ص1       الفهرس    41-50

 

 

تعليم الفلسفة وسؤال الحاضر

 

أحمد الخالدي

تمهيد: بداية المشهد:

بعد إعدام مرتكب جريمة "العملية الإرهابية"، التي مست مؤسسة من مؤسسات الدولة، وهو حدث بارز استقطب اهتمامات الناس، وواكبته الصحافة ومختلف وسائل الاتصال لمدة زمنية طويلة. دخل أحد تلاميذ قسم الفلسفة وتوجه إلى المدرس:

ـ "ما رأيك يا أستاذ في حدث إعدام مرتكب الجريمة؟ أليس هذا الحكم هو عين العدالة، وجزاء كل من يمارس عنفا مدمرا ضد مصالح وممتلكات المجتمع؟"

صمت الأستاذ برهة، وبهدوئه المعهود، أجات تلاميذ القسم:

"هل تريدون معرفة رأيي فيما حدث كمواطن عادي، كجميع المواطنين، أم تريدون "رأي" الفلسفة في قضايا العنف والإعدام والموت والعدالة والدولة والمجتمع..؟"

بدت علامات الدهشة والاستغراب على محيى التلاميذ، إنهم، على ما يبدو، كانوا ينتظرون من مدرسهم إجابة مباشرة، تعزز ما سمعوه من آراء وما شاهدوه من صور حول الحادثة، وليس لما تقوله (أو قالته) الفلسفة تاريخيا عن قضايا وحوادث يعيشونها هم في الحاضر، إنهم يشعرون بأن قسم الفلسفة غائب عن مشاغلهم اليومية، إنه مختلف عن اتجاهات الرأي العام.

ثلاث مشكلات أساسية يطرحها هذا المشهد:

1) مشكلة انتظارات التلاميذ من مدرس الفلسفة وليس من درس الفلسفة.

2) مشكلة علاقة تعليم الفلسفة بالحاضر أو الراهن.

3) مشكلة علاقة تاريخ الفلسفة بثقافة التلميذ.

يمكن طرح مجموعة من الأسئلة حول مفهوم "الحاضر"، لكن من منطلق منهجي يفترض ما يلي: هناك على مستوى نظام الأقوال المشتغلة داخل المجتمع، عناصر نظرية واعية وأخرى لا واعية تسمح بتشكيل خطاب متماسك واحد حول الحاضر، راهنيته الثقافية، السياسية والاجتماعية.. خطاب يتضمن أقوالا جزئية قطاعية، مؤسسية وهامشية، تتميز بحيوية وانتشار كبيرين، وتتغذى من نظم ثقافية وإيديولوجية مختلفة من حيث أسسها ومرجعياتها ومقاصدها.

يراود المتسائل، وهو يواجه خطاب الحاضر، شعور بأهمية اللحظة التاريخية، فهي بكل تأكيد، غير فترات الصمت أو البؤس المطلق، كما أنها ليست أيضا بفترات الاسترخاء الفكري والاطمئنان الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. إنها لحظة تستدعي تدخل الفلسفي وتوجيهه لتدارك التأخر التاريخي الحاصل، ولرفع الوعي إلى مستوى الوضع.

1 – الحاضر، الخطاب والسؤال:

إن الحاضر، من الحضور أي نقيض المغيب والغيبة، كما يعني الحاضر الإنسان المقيم في المدن، مقابل البادي المقيم بالبادية. فرجل حضر، هو رجل لا يصلح للسفر، والحاضر، بصيغة الجمع، هم القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون. والحاضرون، إذن، هم الذين يرجعون إلى المحاضر في القيظ وينزلون على الماء العِدِّ ولا يفارقونه، إلى أن يقع ربيع بالأرض يملأ الغدران فينتجعون.

يؤكد "لسان العرب" ارتباط اللفظ بأمكنة الاستقرار والمكوث والاقتراب والإقامة، مقابل السفر والترحال والغياب. إن اقتران الحاضر بالاستقرار، وبالثقافة "الحضرية"، يعني "رغبة" الحاضرين في الثبات والتجدر، مقابل أولئك الذين يريدون السفر والترحال والغياب، أولئك الذين لم ينزلوا على ماء، ولم يستقروا في حضيرة، أو منتجع، لا صيفا ولا شتاء.

فعندما تساءل الفلسفة خطاب الحاضر، فهي تساءل "نظام وجود"، يرى في فعل التعبير عن الرأي امتلاكا لعلم أو معرفة أو حقيقة، لن يذهب التساؤل إلى محتويات آراء الخطاب، بل ستوجه إلى أساس ممارساته: ما هي مبادؤه؟ إلى ماذا يستند؟ ما هي حججه؟ كيف يفكر؟ كيف يتكلم؟ ما مناطق قوته وضعفه؟ ما هي ثغراته؟..إلخ.

يسكن السؤال لغة الخطاب، يحمل معه بوادر التهديد والكشف والانزياح والفراغ.. فعندما طالب تلاميذ القسم مدرسهم بجواب على أسئلتهم، فإن الخطاب الذي يسكنهم عمل على إقصاء السؤال ومحو أثره، أو على الأقل عمل على إضماره وكبته.

أو ليس الجواب أهم من السؤال، على مستوى اللغة الطبيعية والحياة الاعتيادية؟

عندما يطرح الفاعل أسئلة فعلية قصد توجيه الفكر نحو طرق التفكير، فإن الخطاب يحول السؤال إلى شيء لا يطاق استمراره وحضوره. إن خطاب الحاضر يفترض جوابا أو أجوبة عن أسئلة تتجلى بوصفها غيابا ضروريا لحضور الخطاب.

لا بد من التأكيد، على أن الأمر الطبيعي جدا، هو أن يقيم المرء داخل عالم خطاب يقيني ومستقر؛ فحياة اليقين، بالنسبة لحالة الذهن البشرية، هي حياة "السواء" والامتلاء والحضور. فقدان اليقين، هو ضياع في عتمات الحيرة والشك والفراغ والسؤال.

2 – لغة الفيلسوف وتجربة التوسط:

لا يتعامل الفيلسوف مع الحاضر بشكل مباشر، فلكي يتحدث فلسفيا عن معيشه اليومي، وعن قضايا عصره، عليه الانفلات من أسرها والتعالي عليها. فهو يلتجئ إلى لغة المفاهيم والبلاغة، إنه يصرح، يستدل، يعرّف، يبني، يقارن، كما أنه يشير، يرمز، يلمح، يتمثل، يتخيل، يستعير، لغتان لتجربة وجودية فريدة. بعض من لغة العلم، وبعض من لغة الفن والأدب.

هذا اللجوء إلى التوسط، دشنته الفلسفة الإغريقية، إذ تم معها، إخراج الكلام الشفوي ونظام القول، من مجال التواصل الوظيفي المباشر، إلى مجال قول الحقيقي Dire le vrai، واحتكار سحر الكلمة، وامتلاك الحقيقة والدفاع عنها بلاغيا. ابتداء من هذه اللحظة الإغريقية (السوفسطائية ثم الحوار السقراطي)، سيحل المفهوم بدل المعطى، الدال بدل المدلول، الاستعارة بدل الواقع أو الشيء، المجرد بدل المشخص..

ولكي يبحث الفيلسوف عن الكلام الدال، عن قول الحقيقي، كان لا بد له من أن يضيء علاقته باللغة، تلك العلاقة التي ظلت غامضة وملتبسة إلى اليوم؛ إنها ستجعل من الخطاب الفلسفي، يظهر ويتحقق، كلما "نجح" الفيلسوف في جعل اللغة، مسكونة بذات مخصوصة. بهذا المعنى، تعامل "دولوز" مع الخطاب الفلسفي، كخطاب منتج لتصورات ومفاهيم، هي عبارة عن شخصيات مفهومية.

غير أن الفيلسوف، يعجز في كثير من الأحيان، إضاءة علاقته باللغة، لأن هذه الأخيرة ليست شيئا معطى قبل التفكير والكتابة.

لغة الفلسفة، ليست حقيقة منتهية ونهائية، هي ذاتها تفكير ومشروع الفيلسوف لقول وكتابة الحقيقي؛ إنها بحث في "الغائب الأبدي"، بطرق مختلفة، وبأدوات ومفاهيم نظرية، تعود بنا، وهذا هو الأساسي، إلى فكرة الأصل، والولادة، والأساس والمبدأ. لغة الفيلسوف لا تنفصل عن تفكيره في البدء والبداية، أي التفكير في لغة الوجود وسؤال الأشياء والظواهر.

3 – لغة التلميذ وتاريخ الفلسفة:

تطرح هذه العلاقة من خلال المستويات التالية:

هناك، أولا، مستوى النقد الموجه لتعليم الفلسفة بالمطلق: إن تعليم الفلسفة يتجاهل حاجيات المتعلم، كما يتجاهل متطلبات الحاضر. فلا نعثر على ما هو راهن، وجديد إلا من خارج التعليم الفلسفي. ويتعزز هذا النقد الموجه لتعليم الفلسفة بمحتوى أطروحة ثقافية ترى في ماضي الفلسفة عبارة عن جسد ميت، أصبح، بحكم التحولات التي يعرفها نظام التربية، متجاوزا. ومن ثمة، على التعليم الفلسفي، إن أراد الاحتفاظ بوظائفه التربوية، أن يقوم بتغييرات جوهرية، تتوجه إلى مناهجه ومقاصده.

هناك، ثانيا، مستوى النقد الداخلي، والذي تبلوره بعض الآراء والمساهمات البيداغوجية حول تعليم الفلسفة والقائلة بوجوب تبسيط المعارف واختزالها لأن المتعلم يحتاج إلى أن يتعلم التعلم وأن الإكثار من الأفكار والنظريات والمفاهيم الفلسفية، والمطروحة تاريخيا، يجعل المتعلم عاجزا عن التكيف مع محيطه، وغير قادر على إيجاد حلول لمشاكله ومشاكل مجتمعه.

وهناك، ثالثا، مستوى خطاب المدرس، الذي يرى أن جهوده التربوية والديداكتيكية، وعمله الشاق على تاريخ الفلسفة، يصطدم بواقع التلميذ الثقافي والمعرفي، وإن عمل الأستاذ لا يلقى الاستجابة المقبولة لدى المتعلم. ومرد، ذلك، حسب هذا الخطاب، هو ضعف مستوى التلاميذ اللغوي والمعرفي والمهاري. وهذا شرط ضروري وسابق لإنجاز أي درس في الفلسفة.

لا نريد أن نناقش قيمة هذه الآراء، على الأقل بصفة مباشرة، نريد تحليل مسار التلميذ فيما يلي:

في نهاية حياته المدرسية بالتعليم الثانوي، يصل المتعلم إلى قسم الفلسفة بانتظاراته الغامضة من درس الفلسفة، وبفلسفة عفوية تحكمها تمثلات وأفكار حول ذاته وجسده، إنه يأتي حاملا لرؤية للعالم ولزاوية نظر، تخترقها أنماط من "اللغات"، قد تكون مختلفة فيما بينها.

لغة التلميذ، كما هي لغة المدرس، في مستوى أعمق، تعيش تجربة الجسد الممزق، تجربة هوية هشة ومشتة: فمن جهة، هناك اللغة العربية، وهي لغة التعليم والتواصل، اللغة الرسمية للبلاد، لكنها لغة تختزن نطاقا ثقافيا قارا، لا تسمح دائما بمسه، فهي لغة المقدس والمتعالي، إنها تحيا خارج صيرورة الأشخاص والجماعات، بينما تاريخ الفلسفة يحيلنا إلى فلاسفة الماضي، في اتجاه نزع القداسة عن اللغة، والكشف عن أوهام الخطاب.

فوراء كل مفهوم، توجد شبكة معقدة من الأفكار المتجردة من كل قداسة، ذلك أن القداسة تتشكل بالضبط، لأن الكلمات والألفاظ تقبل كما هي ولا يتم مساءلتها.

من جهة ثانية، يواجه التلميذ مسألة التمييز بين لغة الأم، ولغة الأب، فلغة الأم قد تكون هي اللغة العربية الدارجة المغربية، وقد تكون اللغة الأمازيغية، وهي لغات التواصل اليومي والتربية العائلية. بينما لغة الأب، فهي رمزيا لغة المنع والسلطة، عاجزة عن استيعاب أهواء ورغبات الجسد.

الحروب الصغيرة التي تنشأ بين اللغتين، تتغذى من جرح آخر يمزق جسد المتعلم، إنه ثنائية اللغة الحية واللغة الميتة. فالفرنسية، على سبيل المثال، هي لغة العلم والحياة والتواصل مع الغير، وهي لغة منطوقة في الإدارة وبين أوساط النخبة. أما العربية، لغة التعليم، فهي لغة مكتوبة قبل أن تكون منطوقة،وكتابتها سبق أن اكتملت، في نصوص التراث، وهي بعيدة عن مواكبة مستجدات مجتمع المعرفة والحداثة، إضافة إلى أنها لغة محصورة في نطقها في أوساط ومجالات وأوقات محددة.

تاريخ الفلسفية، في جزء كبير منه، مترجم من لغات حية، الفرنسية أساسا ثم الإنجليزية بكم قليل ونادر. مع ما يرافق عملية الترجمة من خلل وأخطاء وخيانات..وما ينتج عن ذلك من سوء فهم للعبارة الفلسفية في سياقها الأصلي، إضافة إلى ما يؤدي إليه هذا "التفاعل" الثقافي والحضاري بين هويتين ليستا على نفس الدرجة من القوة والتماسك.

تاريخ الفلسفة، كما يقترحه تعليم الفلسفة، هو تاريخ ما فتئ يكتب، ويعاد كتابته في كل تجربة تعليمية، وهذا ما يبرر وجود ترجمات عديدة لنفس النصوص والأعلام الفلسفية، في الوقت الذي تقترح النصوص التراثية القديمة (العربية الإسلامية) نمطا واحدا من التعليم الفلسفي خلق دائما هوة تاريخية ومعرفية بين لغة التلميذ ولغة الفلسفة لم يستطع أي مجهود تربوي وديداكتيكي من تجاوزها.

إنها جملة من عوائق ثقافية خاصة، لا يمكن معها التخلص ما تسببه من جروح عميقة في جسد تعليم الفلسفة ببلادنا.

لا تعود لغة التلميذ، في مواجهة لغة الفلسفة، موجودة بما هي تراكيب وشحنة عاطفية وتعابير، بل بما هي بحث عن المختلف الذي يخترق، بعلاماته ورموزه، ثغرات الهوية وتمزقاتها اللانهائية، إن لغة التلميذ، التي يقرأ ويفكر، ويكتب من خلالها هي لغته المفتقدة.

3-1-درس الماضي:

تعيد الفلسفة ربط حاضرها بما كانت عليه أصلا. إنها "ترمينا" بأسئلتها خارج هذا الحاضر، وتفتح لنا طريقا يمتد إلى الجذور الأولى للتفلسف، وفي نفس الآن، ترسم لنا اتجاه الآتي. والذي يجعل تعليمنا، يعود إلى أفلاطون وديكارت وكانط وابن رشد ونيتشه وفرويد..إلح؟

هل سنجد في الماضي نماذج نظرية أو مفاهيم قادرة على تفسير الحاضر؟

يقترح "شاتلي" أن الأنساق الفلسفية الكلاسيكية، تأخذ مكانتها المميزة في تعليم الفلسفة، لأنها تمتلك قدرة خاصة على التطور، إنها تجدد من فاعليتها النظرية، وتمنحنا عناصر المعقولية، بغض النظر عن محتويات أفكار ومفاهيم تلك الأنساق.

ففي خطاب الراهن، وعند استعمال رجل السياسة لبعض المفاهيم الفلسفية، فإنها لن توظف كما تمت صياغتها في الأصل، أي باعتبارها تثير مجموعة من الأسئلة، وليس كجواب على سؤال خاص، إنه يشحنها بدلالات جديدة قد تختلف عن معناها الأصلي.

يتعلق الأمر، "بتنظيف" ألفاظ اللغة السياسية، بهدف إبراز، كيف أنه خلف الجهل المعرفي، وغباوة الاستعمال، يكمن الكذب والانحراف.

إن تحليلنا لعلاقة السيد بالعبد عند أرسطو، وقراءة "العقد الاجتماعي" لروسو، يشكلان منطلقا لقراءة الاستعمال الراهن لمفاهيم الحرية والعبودية والسلطة والملكية.. يبدو، أن العودة إلى ماضي الفلسفة، قد يسمح لنا بالتفكير جديا في حاضرنا عبر ما هو مختلف، فكلمة Philein اليونانية التي ترجمتها اللغة الفرنسية بـ"الصداقة" amitié، استعملها اليونان للتعبير، ليس فقط عن العلاقة النبيلة بين شخصين أو أكثر، بل وكذلك للتعبير عن التضامن بين المحاربين في ساحة المعركة، خوفا من أسر العبودية. إذن، عندما نفكر في Philein باليونانية، تتبادر إلى أذهاننا أفكار تخص التركيبة الاجتماعية لليونان، وبنية الدولة اليونانية.

إن الإحالة إلى ماضي الفلسفة، تسمح لنا بالتفكير في الحاضر، وكذا في المستقبل، لكن عبر ما هو مختلف، وليس مما هو مشابه، وفي هذا الاختلاف، أحد أهم دروس التعامل مع مفاهيم الماضي.

لا يمكن تفكيرنا في الحاضر، أن يوظف آليات خطاب اليقين، عكس ذلك تماما، يمكن التفكير في آنيتنا الأنطولوجية، بتفكير نقدي يقترح تحيين نصوص وعلامات وشخصيات تصورية، تستند إلى تراث ثقافي إنساني كوني، ما فتئ يتجدد، وبإمكانه مساعدة تعليم الفلسفة على المضي في الطريق، لاكتشاف جنيالوجيا الأخطاء في الكلمات والأشياء.

4 – تجليات الخطاب وأسئلة تعليم الفلسفة:

نلمس لدى الناس إعجابا كبيرا بالخطابات الممتلئة، تلك التي تقدم حلولا عملية لمشكلات مباشرة يطرحها اليومي. لا تهم إنسان اليقين مشكلات اللغة وألاعيبها، لا يريد أن يذهب مع أفكاره ليكتشف تعدد تجليات الوجود.

يحيلنا كل خطاب لا يتجاوز اليومي المباشر، على رغبة مرسومة في جسد الوجود، وهي رغبة السيطرة والتملك، هذه الغربة تحولت مع تطور البشر وتعقد لغاتهم، إلى إرادة لا واعية في الانتصار المادي والرمزي على الطبيعة والأشياء والناس.

فكيف لا يثق الناس في تقنيات جديدة تجلب لهم "المنفعة المباشرة" وتعمل أفضل من إمكاناتهم البشرية؟ كيف لا يستسلم المرء من جديد لعبادة المطلقات ويفضل محاورة الأموات على الأحياء؟ لماذا يقف الناس في خطاب ارتدادي يعدهم بكل ما هو خير وجميل، بكل ما لم يكن متوفرا لديهم بالأمس كما اليوم اللهم إلا في استيهاماتهم؟

لا تفكر الفلسفة، في محتويات الخطاب، إنها تحول اتجاه التفكير، هكذا كانت منذ نشأتها الأولى، فهي تذهب إلى أسس الخطاب لتتساءل عن نظام وجوده. لا تنطلق الفلسفة من الأهواء ولا تغذيها رغبة السيطرة والتملك، بل تطلبت من الإنسان أن يتخلى عن مشاريعه العفوية في امتلاك الناس والأشياء وإحكام السيطرة عليهما:

إن سجين الكهف، وقد تحرر من جسده الحسي، يجب أن يعود إلى اليومي لتحرير الرأي، وقارئ الكوجيطو، يعتبر أن كل شيء في الوجود قابلا للشك ومعرضا للخطأ، وساكن المدينة الإسلامية يشهد، على خراب العمران، بحكم الإفراط في البداوة، يعيش يتيما في عزلته، باحثا عن موطن له ولمدينته الفاضلة، وتلميذ الحداثة، وما بعدها، يعتبر الحقيقة تأويلا للدلالة وانحرافا عن الحياة الأصلية.

منذ ذلك الزمن، والذي ينفتح على الآتي، كان الفيلسوف يؤسس تقاليد للعقل الكوني، بأدواته النظرية الخاصة؛ فلغته ضد العنف والأهواء، يشتغل على اللغة والمعيش، ينحث مفاهيم الوجود والقيم، يفكر في العلاقات الممكنة بين المعاني والصور؛ بين الواقع والوهم، قصد فهم ذاته والعالم، ولتعرية الترسبات الصلبة التي غطت لغة الوجود.

ألم يكن من الممكن رسم هذا الوضع داخل المؤسسة التعليمية؟ هل يوجد، فعلا، مستقبل لتعليم الفلسفة ببلادنا؟

4-1-سؤال القيم:

يمكن أن نحدد تصورين متعارضين حول مهام التربية اليوم:

ـ تصور أول، يعمل من جهة، على ترسيخ القيم الثقافية والحضارية الموروثة، كما يعمل، من جهة ثانية، على استنبات قيم جديدة، تفرضها الحداثة. هذا التصور التقليدي والحداثي، يجعل من المدرسة نظاما تابعا يعيد إنتاج الموروث الغامض، ومطلوب منها أن تتحول في نفس الآن، إلى مزود للسوق الاقتصادية، بوجه خاص، بقيم جديدة يتطلبها عالم الصناعة والتقنية وتكنولوجيا المعرفة.

ـ تصور ثان، يجعل من المدرسة فضاء إنسانيا لتلاق الخبرات والتجارب الإنسانية، يربط التكوين والتعلم بالمصالح المشتركة بين الناس، توجهه فكرة الحقيقة التي تدفع الناس إلى البحث عن قيم مثلى.

إن قيم مثل الحرية والإبداع والعدالة، لا يمكن أن تتعلم بطرق الترويض أو الإكراه أو السيطرة، لا تنفصل معنى القيمة، عن معناها الأصلي الإغريقي، فقد دخل هذا اللفظ مجال الفلسفة عندما ربط السوفسطائي قول الحقيقي بتجربة الذات الإنسانية؛ ألم يكن الإنسان هو مقياس كل شيء؟

كان السوفسطائي، يعلم تلامذته أن رأيا ما حول مشكل معين، قد يكون أفيد وأقرب إلى الحقيقة من رأي آخر، لكن دون تسمية هذه الحقيقة وبلوغها. أصبحت الحقيقة قيمة القيم توجه الرأي وتحفز على القول والتفكير.

فالتعليم الفلسفي، وهو يتخذ من بيداغوجيا القيم والكفايات المنهجية أسس عمله يساهم من موقعه التربوي على تحقيق هذا المشروع البيداغوجي؛ فأصالة ومهام هذا المشروع، يقتضيان الارتقاء بالوعي بالذات داخل دروب التفكير الممكنة والمختلفة، لكن دون أن يتقرر ما إذا كانت هذه الدروب تؤدي فعلا إلى مكان محدد، (إلى حقيقة بعينها) فأحرى أن تكون هذه الحقيقة فلسفية تعكس الجسد الممزق الذي وقفنا عنده سابقا.

لا يمكن لهذا التعليم، أن يكون فلسفيا، إلا إذا تخلى عن فرض فضائله الخاصة، كيفما كانت قيمتها، بل المطلوب منه، اليوم، أن ينظم التفكير ويحمله إلى أقصى درجات الوضوح، وفي ذلك، قد نرتقي بتجربة المتعلم إلى درجة عليا من الحرية.

إن الكرامة والعقل والمواطنة والتسامح والحق، مفاهيم وأفكار فلسفية، وممارسات تاريخية لكنها، أيضا، مجالات ثقافية واسعة تحيط بثقافة المتعلم ووجوده الاجتماعي. وقد تشكل هذه المجالات بالنسبة لوعي يقظ، التفتح الأكثر غنى وأصالة وعمقا.

يسمح تعليم الفلسفة، بالانفتاح على قيم الغير، والتي هي قيم الإنسانية، فلا تكون الإحالة إلى الناس والعالم كما هم موجودين فيه (الهناوالآن)، لكن تحيل إلى فكرة الإنسانية، كما يمكن أن توجد في المستقبل.

انفتاح تعليم الفلسفة، على تاريخ قيمه، هو انفتاح يتميز بالهشاشة، وقابل للكسر في أية لحظة، إنه يخيف منظرو ومربو فكر الإدماج، كما لا يروق دائما أصحاب الخطاب التقني وما يجب علينا توضيحه، والعمل على إنجازه هو ما يلي: ليست هناك قيم جاهزة وجب ترسيخها، هناك، في قسم الفلسفة، اشتغال نشط لتفكير يمنح للمتعلم كرامته الكاملة، وحوار يؤسس لاحترام الذات، وهي توجد ما بين الذوات.

يمكن القول بأن انفتاح تعليم الفلسفة على مجال القيم، هي مسؤولية أخلاقية، قد تكون أصعب من المسؤوليات التي تحددها الأدوار الاجتماعية للفاعلين، إن جدية الحياة قد تسقط في اللامعنى إذا لم يضعها التهكم الفلسفي موضع تساؤل.

4-2-سؤال المواطنة:

يمكن طرح مجموعة من القضايا ذات الارتباط المباشر بالمسألة السياسية. تطرح على سبيل المثال لا الحصر، كيفية بناء الدولة الحديثة بالعلاقة مع بناء المجتمع المدني والسياسي، فتثار أسئلة بصدد مفاهيم الدولة والسلطة والديموقراطية والحزب والفاعل السياسي والنخبة… إلخ. يرافق هذه المسألة نقاش عام وضروري حول أشكال ومستويات عقلنة عمل المؤسسات: إدارة سياسية، أحزاب، برلمان، جمعيات، مرافق عمومية.. وما يلزم عن ذلك من إشاعة وتثبيت لثقافة حداثية باعتبارها اختيارا مجتمعيا إشكاليا، يفترض وضع المجتمع، سيادة القول، حيث يصبح بإمكان كل مواطن أن يبدي رأيه حول قضايا سياسية تهمالشأن العام. ويعتقد الكثير من المواطنين أنهم يقدرون على تقديم آراء وافتراضات حول مسألة بناء الدولة الحديثة.

إن الإنسان يتكلم، يكلم الآخر؛ من هنا منطلق تدخل تعليم الفلسفة: يعتقد المتكلم أنه يتكلم من داخل الحقيقة، وكل ما هو مختلف عن رأيه، أو خارج يقينه الخاص، فهو ينتمي إلى عالم الخطأ. يستعمل معجما سياسيا وثقافيا متداولا، ينتج قولا ويراقبه، لكنه ينسى أن الذات هي نفسها خاضعة لقوانين الخطاب، يجهل أن الإنسان هو مواطن الخطاب.

يتجه خطاب الحاضر، في مستوى آخر من اشتعاله، إلى تفسير إخفاقات السياسات المدنية الكبرى. يقنع ذاته بأن سقوط أثينا وروما وبغداد وقرطبة.. هو انتصار للحرية (كما أولها) على العبودية. يرى في الديموقراطية طقسا سياسيا يؤدي إلى إفراز جمعيات تمثيلية، وينسى أن الحرية مسؤولية أخلاقية، وتفويض السلطة لا يمكن أن يكون إلا مؤقتا. وليس قدرا مميزا للديموقراطية.

تعلمنا الفلسفة، أن عدالة الدولة لا تقوم بدون وجود ظلم وعقاب واستبداد، وأن الحرية وجود ومطلب وإرادة، وأن الديموقراطية هي ممارسة مدنية، وتكثل وصراع وإقصاء، أليست هذه هي روح القوانين؟

فخلاف أحلام أفلاطون والفارابي، والتي تخيلت الفيلسوف في أعلى مراتب السلطة بالدولة، ودعوة ابن رشد إلى توازن بين سلطة الأمير وسلطة الحكيم، ونقد فلاسفة الأنوار للاستبداد والخنوع، كان كانط واعيا بالعلاقة الغامضة بين الممارسة الفلسفية التي تقوم على مبدأي الحرية والمغايرة، والممارسة السياسية المدنية التي تقوم على مبدأ تثبيت السيادة، وترسيخ القانون، وعلى رمزية الإخفاء والإقصاء والعنف.

يريد الفيلسوف، تبيان خطأ افتراض تعارض الأخلاق والسياسة، فليس صحيحا أن نقول بأن الحكمة الفلسفية هي السياسة المثلى، بل نقول بأنها الأفضل من كل سياسة، فإذا كان رجل السياسة الأخلاقي، كلما واجهته مشكلة أو ثغرة في المؤسسات أو في القوانين والعلاقات، يعود إلى مبادئ الحق وفكرة الواجب وإلى كل ما أبدعه العقل بانسجام مع الأخلاق، فإن صاحب الأخلاق السياسي يجد في الانحرافات المكيافيلية، قاعدة حكمته ومنبع سلطته.

يبدو، أن تعليم الفلسفة، لن يشتغل على أسئلة المواطنة، إلا من خارج الأماكن التقليدية لممارسة السياسة، فمنذ التجربة السقراطية، ونحن أمام عقل يشتغل في تخومه القصوى، وعلى حافة الخطابات وتقاطعاتها، لكنه، كان دائما، يرى في القيم مبدأ توازن بين النظري والعملي، كما يرى في الممارسة التعليمية فضاء لالتقاء تجارب الحياة الأصلية.

4-3-سؤال الفن:

تشهد الحضارة الإنسانية انهيارا للمعنى، وتراجعا كبيرا لفكرة الخلاص، ولتمدن الإنسانية وتقدمها، فبات من المستحيل الاستمرار في العيش داخل انحرافات الثقافة العلمية والتقنية، فلكي نحيا كبشر، وسبق أن أكد على ذلك نيتشه في نهاية 19 من الألفية الثانية، لا بد من حضور الفن في كل لحظة، فعيوننا تشدنا يوميا إلى الأشكال والألوان والأشياء. وكل ما هو جميل وإنساني، ما هو أساسي، لا نجد مصدره لا في ثقافة الحاضر السطحية، ولا في العقلانية البراجماتية الاستعمالية ومعارفها النظرية، بل نجده في الينابيع العميقة لأحلامنا وطفولتنا ولعبنا.

تقترب الفلسفة من الفن، في غاياته ومقاصده ونتائجه. إنهما يرتبطان بالتجربة البشرية في أصولها الأولية: تجربة الحياة والجسد. وإذا كان بإمكان العالم استعمال لغة رمزية، رياضية دقيقة وصارمة، وأن يصف عمله بواسطة خطاطات عقلية ونماذج صورية، فإن الفيلسوف غير قادر على ذلك، فلغته لا تتحقق إلا من خلال أعمال فلسفية، إنها شبيهة بالأثر الفني الذي تكمن قيمته في ما أنجز أمام مشاهدتنا البصرية. إن الغاية التي تسكنهما معا، هي تأمل المعيش واليومي، وإعادة بنائهما كتجربة وجود متعالية داخل عالم المعنى والرمز.

كيف يمكن أن يستعيد الإنسان حالته الأولية، كإنسان يلعب ويرقص ويغني، ويعيد تشكيل العالم والأشياء؟

يبدو لنا لأول وهلة، أن الفن هو المجال الأكثر تعارضا مع الفلسفة، فقد اعتبر أرسطو "أن معرفة الحقيقة هي نهاية التأمل، أما نهاية الفن فهي العمل الفني". فمجرد الانتهاء من إنتاج أثر فني، يلج هذا الأخير مجال التأمل والمشاهدة والاستماع، يصبح أثرا في العالم معروضا أمام "وعينا البصري"، وكأنه منفصل عن مبدعه، إنه، إذن، في حاجة إلى لحظة ثانية، يعتبرها بعض الفلاسفة، لحظة نظرية، تأملية، تمكن من معرفة ما قام به الفنان، ما صنعه وأبدعه، لماذا وكيف؟

منذ أن دشنت الفلسفة حوارها مع الفنون الإبداعية، اعتبرت الفن يقول شيئا قريبا من الحقيقة أو شبيها بها؛ ألم يلاحظ سقراط أن الشعراء الذين تحكمهم الغريزة والإلهام، يشبهون الأنبياء؟ "لأنهم أيضا يقولون أشياء جميلة، لكن دون أن ينتبهوا إلى ما يقولونه". وكأن الإبداع الشعري، والفني، يطرد على ما يبدو، من نمط كتابة الأثر، الوعي بدلالة القول الفني، الذي يستدعي بالضرورة، حسب الفيلسوف، تدخل الفلسفي.

لا يحتاج الفنان، في الخطاب الفلسفي الكلاسيكي، إلى "المفهوم المجرد"، ليتمثل ما هو حقيقي ومطلق، ذلك أن الأساسي في الفلسفات التأملية الميتافيزيقية، يوجد خارج التمثيل والتشبيه والتخييل، إنه موضوع بحث نظري دقيق سيصبح "الجميل" هو بهاء الحقيقة وسطوعها المرئي، هو إبداع المخيلة الجمالية التي تحمل الفنان وتذهب به إلى تخومها القصوى متجاوزة بذلك العلم والفلسفة.

من هنا، تشكلت مفارقة القولين: صورة الفيلسوف الذي يبحث وينظر ويتساءل.. والفنان الذي يبدع، ينحت، يكشف. إن الفلسفة لا يمكن لها أن تخلق عملا إبداعيا، بل إنها في "لا وعيها"، تحتاط مما هو إبداعي، تمثيلي، الذي هو نتاج مخيلة الذات وأوهامها، والمخيلة لا تقول الحقيقة، في حين نجد الفن، والفنون عموما، لا تفكر في ذاتها، ومن ثمة تحولت إلى سؤال بالنسبة للفلسفة لا بالنسبة لذاتها.

لا نريد، أن يقوم تعليم الفلسفة إلى تغيير آراء المتعلمين حول الأعمال الإبداعية والفنية، بل المطلوب منه، إباحة التفكير في الطرق التي اكتسبوا من خلالها تلك الآراء. ولا يمكن لتعليم الفلسفة أن يتحول إلى درس في المشاهدة البصرية، لكنه يستحضرها لاستثمارها. وعندما نفكر في طرق اكتساب الرأي، في آليات الوعي البصري والفني، ستعود إلى قسم الفلسفة، تلك اللحظة النظرية التي تحدث عنها الفلاسفة، وفي عودتها، سنكتشف، بعد بحث فلسفي شاق، يشتغل على الضوء والعتمة، على اللون والحركة، على الفضاءات والأمكنة، سنكتشف معنى الحياة في ينابيعها الأصلية، والتي ليست هي ماضينا فقط بل ومستقبلنا كذلكn

لائحة المراجع:

1 – François chatelet : Platon, Gallimard, 1965.

2 – François Chatelet : «La question de l’histoire de la philosophie aujourd’hui» in : Politique de la philosophie, Grasset, Paris, 1976.

ترجمة عز الدين الخطابي وإدريس كثير، درس الفلسفة، منشورات مجلة فلسفة.

3 – Alain Jurannille : Lacan et la philosophie, PUF, 1984.

4 – Eric weil : Logique de la philosophie, Vrin, 1985.

5 – Eric weil : La philosophie est-elle scientifique? Archives de philosophie, septembre 1970.

6 – Nietzsche F. : La naissance de la philosophie à l’époque de la tragédie grecque, Gallimard, 1964.

7 – Nietzsche F. : Le livre de philosophie, Flammarion, 1969.

8 – Gille deleuze. Felix Guattain : Qu’est ce que la philosophie ? Ed. Minuit, 1991.

9 – Jacques Muglini : L’école ou le loisir de penser, C.N.D.P, Paris, 1993.