ص1      الفهرس     المحور

مدرس أم رهينة؟

نور الدين الزاهي

هكذا "نحن" المدرسين، ظللنا ولازلنا رهائن لفرق وفرقاء "متراضين" ولخبراء وفقهاء متعايشين ومتحابين

قبل سنوات مضت بدا لي أن الوضعية الفعلية لمدرس الفلسفة هي وضعية الرهينة. ولأن الأمر كذلك فبقدر ما لعب دور تحرير الآخر فلأنه يغلف وضعه كرهينة(*). وفي نفس سياق تفكيري لوضعية الرهينة انجرف تفكيري نحو آمال ما مسنودا بعناد متبادل مع أصدقاء لي، نحو اقتراح إمكانية مغادرة وضع الرهينة نحو الرهان ومجاوزة الكائن نحو الممكن.

كم هو سهل أن ننجز نهاية سعيدة يمثلها وجود مخرج ما، وكم هو بسيط أن نعتقد أن وضع الرهينة ليس غير وضع مؤقت وانتقالي، وأن التحرك في الممكن داخل الكائن لا يحتاج سوى لعينين مفتوحتين على الآخر. إننا ننسى أو نتناسى أن كل وضعية كيفما كانت تخلق ألفتها وطمأنينتها وعاداتها وطقوسها وفرحها ومن تم عدم الرغبة في مغادرة حَرَمِهَا. مثلما ننسى أو نتناسى، رغما عنا، أن الكائن أو القائم قائم فينا وليس فقط خارجنا، وأن الممكن ليس غير جزء من ارتماءاتنا نحو أفق وعينا، والتي تحتمل إمكان نجاتنا أو إعاقتنا أو موتنا.

لا أرغب أن أنتج كلام الفجيعة لأن أمر الدرس والتدريس يستحسن أن نقاربه مهنيا لا وجوديا، فالحياة أكبر وأرحب وأغنى من الفصل والمدرسة. كم من رهينة تخلت عن معارفها ومواهبها الأصلية والمكتبة لصالح أشياء أخرى تعلمتها وابتكرتها لحظة وضعيتها كرهنية. وفي الآن نفسه لست من الراغبين في الاستمرار في إنتاج كلام الحفل لأن شروط المدرس-الرهينة توهم بأنيابها البارزة أنها مبتسمة.

إن الشروط الباكية من كثرة الفرح الضاحك للمخططين والمبرمجين وعلماء وزارة التربية الوطنية، ومن كثرة تراكم الآمال غير المحققة والمآلات المسدودة لدى المدرس لا تترك لمدرسي الفلسفة أو القلة منهم سوى حل واحد هو تغييب حديث الشروط وحجزه عبر عدم اعتماده حجة أو تبريرا، وتعويضه بالصلات الإنسانية مع المتمدرس، والذاتية مع القراءة والمقروء خوفا من تحول وضعية الرهينة إلى وضعية الاسم الشخصي، إلى رقم تأجير.

ليس الخوف المقصود هنا خوفا سيكولوجيا لأنه ليس خوفا من... ولكنه خوف لأجل… ولأنه كذلك ليس من السهل مسايرته والانخراط فيه فعليا دون اقتسامه مع الخطاب أو القذف به نحوه. هكذا حينما نقرأ ما نكتبه من عناد ودعوة وتداعيات وخوف لأجل… نعتقد في أنه متأصل فينا وأنه قدرنا الذي لا مفر منه، مثلما نجعله طوطمنا المميز لنا عن باقي مدرسي زمننا والأزمان الأخرى، مثلما يجعلنا مَضْرَباً للمثل ومِضْرَباً للآخرين: في ظل نفس الشروط لماذا هناك مدرس بهاته المواصفات ومدرس آخر يعلن خطاب الشروط ويعتمده حجة وشرطا قبليا لفعل التدريس؟

لطالما اعتمدت هاته "القاعدة" كحجة معصومة لإسكات خطاب الشروط وإعلان فعل تدريس الفلسفة بوصفه فعلا مرهونا بالذوات والرغبة والإرادة والقراءة و… هو ذا سؤالنا الأساسي: ما معنى أن أكون مدرسا؟ والجواب عنه لم نترك فيه ولو منطقة صغيرة شاغرة لإعلان أن الشامانات وحدهم قادرون على تدريس فعلي لمقرر مماثل، ووحدهم قادرون على فرز مريدين قلة من داخل فصل دراسي، يحوي بين الأربعين والخمسين تلميذا، ووحدهم القادرون على منح وصفات التقويم الفعالة والجمع الحكيم بين أزمنة الفكر المتباعدة، والكتابة بوضوح على سبورة ثابتة مليئة بالثقوب وتزويد التلاميذ بالنصائح الحكيمة التي تغني عن وجود مكتبة بالثانوية، واستقراء ما يخطط له أهل الاختصاص والخبراء الرسميون قبل أن يوصلوه إلى المدرس..

ما معنى أن أكون مدرسا؟… لنتساءل قبل هذا أو إلى جانبه أو على هامشه كيف أصبحنا مدرسين لهاته المادة؟ وحينما أصبحنا كذلك ما هو الوضع الذي أوقعتنا فيه هاته المهنة أو القسمة اللعينة؟

إننا مدرسون بالصدفة أو الإكراه، جلنا لم يكن يوما ما حاملا في قرارة نفسه لفكرة أنه سيصبح مدرسا ثانويا. وبسبب ذلك جلنا انجرف لسبب أو آخر نحو هاته المهنة. لذلك أقول إننا مدرسون بعديون. لقد أتينا إلى التدريس بعد حياتنا التحصيلية وهو ما جعلنا في كثير من اللحظات غرباء عن أفكار وموضوعات درسنا. أو مُرَمِّقُونَ في صناعة الحصة، أو طيارون في الإجابة عن سؤال بديهي، أو محتمون بمخطوط ثمين لأحد أساتذتنا الأجلاء. أما في اللحظات التي يحصل فيها التطابق الصُّدفي فإننا نحول الحصة إلى حصص والشرح إلى شروحات والمثال إلى عدة وكأن الأمر يتعلق بآخر فرصة لنا في التطابق بين مقروءاتنا السابقة ومكتوبنا الحالي.

لقد أتينا إلى هاته المهنة بعد أن كان هنالك مقرر وكتاب مدرسي.. سايرناه وغايرناه لكن وإلى حدود الآن نأتي دائما بعد، بعد كل كتاب، بعد كل قرار ومقرر، بعد كل "إصلاح"، بعد كل ما يهم شأننا المهني. نأتي رغم أننا هنا كي نوضع موضع الرهينة التي يحرر (يحرر ويكتب) بها المتخصصون في رسم قنوات الأفكار لا ابتكارها، المشاريع، ويكتبون بها خطاطاتهم ويعلنون باسمها تداعياتهم.

هكذا "نحن" المدرسين، ظللنا ولازلنا رهائن لفرق وفرقاء "متراضين" ولخبراء وفقهاء متعايشين ومتحابينn