ص1       الفهرس       41-50

درس الفلسفة، مجال للإثارة والإحباط

 

شمعاوي سميرة

الحصة الافتتاحية و الصراع الخفي بين المدرس والتلميذ:

لا شك أن تأخير تدريس مادة الفلسفة إلى آخر المرحلة الثانوية، سيطرح أكثر من سؤال بالنسبة للتلميذ، ويعمق لديه الرغبة في استكشاف عالمها الغريب. وكشأن كل غرابة، فهي تولد نوعا من القلق: يهم المادة والمدرس معا. ففيما يتعلق بالمادة، يزخر ذهن التلميذ بالعديد من التمثلات المتسربة إليه إما من وسطه الاجتماعي أو من زملاء له، سبق أن دفعه فضول ملحاح إلى استفسارهم عن طبيعة المادة التي يدرسونها وعن مدرسيها. وفي الغالب، يكون قد حصل على إجابات مشحونة بمواقف معادية للمادة وللمدرس، وجد لها أصحابها مبررات، مثل المادة صعبة أو تؤدي إلى الإلحاد أو تؤدي إلى الجنون، أما المدرس فهو إما متفوق معرفيا، أو صعب المزاج أو يعاني من أزمات نفسية. عندما يحصل التلميذ على هذه الأحكام، يتمثلها لكي يبرر بها هو أيضا عزوفه عن دراسة المادة، ويخلق بذلك حاجزا نفسيا، يجعل مهمة المدرس في اختراق التلميذ أكثر صعوبة. وتعد الحصة الافتتاحية مجال صراع خفي بين المدرس والتلاميذ: فهم يختبرونه لكي يصححوا ما سمعوه عنه سابقا، وهو يحاول تحطيم معارفهم الجاهزة، عنه وعن مادته ويخلخل مواقفهم المسبقة اتجاههما.

ويستطيع المدرس ممارسة تأثير بالغ خلال الحصة الافتتاحية، ويكون موفقا إذا تمكن من اختراق ذلك الحاجز النفسي الموجود عند التلاميذ، ودفعهم إلى مراجعة أفكارهم بخصوص المادة، وتهييئهم نفسيا لاكتسابها، لأن الحصة الافتتاحية غالبا ما تكون هي المهيكلة للعلاقات اللاحقة بين المدرس والتلاميذ.

أهداف درس الفلسفة أو التعالي المشحون بالحذر:

مع تواتر الحصص، تصبح رغبة التلميذ في استكشاف مجهول المادة أكثر إلحاحا، بعدما تكون قد أضيئت له بعض زوايا ذلك العالم. ويتبين له أن المادة تهتم به كذات، وليس كطاقة استيعابية فقط. وتطمح إلى تنمية شخصيته من خلال جعله قادرا على اتخاذ مواقف ناضجة اتجاه القضايا واتجاه الأفراد، والتعبير عن الرأي بصدق ودون تملق لتتقوى الثقة بالنفس، وتتدعم قابلية الانفتاح على الآخر. ويزداد تعلق التلميذ بالمادة، عندما يصرح المدرس بأن أحد أهدافها النبيلة، هو خلق مواطن صالح.

هذه الأهداف المعروضة تجعل التلميذ يعيش لحظات رائعة، قادرة على تغيير صورته كتلميذ متلقي وسلبي، ويبدأ في نسج صورة استيهامية لذاته، يزينها بكل الصفات الإيجابية، ليتمكن –ولو مؤقتا- من مواجهة الصورة التي أسقطها projeté عليه الآخرون، وألصقوا به صفات مثل التمرد، واللانضباط، وغياب النضج الفكري والوجداني.. وهي صفات غالبا ما تقترن بالمراهقة بمعناها القدحي. ويدفع التلميذ ثمن هذه الصورة السلبية، سواء داخل المؤسسة أو خارجها. والآن، وقد وجد في أهداف درس الفلسفة ما يجعله يتعالى عن تلك الصورة السلبية، ليتحرر من الآخر ومن انتقاداته المستفزة، يتهيأ وجدانيا وفكريا، لكي يعطي للصورة البديلة بعدها الواقعي، فيصبح أكثر تصالحا مع الذات ومع الآخر. وتشكل هذه اللحظة قناة أساسية للانخراط في درس الفلسفة.

درس الفلسفة مجال للإثارة والإحباط:

يدرك التلاميذ –النجيبون منهم وغير النجيبين- أن إتاحة الفرصة للمدرس، لكي يرقى بهم إلى مستوى معرفي ووجداني، يتطلب الانضباط والمواظبة. ويبذلون جهدهم لكي تمضي الحصة الدراسية في جو هادئ، يساعدهم على تتبع لحظات الدرس، بحس عميق، حتى يحدسوا قدرة المدرس الفعلية على الارتقاء بهم إلى مستوى الأهداف المسطرة سابقا، ويتأكدوا من إمكانياته المعرفية والمنهجية. ويبدأ مدرس الفلسفة درسه في ظل هذا الاختبار الجديد.

في البداية، يذكر بالموضوعات المقترحة للتدريس، يبين أهميتها وتنوعها والخيط الرابط بينها، ليدرك التلميذ، منذ الوهلة الأولى، أن كل موضوعة هي حلقة ضمن سلسلة معرفية متواترة لا تتوقف طيلة السنة: قد لا يستوعب التلميذ بدقة مغزى الترابط بين الموضوعات، خاصة وأنها تختلف من حيث التسميات (الفلسفة، الطبيعة، الفن..)، ومع ذلك، يحس بانفتاح آفاق واسعة للتفكير لا تتقيد بالنهايات القطعية، ويتساءل، في نفس الوقت، عن حدود مؤهلاته للتتبع والاستيعاب.

يحرص المدرس على جعل التلميذ منجذبا باستمرار للدرس في كل لحظاته، ويبذل كل ما في وسعه ليخفف من الطابع التجريدي للقضايا المطروحة فيه، حتى لا يعطي فرصة للتلميذ لاستعادة فكرة كون المادة صعبة، وبعيدة عن الواقع. ومن اللحظات الأساسية المساعدة على أداء هذه المهمة، التمهيد، حيث يشتغل التلميذ على أنشطة متنوعة، تتراوح بين تحديد معاني العبارات، وتحديد المفاهيم المرتبطة بالموضوعة أو التعليق على لوحة أو لوحات واردة في الكتاب المدرسي. وإذا كانت الأنشطة الأولى توغل التلميذ في التحديدات الدلالية واللغوية، فإن النشاط الأخير يعد الأكثر إثارة، لأن التلميذ يطالب –وربما لأول مرة في حياته الدراسية- بالتعليق على لوحة فنية، ويبدي حماسا كبيرا للتعبير عن انطباعاته. ويزداد شغفا باستخراج الدلالات الرمزية للوحات، عندما يوفق المدرس في إدماج المجهودات الجماعية للتلاميذ، واتخاذها منطلقا لبناء أسئلة جوهرية حول موضوعة معينة. وأهم مبدإ يكتشفه التلميذ، من خلال لحظة التمهيد، هو أن الدرس الفلسفي يستند على التدرج من البسيط إلى المعقد. وهذا استنتاج يفرحه، ويدفعه إلى تغيير حكم سابق –زج به في ذهنه- وهو صرامة درس الفلسفة، كما أن تعامله مع لوحات فنية، يجعله يدرك أن درس الفلسفة ليس درسا منغلقا. وغالبا ما يكون هذا الاكتشاف ممزوجا بالحذر، لأن التلميذ يستحضر مسألة سهولة البدايات، وربما فكر بأن المدرس لازال مواظبا على تنفيذ خطته الغير المعلن عنها، وهي توريطه في درس الفلسفة.

وتتزامن هذه المراجعة، مع الانتقال إلى لحظة أخرى من لحظات بناء الدرس، وهي لحظة التأطير الإشكالي للموضوعة، يطالب خلالها التلميذ بإعادة التأمل في الأنشطة التمهيدية، وتحويل محتوياتها إلى أفكار، وتحويل هذه الأخيرة إلى أسئلة بسيطة تتدرج لكي تصبح تساؤلات كبرى تؤطر الموضوعة ككل. تتطلب ممارسة هذه العملية مجهودا فكريا وانفعاليا من طرف التلميذ، لأنه لم يتعود وضع الأفكار موضع تساؤل من جهة، ومن جهة ثانية، يلاحظ –بفعل عمليتي الخطإ والصواب- أن نوعية الأسئلة المقبولة للتأطير متميزة، دون أن يتمكن من تحديد ذلك التميز. ولكنه يتوصل بفعل التكرار، إلى إدراك أصالة تلك التساؤلات وجرأتها: فهي تحول المعتاد عليه، موضوعا للتشكيك والتفكير. والوضع صعب بالنسبة للتلميذ، الذي تعود على تقبل الأفكار على علاتها، ولم تمنح له فرصة لزحزحتها. وقد ظل لسنوات عديدة، "ينعم" بمعرفة وثوقية، لا تحرك بداخله أي نزوع إلى المراجعة والنقد. ويخلق هذا الجمود الفكري "استقرارا" نفسيا، سرعان ما يبدأ في الاهتزاز، عندما يطالب التلميذ بالتساؤل عن قضايا أو مفاهيم.. كانت تبدو له في غاية الوضوح والبداهة.

وتظل العلاقة بين التساؤل الفلسفي والتلميذ متوترة. ويتجلى هذا التوتر في لجوء التلميذ إلى العروض النظرية –المتصدرة للموضوعات- (وهي متضمنة في الكتاب المدرسي) لاقتباس بعض الأسئلة الواردة فيها أو اللجوء إلى نصوص الفلاسفة لنقل الأسئلة الموجودة فيها. والباعث على هذه "الاتكالية" هو عجز التلميذ عن تحمل التوتر الداخلي الذي تخلقه مهارة التساؤل.

لكن هذه "الاتكالية" لن تبقى فاعلة باستمرار، لأن التلميذ، وإن كان لا يوفق دائما في طرح تساؤلات فلسفية جوهرية، فإنه يصاب "بعدوى" السؤال، ويجد في درس الفلسفة المجال الأكثر رحابة لطرحه دون حرج. ويشكل إنصات الأستاذ الحافز الأكثر إثارة للاستفسار والتحاور. وقد لا نبالغ إذا قلنا إن هذه الممارسة هي خطوة نحو التحرر من بداهة المألوف، ومن الاستكانة إلى اعتقادات الوسط، التي، وإن كان التلميذ يحس بجمودها، فإنه لم يكن يعتقد في إمكانية التشكيك فيها.

تمنح هذه التفاعلات الفكرية/الانفعالية المرافقة للتمرن على التساؤل، قدرة أقوى على تحمل ما هو أكثر تعقيدا في درس الفلسفة. ويتوقع التلميذ أن ما سيتلقاه لاحقا من معارف ومهارات "سيحرمه" من لحظات الجمود الفكري، وسيزيد من توتره الداخلي، ولكنه، في المقابل، سيرتقي به إلى عالم معرفي –وإن كان لا يعرف ملامحه ومحتوياته- فإنه يحدس سموه وتعاليه، وتعقيداته أيضا.

ويتعزز تعقد صورة هذا العالم بمؤسسيه، وهم الفلاسفة، الذين طالما سمع التلميذ عنهم، ويحمل تصورا عنهم باعتبارهم مجانين أو عباقرة أم ملحدين.. وهم في الغالب أشخاص أنانيون يمارسون التفكير في قضايا لا علاقة لها بالناس وبالمجتمع، لا يعرف التلميذ مصدر هذه الصورة، ولكنه مع ذلك يتشبث بها، لأنها تشكل أحد دعائم بناء موقف من المادة ككل: فإذا كان هؤلاء الأشخاص يتميزون بتلك الصفات، فلماذا قبول آرائهم وأفكارهم؟

يلتقي التلميذ، لأول مرة، بهؤلاء المفكرين، الذين –إما أدهشوه أو أرعبوه- من خلال إنتاجاتهم الفلسفية. ويختلف تعامله مع النصوص باختلاف المسافة بينه وبينها. ففي البداية، يحس التلميذ بشوق لاختراق إنتاجات هؤلاء المفكرين الذين طالما بهروه، ولكنه ما أن يشرع في قراءة النصوص حتى يستعيد جزءا من تمثلاته السابقة عن الفيلسوف، فهو غامض غموض اللغة الفلسفية التي يستعملها، وصارم صرامة المنطق الذي يبني به أفكاره، ويكون تعامل التلميذ مع نصوص الفلاسفة شبيها بتعامل الطفل الصغير مع الراشد: فهو يقترب منه حتى يختبر طبيعة مزاجه، ويقرر الابتعاد عنه عندما يكتشف صلابته العاطفية.

ويقرر التلميذ بدوره إحداث مسافة بينه وبين إنتاج الفيلسوف. ويظهر هذا الابتعاد المشحون بالحذر من خلال الإجابات الجد مقتضبة عن الأسئلة المذيلة للنصوص، وفي الفروض المنزلية أو المنجزة داخل الفصل. فالتلميذ يتعامل مع النص، كما لو كان نصا "مقدسا" وتفرض عليه هذه الصفة الأخيرة عدم "إيذاء" المحتويات، ويعتقد أن لا تعبير يعلو على تعبير الفلاسفة، لهذا يلجأ في الغالب إلى عبارات وجمل واردة في النصوص وتقديمها كإجابات.

يتدخل الأستاذ كوسيط بين التلميذ وبين الفيلسوف لتقليص الهوة بينهما، ويخبر التلميذ بوجود آليات تسهل استكشاف اللغة الفلسفية. وتكون النصوص مجالا للتمرن عليها، وترويض الذهن على عملية التفكير المنطقي في القضايا. ويتبين للتلميذ أنه ليس مطالبا بهضم تلك المعرفة الفلسفية بكل صرامتها اللغوية والتعبيرية فقط، ولكنه مطالب أيضا باستيعابها بالموازاة مع ضبط كيفية انبنائها وتنظيمها. وتتطلب هذه العملية المزدوجة مجهودا فكريا أكثر عمقا، وبحثا مقترنا بتركيز شديد، لأن التلميذ مدعو لممارسة عمليتين في غاية الصعوبة، وهما عمليتا تفكيك تنازلي، وتركيب تصاعدي. وتوظف في كل واحدة منهما مهارات متعددة كالفهم، التحليل، المناقشة، النقد، المقارنة.. وإذا كانت عملية التفكيك مستساغة باعتبارها استحضارا لعملية مشابهة يقوم بها في مواد أخرى (كمادة العربية، التاريخ..). فإن عملية التركيب تبقى صعبة، لأنها تتطلب إعادة بناء الأفكار بكيفية جديدة. ونجد تبريرا لهذه الصعوبة، في الصورة التي يتمثلها التلميذ عن الفيلسوف، فهو المنتج الأول للأفكار، وعبقريته هاته تنعكس سلبا على نفسية التلميذ، لأنه يفقد الثقة في مؤهلاته المعرفية والمنهجية. ومبرر آخر ينضاف إلى المبرر الأول وهو غياب الجرأة لدى التلميذ لاستثمار موروثه الثقافي لبناء أفكار منظمة ومنفتحة. والحال أن التلاميذ يكونون أكثر تحررا لو كلفوا بإنجاز موضوع حر.

يتعمق إحباط التلميذ عندما يتوصل إلى تعدد آراء الفلاسفة واختلافاتهم، فيحتار –وهو الراغب دائما في الاختيار بين هذا الرأي وذلك- في الاختيار بين تلك الأطروحات. ويعبر عن هذا اللاارتياح في شكل تساؤل –يتكرر كثيرا عند التلاميذ- عن الأطروحة الصحيحة التي ينبغي الاحتفاظ بها؟ وتزداد حيرته عندما يخبره المدرس بضرورة قبول تلك الأطروحات في تنوعها واختلافاتها. وإذا كان المدرس يقصد بذلك تمكين التلميذ من إدراك الخلفيات المؤسسة لتلك الأطروحات وأبعادها، فإن التلميذ غير مؤهل –فكريا ونفسيا- لتحمل "الاختلاف"، ويظهر ذلك في شكل الكتابة التي ينجزها التلميذ، فهي تعرض الأطروحات بكيفية فجة، ومعزولة عن دعائمها الحجاجية، وعن سياقاتها الفلسفية. ونادرا ما نجد تلاميذ يوفقون في توظيف آليات منطقية للتعبير عن ذلك الاختلاف والتنوع.

يحس التلميذ بأن حديث المدرس عن النص هو محاولة جديدة لجلبه إلى درس الفلسفة، وهو يقارن بين وضع النص باعتباره مجالا للإجابة عن التساؤلات الجوهرية، وبين ما يطرحه من تعقيدات معرفية ومنهجية تخلق متاهات جديدة لا يستطيع التلميذ الخروج من دروبها، ويكون رد فعله هو الاستسلام للمدرس لكي يقوم بما يعجز هو عن فعله. ومن تجليات هذا الاستسلام ما يلاحظ من انطفاء لحماس المشاركة الشفوية أثناء لحظات المناقشة، وأيضا في الكتابات الغير الموفقة لأغلبية التلاميذ.

التقويم، أسلوب للتثمين أو لتعميق الصدمة:

يستعمل المدرس التقويم كأسلوب لقياس مدى كفاءته في التدريس، ومعرفة التغييرات الفكرية والسلوكية التي أحدثها لدى التلميذ، ويستقبل هذا الأخير عملية التقويم في البداية بنشوة ممزوجة بالحذر، لأنه تعود –من خلال كل لحظات الدرس السابقة- أن لا يطلق العنان لنشوته الزائدة، لأنه غالبا ما أصيب بالنكس (بضم النون وتسكين الكاف)(*). ويتوقع أن تكون عملية التقويم مندرجة ضمن منظومة إحباطية لن يسلم من تأثيرها. لكن ما يزعج التلميذ أكثر هو الطابع الكمي لعملية التقويم. ويقرأ النتائج المحصل عليها قراءة خاصة، يستحضر خلالها كثافة الشحنات الانفعالية والإرهاق الفكري والوجداني الذي رافقها. ويكتشف أنه انخدع بـ"وعود" المدرس التي صرح بها في البداية، والقاضية بتنمية مداركه الفكرية. وبمجرد ما تستقر لديه فكرة أن ما تعرض له هو ظلم وتحايل، حتى ينتفض ضد الفلسفة ومدرسها. ويتجلى ذلك في المقاومة الشديدة التي يعبر عنها التلميذ مباشرة بعد الاختبارات الدورية، سواء باللجوء إلى الفوضى –بالنسبة للتلاميذ الذين كانت صدمتهم قوية- أو اللجوء إلى المواجهة- بالنسبة للذين كانت صدمتهم أقل-.

وأقوى سلاح يشهره التلميذ –أثناء هذه المقاومة- هو سلاح الدين، ويبدأ في محاصرة المدرس عبر الاعتراض على ما يقوله بالقيام بمقارنة بين أقواله وأقوال الفلاسفة من جهة وما يقوله الدين من جهة ثانية، وهي مقارنة مشحونة بتعصب ديني يستهدف استفزاز المدرس، وجعله يدلي بموقفه من الدين، وكذا تذكيره بوجود سلطة معرفية أقدس من المعرفة المنتجة من طرف الفلاسفة، وبالتالي، فالموروث الديني كفيل بتنمية الشخصية وانفتاحها، وكأن لسان حال التلميذ يقول: "لدينا ديننا، ولديك فلسفتك، فليحيى الدين، ولتسقط الفلسفة". ويترسخ هذا التفاضل ليمتد حتى مرحلة ما بعد الثانوي، ويظهر في العدد الهزيل الذي يسجل في شعبة الفلسفة، والعدد المرتفع الذي يسجل في شعبة الدراسات الإسلامية.

لكن، لا ينبغي لهذا التشنج في العلاقة بين التلميذ وبين المادة ومدرسها أن يخفي عمق ما يحتفظ به التلميذ خلال التفاعل معهما: فهو يحتفظ بصورة مثالية عن المدرس، لأنه يمثل أول شخص يستفز ويؤجج الصراع النفسي لديه. وهذه "الزعزعة"، وإن كانت تكلف التلميذ تنشيط الإحباطات والانفعالات، فإنها في نفس الآن تنعشه، لأنه يعرف أن المدرس لم يتعامل معه كمتعلم سلبي، ولكن كذات فاعلة ومنفعلة. ووقع هذه العملية شبيه بما يقوم به المحلل النفسي اتجاه المريض النفسي، فهو يعيد إحياء ماضيه –عن طريق طرح أسئلة مقتضبة- تعيد تنشيط أزماته الطفولية لتتجاوز اللاشعور إلى الشعور. والعملية مكلفة من الناحية الانفعالية، ولكنها تخلق انفراجا من الناحية النفسية، لأن المريض يحقق توازنه الداخلي، ويستعيد ثقته في ذاته. ويحس التلميذ بدوره بشخصيته تنمو وتنضج بفعل معاناته الداخلية مع المادة ومع محتوياتها ومع مدرسها.

ويحتفظ التلميذ أيضا بأجواء مادة كان يحظى فيها بالتحاور مع المدرس ومع زملائه، ويجد لذة عندما يحظى بإنصات الآخر له –وهو سلوك قد يفتقده في مجالات أخرى- ويمثل هذا الإنصات دعما آخر لمسألة الثقة في النفس، لأنه ينم عن تقدير لها وتثمين لقدرتها على التعبير عن نفسها، ينضاف إلى ذلك أن إنصات المدرس للتلميذ يحمل أكثر من دلالة، فهو إنصات الراشد للمراهق، وإنصات المالك للمعرفة للمفتقد لها.. وبالإصغاء الجاد للتلميذ تتقلص تلك الفوارق، ويصبح التعبير عن الرأي مرتبطا باحترام رأي الآخر وبالتواضع أيضاn

 

 

 



(*) المقصود بالنكس أو النكاس في اللغة العربية، عدم قدرة الشخص على إحداث توازن بعد سقطة أولى، فيسقط مرة ثانية سقطة أشد من الأولى.