ص1      الفهرس     41-50

فلسفة "الرغيف"

محمد الهيلالي

رغيف المهنة:

بالرغم من أنهم لا يقرون بذلك، فالذي يجمعهم هو هذا النسيج من الأفكار والممارسات المرتبطة بمهنتهم التي نُسجت حولها الأوهام. أوهام تنتسب طواعية لحقل التفلسف، متغذية من غموض حقل الاشتغال نفسه، ومن تاريخ حُشر في ثنايا الصمت وطيات الادعاء.

استأنسوا لزمن طويل باستعمال أفكار وأعلام ونصوص مقتطفة وصيغ واعتقادات وظنون تخص من تفلسف من الناس في الغرب خاصة. وانقسموا بوضوح، في هذه الحالة، بين متنكر كلية لمن اشتغل بالحكمة في ظل الإلهايات من بني قومه، وبين موفق بين حكمتهم وفلسفة الغير.

كيف يمكننا أن نتعرف على فلسفة "الرغيف" هذه؟ من هم صناعها وحرفيوها؟ ما هي نصوصهم التأسيسية وأهدافهم المعلنة؟ من أين يستمدون سلطتهم التي تخول لهم الفرح بإمضائهم المثبت قولا وكتابة؟

هل يمكن القول مثلا إن فلسفة الرغيف هي فلسفة "الجماعة المدرسة"؟ فلسفة جماعة من الفاعلين يشتركون في مواصفات قاعدية، ينجزون أفعالا متشابهة، ويصلون بغض النظر عن أهدافهم لأهداف مشتركة؟ هل هم، كما هو سائد، نقاد متمرسون، ومنتقدون أذكياء، ومبدعون أصيلون، ومتمردون على مؤسستهم؟ ما هي حصيلة عملهم طيلة ثلاثة عقود تقريبا في المجتمع؟

الجماعة المدرسة:

بدا وكأنهم اتفقوا على محو فرديتهم، أعلنوا الحرب على التفرد والتميز الشخصي والإبداعي، وناصروا ما أسموه بالموضوعية والارتكاز على العلم والحجة الدامغة التي بوسعها إفحام الجميع. لكن مدح الخصوصية ظل مدويا في خطاباتهم. هم جماعة تتكلم لغة الفرد، وأفراد يتكلمون لغة الجماعة.

فهل يمكن للجماعة أن تصل بالفكر إلى إمكانياته القصوى في ظرفية معينة؟ هل يمكن للسؤال أن يطرح بعنف يفجر أبعاده خارج قدرات الفرد ورغباته وصراعه من أجل فرض ذاته؟

تحول مدرسو الفلسفة إلى جماعة ضغط تبحث خلسة وبتنكر عما هو مشترك وعام، عما يطبق هنا وهناك. هل هناك "جماعة فلسفية"؟ أليس ما يوحد الجماعة هو بالذات ما يعوق تطور الفرد بداخلها؟ ما هي المسافة الفاصلة بين الحرفة ومقتضياتها وبين مغامرة التفكير في ديار الإسلام؟

اللقطاء:

يقولون: "هم قلة، لكن ضجيجهم يملأ الآفاق. أصولهم مشتبه فيها ونيتهم مبيتة. هم أقرب إلى الدخلاء منهم إلى أصدقاء أو خلان أو حتى متجولين غرباء مرغوب فيهم".

هم جماعة بالرغم من أن "علمهم" علم أفراد. كأنما تحالفوا لإنجاح مهمتهم. لأنه لا أحد قبلهم منذ آخر متفلسف كبير متزين بزينة الإسلام نجح في بسط نفوذه المعرفي على الأمة. كيف سنثق بـ"علمهم"؟ وما الذي سيضيفه هذا العلم إلى باب التوحيد ومجهودات التفسير واستنباط الأحكام التي تعتبر ضرورية لحصول الناس على الأمن والقوت؟

هل نحن في حاجة للبرهنة العقلية على مقتضيات الشريعة؟ هل من الضروري مجاراة غير المسلمين في "علمهم" ذلك دون الخروج ظاهريا عن حدود الشرع؟ ما الذي يمكن للبرهنة العقلية على "عدل الله"، أو "فيض العالم"، أو "انعدام العدم"، أو "وحدة الوجود"، أو "الحلول" أن تقدمه من حلول لواقع ما ينفك يهترئ؟

قابلهم الناس بالحذر، لأنهم إما أذكياء أو ماكرون أو مغامرون يخاطرون بإيمانهم في درب الشك الذي لا يوصل حتما ليقين، فهم لا يقلدون شك "الإمام حجة الإسلام"، ولا يقفون عند شك "ديكارت المسيحي". وبحكم وضعهم الافتراضي ذلك، استأنسوا لأسباب غير محددة بسلوكات متميزة وبلا مبالاة تجاه جماعات المجتمع حتى قيلت في أغلبهم الأقاويل وحكيت عنهم الأفاعيل..

الصفحة البيضاء:

درسوا الشك ودرسوه. ومجدوا أهله وثماره. ولم يشكوا في فعالية ما يفعلون، ليس تاريخ الشك هو الذي سيؤسس فلسفة الشك في بلاد اليقين.

كيف لم يتم الانتباه إلى أن ما يقنصنا هو لحظة توقف في التاريخ لاختيار مسار جديد؟ لحظة للمحو والتمرد على ما يثقل كاهلنا، لحظة الصفحة البيضاء التي يخط فيها آنذاك ما هو واضح ومتمايز.

لم تكن القطيعة إلا تاريخا لظلها، ولم يكن النقد إلا مدحا لجماله، وظللنا نبحث عن قطائع مرغوب فيها، ونجمل وجوه الفقهاء باحثين في كتبهم عما يجعلهم ملعونين أو محترمين.

أين التفكير الإيجابي التأكيدي الذي يؤسس للقطيعة والنقد؟ إن ولاء "الجماعة المدرسة" اللامشروط للفلاسفة لا يجعلها بالضرورة في قلب الفلسفة.

 

هاجس القداسة:

لكل منهم قدر من "العلم" لا يتجاوز حدود إدراكه. وأغلبهم دخل مجلس الفلسفة بالصدفة أو عن طريق الخطأ أو من أجل بناء الدولة العادلة. لم تكن الفلسفة ترغب في حبهم لها أو في تعاطفهم معها. بل كانت في حاجة إلى من يحفر أخدوده في سطحها، ولا يتوهم أنه سيصل ذات يوم لعمقها. فمطرقة الفلسفة صارمة لا صوت لها ولا وزن لكنها تثمر في المكان الذي تصيبه.

نسوا تأخرهم ونسوا أهمية "الكتاب" الذي يشمهم ويشد بعضهم لبعض ويجعل منهم كيانا قائما بذاته. أرادوا أن يتحولوا إلى أغلبية عقلانية في ديار الإسلام التي تمجد الأمية.

لم يجيبوا على السؤال الذي ظل منحبسا بين شفاههم: أين تكمن أهمية هذا "العلم" بالنسبة للأمة؟ هل سيحررها من الجهل العقلي؟ هل من الأولية بمكان تحرير العباد من الوهم؟ أليس الوهم هو ما يجعلهم يتحملون الحياة؟ كيف لا ينصت للوهم ويساءل ويدرك ثم يستقبل في ساحة الأصدقاء؟ ألا يكون التفكير العقلاني ممكنا إلا خارج ما هو لا عقلاني؟

أعلنوا القطيعة القطعية مع ماضيهم الذي لا زال هو مستقبلهم، ومجدوا بعض الأسماء والنصوص التي أرادوها بديلا عن "الكتاب" الذي أرقتهم قدسيته، وتركوا الأبواب مشرعة لأهل السيف الذين ولدوا بدون ألسنة.

حلبة الفلاسفة:

يستدعى الفلاسفة بأسمائهم أو بمذاهبهم وأحيانا بجنسياتهم، يستدعون بدون ترتيب، لا تاريخي ولا كرونولوجي ولا مذهبي ولا منهجي.. يستدعون لحضورهم بالصدفة في الحلبة (القسم) أو في الذاكرة (الركام) أو لوجود كلمة مشتبه في معناها من المفترض أنهم تعرضوا لها (في لغتهم).. يستدعون ويرغم بعضهم على الانتظار، وبعضهم الآخر يتم تعظيمه، وآخرون يتم تحقيرهم.

تبدأ "الجماعة المدرسة" في الحسم الوثوقي في أصل الفلسفة ويتوج طاليس ملكا أول ومؤسسا للسلالة، وتدعم المعجزة اليونانية بلا عقلانية مفضوحة وتنزوي الحكمة الشرقية في النصيحة والأخلاق وبعض الممارسات التي أصبحت أسيوية بامتياز.. ويقوم الجمهور بالاستهزاء من هؤلاء المؤسسين الذين قرروا أن أصل العالم مادة مرئية أو لا مرئية، مقارنين ذلك بما أتت به ملتهم من جواب مجرد للمشكل، فتلجأ "الجماعة المدرسة" للتبرير قائلة إن "تلك مجرد بداية.. وعلى كل فطاليس فيلسوف لأنه انتقد جذريا معتقدات قومه (النقد) ولأنه أرجع أصل الكون للكون (الجدة) ولأنه أرجع الكثرة للواحد (عقلانية).. والآخرون تبعوا دربه".

ويتساءل الجمهور عن أشهر فيلسوف على الإطلاق: سقراط. فتنهال التحيات على هذا "المنقذ العظيم" للفكر الفلسفي الذي أعاد التفلسف من السماء إلى الأرض وبحث في كل المواضيع، وولد بعسر أشخاصا من مختلف الوضعيات الاجتماعية (من مينون إلى بيريكليس)، هذا الشجاع الذي افتخر بجهله (الذي هو سبيل معرفته) والذي (وهو أهم شيء) "استشهد" إعداما من أجل الحقيقة. ويسأل الجمهور عن مؤلفات هذا الرائد.. فتتفتح شهية "الجماعة المدرسة" مطنبة في مدح الإرث الشفوي الرائع لهذا الذي كان يتفلسف ويجبر الآخرين على اكتشاف كنوزهم الدفينة في الساحات والطرقات والمنازل. (وتحس "الجماعة المدرسة" أن "استشهاد الفيلسوف" ضروري لمنح قيمة للفلسفة لدى الجمهور.. فتسترسل في ذكر ما حل بأفلاطون الذي أسره "ديون" وباعه كعبد، والطعنة التي تلقاها سبينوزا، وتهجير عظام ابن رشد إلى الأندلس ورفض سارتر لجائزة نوبل وانتحار جيل دولوز..).

وتحتار "الجماعة المدرسة" في تقديم "فكر أفلاطون"، فقصة العالمين وأطروحة المثل لا تستقيم لها قائمة دون المحاورات وسيرها الحثيث في تقديم حيثيات كل موضوع على حدة. ويتساءل الجمهور: هل أفلاطون مسلم أم كافر.. وعن الفلاسفة المسلمين وهل كانوا مع أو ضد الشريعة.. فتفك "الجماعة المدرسة" قيود جميع الفلاسفة وتدخلهم في حرب كلامية حية لا تبقي ولا تذر!

لاحظت "الجماعة المدرسة" أن سلطتها الرمزية انهارت تقريبا كلية بعدما تخلت عن مواقع "الفلسفة المادية"، التي بسطتها إلى مجموعة من الصيغ السحرية: المادة هي أصل العالم –الفكر نتيجة لتطور مادي واجتماعي- الصراع هو أساس التطور –التناقض أهم مفهوم في التاريخ وفي العلم- الفلسفة سلاح للتغيير، ولا شك أن هذا الاختزال لا يجيب إلا على أسئلة الدوغما الدينية وقد قلبت على رأسها، ولم تكن بحكم التكوين والسن والوثوقية قادرة على تأهيل نفسها في "فلسفة أخرى"، مثلا في "الديكارتية" أو "الوجودية" أو "النيتشوية".. ومما زاد في تعقيد الأمور اضطرارها لمسايرة الموضة الفلسفية الغربية بدون تكوين (سيطرة هايدجر، فوكو، دولوز، هابرماس، ليفيناس، دريدا..)، ويا ليت "الجماعة المدرسة" تبنت "فلسفة" أقرب إلى وضعها وشعبويتها مثل "فلسفة الفلاسفة الجدد" وتكييفها مع حاجياتها).

بعد هذه الإزاحة الكبرى للجابري والسطاتي والعمري، جاءت تجربة النكسة مع علي سامي النشار، ثم تجربة أخرى باهتة، قبل أن يستقر الأمر على تجربة التدريس بالنصوص.

لقد نسيت "الجماعة المدرسة" أن التكوين الأصلي لا يتناسب مع هذا النوع من التدريس وأن تأطير المقتطفات النصية مسألة صعبة ومحفوفة بالمخاطر وقد تؤدي إلى جعل الفلاسفة مجموعة من الترقيعات الملغزة.

ودعمت هذه المحاولة بالتركيز على الترسانة البيداغوجية، وعلى ميكانيزمات الضبط الزمني والمعرفي وعلى الشبكات المختلفة التي بوسعها ضبط بذل المجهود واستيعابه، وحول الانتباه إلى المتلقي ومشاركته وإبداعه، ومجد الحوار التوليدي، وتمت الإشادة بالشهيد سقراط (وكأن شباب أثينا كله كان معنيا بفنه).

لكن هذه العملية (السليمة في حد ذاتها والمختلة واقعيا) انسجمت مع التخلي عن "تسييس الفلسفة" ومع مستوى التكوين المشتبه في جديته، فصارت حصة التفلسف سفرا من مقتطف إلى آخر، ومن حقبة لأخرى ومن غموض لغيره.

لم تستطع "الجماعة المدرسة" بعد أن تجيب عن سؤال أساسي: ما فائدة تدريس الفلسفة في ديار الإسلام؟ ألا يتعلق الأمر ببلورة نمط من التفكير هو نفسه في الدين والفن والفلسفة العقلانية والروحية؟ كيف يمكن التفلسف في بلاد الإسلام دون أن تمتلئ عبارات المتفلسفين بضجيج هذه البلاد بجلابيبها وطرابيشها وترتيبها لمقدساتها وللأصوات المتعددة المتنافرة والمتعايشة؟

تتساءل "الجماعة المدرسة" أحيانا عن "حياة الفلسفة وموتها" في بلادنا، فبالرغم من تشبثها بكونية هذا النوع من التفكير (وكأن العلم والفن ليسا كونيين!!) فإنها تنجذب باستمرار نحو التساؤل عن هؤلاء الذين انخرطوا رسميا (مهنيا وفكريا) في الإنتاج "الفلسفي". ولعل هذا النوع من التساؤل كان بإمكانه أن يلقي الضوء على بعض المشكلات الدائمة في حصص التفلسف. فإذا لم يستطع الوسطاء "المحترفون" في البلاد أن يحلوا معضلة فهم "الفلسفة في نصوصها الأصلية" فكيف سيمكن للوسطاء "الهواة" أن يفعلوا ذلك؟ خاصة وأن الوسطاء "المحترفين" أنفسهم جربوا استحالة التفلسف الخالص بعدما لم يعد من الممكن إلا الاستثمار في هوامش الفلسفة، وبالرغم من قلة الذين نجحوا في تأصيل إسهامهم في الهوامش، فمن السهل التعرف على ما يميز بعضهم عن البعض الآخر، حيث نجد من بينهم: ناقد التراث وصديقه، المترجم الأصيل، الباحث الذاتي، الموسوعي المتخصص، الانتقائي الناجح، المتكلم المعاصر، المثقف العمومي المتنور..

يحتاج تدريس الفلسفة إلى تحرر جميع "الوسطاء" من سلطة النموذج، والجاهز والانتقائية والمذهبية الوثوقيةn