ص1       الفهرس      41-50

 

أرض السواد بين المادة التاريخية والإخراج الروائي(*)

 

شكير فيلالة

ككل مرة يذهب عبد الرحمان منيف بعيدا في تجريبه وتفرده في الصنعة الروائية، مؤكدا ممكناته وعلو كعبه في الكتابة الروائية. فقد شاء الشغف العلمي أن ألتقي به في خماسيته مدن الملح التي تدور أحداثها بالجزيرة العربية، حاملا حقائب ولعه بالمكان (المنطقة) العربي إلى عمان، ودمشق، والإسكندرية وبيروت. لأعاود اللقاء به في روايته سيرة مدينة حيث عمان المكان والإنسان. وهاأنذا ألتقي به في روايته الضخمة أرض السواد مادًّا الأوصال إلى الأرض ومتحسسا الفضاء العراقي (الواقع المآل) في بحث عن بداية جديدة لمصيره، مؤكدا إخلاصه لإحداثية المكان (العراق) الحاضن لبشره، وحيوانه، وجغرافيته، وطبيعة ثقافته، مكونات ترسم سحنات العراق الظاهرة منها والباطنة. بذلك كان بطله في الرواية هو العراق، عراق ما بين 1817/1831 بتحولاته، وانكساراته، وانتصاراته.

تدور أحداث الرواية حول مرحلة حرجة من تاريخ العراق، حيث استولى فيها على السلطة داود باشا (ولد حوالي 1774 وتولى ولاية بغداد في 1817) بعد صراع مع الوالي سعيد (1813) ابن سليمان باشا. إذ تأزمت أحوال العراق في عهده ولوج خاص في بغداد. فالوالي سعيد كان ضعيفا ومتخبطا في مواجهة مشاكل البلاد والعباد، إذ استسلم لحاشيته الفاسدة فتزايد الخطر الإيراني الرابض على الحدود الشرقية، وفرار الكثيرين إلى (كرمنشاه) وتحالفهم مع "الشاهزداتي" وتزايد نفوذ القنصل البريطاني "ريتش" مما دعا داود باشا إلى الخروج عليه. إذ تحالف مع والي (كركوك) ضده، وكتب الباب العالي بإسناد ولاية بغداد إليه. فدخلها بعد حصار طويل وسط أهلها، وعلمائها، وأعيانها، وأغواتها وعساكرها سنة 1817. وبعد أن تبث الوالي الجديد سلطته في بغداد، وطوع قبائل البدو في الجنوب التفت إلى الشمال، حيث تحاك المؤامرات المدعومة من القنصل البريطاني للهيمنة على بغداد للإطاحة بالوالي القوي، الذي أكدت الأيام مراسه الصعب.

هكذا، وبعد أن قضى السلطان الجديد على مشاكل الجنوب وتمردات البدو وتهديدات الشمال،، عمل على وضع حد للتدخل السافر والقوي للإمبراطورية البريطانية في شؤون بغداد مترجما ذلك في طرد قنصلها "ريتش" بشكل أجبره فيه على اختياره الظاهري للمغادرة واضطراره الباطني إلى ذلك.

إذن، فانطلاقا من موجز الأحداث أعلاه، يتضح لنا أن أرض السواد رواية تاريخية بامتياز، يقوم موضوعها على رصد وتقص تاريخي يرتدي لبوس الروائي. من هنا تطرح مسألة علاقة التاريخ بالروائي أو الرواية بالتاريخ. لن تروم ورقتنا الخوض عميقا في مقاربات وتصورات كلية وجزئية لهذه المسألة، بقدر ما ستتداول ما يخدم فكرة الموضوع وسوغه العام.

1 – إن الرواية التاريخية كنوع روائي يقع في الممارسة الروائية العربية ضمن دائرة التجريب، والتنويع في الكتابة والفكر الروائي عموما؛ وهو نوع يضعنا أمام إشكال مطروح منذ القديم بخصوص إشكالية المرجع في الأدب بين الحقيقة والخيال، وبالتالي إشكالية المرجعية في الرواية التاريخية. إذ أن هذه الأخيرة تتسم كما لاحظ الدارسون بازدواجية في مرجعها: فالأول وقائعي ناجز لا يمكن التلاعب بوقائعه تبعا للرغبة، ومتصل بالحدث التاريخي كما تزكيه الوثيقة التاريخية. والثاني تخيلي وثيق الصلة بالحدث الروائي في تجليه النصي؛ الشيء الذي يضعنا أمام كيفية اشتغال الوقائعي (التاريخي) والتخيلي في الرواية التاريخية؟ كما أنه إذا كانت جل الروايات غير منفصلة عن الواقع (الوقائع التاريخية الشخصية أو الجماعية) فإن أي تحديد لمفهوم أو مقياس متصل بالرواية التاريخية يضل ملتبسا بشكل من الأشكال؛ نظرا لكونها تحكي في زمان ومكان كائنين أو محتملين عن ذوات وحيوات موسومة بسمة الوجود الفعلي أو الكينونة المفترضة، مانحة إياها بعدها التاريخي والتخيلي وذلك بالتأريخ لقيمها وعلائقها وأمانيها كأنها عالم من الواقع.

ولا يمكن للوضع العلائقي بين التاريخي والتخيلي أن يتسم بالمرونة في إقامة المعايير المتعدية من التاريخي إلى الروائي، إلا إذا كان سنده التشخيص الذي يخول للرواية التاريخية امتلاك خطابها كحدث (أثر) يعاش، ومفعم بتجربة تخيلية غير مفارقة لحقيقة التاريخ ولا منفصلة عن مرجعيتها؛ فيغدو موضوع التخيل هو التاريخ، التاريخ الممتلك لموضوع ومرجع ووجود؛ إذ تكون الرواية التاريخية محتضنة لمرجعها الواقعي (التاريخي) كوجود خام متخفي ضمن أغشية الفن. بذلك تبتعد عن هاجس التوثيق وفجاجة المادة التاريخية بتوفرها على صور من السرد الذي يتخذ عدة أشكال ومظاهر؛ ومتجاوزة الإشكال القديم حول العلاقة الملتبسة بين الأدب (الرواية) وبين المجالات المعرفية الأخرى.

1.1- إن النظرة إلى الرواية التاريخية مع الاعتراف بواقعها التخيلي المتماس مع واقعها المرجعي، يجعل المسافة بين الماضي (التاريخ) والحاضر المنمذج في الرواية، مسافة جمالية أكثر منها كرونولوجية. إذ يأخذ السرد من جهة دلالاته في سياق تداوله انطلاقا من المسافة الكرونولوجية إلى الجمالية، ومن الخاصية السردية (التخيلية) إلى الخاصية المرجعية، ومن جهة أخرى مطابقته لأفق زماني مرتقب. فتأول علاقة التاريخي بالروائي إلى علاقة تقاطعية منظمة لتجارب الواقع وعالم السرد، مما يؤكد على قيام مرجعية متقاطعة[1] بين الواقعين: واقع التجربة التاريخية وواقع النص الذي تسوغه شروط الكتابة وممكناتها المتنوعة والمتعددة.

فإلى أي حد استطاعت أرض السواد أن تصهر التاريخي في أحابيل التخيلي؟ وإلى أي حد نجحت في إقامة تقاطع تفاعلي بين المرجعية التاريخية والتخيلية؟ وهل نجحت في تأسيس حوار حيوي بين الوالد (التاريخ) والمولود –تجاوزا- (الرواية)؟ وبالتالي ما مدى نجاحها في الإخراج الجمالي للتاريخ؟

2 – أرض السواد عنوان خارجي لنص (الرواية)، وقد عرف ليو هوك LEO HOK وشارل كريفال CHARLES GRIVEL وظائف العنوان في تعيين الموضوع وتحديد المضمون العام وإغراء الجمهور. وهذه الوظائف كما نعلم لا تشتغل في نفس الوقت، وقد لا تجتمع مرة واحدة. فبتأملنا لهذه الوظائف وعنوان أرض السواد نلاحظ أنه عنوان فارغ ولا يساعد على تحديد جنس النص ولا يؤشر إلى أي نمط تجنيسي محدد، وما يؤازر هذا المذهب هو أن النص لا يتوفر على عنوان تكميلي يعضد ويكمل دلالة ومحتوى هذا النص. إذ لا يمتلك إحالة على غلافه تومئ إلى مرجعه النوعي. ولا تحتضن بين ثناياها (133 فصلا) أي إشارة إلى تواريخ توثق لزمن المادة الحكائية التي تحكي الرواية أحداثها، الخارجة والسابقة عن فعل الكتابة. الشيء الذي قد يجعل القارئ متأرجحا في التعامل معها في شكل صيغة خطاب تاريخي تقليدي أو في صيغتها الدرامية حيث تتمسرح الأحداث وتتمشهد من خلال عرض الشخصيات لها أو بتلقيها ضمن زمنية القصة أو زمنية الخطاب أو زمنها الدلالي. وما يزكي هذا التأرجح ذلك التجاور بين الوظائف المرجعية والفنية لنص أرض السواد الذي يهيج الاشتهاء السردي للقارئ، ويحفز أفق انتظاره نحو تصيد مرجعه النوعي. فهذا اللاتحديد لجنس النص، هل كان مقصودا من طرف الروائي ليترك القارئ تحت رحمة الاشتغالات النصية، مما يمنح لهذه السيرة التاريخية بعدها الخيالي؟ أم ليتحرر الروائي من إشكالية مقابلتها بين عالم النص وعالم الواقع؟ أو أن نظرة الكاتب الرافضة لخندقة الرواية في نوع محدد (الرواية الجيدة قطعة من الحياة، وأي تلخيص لها، أو وضعها في خانة ما يفقرها، وربما يقتلها[2]) كل هذا أكسب أرض السواد صلاحية الاضطلاع بصفة رواية التخيل (التاريخي)، دون أن تتورط أو تكره على الإعلان عن مرجعها النوعي على ظهر الغلاف.

2.1- أما على المستوى الشكلي المظهري نجد كلمة الناشر، كمناص PARATEXTE ضروري لقراءة الرواية. فهو بمثابة توجيه وحصر للمكان، نقطة ارتكاز، الحدث الروائي في علاقته بمكونات الرواية؛ كما يعتبر من الناحية المكانية مناصا للناشر PARATEXTE EDITORIAL[3] مرتبطا بالنص بشكل غير مباشر EPITEXTE[4]. أما من الناحية الزمنية، يعد مناصا أصليا PARATEXTE ORIGINAL[5] بحكم صدوره في نفس تاريخ صدور الرواية، وليس كالمناصات التي قبله P.ANTERIEUR والمناصات السابقة أو اللاحقة المتأخرة P.TARDIF OU ANTERIEUR[6]. فكلمة الناشر مثلا لم تترك الفرصة لتمر لكي تقيم الجسور بين زمنية المرجعية الماضوية للرواية، ودلالاتها على زمنية الحاضر الراهن في العراق. مما يبرز الضرورة التي دفعت (عبد الرحمن منيف) إلى استثمار هذه المرحلة من تاريخ العراق (1817-1831) واعتمادها كبؤرة لكتابة توثيقية (للهناك) لا يفارقها الإيحاء إلى (الآن والهنا)؛ وهذا التخريج في أرض السواد لا يشكل أدنى تعارض بين المادة التاريخية مع الوظيفة الإيحائية للرواية. بل إن إيحائيتها التخيلية استطاعت إلى حد كبير التأريخ للحاضر بزمن الأحداث الماضية، كوسيط MEDIATEUR تيماتي أخذ بعدا جماليا سمح بتحول التاريخ موضوعا جماليا، والأدب مادة تاريخية في عملية تفاعلية يتنازل فيها كل طرف (الأدب والتاريخ) عن الصرامة التي تسم كلا النوعين المعرفيين (يجب على الرواية أن تكون أمينة على الوقائع، لكن يحق لها أن تعيد قراءتها، وتاليا توظيفها بما يخدم هدفا معاصرا بشكل غير مباشر. لذلك أفترض التاريخ بمثابة مرآة، وهذه المرآة بمقدار ما تعكس زمنها فإنها تساعد على رؤية زمنية أخرى… وربما أمكنة أخرى أيضا)[7]. أما المناص المخصص كفصل تمهيدي والمعنون بـ(بعض ما جرى) يعد أساسيا لما يحمله من معلومات هامة، حيث يوجز في الروائي الأحداث السابقة على ظهور بطله "داود باشا" ليقيم تبريرا وسببا لوجوده في الأحداث الكبرى في الرواية، وفي الآن نفسه لكي يجنب بطله السقوط في الوجود من "وهم" ضمن أحداث الرواية (قطعة من الحياة)، محققا له بذلك هوية مزدوجة: الأولى (واقعية) تاريخية والثانية (فنية) روائية من خلال منحه وجودا في الرواية يجمع بين زمن القصة وزمن الخطاب الروائي.

كما نجد الإهداء الخاص بالكاتب كمناص مباشر PERITEXTE[8]، حيث يهدي النص إلى كل من قاسموه حب العراق والتعريف به، ففي هذا المناص يتحدد كتابيا المرجع النوعي لنصه (أهدي هذه الرواية..) وبالتالي أليس هذا استدراج المتلقي إلى داخل النص وهو استدراج يستلذه القارئ؟ ونلقى أيضا النصوص الشعرية السومارية والبابلية والأكادية (11-12-13، ح1) كنصوص محيطة وفضاءات رمزية ودلالية تؤرخ بتخيلاتها ومرجعيتها لأزمنة حضارية للعراق المغرق في القدم، مانحا هذا التوظيف (للنصوص الشعرية) عبر تيمات: التفاخر بالعراق/الأسى على البلايا التي داهمته/تدمير الغرباء لأوور.. امتدادا في زمن الرواية التخيلي، ومهيأة بذلك لتقاطع مرجعي وجمالي عبر صيرورة اندلالها SIGNIFIANCE.

إذن، فما تطرحه هذه العتبات SEUILS من ارتباط بالقضايا الخاصة والعامة التي تتناولها الرواية في مضانها، يؤكد الدور التواصلي الهام الذي تلعبه في توجيه القراءة ورسم خطوطها الكبرى، والتي بدونها قد تضيع واقعية المكان والزمان، والأبطال، والأحداث في موزييك التخيل وتنوعاته؛ الشيء الذي ينعكس على قوتها الإخبارية. كما أن هذه العتبات بطريقة عرضها وتوظيفها دعمت الأبعاد المرجعية والشعرية لأرض السواد، إذ لم تضع الرواية في الوهم الروائي، ولم ترتهن إلى يقين الأحداث والوقائع التاريخية.

3 – إذا كانت أرض السواد قد قدمت شخوصا واقعيين (داود باشا، والآغا علوي، والقنصل البريطاني) كوجود موضوعي تتحدد من خلالهم الأحداث الكبرى في الرواية، فإنها قد وظفت أيضا شخوصا تخيلية (بدري،سيفو/اسط عواد/نجمة/روجينا..) من أعراق وأوساط اجتماعية مختلفة ومتنوعة. دون أن يتعارض هذا التوظيف مع تاريخية الرواية أو ينقص من قيمتها المرجعية. بل دعم تواشج التاريخي مع التخيلي فيها، "إذ أن الحاجة إلى التخييل وتوظيفه في سياقات المحتمل والممكن مسألة حيوية لتحقيق فنية الرواية من جهة، ولملئ ثغرات وبياضات النص التاريخي الإخباري من جهة أخرى"[9]. فأدوار تلك الشخصيات الورقية (التخيلية) لعبت دور المساعد المآزر للسياق العام للخطاب الروائي. إذ تارة تقوم بتثبيت الكائن في أفق تأكيد واقعية الأحداث في خطابها الماضوي وتارة أخرى بتداوله في نسيج توظيفها له مما يمنح لذلك الكائن امتدادا تخيليا فنيا في نسغ الرواية، بذلك فهي تقدم لنا أرض السواد قصة يمكن أن نصدقها باعتبارها عالما من الواقع (التاريخي) ويمكن أن نتخيلها عبر اللغة الأدبية بتمفصلاتها الواقعية والخيالية والنفسية والجمالية؛ "فالوثيقة التاريخية مهما تعدد حضورها وكيفما تبدت فعاليتها، لن تستطيع تغطية مجالات الروح والشعور أو الحياة الباطنية بوجه عام. إذ أن تلك الوثيقة بها مغارات وهوامش كثيرة لا يهتم بها المؤرخون، في حين تكون بالنسبة لفاعلي الرواية التاريخية/الثقافية مرتعا خصبا تملؤه اللغة باشتغالاتها وحركيتها التي تمنح الخطاب عموما والروائي خصوصا قواعده"[10]. كما أن الذي أكسب هذه الشخصيات الفسيفسائية في الرواية قيمة تاريخية وجمالية يكمن في أن هم أرض السواد كان في كثير من الأحيان رسم الشخصية العراقية قبل أن تعمل على تقديم رواية تشكل الأحداث ذروتها.

3.1- لقد تم في أرض السواد التوسل بتقنية التداعيات الحكائية واعتماد الخطوط المتوازية في ملاحقة الأحداث الروائية لتلتقي هذه الخطوط وتتشابك في نقطة معينة، محققة بذلك نوعا من التأسيس لكتابة روائية تروم ترهين الموروث التراثي الأدبي العربي في أفق تجريب نمط كتابة روائية بهوية عربية (الخطوط الحكائية المتوازية والمرايا المتقابلة، وتناسل روايات عديدة في رحم زمن القصة المنطلق). كما ساعدت الرؤى السردية المتعددة على الإخراج الجمالي للتاريخ (السرد الاسترجاعي الداخلي والخارجي والسرد الاستباقي والسرد المشهدي) مما سمح بتكسير سلطة الراوي المتحكم في مسار الحكي وبالتالي انزياح خطاب الرواية عن الخطاب التاريخي المنمط في أدبيات التاريخ، وأتاح إعادة تشكيل الواقعة التاريخية وبسطها بشكل ينطلق من منطلق روائي داخلي بوظائفه ومكوناته وأزمنته الخاضعة لكمياء الكتابة. إذ أصبحت الحكاية (الواقعة التارخية) كما أكد على ذلك "جورج لوكاتش" كإحدى ممكنات الرواية التاريخية[11]؛ بذلك غدت السيرة التاريخية مثلا "لـ داود باشا" مجرد ذريعة قابلة للتوسع والإغتناء عن طريق تلك التعددية الأصواتية التي أبطالها شخصيات يتحكم فيها الروائي. مما سمح بتطعيم التاريخ المخصص في الرواية باشتغالات خطابية (سياسية/اجتماعية/ثقافية) للروائي وفق تداعيات (رؤية العالم عند الروائي) موازية أو متقاطعة مع مرجعية الحكاية، وحوار تواريخ الماضي مع الحاضر؛ ومنتقلا بذلك بين نص التاريخ ونص الذات/الجماعة بما يبسطه الكاتب أو الشخصيات من قضايا وموضوعات في حواراتهما.

3.2-كما أكسبتنا أرض السواد وعيا بالتاريخ، وعيا يمتلك بعدا تجاوزا لسيكولاتيته، إلى تأكيد صيرورته بفضل الأفعال التخيلية للرواية التي لم تقص المرجعية الروائية. بل حققت انوجادها بشكل لم يسمح بهيمنة التاريخ على التخيلي بقدر ما حققت علاقة جدلية بين المادة التاريخية والشخوص الروائية واللغات المتفاعلة وطرائق السرد. من خلال لغة الحوار (اللهجي) التي ضمنت ورود الوقائعي (التاريخي) ضمن الروائي (التخيلي) ورودا غير ناشز، وذلك بتفعيلها لمعطيات التاريخ المسنودة بلغة الكاتب المضطلعة بوظيفة التهجين والأسلة[12] التي لعبتها عملية تفعيل اللغة في أرض السواد؛ إذ تم إدماج مجموعة من القضايا على لسان الشخوص كعلاقتهم بالصراع الداخلي، والنظام الحاكم، والوجود الأجنبي، وأمور الدين والدنيا. ".. حين بدأ النزاع بين داود باشا وسعيد، وكانوا يريدون أن يعرفوا، ريتش، أبو الباليوز، يؤيد سعيد أو داود أم عنده واحد ضامه تحت الإبط.."(ص88/ج1).

وفي موقف آخر نجد ".. الطوب طوبنا، علمونا عليه وبعدها ما عليكم. ما راح نخلي من هناك يطلع مخبر..

ـ وين تروح من أهل بغداد يا أبو الدقايق يا أبو عيون الزرق.."(ص277/278/ج3).

وعن رأيهم في تأصيل الثورة بالمشرق: "لأن الشرق مختلف عن الأماكن الأخرى في فرنسا، تحديدا، ولذلك فإن الذين سيقومون بالثورة هنا لا بد أن يكون مختلفين عن الذين قاموا بها هناك، ومعنى ذلك: يجب أن نبحث ونكتشف من هم المستعدون للقيام بالثورة"(ص150/ج2).

وأيضا: "إذا كان مودنا من ديرة الواق واق، وخطيبنا من أهل البشتاق، قامة العراق، يا جماعة، بألف خير، جروا صلوات على محمد.."(ص157-158/ج2).

هكذا اعتمد "منيف" في جل صفحات عمله على اللهجة البغدادية بخصوصياتها وغناها، وليس لغاية استعراضية حيث يقول: "لهجة بغداد مليئة بالكثافة والظلال، وقد استعملتها في الحوار لضرورة، دون محاولة لإظهار براعة لغوية" (ص مناص الإشارة، ج1).

إذن، فهذه التعددية أغنت الرواية بكثافتها وغناها الدلالي والإيحائي، مما جعلها تعيد إنتاج التاريخي (الواقعي) من خلال لعبة الكتابة التي تقوم على الزمن والتاريخ التاريخي، إذ أن أرض السواد تستحضر العناصر التاريخية وتتقاطع معها وتعيد إنتاجها كعناصر تخيلية، فتجعل في نهاية الأمر الزمان المرجعي للرواية حاضرا متحركا.

من ثم فتشخيص الكلام اللهجي ضمن الرواية يومئ إلى واقعية السجل الكلامي للشخوص الروائية وفي نفس الوقت يضطلع بدور المولد لطاقة إيحائية تصوغ الأداء الجمالي للرواية. ويعد "عبد الرحمان منيف" من المنتصرين لاستعمال جمالية وقوة الشفوي، إذ يعلن اختياره (للغة الوسطى)[13].

(أذنت ساعة الحساب: إن الله حق والموت حق، ولا بد لكل مذنب أن ينال جزاءه، والقصاص من نوع العمل، كان يعني الكثيرين، ولكنه كمن يعني سعيد بشكل خاص أو هذا ما فهمه الكيخيا، إذ رد عليه:

ـ نشف ريقنا هذا الخايب ابن الخايب، وانت الله يسلمك، تحملتنا أكثر مما تتحمل الجبال. – ما حد تعب مثلنا، لكن دون نتيجة، واليوم إذا أردتنا نشيم الزمال ما عند له الا قولة..هش) (ص32-33، ج1).

وأيضا هناك: "يجوز مالي أتدخل لان حيث متأخر وما عرفت شلون بدت سالفة، لكن والشهادة لله، ومن خلال معرفتي بكم شاعر، ومعرفتي بقاري المقام الملا عبود وانتو تعرفونه، أن أهم شي للشاعر الشاعر: الواهس وهذا مثل ماقالو: يجي وحده، بليا ما الواحد يدري، فاذا لزمه الشاعر طلع منه شي يسوي، واذا قلت منه راح)(ص141، ج3).

فبهذا التفعيل للغة استرفدت رواية أرض السواد طاقات تعبيرية وأسلوبية وتراثية فأصرت بذلك على انتماءها إلى الواقع التاريخي (الماضوي) نظرا لما توفره اللهجة من ذاكرة تخزينية تؤرخ بمحفوظها (مبنى ومعنى) للثقافي والسياسي والاجتماعي، إذ تسعف على تحيين زمنية الوقائع التاريخية المتنوعة على مستوى الكتابة الروائية، وفي الآن نفسه تصر على الانتماء إلى الواقع المتشكل (الروائي) من ناحية الأسلوب وسجلات الكلام، مما خول لها بعدا تعبيريا وشاعريا، أحيانا، حيث الصنعة اللغوية والتزين. إذ تستحضر الحادث وتقرب الواقعة من القارئ في زمنية موحية يأسره فيها الحاضر أكثر من الماضي؛ وبذلك يحصل نوع من التخريج التخيلي والجمالي للتاريخ، والذي له الأثر النفسي والمعرفي والجمالي على المتلقي أثناء وبعد عملية القراءة.

إذن، من خلال ما جاءت به رواية أرض السواد، يمكن اعتبارها إضافة في رصيد الرواية التاريخية العربية، في إطار تنويع الشكل الروائي، وافتراض تخيل تاريخي يغني مفهومنا العربي للكتابة وتوسيع أفق منظورنا للعلاقة التي تقوم بين الرواية والتاريخ، والتي تجاوزت بالفعل مساءلة ارتهانها للزمن الماضي فقط بل أيضا إلى الزمن الحاضر. كما توفقت أرض السواد في جعل التاريخ كمادة حكائية منسابا في مجراها الزمني وتاريخها الخاص، فأصبحت نقطة استدلال على تاريخ العراق الماضي (هناك) وأيضا على تاريخه الحديث والمعاصر (الآن). إذ تراءت لنا كثير من الصور الوفيرة من الماضي تحيل على تاريخ العراق الحالي بإنسانه، وعلاقاته مع السلطة، ونظام الحكم، وموقفه من الأجنبيg

 

 



[1]  - Michel Maillard, (L’antinomie du référent), In Fabula, 1983, p82.

[2] - عبد الرحمان منيف: الكرمل، ص88، (التاريخ ذاكرة إضافية للإنسان)،  ع63، ربيع 2000.

[3] - المصدر نفسه، ص92-93.

[4]  - G.Genette, Seuils, éd. Seuil, coll. Poétique, 1978, p7.

[5]  - Ibid, p14.

[6]  - Ibid, p11.

[7]  - Ibid, p16.

[8]  - Ibid, p18.

[9]  - Ricoeur P., Temps et récit, Tome 1, 1983, p78.

[10] - مقدمات، ع13-14/1998، شهادة بنسالم حميش (ثقافة الرواية)، المغرب، ص134.

[11]  - George Luckacs, Le roman historique, PBP, 1968, p136.

[12]  - M.Bakhtine, Esthétique et théorie du roman, Gallimard, 1978, p125.

[13] - مجلة مواقف، ع69، خريف 1992، (القلة والتجريب والإبداع نحو رؤية شاملة للرواية العربية)، محور "شهادات"، المغرب، من ص17 إلى ص132.