ص1      الفهرس     41-50

شعرية التلقي عند الشعراء القدامى

بين الإدراك والتصور

محمد الشرقاني الحسني

هل كان الشاعر القديم أثناء إنجاز نصوصه مدركا بوجود طرف ثاني يسهم في إنتاجيتها؟ ما هي حدود هذا الإدراك، وإلى أي حد ساعد في بناء تصور حول شعرية التلقي؟ أكان شريكا مغايرا يقرأ ويؤول ويحفز، أم كان شريكا مشابها يرى فيه الشاعر ذاته؟

هذه بعض الأسئلة التي تطرحها هذه المداخلة رغبة من صاحبها في استكشاف مفهوم الشعرية لدى القدامى واعتقادا منه بأن طرح الأسئلة الكائنة والممكنة عمل من شأنه النهوض بالنقد العربي ودفعه إلى الأمام.

إن شعرية التلقي بوصفها إشراكا لآخر يتموقع خارج الذات الشاعرة، الدافعة للقول، المحاكية لمتخيل جمعي، هي شعرية تمتاح من بؤرة اللاشبيه أو المغاير، ذلك المغاير الذي يسهم في إنتاجية النص الممكن من زاوية معاكسة، إما عن طريق القراءة أو التأويل أو التحفيز. وهي عناصر كلها تؤشر على وجود ذات أخرى مخالفة للأولى تشارك في خلق المعمار الدلالي واستكشاف البعد الجمالي. إنها ذات المتلقي إن لم نقل المبدع الثاني.

يتنوع هذا المتلقي ويتعدد من زمن لزمن ومن مكان لآخر، فيكون رئيسا، كما يكون امرأ من عامة الناس، لم يعد يوما في الدرأة، وقد يكون أديبا عالما، له دراية بصناعة الشعر ونقده، كما يكون شخصا عاديا ليس له في الأدب من كفل. إنه المستمع أو القارئ الممكن والمحتمل. ذلك أن الإبداع الشعري قد يكون خطابا مطلقا لا يقصد به متقبلا محددا أو قارئا معينا، وقد يكون خطابا هادفا يوجهه الشاعر إلى متلق مقصود مثل الممدوح والمهجو والمتغزل به.

وقد قرن الشعراء القدامى جودة شعرهم بهذا المتلقي المقصود فجعلوا درجتها مرتبطة بمكانته، ورأوا ضرورة اختيار الممدوح والمهجو اللذين ينبغي أن تتوافر فيهما شروط معينة مثل الشهرة والمكانة الاجتماعية الرفيعة.

أ – الممدوح:

إن الممدوح هو المخاطب الرئيسي والمتلقي المباشر للنص الشعري المادح، وقد جعل الشعراء جودة مدحهم رهينة بجوده وسخائه، وكلما كان الممدوح جوادا صار المدح حسنا، قال أحمد بن أبي فنن:

يعلمنا الفتح المديح بجوده

 

ويحسن حتى يحسن القول قائله[1]

فجعل جود الفتح بن خاقان/الممدوح، حاثا على تحسين الشعر وتجويده، ولعل في ذلك دلالة على أن الشاعر خلال صناعته للشعر يضع المتلقي نصب عينيه، فيكون شعره حينئذ عملا هادفا يبتغي منه تبليغ خطاب معين إلى شخص مقصود هو الممدوح، ثم قد يصير هذا الخطاب نفسه مرسلا لكل مستمع وقارئ. إن المتلقي هنا يصبح مشاركا للشاعر في صياغة المدحة بل ومؤدبا يعلمه صناعة المديح. وقد تكون جودة المدح ليست إلا نتيجة طبيعية لجود الممدوح وسخائه. قال ابن الرومي:

لا تحمدونـي أن جودت مدحكـم
جودت فيكم كما أجودت أيديكم

 

 فإنما قــام تشييد بتوطيــد
   ما حمد متبع أجود بتجويد[2]

إن المدح الجيد بناء أساسه كرم الممدوح، وما جادت به يداه. هذا الممدوح الذي يكون حاضرا في ذهن الشاعر ساعة إنجاز الشعر، مما يدفع إلى تجويده وتنميقه، لأنه يعلم مسبقا أن مخاطبه ممن يجزل العطاء، ويكثر الجزاء. هكذا يبدو أن الحرص على التجويد مرده إلى مراعاة حال المتلقي والرغبة في كسبه، واجتلاب محبته، والفوز بثوابه. فالشاعر ينقح مدحه ويثقفه ويزينه ابتغاء مرضاة الممدوح أولا ثم المستمع أو القارئ ثانيا، فهو لا يرضي رغباته الفنية وإنما يرضي رغبات المستهلك، هذا المستهلك الذي كان حافزا أساسيا لتجشم عناء قول الشعر وركوب أهواله:

ما لمديحي في ثناك زيادة
أقول وتعطي نائلا بعد نائل

 

سوى أنني نظام جوهرك النثر
فاقطع من سخر وتغرف من بحر[3]

إن الشاعر لا يخلق في مدحه العجائب والغرائب، بل يصف شخص المتلقي/الممدوح ويؤلف خصاله الحميدة في أبيات شعر. وعلى قدر استمرار جود الممدوح وعطائه يستمر قول المديح. إن الممدوح رقيب فني وطرف مشارك في إبداع النص الشعري. فبالإضافة إلى كونه حاثا على الإبداع يسهم في خلق المعاني الشعرية وابتكارها، ذلك أن الشاعر يأخذ معاني مدحه من المعاني التي تتيحها خصال ممدوحه. ومن النعوت التي ينعت بها: قال ابن الرومي:

من معانيكم نظمت مديحي

 

ومعاني النعوت ثم النعوت[4]

وقال ابن المعتز في نفس المعنى:

إذا مدحناه استعنا بفعله

 

لنأخذ معنى مدحه من فعاله[5]

لذلك وجب أن يتوافر في الممدوح قدر من الخصال الحميدة يستند عليه الشاعر، ويؤلف منه معاني مدحه:

وما زلت لباسا مديحا تحوكه
ولا مدح ما لم يمدح المرء نفسه

 

مساعيك لم يلبسه قبلك لابـس
بأفعال صدق لم تشبها الخسائس[6]

وقد فضل الشعراء أن يكون ممدوحهم ذا شأن ومكانة بين قومه، قال ابن الرومي:

ومن النكر حوكي المدح فيه

 

وهو أولى بالوطء والتضريس[7]

فحدد المتلقي النموذجي الذي يرضاه الشاعر شريكا في صناعة الشعر أو مستهلكا يعرض عليه بضاعته الشعرية. إن الشعراء كانوا يحبذون انتقاء ممدوحهم، ويرون أنه من اكتملت فيه صفات المدح صار مؤهلا لقصائدهم، ومن لم تتوافر فيه هذه الصفات طرحوه عنها، وجعلوا المدح عنه جليلا. ولعل من الأسباب التي جعلتهم ينتقون ممدوحيهم، صعوبة قول المدح وعمله في امرئ مغمور ليس في شمائله ما يستحق الوصف. قال أبو تمام:

ومدح من ليس أهل المدح أحسبه

 

عضوا تفصل من قلبي ومن كبدي[8]

إن الممدوح، مستمع ومستقبل ينظم من أجله المدح، ويوجه إليه أولا قبل غيره، بل هو طرف مشارك في صناعة النص الشعري وإبداعه، تكمن مشاركته في كونه حاثا على قول الشعر، ومصدرا لخلق المعاني وابتكارها، لذلك وجب أن يتصف بصفات معينة من أهمها أن يكون من علية القوم، عظيم القدر، ذائع الصيت، منتشر الذكر، سائر المثل، يجود بما ملكت يداه، فلا يبخس أجر من أحسن فيه صنيعا، وقال مدحا يرفع من قدره ويخلد اسمه.

ب – المهجو:

المهجو هو المخاطب الرئيسي والمتلقي المباشر للنص الشعري الهاجي، إنه محور قصيدة الهجاء، وعليه مدار معانيها، وقد أولاه الشعراء عناية خاصة، إذ اعتبروه طرفا مساهما في تحديد ماهية الهجاء، ورأوا أنه كلما كان مشهور الذكر مرتفع المكانة كلما حقق الهجاء غايته، وكلما كان خاملا لا يعرفه أحد، كلما تحول الهجاء إلى ضده وصار مدحا له وتخليدا لاسمه. قال أبو تمام:

قال لي الناصحون وهو مقال
صدقوا، في الهجاء رفعة أقوا

 

ذم مـن كـان خامـلا إطـراء
  م طغام، فليس عندي هجاء[9]

وقال يزيد بن محمد المهلبي:

لو كنت من شيء هجوناك أو

 

لو بنت للسامع والرائي[10]

وقال علي بن يحيى المنجم:

إذا وضعناك رفعنــاكــا
وكيف يهجى رجل قدره

 

 وإذا هجوناك مدحناكا
    أعـاننـا اللـه وإيــاكـا[11]

وقال ابن الرومي:

يسوم هجائي كي ينوه باسمه

 

وفي السب ذكر للئيم ومفخر[12]

من خلال هذه النصوص يتبدى لنا أن هؤلاء الشعراء قد قرنوا الهجاء بمتلقيه، المقصود بمعانيه، وجعلوه غرضا يقال في أشخاص محددين وجب توافرهم على صفات ومميزات معينة مثل الشهرة والمكانة الاجتماعية اللائقة. ذلك أن الشاعر إذا هجا شخصا خاملا لا يذكر اسمه، يكون هجاؤه، وإن تضمن السب والشتم تنويها باسم المهجو وسببا في نشر ذكره.

ويبدو أن هذه الإشارات كان لها تأثير في النقد العربي ذلك أننا نجد أبا العلاء المعري يسير في كتابه (الصاهل والشاجح) على نفس النهج، ويعتبر الهجاء والمدح معا غرضين يكونان لمن عرف وشهر فقط، إذ يقول: (… وذك القائل من الشعراء دال على فضل المذموم مثل ما دل المدح عليه لأن المدح ونقيضه إنما يكونان لمن عرف وشهر)[13].

وقد حاول ابن الرومي تحديد شخص المهجو، فدعا إلى أن يكون نداء للشاعر:

حرم الهجاء على امرئ إلا امرأ

 

وقع الهجاء عليه من أضرابه[14]

كما أشار إلى وجود متلق يعلو على الهجاء فضلا عن المديح إذا هجاه الشاعر أصبح هو المتلقي لهجائه:

قد هجوت امرءا يجل عن ال
ومن هجا ما جد أخا شرف

 

مدح وعندي الحفاظ لا الجزع
  فليس إلا مـن نفسـه يضـع[15]

وحاول الشاعر الراعي النميري في هجاء عدي بن الرقاع العاملي تحديد علاقة الهجاء بالمهجو حيث قال:

لو كنت من أحد يهجى هجوتكم
تأبـى قضاعة أن ترضى لكم نسبا

 

يا بن الرقاع ولكن لست من أحد
وابنـا نـزار فأنـتم بيضة البلـد[16]

فهو وإن كان قد هجاه ضمنيا بأنه لا أصل له، يشير إلى أن الهجاء يجب أن ينتقى له المهجو، ويكون لمن كان ذا نسب وحسب، وليس لمن هو لا أحد.

إن الممدوح والمهجو متلقيان مباشران للنص الشعري وحاثان على قوله وداعيان إلى تجويده، المادح يقول الشعر ويجوده ابتغاء مرضاة ممدوحه ونيل الحظوة لديه، والحصول على ماله، والهاجي يقول الشعر ابتغاء النيل من المهجو ومعايرته والتنكيل به. وقد وجب أن يتصف كلاهما بصفات ونعوت محددة مثل الشهرة والمكانة الاجتماعية اللائقة.

هكذا يتبدى أن الشعراء عبر مجموعة من الإشارات النقدية تضمنتها قصائدهم قد نظروا إلى المتلقي باعتباره المرمى الأول لمنجز النص وطرفا مشاركا وحاثا أولا على إبداعه.

 



[1] - شعراء عباسيون، يونس أحمد السامرائي، مكتبة النهضة العربية، ج1، 171.

[2] - ديوان ابن الرومي، تحقيق حسين نصار، دار الكتب، ص635.

[3] - ديوان ابن الرومي، ص967.

[4] - نفسه، ص368.

[5] - نفسه، ص1226.

[6] - شعر ابن المعتز، تحقيق يونس أحمد السامرائي، وزارة الإعلام، الجمهورية العراقية، ص503، ج1.

[7] - ديوان ابن الرومي، ص1212.

[8] - ديوان أبي تمام، تحقيق محمد عبده عزام، دار المعارف، مصر، ج.4، ص338.

[9] - ديوان أبي تمام، ج4، ص901.

[10] - شعراء عباسيون، 1، ص239.

[11] - أخبار أبي تمام للصولي، تحقيق محمد عبده عزام ومحمود عساكر ونظير الإسلام، دار الآفاق الجدية، ص44.

[12] - ديوان ابن الرومي، ص1046.

[13] - الصاهل والشاحج لابي العلاء المعربي، دار المعارف، مصر، ص175.

[14] - ديوان ابن الرومي، 246.

[15] - ديوان ابن الرومي، 1530.

[16] - العمدة لابن رشيق، تحقيق محمد قرقزان، دار المعرفة، بيروت، 2، 876.