ص1      الفهرس     41-50

السينما والشعر: مقاربة نظرية عامة(*)

بشير القمري

1 –

على الرغم من عدم وجود علاقة بينة وصريحة بين السينما والشعر بالمعنى الدقيق على غرار العلاقة التي نجدها، مثلا، بين الأدب والسينما والتشكيل، بين السينما والموسيقى، بين السينما والمعمار أو بين السينما والاقتصاد والإيديولوجيا، ثم بين السينما والثقافة؛ فإننا قد نفترض إمكان قيام هذه العلاقة، نظريا على الأقل، وذلك من خلال ما تقدمه بعض النظريات العامة، ومنها نظريات اللغة بالمعنى اللساني وما يتضمن ذلك من مستويات التفكير في طبيعة هذه اللغة، باعتبارها أداة ووسيلة تعبير وتواصل وتفاعل على أساس افتراض مجموعة من المفاهيم الخاصة بالدراسة اللسانية للغة بالمعنى الوصفي والنظري والتداولي أولا، ثم السعي بعد ذلك إلى إسقاط هذه المفاهيم على اللغة السينمائية واكتشاف طبيعة التعبير فيها والاهتداء إلى ما يمكن أن يتخذ سمات الشعرية فيها ثانيا. ولعلنا لن نجانب الصواب في شيء متى انطلقنا، في البداية، من كون "اللغة السينمائية"، "اللغة في السينما" أو "لغة السينما" تعتمد بدورها صفات قد نجدها في اللغة عامة وفي اللغة الشعرية بخاصة، ومنها: الاقتصاد، الكثافة، الإيحاء، الانزياح، وهذا ما يوحد بين أفق التفكير في السينما في علاقتها بالشعر والعكس وارد أيضا. غير أن هذا وحده غير كاف وليس المجال الوحيد الذي تتقاطع فيه آليات التفكير والتنظير الخاصة بالسينما والشعر، ففي عملية –عملية التلقي المركبة والمتراكبة التي تمارس تجاه أي متن سينمائي، تجاه أي فيلم بالتحديد، بغض النظر عن نوعه ونمطه، تبرز عدة قضايا تقربنا ليس فقط في السينما والشعر، بل تتجاوز ذلك إلى اعتبار عدة أفلام بمثابة إنجازات شعرية، إما بصفة كلية كما يعبر عن ذلك فيلم سفر إلى أعماق الجحيم لمايكل شيمينو، أو بصفة جزئية كما نكتشف في فيلم أرقص مع الذئاب لكيفن كوستنر: نقول "إنجازات شعرية" دون أن نحيل على الشعر بالمعنى الحرفي الذي نعرفه تقليديا من خلال موسوعتنا الثقافية-الجمالية، ذلك أن مفهوم الشعر ذاته قابل للعديد من التصورات بالنسبة إلى كل أدب وكل ثقافة وكل مرحلة تاريخية، بل كل تاريخ ثقافي. وعندما نقول "إنجازات شعرية" فإننا نتصور، أو نفترض على الأقل، أن طبيعة المحكي (le récit) التي يستند إليها نظام اشتغال هذا الفيلم أو ذاك تستدعي التأمل من زاوية القصة (l’histoire) التي تروى (تحكى، تسرد)، مثلما نجد في فيلم درس البيانو لجان كامبيون، ومن زاوية الشخوص التي تتحرك في ثنايا هذه القصة، ثم من زاوية الفضاءات التي تجري فيها الأحداث والوقائع إلى جانب مستويات ومظاهر أخرى من نظام الفيلم كالموسيقى التصويرية والمؤثرات الصوتية وزاوية نظر المخرج ورؤيته للعالم الذي يحركه ويستشفه. من ثم: لا نتحدث عن "الشعر"، بل عن درجة "الشعرية" ودرجة "التشعير" (Poétisation) وهما تتلاحقان وتتلاحقان عبر ما هو "شعري" كما تفعل ذلك عدة أفلام ذكرت منها فيلم سفر إلى أعماق الجحيم، ويمكن أن أضيف نماذج من أفلام السينما التعبيرية في إيطاليا وأفلام السينما الجديدة في فرنسا. وقد نذهب بعيدا فنشير إلى أفلام سيرجيوليوني المنسوبة إلى سجل "الويسترن"، مثل من أجل حفنة من الدولارات ومن أجل دولارات أكثر قبل أن يتلقف ذلك الممثل الأمريكي كلينت إيستوود ويسير على خطاه وينسج على منواله. كما يمكن أن نشير إلى بعض الأفلام العربية مثل فيلم طوق الحمامة المفقود أو يا سلطان المدينة (تونس)، أو أفلام محمد ملص من سوريا كفيلم الليل مثلا، دون أن تغيب بعض أفلام يوسف شاهين كفيلم المهاجر وفيلم المصير.

2 –

إن الأمر يتعلق، إذن، بظاهرة محددة هي ظاهرة الكتابة السينمائية باعتبارها كتابة لها بناء و"نحو" وتركيب وأسلوبية وبلاغة وتلفظ، وفي هذا تقترب هذه الكتابة، من خلال نظامها اللغوي التعبيري وسائر أنظمتها الإشارية، من اللغة الشعرية، خاصة على مستوى تمفصل الصورة بالمعنى البياني والبلاغي على أساس التمييز، في الوصف والتحليل والقراءة النقدية أو المقاربة التفكيكية لمتواليات الفيلم ومقاطعه ووحداته، بين الصورة بالمعنى الحرفي (l’image) والصورة بالمعنى المجازي (la figure)، وحينئذ قد تتحول بعض الصور أو اللقطات إلى مجازات واستعارات وكنايات كالتي نجدها في الشعر واللغة أصلا. وهنا ينبغي أن نضيف إلى خصائص الاقتصاد والكثافة والإيحاء والانزياح التي ذكرتها في البداية خصائص الخطاب والملفوظ، وقبلهما وبعدهما، خصائص "النص". وهنا نحتاج إلى طرح العديد من الأسئلة الإجرائية، في مقدمتها: هل اللغة السينمائية "لغة"؟ هل هي لغة طبيعية أم لغة اصطناعية؟ ما هي شروط إبداعية هذه اللغة؟ هل هي شروط توفرها على صورة سينمائية فقط كما هي في حد ذاتها، أم تتدخل فيها قدرة وسلطة المخرج في بناء المعنى والدلالة ثم قدرة وسلطة المتفرج-المتلقي في توليد ذلك؟

لن نتمكن من الإجابة بشكل مقنع دون استعادة ما يمكن أن نعتبره بويطيقا السينما عامة، أو بويطيقا الفيلم على الأقل، ذلك "العلم" المحتمل لمقاربة قوانين اشتغال الخطاب السينمائي من حيث هو "قصة" (سرد، حكي)، ومن حيث هو "نص" (له بداية ونهاية، له انغلاق ثم انفتاح على مستوى المشاهدة والقراءة ثم التأويل)، ثم من حيث هو "ملفوظ"، أي "قول" رهين بمتكلم واحد هو المخرج أو بعدة متكلمين كالشخوص مثلا، ورهين بسياق ثقافي، جمالي وإيديولوجي. وهو علم لن يستقيم دون بناء نماذج تصورية وصفية تساهم فيها اللسانيات بكل مدارسها واتجاهاتها المتلاحقة، خاصة اللسانيات البنيوية واللسانيات الوظيفية واللسانيات التوليدية واللسانيات التداولية، إلى جانب مساهمة لسانيات البنيوية واللسانيات الوظيفية واللسانيات التوليدية واللسانيات التداولية، إلى جانب مساهمة لسانيات الخطاب ولسانيات النص اللتين تنحدران، في مجمل فرضياتهما، من اللسانيات البنيوية، ومعهما لسانيات التلفظ، وذلك من خلال مفاهيم الدال والمدلول والتدال والدلالة والإبداعية والإيحاء والإنجاز والنحوية والمقبولية والمقصدية. وكلها مفاهيم تنبأت بها، نسبيا، لسانيات سوسير ومن جاء بعده، وتلقفتها ثم أحكمت صياغتها اللسانيات التوليدية، على يد شومسكي وأضرابه، غير أن بويطيقا السينما والفيلم، ثم كل هذه اللسانيات المذكورة متى لم تشفع بسرديات الخطاب السينمائي لن تكفي، تلك السرديات التي من شأنها أن تضيء جوانب المحكي في هذا الفيلم أو ذاك، بما في ذلك الفيلم الإشهاري أو الفيلم الوثائقي أو الفيلم التسجيلي، وهي أنماط سينمائية تصاحبها أنظمة إشارية وخطابات موازية، تذكي شحنة الشعرية فيها. ونذكر هنا، على سبيل المثال، أفلاما مثل مانهاتن لوودي ألن أو فيلم حدث مرة في الغرب لسيرجيوليوني أو فيلم العراب لفرانسيس فورد كوبولا، من خلال شذرات محددة قد تكون صورا ومتواليات قائمة الذات، وقد تكون لقطات موحية من خلال موسيقاها ومؤثراتها الصوتية، وألوانها أو حواراتها، بل أيضا من خلال الإثارة والحركة. والأمثلة كثيرة في هذه الأفلام وسواها، يكفي أن نستدل على ذلك باستعمال اللونين الأبيض والأسود في فيلم مانهاتن، أو الموسيقى التي ارتبطت بالمواجهات في فيلم سيرجيوليوني المذكور.

3 –

إن مفهوم الشعرية هنا يتحول إلى لحظة من لحظات تفمصل الفيلم واستعماله للصورة السينمائية، من خلال لقطة واحدة أو عدة لقطات متتالية، استعمالا مجازيا، وبالتالي، عندما نقارب بعض الأفلام نكتشف أن هناك العديد من اللقطات تحيد عن نظام الكتابة النمطي الخطي المتبع وتلجأ إلى خرق هذا النظام عن طريق الإتيان بصورة أو لقطة-لقطات مكثفة تعمق مرسلة الفيلم من خلال إلقاء الضوء على حدث ما أو إضاءة بعض أبعاد الشخوص كما نعثر على ذلك، مثلا، في أفلام من عيار أوت أوف أفريكا أو درس البيانو: إن الأمر يتعلق، في هذا المضمار، بانزياح (Ecart)، كما تتصور ذلك الدراسات اللسانية-البلاغية في مجال الأدب عامة ولغة الشعر خاصة. وعندما نقول "انزياحا"، فإننا نعني حدوث نوع من الاستبدالية (Substitution) على مستوى محور التركيب في "جملة" الفيلم الكبرى (انظر: ت.تودروف. مادة نص (بالفرنسية). في القاموس الموسوعي لعلوم اللغة. سوي، ط.1، باريس 1972، ص334). وهو ما نجده تقريبا لدى أ.جوليان غريماس وجوزيف كورتيس عندما يعتبران الصورة عامة، في الأدب على وجه الخصوص، بمثابة وحدات مستقلة داخل الخطاب على مستوى التعبير، بالإضافة إلى أنها تولفات بين عدة مستويات يتفاعل فيها جانب الشكل مع جانب المحتوى (انظر: القاموس المنطقي لنظرية اللغة. مادة صورة بلاغية. هاشيت، باريس، 1979، ص148/149)، أما الصورة في حد ذاتها، فإنها حسب المنظرين المذكورين، وحدة دالة تحمل في ثناياها ما تراهن عليه في عملية التواصل الأولى عندما تلجأ إلى التكثيف والمجازية.

4 – لقد فرض علينا إشكال علاقة السينما بالشعر مثل هذا التحليق والسفر النظري بويطيقا السينما، سواء على مستوى قوانين اشتغال الخطاب السينمائي، وعندئذ تتحول الشعرية إلى سمة أسلوبية إنجازية من خلال ما توفره الكتابة السينمائية تقنيا في التصوير أو التوليف الفيلمي بعد ذلك باعتباره التوليف (Le montage) بدوره "كتابة" أو "إعادة كتابة"، على أساس أن هاتين "الشعريتين" قد تتفاعلان فيما بينهما عند ممارسة تحليل الخطاب السينمائي ومقاربته. وفي هذا الإطار تندرج العديد من "الشعريات الصغرى" (Micro-poétiques) منها: "شعرية" سنخية خاصة بالحوار في بعض اللقطات-المفاصل التي تتجاوز حدود التسريد (Narrativisation) والإخبار والتقديم إلى الحفر في المستويات النفسية والعاطفية، الإيديولوجية والثقافية، بل السياسية، بالنسبة إلى "موضوعة" الفيلم.

البويطيقا، بهذا، أفق لتغذية الخطاب السينمائي وتقوية حمولاته والارتفاع به إلى ما هو أبعد من التواصل البصري العابر. من ثم: تلجأ بعض نماذج أفلام السينما التعبيرية، مثل أفلام برغمان في السويد، إلى هذه الشعرية لمواجهة السينما النمطية. الشعرية، إذن، قبل أن تكون أسلوبية تتبع، اختيار بالنسبة إلى المخرج وإلى أسلوبه الخاص أحيانا، أو بالنسبة إلى أسلوب يجمع بينه وبين غيره متى تحدثنا عن "اتجاه" أو عن "حركة" أو "مدرسة"، عن "موجة" أحيانا، وهي أيضا مسافة تستدعي مساهمة المتفرج-المتلقي في التحليل والقراءة والتفكيك والتأويل. وهنا نفتح الأبواب على كل مصاريعها الممكنة والمحتملة، بالمعنى النظري-المنهجي-الإجرائي، لنربط عملية تلقي الفيلم بما تقترحه نظريات التلقي المختلفة، خاصة نظرية التلقي الألمانية إلى جانب اقتراحات أ.إيكو الذي يركز على مفهومي "السيناريو" و"الموسوعة" تطويعا لما سمته مدرسة كونستانس "أفق الانتظار" (L’horizon de l’attente) كمعرفة وممارسة تتحكمان في الذوق وإدراك جماليات المقروء والمشاهد والمسموع، وهذا ما يعتمل في "نص" الفيلم السينمائي.

إن الشعرية، بإيجاز، دعوة للمتفرج-المتلقي، من خلال أفق الانتظار هذا، لينخرط، بكل ما يملك من استعداد وقدرات سلوكية، نفسية، اجتماعية، ثقافية وفنية، إيديولوجية أيضا، في إجراء (Procés) الدلالة الثانوية في طيات الخطاب السينمائي من خلال ما يقترحه من مجازات واستعارات وكنايات، شأنه في ذلك شأن الخطاب الشعري، عبر مستويات الكثافة والإيحاء التي تتوسل بها اللغة الشعرية، عادة، باعتبارها لغة ثانية كما يقول بذلك يوري لوتمان (أنظر كتابه: بنية النص الفني. غاليمار، باريس 1983): لغة تقدم هذه المجازات والاستعارات والكنايات نيئة طازجة تتجاوز المتن الفيلمي إلى ذاكرته ورمزياته ومتخيلاته، بدءا من ملصق الفيلم وعنوانه وموضوعاته الكبرى والصغرى وانتهاء بأطروحته ورؤيته للعالم: نتحدث عن "الشعرية" وعن "سمة الشعرية" (Poéticité) باعتبارهما إبدالين (Paradigmes) من إبدالات واردة تحتكم إليها اللغة الشعرية ثم السينمائية في التواصل والتفاعل والتلقي المحتسب على غرار لغات أخرى، بما في ذلك، أحيانا لغة التخاطب اليومي ولغة الأدب ولغة التشكيل، بل حتى لغة "الشعارات" السياسية أحيانا أيضا. ويؤكد هذا على أن ما نسميه "الشعر"، ما نسميه "شعريا"، ليس مقصورا على الكتابة الشعرية وحدها بمعناها المؤسسي الجاف والثابت الذي لا يقهر. فالشعر يقيم بيننا ويقتحم حياتنا وفضاءاتنا، في اللغة والخطاب والتلفظ، في الدعاء الديني وفي تلاوة النص القرآني والأمداح البنيوية، في الأغنية والإشهار والإعلان، في بكاء الميت ورثاء المفقودين، في الخطابة السياسية والبرلمانية، في التجارة والبيع والشراء، في أسماء الناس والحيوانات والمدن والشوارع والأحياء، في الحدائق والساحات.

5 –

إن ما سعيت إلى طرحه إلى حد الآن من زوايا نظرية متعددة دون تصور قضية أخرى تتعلق بهوية الشعر وطبيعة السينما وما يمكن أن يتحقق بينهما من تعالقات، خاصة عندما نركز على السرد التي تخترقهما معا في العصر الحديث، منذ القرن الخامس عشر، على الأقل، إلى الآن، بعد أن كانت خاصية مرتبطة ببعض الشعر كشعر الأساطير والملاحم والسير الشعبية. كما يمكن أن نشير إلى نماذج من شعرنا العربي الجاهلي من خلال المعلقات والعديد من الشعر المخضرم والشعر الإسلامي ثم الشعر العباسي على يد أمثال المتنبي والبحتري وأبي تمام وأبي فراس الحمداني.

أما بالنسبة إلى الشعر العربي الحديث، فهناك العديد من النماذج التي يمكن استحضارها في الشعر الكلاسيكي والشعر الرومانسي والشعر الوطني الاجتماعي كما تؤكد ذلك قصائد ونصوص محمود سامي البارودي ومعروف الرصافي وخليل مطران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وحافظ إبراهيم وعباس محمود العقاد وأبي القاسم الشابي، دون أن يغيب عنا شعراء المغرب الأقصى من أمثال علال الفاسي وعبد الكريم بن ثابت ومصطفى المعداوي، خاصة عندما ننظر في شعرهم من منظور ما نسميه، فرضيا، سرديات النص الشعري في علاقتها مع البوطيقا النصية. فكل هؤلاء جربوا واتخذوا مطية السرد وسيلة من وسائل الأداء الشعري بحيث يحس المتلقي وهو يمارس فعل القراءة المحايث كمن يشاهد فيلما مطولا أو فيلما وثائقيا، غير أن هذا التعالق المفترض يظل، رغم كل هذا، مجرد افتراض (Emprunt) متى قورن بالتفاعل المادي بين السينما والشعر كأفق للحداثة والمغايرة والتجريب، منذ نهاية الأربعينات من القرن الأخير من الألفية الماضية عندما نستعيد شعر نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري وأحمد عبد المعطي حجازي وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور ومعين بسيسو وعز الدين مناصرة وأدونيس ومحمود درويش ومحمد علي شمس الدين ومنصف الوهابي، ونقرأ شعرهم الذي يعتمد ما نطلق عليه القصيدة السردية لتحقيق وتحيين شعريتها في الكتابة أولا ثم في الإلقاء والإنشاد بعد ذلك: يكفي هنا أن نشير إلى بعض عيون شعر السياب كـ"المومس العمياء" أو قصيدة "أحمد الزعتر" و"قصيدة الأرض" ثم "مديح الظل العالي" وغيرها بالنسبة إلى محمود درويش أو قصيدة "نقطة من دم المحارب الحزين" لمحمد علي شمس الدين. وهي قصائد-نصوص تطرح بحدة مسألة تعالق السينما-الشعر بالمعنى الوظيفي-التداولي على أساس ربط ذلك، إجرائيا وإشكاليا-منهجيا، بما يصطلح على تسميته، في الدراسات البويطيقية المعاصرة، بمظهر التفاعل النصي أو التناص، أي حوار النصوص الحاضرة-الغائبة فيما بينها وهي تتمظهر في نص بعينه لدى هذا الشاعر أو ذاك وذلك منذ أن مهد لهذا المفهوم أمثال ميشيل آريفي (M.Arrivé) وجوليا كريستفا (J.Kristeva) وميشيل ريفاتير (M.Rifaterre)، وطوره أمثال جيرار جنيت (G.Genette) في عدة كتب له أبرزها طروس (1983). وهو نفس المظهر النصي الذي انتبه إليه واهتم به الدارس الروسي ميخائيل باختين من خلال ظاهرة الحوارية (le dialogisme)، على أنه مفهوم يمكن توسيعه ليشمل دراسة التفاعل بين عدة ظواهر فنية منها السينما والشعر من منظور عناصر اللغة والخطاب والبناء والتركيب والأسلوب والإيحاء والإبداعية وغير ذلك. ومن خلال هذه العناصر وسواها، وعلى ضوء التفاعل النصي أو التناص أو الحوارية يمكن أن نفترض أن العديد من النصوص الشعرية العربية عموما، ومنذ العصر الجاهلي إلى الآن، قد استدرجت، بشكل لا إرادي أو محتسب، واستلهمت ما يمكن أن يعتبر منظورا سينمائيا. وحتى لا نطيل سنكتفي بأمثلة من الشعر المغربي المعاصر الذي تتفاعل فيه اللغة الشعرية مع اللغة السينمائية عن قصد أو غير قصد.

أ – يقول الفقيد أحمد المجاطي:

"كان حين يزور المدينة

        يطرق بابي

أهد له قهوة العصر

        يكتم سعلته

أتسور بالنظر الشزر

        قامته المديدة

كان يمنحني بسمة

        ويرامق منعطف الدرب

               من كوة النافذة

كنت أترك مفتاح بيتي

        له

        تحت آنية الزهر.."

من نص: ملصقات على ظهر المهراز، ديوان الفرونسية، 1987، ص46.

ب – يقول المرحوم محمد الخمار الكنوني:

"كان يعقد مجلسه لينظر

قلب أوراقه

وهو يمسح لحيته

ويدخن غليونه الأبنوسي.."

ص72، ديوان رماد هسبريس، 1987.

ج – يقول أحمد بلبداوي:

"حين جلسنا نتجاذب أطراف القول

كان اليوم الأغبر يساقط من جرس علق

في مئذنة المسجد

قال أبو النصر الجائي:

حين أحدثكم لا أعطيكم إلا نصف كلامي،

والنصف الثاني أتركه للفطنة.."

ص51، ديوان سبحانك يا بلدي، 1979.

د – يقول المهدي أخريف:

"في الفجر

لملت القروية

من بين الأعشاب الجهمة

        آخر البقول

حملت إلى السوق

انتظار شيخوختين وطفلا

        وحطت تبيع.."

ص46، ديوان باب البحر، 1983.

هـ – يقول عبد الرفيع جواهري:

"يشرب مسعود قهوته ويدخن

يشرب كأس كآبته ويدخن

مر طعم القهوة

مر طعم الأيام

وطن مر.."

ص99، ديوان شيء كالظل، 1994.

إنها جملة مقاطع تذكر رأسا بالكتابة السينارية التي تستدعي تفصيل اللقطات والمشاهد رغم النفس "الأدبي" الذي يغلب عليها. وهي نفس السمات التي يمكن أن نعثر عليها متفرقة بشكل شذري في نصوص أخرى لشعراء مغاربة آخرين غير الذين أشرت إليهم والذين توحد بينهم عدة مقومات في مقدمتها ذلك التجايل الذي يجعلهم يتعاملون مع السرد بطريقة تقطيعية تشبه "لغة" السينما أو الكتابة السينمائية. وهذا ما نجده في شعر محمد الأشعري بغزارة من خلال مختلف دواوينه، خاصة ديوانه سيرة المطر (1988، ص78)، ونسوق للتمثيل على ذلك قوله في نص بنفس اسم الديوان:

"كان الصباح طريا

وحفيف الصنوبر مستيقظا

والديوك النشيطة تستقبل المطر المتردد

مفعمة بالأهازيج.

في الفناء المكسر بالفرن والخوخة اليابسة

كنت مرتعشا أتودد للأم

حتى تؤجل يقظة هذا الصباح

بينما انصرفت لفطائرها عابسة..؟(ص15).

ويقول في نص قطار الثامنة:

"ينفلت المقهى من كسل الصبح

ويستلقي بين الشارع وضجيج المارة

مفتوحا لتحايا عابرة

وبقايا ضحك من ليلة أمس

الساعة في وجه المبنى الحجري

متوقفة عند العاشرة

والشرطي المتثائب يبدأ حصته بصفير مرتبك

ويغازل امرأة تتزين في مرآة سيارتها"(ص55).

ونجد لدى شعراء التسعينات عدة نماذج شعرية تذكر بهذا المنحى على مستوى الكتابة الشعرية التي تراهن على الكتابة السينارية من خلال التقطيع الذي يشبه إلى حد بعيد التقطيع التقني (Le découpage technique) الذي تستند إليه كتابة السيناريو، وهذا ما تعبر تجربة شعراء أمثال: عبد الدين حمروش، عزيز أزغاي، جلال الحكماوي، حسن الوزاني على غرار شعراء سبقوهم مثل حسن نجمي ومحمد بوجبيري، دون أن ننسى شاعرات مغربيات معاصرات من جيل التسعينات أيضا كثريا ماجدولين والزهرة المنصوري وغيرهما، ولعلنا سنجد في أحدث إنجاز شعري للشاعرة عائشة البصري ما يؤكد مجمل ما ذهبنا إليه كما يعبر عن ذلك ديوانها البكر مساءات (م. دار الثقافة، الدار البيضاء، 2001، 111 صفحة)، إما بشكل مقطعي أو شذري، ونستدل على ذلك بمقطع نموذجي من نص ظل (ص52، ص55) حيث تكتب الشاعرة قائلة:

"على الرصيف

الآخر

امرأة وحيدة

تقف

يثقل الندى جفنيها

تعزف الريح

بشالها الكحلي

تلوك بالانتظار

ليلها.." (ص54).

إنها ظاهرة فنية جمالية وإبداعية تتجاوز حدود التناص أو التفاعل النصي بالمعنى الحرفي إلى معانقة التجريب وانفتاحات الكتابة الشعرية على كل أرباض اللغات والكتابات والخطابات بشتى أصنافها وسجلاتها، ومنها اللغة والخطاب السينمائيان اللذان يعدان من أقوى هذه اللغات والخطابات وأقدرها على التكثيف والإيحاء والترميز، خاصة عندما نقرن ذلك، مقصديا، باستراتيجية "التشخيص"، علما بأن ما يسعى إليه الشعر المغربي المعاصر، وهو يستثمر الكتابة السينمائية، على غرار استثمار الكتابة القصصية والروائية لذلك، من خلال تجارب محمد برادة، أحمد التوفيق، بنسالم حميش، يوسف فاضل، محمد عز الدين التازي، محمد الهرادي، الميلودي الحمدوشي، كمال الخمليشي، يرتبط بأفق الحداثة النصية بقدر انفتاحه على السير ذاتي والذاتي واليومي والعابر والبصري، مما يوفر للمتلقي-القارئ إمكان التفاعل مع لغة النص مستقلة، ربما، عن موضوعيته المركزية أو موضوعاته الصغرى التابعة لها، وهذا مجال آخر للتحليل والمقايسة.

لن أختم هذا التحليل النظري العام دون أن أعرج على إشكال آخر يعكس سمات التفاعل بين السينما والشعر من خلال وقائع رمزية في تاريخ السينما كما تؤكد ذلك أفلام أنجزت انطلاقا من سير حيوات بعض الشعراء أمثال رامبو وفرلين، أو شعراء كتبوا السيناريو مثل لويس أراغون وجاك بريفير، إلى جانب شعراء مارسوا الإخراج السينمائي مثل إ.إيفتوشينكو في روسيا و ع.لقطع وح.المفتي. لكن أبرز تجربة معاصرة نشير إليها هي فيلم ساعي البريد (1997) للمخرج رد فورد الذي أنجز انطلاقا من سيرة وحياة الشاعر بابلو نيرودا التي كتبها روائيا أنطونيو سكارميتا. وبالنسبة إلى المغرب قد نشير، إجمالا، إلى بعض الأفلام التي تتوفر على بعض سمات الشعرية كفيلم الشركي (1975) لمومن السميحي وفيلم جرحة في الحائط (1976) للجيلالي فرحاتي وفيلم الحال (1981) لأحمد المعنوني وفيلم عابر سبيل (1981) لمحمد عبد الرحمان التازي، على أن أبرز تجربة تتحقق فيها شعرية الفضاءات والشخصيات هي فيلم حلاق درب الفقراء (1982) للمرحوم محمد الركاب من حيث المراهنة على توظيف الصوت واللون والمؤثرات لتحقيق نوع من الشعرية التي تمتزج فيها واقعية السينما الإيطالية مع الواقعية السحرية التي بشرت بها رواية أمريكا اللاتينية وتحققت في فيلم الجنوب (1983) لفيرناندو صولانا. بهذا تكون السينما قريبة من الشعر، لكنها تخلق شعريتها الخاصة، مما يؤكد أن العديد من الأفلام التي عبرت التاريخ الثقافي الطويل للإنسانية تتخذ صفة قصائد بصرية يمكن مشاهدتها وقراءتها وكأنها قصائد تمتلك إيقاعها من خلال قصتها وأحداثها وبنائها: نعم، إن بين السينما والشعر علاقة، كالتي بين الشعر وغيره من الفنون الأخرى، لكنها سرعان ما تختفي عندما يتحول إلى سمفونية تشاهد كما تسمع، وعندما نتحدث عن الإيقاع هنا أو هناك نتحدث عن شحنة الموسيقية (la musicalité) التي تلغي الحدود الآمنة بين السينما والشعر، وبين السينما وكل الإبداع، أليست السينما، بعد المسرح، هي الشعر نفسه، وكل فيلم قصيدته؟