ص1      الفهرس     41-50

 

خدع الفوتوغرافيا الافتراضية

 

ترجمة: لحسن بوتكلاي

لم يواجه الإنسان في تاريخه مثل هذا العدد من صيغ التصوير المختلفة، كما لم ينعم بهذا العدد من التقنيات لتشكيل العالم الذي ينتسب إليه بكيفية واضحة ومقروءة. ولم يحط من قبل بهذا الكم من الصور. إنه ثراء هائل. إلا أنه يعرضنا لسلسلة من المشاكل التاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية.

المشكل الأول هو قدرة أي فرد على قراءة هذه الصور، أو بالضبط المعنى الذي تنتجه. فرغم اتصالنا اليومي بالمئات من الصور، يظل السواد الأعظم من معاصرينا عاجزين عن فكها وفهمها. فماذا سيصدر من مجتمع تهيمن عليه الصور، وبعض "النخب" المحدودة هي القادرة على قراءة قصيدتها؟ وكيف يمكن التفكير في الديمقراطية ما دام أغلب متلقي الصور أميين في هذا الميدان؟

وهذه الأسئلة تعقدت مع ظهور نوع جديد من الصور. وهي صور "الحقائق الافتراضية"؟ ويعني مصطلح "افتراضي" الصورة التي نقرؤها لأننا نجد فيها صورة معروفة ومألوفة، لكنها لتوجد لا تحتاج إلى مرجع مادي سابق الوجود.

من المعروف إلى حين اختراع التصوير الفوتوغرافي (حوالي 1835) أن الصور المقدمة على شكل تصوير أو رسم أو نقش كانت حوادث مصطنعة يقترح بواسطتها الفرد الماهر وأحيانا ذو الموهبة الخاصة تشكيل الوضعيات أو الأفعال أو الأحداث التي يستوحيها من تجربته الخاصة. وكان من المعروف أيضا أن هذا الأمر يتعلق بتصوير، بتجريد إذن، ومن المستحيل خلطها بما اتفق على تسميته "واقعي". فهناك من جهة العالم، ومن جهة أخرى هناك صور العالم.

إن اختراع نيسفور ولويس داكير للتصوير الفوتوغرافي سيغير المعطيات. لأن هذه الطريقة التي تمزج بين البصريات والكيمياء تثير انتباه العقول بقدرتها على الإنتاج بدقة وسرعة متناهيتين، ووظيفة الإنتاج هذه التي تؤسس تاريخ التصوير الفوتوغرافي من بداياته قد تجووزت بإنجازات المجربين المتضمنة خفة وسيلة الإعلام الجديدة وقدرتها في الإبداع التشكيلي.

إن اليقين الوحيد الذي تحمله الصورة الفوتوغرافية هو أنها لتوجد لا بد أن يسبقها شيء ما في العالم المحسوس. مستعينة بهذه الحقيقة، عملت الصحافة بعد تمكنها من الإنتاج الميكانيكي للصور الفوتوغرافية على تطوير استراتيجية التوضيح بواسطة الصور لإظهار الصور "حقيقية". وبهذه الكيفية قامت سذاجة جماعية غير عقلانية بنشر الكذبة الكبرى وهي:هذه صورة فوتوغرافية، فهي حقيقية إذن.

وتفرض مثل هذه الوضعية بعض التوضيحات، أولا لأن الفوتوغرافيا عكس الظاهر هي إحدى الصيغ الأقل قدرة على نقل المعلومة بدقة. فالمعلومة الوحيدة التي تنقلها هي "إنني صورة"، أي لست رسما ولا تصويرا ولا فوتوغراما إلخ. وهي تخبرنا بفعلها هذا أنها نتاج تكنولوجية فريدة، ومن الغريب أن يتكون في رغبة تملك العالم (المتجاوبة مع رغبة الفوتوغرافيين العميقة في التوثيق للعالم) عقد ثقة بين متلقي الصور الفوتوغرافية ومرسليها. وهذا العقد الضمني يتغاضى عن كون حصول صورة فوتوغرافية يستلزم أن يوجد خلف زاوية النظر التي تقطع الإطار مصور يحدد موضع الآلة ولحظة التقاط ما يوجد أمامه.

بعيدا عن كل تشابه، أصبحت وضعنة الفوتوغرافيا واحدة من المعطيات الثقافية المهمة للنصف الثاني من القرن العشرين. واللبس قوي جدا، لذا نستعمل نفس المصطلح (صورة فوتوغرافية) لتعيين صور لا تشترك في وجهة نظرها وفي معناها وفي قيمتها: بهذه الكيفية تصبح الفوتوماتون المرصودة لإثبات الهوية في جواز السفر، والرسوم (الكليشه) الملتقطة أثناء عراك، وصورة شخص كبيرة معروضة في الأروقة أو في المتاحف صورا فوتوغرافية.

إن سياق استعمال الصور الفوتوغرافية هو تشغيل لنية المصور الأصلية، وتوجيه لقراءة المتلقي نحو المعنى الذي قصده مشكل (مخرج؟) الخطاب. وهذه البديهة لم يتم التصريح بها أبدا. والحال أننا لا نمنح دوما الوسائل للقارئ لفك ميكانيزمات الاستعمال أو لمعرفتها بكل بساطة.

يبقى للنص في هذا الإنتاج للمعنى دور أساس، فهو الذي يحمل عناصر المعلومة التي لا تستطيع الصور الفوتوغرافية منحها. إنه يشيع الكذب بجعل الصور تشهد بصحة ما ليس إلا خدعة. منذ ثلاثين سنة تقريبا، وفي إطار عرض نظمه ألان دوهوك "مثانات وفوانيس"(*) يدرج تحت ثلاثين كليشه التقطت في خنادق أثناء الحرب العالمية الثانية مفاتيح ذات مظهر علمي تحمل أرقام تعريف، تواريخ، أماكن وتدقيقات مثلما ظهرت في وثائق الحرب العراقية الإيرانية التي تناقلتها وكالات التصوير الكبرى. لا أحد من ملايين الزوار لهذا المعرض (خدع) شكك في أصالة هذه الوثائق المعروضة، ولم يكتشف الزوار الخدعة إلا في قاعة العرض الأخيرة، حيث شرحت مختلف الاستعمالات. والساذج الأسوأ هو الذي يريد أن يؤمن بذلك.

إن فهم رهانات قراءة الصورة في عصر "الافتراضي" يلزم علينا معرفة ما يحدث عندما نقرأ صورة فوتوغرافية. وبعيدا عن كون الناس لا يقرؤون الصور بنفس الكيفية، من البديهي أن لا تصدر المعلومات من داخل الصورة بل من خارجها. وحينما نشاهد صورة فوتوغرافية، فإن نظرنا يتجول داخل إطار يحث على البحث عن الأشكال المعروفة مسبقا. فقد يتعلق الأمر بأشكال صادفها الناظر من قبل أو سجلها أو ميزها في التجربة المعيشة، أو أشكالا شبكها سابقا حول صور أخرى، والتي ليست من طبيعة فوتوغرافية لزاما. هذه القراءة بالتماثل لن تحمل إلا معلومات مجزأة، لكنها تتراكب مع معارف الناظر الذي يعرف بهذا تعيين شخص أو أثر تاريخي أو وضعية.. إلخ. فالمعلومات الوحيدة الدقيقة تصدر من النص المصاحب للصورة؛ إنه بهذا التلاقي بين الصورة والنص يتولد خطاب واضح ومفهوم.

على كل حال تؤكد هذه الوضعية أننا لا نعيش في "حضارة الصورة" كما يقال، لكن ما زلنا في حضارة المكتوب. وبالضبط إننا نعيش لحظة خاصة من "حضارة النص" التي تحضر فيها الصور في كل مكان. وبما أن أغلب من يعيش في هذه الحضارة يعجزون عن قراءتها فقد أصبحت رهان سلطة لمن يعرفون إنتاجها وتوزيعها. وفي هذا السياق الثقافي الخاص بدأ نوع جديد من الصور يظهر؛ وهي الصور المسماة "افتراضية". وتتمثل خصوصيتها في استغنائها لتوجد عن مرجع مسبق في العالم الحسي.

هذه الصور الافتراضية وهي تتلاعب بسذاجتها حيال الصور الفوتوغرافية تمنح لترى تماما مقارنة بالصور المألوفة لدينا. ونحن نقلق كثيرا حينما نعرف أن بورتريهات شبان أنجزها الفنان الأمريكي كيث كوتنكهام ليس لها وجود في الواقع، بل هي نتيجة آلاف الساعات من البرمجة في الحاسوب. إن "واقعيتها" ليست إلا نتاج رغبتنا في الاعتقاد بأن الصور قادرة على "حمل الحقيقة" وأن تكون "أثرا" للواقع.

لقد استطعنا أن نختبر خلال الأسابيع الأولى السابقة لحرب الخليج –وبعون أفواج المستشارين العسكريين المتقاعدين- كيف أن المحاكاة (الهام من الأبحاث في ميدان الافتراضي أنجزه عسكريون) متحلية بزي "الواقعية" كانت موجهة إلى إعداد مناورة "حرب بدون صور" مصحوبة بآلاف الضحايا. ويطرح علينا هذا الشعور المسبق سؤالا مهما: كيف نقرأ هذه الصور منذ أن وجد الافتراضي؟ كيف نعرف ما إذا كانت "حقا صورة" وليست بـ"صورة حقيقية"؟

الضرورة الأولى هي تعلم كيفية قراءة مختلف أنواع الصور وطبيعتها وطرق إنتاجها وصيغ نقلها واستعمالها، لئلا نخلط كل شيء فيتحكم فينا دوما أو أن نكون ذلك قليلا. وتصاحب هذا الرهان البيداغوجي إلزامية الإخبار بالكيفية التي تنتج بها المعلومة. يرى بول فيرليو أن ثورة الافتراضي تقارن أهميتها بأهمية الرئاية(*). وهذا يبرز أهمية الرهان.

لقد فصلنا كيف هدم ظهور الصورة السريعة جدا عمل مصوري البورتريهات ومصوري المنمنمات. لقد كان اهتمامنا بانقراض نوع تصويري عظيم وهو رسم (أحداث) التاريخ قليلا. فخلال قرون كانت علاقة الأحداث البصرية قضية الرسامين. لكن منذ أن غدت الفوتوغرافيا قادرة على التسجيل السريع، اختفى هذا النوع وقضت عليه "واقعية" التصوير الفوتوغرافي المتفوقة. ولنتأمل الكيفية التي كنا نرى بها Le sacre de Napoléon لدافيد David، أو Los Fusilamientos de 12 de Mayo لكويا Goya قبل ظهور الربورتاج الفوتوغرافي وبعدهn

 



(*) مثانات وفوانيس: عبارة تعني في اللغة الفرنسية الانخداع والخلط.

(*) الرئاية: فن الرسم المنظوري.