الشعرية) صفة قابلة مبدئيا لاستيعاب ما بين ضفتي النظم البسيط والنثر البسيط، وليس في هذا الكلام جديد. فمن مبتذل القول أن النظم وحده ليس شعرا، وأن النثر البسيط ليس شعرا وغير البسيط من النثر موضع خلاف في وصفه وانتمائه: شعر أم قصيد أم ليس شعرا ولا قصيدا؟ ولسنا في حاجة إلى التنبيه أن تمييزنا بين دائرة الفصيح (المعرب) ودائرة غير الفصيح (اللهجي) تمييز إجرائي، يسمح بالحديث داخل دائرة الفصيح مع الوعي بالتداخل الكبير بين الدائرتين.

فنقول: إن الحوار بين الانتظام والنثرية قديم يعود إلى أقدم صور الوعي التصنيفي في تاريخ الشعر العربي، ويمكن النظر فيه ضمن حوار المركز والهامش: المركز معروف، يبني هويته ويحرص عليها، والهامش متحرك.

من لوازم المركز ادعاء الكمال والمناسبة التاريخية، أما الهامش فصامت يتشوف إلى مواقع تدنيه من موطن الشرف المحجوز، قد يبادر بغزو منطقة من المركز مجربا حظه ثم يتراجع في الغالب.

المركز في الشعر العربي القديم هو القصيد، والهامش، هو الرجز وما إليه من شعر يتغنى به في مناسبات الحياة العامة. فأصول المعاني التي استخلص منها اسم القصيد هي: التوسط والاعتدال، والاستقامة، والدسم والانقسام إلى قسمين متعادلين. "المقصد من الرجال، الذي ليس بجسيم ولا قصير". و"القصيدة من النساء: العظيمة الهامة التي لا يراها أحد إلا أعجبته".

"القصد العدل واليسر والتوسط والاستواء: "وقصد فلان في مشيته إذا مشى مستويا".

"والقصد: الكسر. وقيل: هو الكسر بالنصف".

"وقصيد: مكسور، وتقصدت الرماح: تكسرت.. وقد انقصد الرمح: انكسر بنصفين حتى يبين: "والعظم القصيد: الممخ".

فعلى أساس هذه المعاني، قيل:

"والقصيد من الشعر: ما تم شطر أبياته، وفي التهذيب: شطرا بنيته، سمي بذلك لكماله وصحة وزنه. وهذا المعنى المستخرج من التوسط والاعتدال والانقسام هو الذي يتلاءم مع نقاد الأدب حين تحدثوا عن "مقصد" القصيد، كما ذكر ابن قتيبة في مقدمة الشعر والشعراء. أما الحديث عن القصد فناتج عن اعتبارات دينية تنزيهية، ولذلك أوقع القائلين به في التناقض كما في قول ابن جني: "سمي قصيدا لأنه قصد واعتمد، وإن كان ما قصر منه واضطرب بناؤه، نحو الرمل والرجز، شعرا مرادا مقصودا، وذلك أن ما تم من الشعر وتوفر آثر عندهم وأشد تقدما مما قصر واختل.. الجمع قصائد".

أما الرجز فمرده معناه في اصل تسميته الاضطراب والارتعاد:

"الرجز: داء يصيب الإبل في أعجازها. والرجز أن تضطرب رجل البعير.. والرجز: ارتعاد..".

"والرجز: شعر.. وهو وزن يسهل في السمع، ويقع في النفس. "قال ابن جني: كل شعر تركب تركيب الرجز سمي رجزا".

وقد اختلف فيه، فزعم قوم أنه ليس بشعر، وأن مجازه [ أي طريقه ] مجاز السجع، وهو عند الخليل شعر صحيح.. وفي التهذيب: وزعم الخليل أن الرجز ليس بشعر..".

قال ابن مسعود: "من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز". قال: "إنما سماه راجزا لأن الرجز أخف على لسان المنشد، واللسان به أسرع من القصيد".

هكذا اضطرب الرأي في نسبة الرجز إلى الشعر من جهة والسجع من جهة أخرى. وحين حاول صاحب اللسان الخروج بخلاصة لما استقر عليه الأمر جاء بكلام متناقض دال على ذلك البرزخ الذي وقع فيه الرجز، قال:

"الرجز: بحر من بحور الشعر معروف، ونوع من أنواعه يكون كل مصراع منه مفردا، وتسمى قصائده أراجيز، واحدتها أرجوزة، وهي كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر، ويسمى قائله راجزا كما يسمى قائل بحور الشعر شاعرا". (لسان: رجز).

نستخلص من هذه الأقوال المتضاربة ومن أقوال أخرى لا يتسع المقام لذكرها: وجود معنيين للرجز معنى عام ارتبط ببداياته ووظائفه الاجتماعية، وهو المعنى الذي يهمنا. ومعنى طارئ ورد عليه حين نزع إلى الارتقاء نحو القصيد متناولا أغراضه من مدح وهجاء..إلخ ممتدا بطوله وامتداده فأدرج ضمن بحوره، وقد تم هذا الانتقال في العصر الأموي عصر ثورة الرجز. فهذا التصنيف هو الذي يفسر اضطراب الأقوال المنسوبة للخليل (سواء كانت له أو لغيره) بين اعتبار الرجز نثرا واعتباره شعرا. فالرجز بمعناه العام ملتبس بالنثر حيث يوجد ما يوازي أشطرا منه في القرآن وكلام الرسول، والرجز بمعناه الخاص المتبلور في العصر الأموي ملتبس بالشعر[7]. ولكنه لم يستطع مع ذلك دفع الشبهة.

وقد لاحظ محقق ديوان العجاج أستاذنا عزة حسن، بحق، استمرار نظرة النقاد إلى الرجز بمفهومه العام في العصور اللاحقة برغم ما عرفه من تطور سما به إلى مستوى القصيد، فقال مستغربا تنقيص أبي العلاء المعري للرجز في رسالة الغفران في الصورة الساخرة المشهورة: "وقد فرق العلماء بين القصيد والرجز منذ القديم، ونظروا نظرة خاصة إلى الرجز والرجاز، استنقصوهم فيها، وجعلوهم دون سائر الشعراء، وأنزلوهم دون منازلهم. ومن الواقع أن الرجز قلما استعمله كبار شعراء العرب منذ أيام الجاهلية. وقد خلت منه دواوين النابغة الذبياني وزهير بن ابي سلمى وطرفة بن العبد وعنترة بن شداد وعلقمة بن عبدة. وليس فيه من ديوان امرئ القيس سوى أربع مقطعات. وقد أكثر منه بعض الإكثار لبيد بن ربيعة من أصحاب المعلقات، إذ جاء في ديوانه خمس عشرة أرجوزة ومقطعة من الرجز. وقد تفرد لبيد بذلك بين شعراء العرب".

"والواقع أن الرجز تغير مع الزمن حتى ارتقى إلى مرتبة القصيد عند رجاز العصر الإسلامي.. وبان عما كان عليه في الجاهلية كل البينونة. ولكن نظرة الناس إليه لم تتغير مع الزمن، فظلوا ينظرون إليه نظرة دون نظرتهم إلى القصيد من الشعر، حتى قال المعري ما قال عن الرجز والرجاز في رسالة الغفران كما رأينا. وكان يعبر في كل قوله هذا عن رأيجمهور الناس في عصره وفي كل العصور التي سبقته"[8].

إن وصف بنيات الشعر وأنساقه من طرف العروضيين وحديثهم عن العيوب المقبولة والمرفوضة شبيه بعملية وضع النحو. حيث غلبت الأنساق البارزة الأكثر انتظاما على التحققات الشاردة المتعددة، وهذه ضريبة التقنين العلمي على الدوام. ومن الأكيد أن تقنين الرجز الناتج عن تطلعه نحو أنساق القصيد كان اختزالا قاتلا جعله هيكلا فارغا استغل فيما بعد لحفظ المحتويات العلمية وتحفيظها. ولم يسترد مكانته ومجده إلا حين أعيد إلى مجاله الحيوي أي الحياة في غير نسق صارم مع قصيدة التفعيلة. إذ احتل حيزا واسعا في بنائها خاصة في المراحل الأولى (في الستينيات).. فبدأ رحلة جديدة.

ولم تكن المرحلة الممتدة بين تقنين الرجز وتحجيره وبين إعادته إلى الحياة وتفعيله في القصيدة الحديثة خالية من أي شكل ملتبس على هامش القصيد. فهذا يتنافى مع حركة الأدب ضمن محيطه اللغوي والمعرفي الجديد. لقد بدأ على تكون هامش جديد يمكن تجميع كل تشكلاته تحت مصطلح الموشح.

الموشحات بين المركز والهامش:

يمكن اعتبار ظهور الموشحات سدا لذلك الفراغ الذي تركه الرجز، الموشحات باعتبارها الظاهرة الأم المؤطرة لكل تجليات الهامش التي تشترك معها في منازعة سلطة المركز. هذه المنازعة التي تمتد من تنويع البحور والقوافي إلى تفتيتها والخروج عنها. لقد أعطت الموشحات لأحد قرائها الذين عشقوها، أعني، ابن سناء الملك نفس الانطباع الملتبس الذي أعطاه الرجز للقدماء اعتمادا على البصر والبصيرة والأذن، التباس الهوية. قال ابن سناء الملك: "الموشح: كلام منظوم على وزن مخصوص.. والموشحات تنقسم إلى قسمين: الأول ما جاء على أوزان أشعار العرب، والثاني ما لا وزن له فيها ولا إلمام بها.. وفي شجعان الوشاحين والطعانين في صدور الأوزان من يأخذ بيت شعر مشهورا فيجعله خرجة ويبني موشحه عليه..

والقسم الثاني من الموشحات هو ما لا مدخل لشيء منه في شيء من أوزان العرب، وهذا القسم منها هو الكثير، والجم الغفير، والعدد الذي لا يحصر، والشارد الذي لا ينضبط، وكنت أردت أن أقيم لها عروضا، يكون دفترا لحسابها، وميزانا لأوتادها وأسبابها فعز ذلك وأعوز، لخروجها عن الحصر، وانفلاتها من الكف، وما لها عروض إلا التلحين"[9].

لهذه الاعتبارات وغيرها رأى ابن سناء الملك أن الموشحات ظاهرة جديدة غير مسبوقة معبرا بهذه العبارة البليغة المنطوية على سخرية من ادعاء القدماء الإحاطة بكل شيء، قال: "وبعد إن الموشحات مما ترك الأول للآخر، وسبق بها المتأخر المتقدم، وأجلب بها أهل المغرب على أهل المشرق، وغادر بها الشعراء من متردم، ملحة الدهر، وبابل السحر، وعنبر الشعر، وعود الهند، وخمر القفص، وتبر الغرب، ومعيار الأفهام، وميزان الأذهان، ولباب الألباب، تلهي وتطرب، وتونس وتطمع، وتخلب وتجلب.. هزل كله جد، وجد كله هزل، ونظم تشهد العين أنه نثر، ونثر يشهد الذوق أنه نظم. صار المغرب بها مشرقا لشروقها بأفقه، وإشراقها في جوه وصار أهلها بها أغنى الناس لظفرهم بالكنز الذي ادخرته لهم الأيام، وبالمعدن الذي نام عنه الأنام"[10].

ومع كل هذه الجدة، وهذا التميز الذي أحس به قارئ ممتاز من نمط ابن سناء الملك، فإن الموشحات مثل الرجز لم تعتبر نفسها بديلا للقصيد، بل ظل التوشيح صنعة بجانب القصيد وعلى هامشه، خاصة وقد ظل مثل الرجز مرتبطا بموضوعات خاصة: الغزل ووصف الطبيعة، كما ارتبط بالغناء حتى بدا فنا للفن من منظور وبطالة من منظور آخر. بل إن الموشحات بتغليبها الموازنات على الوزن قد انتهت إلى صور من الانتظام أكثر تعقيدا من القصيد، صارت في موقع بين الزجل والسجع والقصيد. لقد شكلت شقا في جدار القصيد سيتسع مع الأيام.

لقد مهدت هذه الإجراءات الملينة لعريكة القصيد للخروج بسهولة من أنساقه (كما وصفها الخليل ومن عاصره أو جاء بعده) حين تهيأت الظروف لذلك. فامتد هذا الهامش مع حركة الإحياء، والحركة الرومانسية توجه خاص، عند شعراء المهجر وجماعة أبولو.. وغيرهم من الشعراء في جميع أنحاء الوطن العربي وتبلور أكثر في الكتابة المسرحية..إلخ. وعندما وصلت عملية التليين مداها الأقصى ظهرت حركة الشعر التفعيلي.

ومع هذا الحركة تغير المطلب؛ أعلن تحويل المركز. إن شعر التفعيلة لم يشغل نفسه كما فعل الهامش القديم باستيعاب موضوعات القصيد والتشبه به لأخذ الجائزة، بل اقترح أولويات ترتبط بالحركة الرومانسية، ثم الحركات الثورية الاجتماعية: الغربة، الثورة.. إلخ. وبذلك خرجت الحركة الجديدة من حدود التغير الشكلي العابر إلى تخطيط موضوع جمالي بديل شكلا ومضمونا. وهذا ما أكسب هذه الحركة قوة دفع إذ صار الشكل نفسه مصبوغا بمعاني مقاومة الزيف الذي ألصق بأطر قديمة مختلفة تمتد من بحر الشعر إلى بحر الاستبداد. من المتوقع أن حركة تسير بقوة دفع من هذا القبيل قادرة على أن تستوعب من الغثاء بقدر ما تدعي كنسه. ومن خطاب التجاوز والتحطيم الذي أطلقته حملة التفعيلة، انطلقت موجة جديدة، موجة قصيدة النثر متجاوزة الحدود التي يستطيع رواد التجديد داخل الإيقاع العربي استيعابها.

وكما أرعبت حركة التفعيلة رائدتها نازك الملائكة فعادت تضع الحدود وتشدد القيود، تشاءم مطلق قصيدة النثر حتى خيل إليه أن الشعر العربي ينتحر.

لم تكتف قصيدة النثر بالخروج من الأنساق، أنساق القصيد القديمة كما فعلت قصيدة التفعيلة بل تجاوزت ذلك إلى تغييب التفعيلات نفسها.

من القضايا الكبرى التي سجلناها في الفرق بين زمن امرئ القيس وزمن أبي تمام الانتقال من الصوت إلى الكلمة. ويمكن تمييز زمن أدونيس بالانتقال إلى النص والتعالق النصي في الفضاء البصري.

إن نسبة الزمن إلى هؤلاء الثلاثة لا يعنى أكثر من استقطابهم لحساسية العصر وخصوصياته الكبرى إيجابا وسلبا، وتقلبهم في جوانبها خوفا من إفلات الزمام. ومن الأكيد أن غيرهم أشعر وأبدع في جوانب متعددة على الإفراد.

ورغم الاعتراف بأن ليس في وسع أحد أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، إلا إذا عزم على القيام بخدعة يكون أول ضحاياها، فإن حدود التجريب مطروحة للتأمل، خاصة بالنظر إلى المجرب والمجرب له.



[1] - وكنت تناولت قضايا البنية الصوتية في الشعر العربي القديم والبلاغة في كتاب: تحليل الخطاب الشعري، البنية الصوتية. وكتاب: اتجاهات التوازن في الشعر العربي القديم. وكتاب: الموازنات الصوتية في الرؤية البلاغية.

[2] - يقول عبد الستار جواد: "نعتقد أن قصيدة النثر يمكن أن تدرس خارج القصيدة الحديثة، وقد آن الأوان لأن نسقط تبعتها وإشكالاتها عن كاهل حركة الشعر الحديث التي جاءت امتدادا لمراحل سابقة من الثورة الشعرية". التحديات التي تواجهها القصيدة  العربية، ص28. مهرجان المربد الشعري التاسع، سنة 1988.

[3] - يبدو أنهما كانا يتوقعان منه انتصارا غير مشروط لقصيدة  النثر التي أطلق دعوتها منذ أربعة عقود كاملة (1959).

[4] - لقد كان ذكر كلمة "فن" مثيرا للسائلين، فطلبا التوضيح، ثم طلبا الأمثلة. فقال أدونيس جوابا عن السؤالين: "أعني الجانب الصيغي –الحرفي- التشكيلي.. الجانب الذي كانوا يطلقون عليه اسم "الصناعة"، وهو الاسم الذي كان اليونان يشيرون به إلى كتابة الشعر.

الشعر لا يكون "وحيا"، على افتراض أنه يكون إلا بمقدار ما يكون صناعة.

...تعرفان أن المقول في الشعر لا يأخذ شعريته إلا من طريقة القول، وتكون طريقة القول شعرية بقدر ما يكون صاحبها إلى جانب موهبته الشعرية، مسيطرا على أدواته اللغوية والتصويرية، والتركيبية والإيقاعية، العمل الشعري في آن، وفي وحدة لا تنفصل، موهبة (أي طبيعة) وفن أي "صناعة" (نزوى، العدد 18).

[5] - نزوى، العدد 18، 1999.

[6] - من المفارقات أن نجد من بيننا اليوم من يجد حاجة للرد على نازك الملائكة في دعوتها إلى الحفاظ على حد من الوزن الشعري.

[7] - وفي هذه الحالة يجد الأخفش حاجة ماسة لتضييق نطاق القصيد، ما دام هو البناء الوحيد الذي لا خلاف في شعريته قائلا: "القصيد من الشعر هو: الطويل والبسيط التام والكامل التام والمديد التام، والوافر التام والرجز التام والخفيف التام. وهو كل ما تغنى به الركبان، قال: ولم نسمعهم يتغنون بالخفيف" (اللسان: قصد). وخارج القصيد نجد الهزج والرمل والرجز، "يقال: أقصد الشاعر وأرمل وأهزج وأرجز، من القصيد الرمل والهزج والرجز" (لسان: قصر).

[8] - ديوان العجاج. مقدمة المحقق 25، وسياق هذا التوضيح قوله في الصفحة 20-21. وأورد قول أبي العلاء: "ويمر (أي ابن القارح) بأبيات ليس لها سموق أبيات الجنة، فيسأل عنها، فيقال: هذه جنة الرجز.. فيقول تبارك العزيز الوهاب، لقد صدق الحديث المروي: إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها. وإن الرجز لمن سفساف القريض، قصرتم أيها النفر فقصر بكم. ويعرض له رؤبة، فيقول: يا ابا الجحاف، ما كان أكلفك بقواف ليست بالمعجبة!.. ولم تكن صاحب مثل مذكور، ولا لفظ يستحسن عذب [إلى أن يقول ]: لو سبك رجزك ورجز أبيك لم تخرج منه قصيدة مستحسنة.. وقد كنت تأخذ جوائز الملوك بغير استحقاق، وإن غيرك أولى بالأعطيات والصلات" (رسالة الغفران 373-376 عن مقدمة تحقيق ديوان العجاج 21).

[9] - دار الطراز، 32-47، المقدمة.

[10] - نفسه، 29-30. ومن الطريف أن ابن سنان يربط بين الشكل الجديد وبين الوظيفة الثقافية للأدب. لقد انتهى من التعمق في دراستها وتأملها إلى الاقتناع بأن "معرفتها تزكية للعقل، وتعديل للفهم، وجهلها تجريح للطبع، وتفسيق للذهن، وأنه لا أدل على أن الذهن لطيف والفهم شريف، والطبع فائق، والعقل راجح، إلا بمعرفتها..)(ص39).