ص1        الفهرس    المحور

 

الفلسفة والموقف العلمي-التقني

 

محمد طواع

I – نعتبر ما يلي مجرد تأملات لمدرس الفلسفة في الثانوي. وهي تأملات تحاول الرد على موقف ضمني ما فتئ يفعل خلف لغة أصحاب الرؤية العلمي-التكنولوجي للأمور. نعتبر أن هؤلاء لا يرون إمكانا للتنمية إلا على أساس صنف المعرفة العلمية-التقنية، ويزعمون أن هذه المعرفة كافية لمجتمع مثل مجتمعنا، لتأهيل الاقتصاد والمقاولة وتحقيق التنمية.

إلا أن واقع الأمور يفضح هذا الزعم: لنتساءل ما السر في كون كبريات المقاولات قد أعلنت عن إفلاسها، على الرغم من وجود أطر متفنين في تقنيات التدبير والتسيير على رأس إدارتها؟ هل الأسباب الرئيسية تعود إلى ما يسمونه اختلالات في التدبير والتسيير أم أن الخلل يعود إلى نوعية العنصر البشري من حيث بناء الشخصية وسلم القيم؟ أو قل هل إفلاس هذه المقاولات وفسادها مسألة تقنية أم هي مسألة أخلاق وقيم؟

نقول، إن العلوم والتقنيات أساسية للتنمية، غير أنها ليست بالشرط الكافي لما يتعلق الأمر بتنمية أساس كل تنمية مستديمة أي العنصر البشري. أعني، أن إشكال التنمية عندنا لا يتوقف عند حدود تأهيل الإنسان من أجل المقاولة، وإنما هو يعني بتكوين المواطن من أجل المجتمع ليس كفني-تقني، وإنما كمواطن يؤمن بقيمة الوطن ولوازم المواطنة، مواطن بإمكانه أن ينشغل بهذه اللوازم كإشكالية ملازمة للحياة.

التفكير في التنمية انطلاقا من الإنسان بوصفه مواطنا ذي ذاكرة وتاريخ وقيم، ليس من اختصاص العلوم الدقيقة أو التقنولوجيا، وإنما هو انشغال للفكر الفلسفي بالأساس. إن الانطلاق من اعتبار الإنسان من حيث هو كذلك، هو أساس فهم ماهية الفكر الفلسفي والحاجة إليه. وإن اعتبار المواطن بوصفه كذلك أي يعيش في مجتمع ويقطن ذاكرة وترثا وتاريخا وقيما، مسألة لا يكفي أمر البت فيها عقد شراكات مع منظمات أو مقاولات، وإنما هي قضية الدولة والمجتمع بالدرجة الأولى.

ولمتابعة مسار هذه التأملات باعتبارها ردا على الموقف العلمي-التقني من الفكر، أعتذر مسبقا لصاحبي إن طلبت منه أن يبدأ معي من البداية كما بدت لي بوصفها كذلك.

لقد انطلقت من قولتين، كنت ولازلت، أعتبرهما طيلة مهمتي كمدرس، بمثابة علامات على الطريق لكل مبتدئ في دراسة الفلسفة، يريد الوقوف على ماهية التفكير الذي أسس فلسفيا لأزمنة الحداثة. القولة الأولى هي لصاحب "مبادئ الفلسفة".

أما القولة الثانية فهي لصاحب "نقد العقل الخالص والعملي". المفكر الأول هو أب الفلسفة الحديثة، وهو يعتبر الفلسفة وشيوعها في المجتمع علامة على التحضر، أما الثاني فقد اعتبرها أساس التحرر من مختلف أشكال الحجر والوصاية. لأجل ذلك أناشد صاحبي إن أراد متابعتي أن يقف أولا على الصدى الذي يأتي عبر هاتين القولتين فيما يتعلق بالفلسفة من حيث قيمتها والحاجة إليها.

يقول ديكارت Descartes: "وكنت أبغي أن أبين إلى الأفراد، ليس من النافع فقط لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لدراسة الفلسفة، بل أن الأفضل له أن يوجه انتباهه إليها وأن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته واستمتاعه، عن هذا النهج، بجمال اللون والضوء، أفضل بلا شك من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر(…) أن يحيا الإنسان بدون تفلسف هو حقا كمن يظل مغمضا عينيه لا يحاول أن يفتحهما".

ويقول كانط Kant: "الأنوار هي خروج الإنسان من حالة الوصاية التي يتحمل هو نفسه مسؤوليتها. فحالة الوصاية هي عجز الإنسان عن استخدام عقله، دون أن يسيره إنسان آخر".

أريد أن أشير في البداية إلى أنه يتعين ألا تكون العلاقة بالفلاسفة، سواء أكان ديكارت أو كانط أو غيرهما، مجرد علاقة باردة بمتن فلسفي في ذاته ولذاته، بل علاقة قائمة على المساجلة الصادقة. أما بؤرة الحوار والصداقة والمساجلة فهي القضية التي انشغل بها هؤلاء وفكروا فيها. ومن منا غير منشغل بقضية التحضر والتحرر والعقل والمعقول والحرية؟ أقول إن أساس صداقة المفكر ومحاورته هي القضية ذاتها التي تهمني أنا أيضا، وهي الحاجة إلى التفلسف بالفعل.

أما إذا تأملنا واقعنا فسنجد أن مظاهر عصرنا تشير إلى أن هناك حاجة إلى الفلسفة بهذا المعنى الذي يأتي صداه مع قولتي هذين المفكرين العبقريين من تاريخ الفلسفة. الحاجة إلى الفلسفة التي تمكن متملك لغتها من تحقيق رشده الاجتماعي والسياسي، أي تمكنه من تحقيق حريته في الرأي والموقف والرؤية والسير بشكل عام.

كثيرون هم اليوم من نصبوا أنفسهم أوصياء على ضمائر الناس وأسلوب حياتهم. وكثير هو الكلام الذي تحول إلى وصايا أريد لها أن تصير طبيعة للناس. هذا الوضع هو ما يفسر كيف استحكم الكلام بشكل كبير في حياتنا عوض الفكر. كثير هو الكلام الذي تحول إلى قيمة متداولة في السوق. وأبرز سوق للكلام اليوم هو الصحافة، إذ يجد من يتابع ما يكتب على صفحات جل جرائدنا، نفسه أمام كلام كثير ومتشابه. وكثير هذا الكلام لا يفكر. فما أحوجنا إلى الكلام بالفعل أو على الأقل إلى قليل من الكلام مع كثير من الفكر.

II – الحاجة إلى الفكر حاجة إلى الفلسفة:

ماذا يعني أن يسمع المرء اليوم في التصريحات الصحافية للقيمين على شؤون الدولة، كل بحسب موقعه في هرمها، وخاصة من يهمه الأمر قبل غيره، القول بأن للدولة فلسفة تستند عليها فيما يتعلق بتدبير شؤونها. ويكون الهدف الرئيسي لهذه الفلسفة هو بناء مفهوم جديد للسلطة. وهناك منهم من يدعو إلى إعادة النظر في مجموعة من المفاهيم والمبادئ والأسس التي يشتغل بها قطاع ما من القطاعات وينهض عليها. والجميع يجهر بأن هذه التصريحات ليست مجرد تصريحات وقتية، بقدرما هي تعاقد بين المسؤولين على قرارات الدولة وبين المواطن. فماذا يعني ممارسة السياسة على أساس مجموعة من المفاهيم والمبادئ والتصورات والأسس؟ أو أن تكون هناك فلسفة للعمل؟ ماذا يعني ذلك إن لم يكن يعني، أن الراهن المغربي ينادي بضرورة الاشتغال بناء على ثقافة محددة، لكي لا تكون قائمة على مجرد الكلام. أما من يتحدث عن ثقافة، فمعناه أن هناك بنية من المفاهيم والتصورات والقيم أصبحت تحكم خطاب الدولة وحالة فيه.

وإذا ما انتبه المرء إلى ما يأتي صدى مع لغة الدولة، يمكنه أن يكتشف أن جل تلك المبادئ والتصورات والمفاهيم ترتد في النهاية إلى مبدأ قاعدي واحد وهو مبدأ الحرية. بمعنى أن الراهن المغربي ينادي بضرورة تحرير الفرد أو إطلاق حريته على جميع المستويات، حرية الرأي، حرية التفكير، حرية القرار، ومجموع هذه الحريات الأساسية تكثف وتختزل مرة أخرى في مجموعة من المبادئ كمبدأ الاختلاف والتسامح أو في مفهوم الديمقراطية. ويعرف الجميع أن الدولة أصبحت ملتزمة دوليا ووطنيا بمجموعة من هذه المبادئ إلى درجة أنها تنظم، وإن كان بشكل خجول، أياما وطنية لما التزمت به كمبادئ تمجد الإنسان، طالبة إشراك من يهمه الأمر في هذه الأيام، أي المواطن.

أما إذا قمنا بجرد لتلك المبادئ والمفاهيم التي تتداول في لغة الدولة والمجتمع المدني، سنلفي أنها تستقي ماهيتها ومعانيها من حقل فكري محدد، ليس هو حقل الرياضيات أو الفيزياء أو التقنيات، وإنما هو حقل الفلسفة. نجد الجميع يتكلم بألفاظ الحرية، العدل، الحق، التسامح، الاختلاف، الإنسان، المواطن، الواجب، الديمقراطية، السلطة، الحداثة،…إلخ وكم هي المبادئ التي أضحى لها يومها العالمي للتخليد. كذلك، ماذا يعني أن تصنف الفلسفة كمادة أساسية في التدريس بالمدرسة الثانوية؟ وماذا يعني الحديث عن قرار رفع الحظر عن الفلسفة في التعليم العالي؟

لكن هل معنى هذا أن من يهمه الأمر فيما يتعلق بالرغبة في تحويل نسق الدولة صوب تبني تلك المبادئ والقيم التي تنتمي إلى مجال الفلسفة، والتي تخلق حول الإنسان من أجل صيانة إنسانيته وكرامته، هو فيلسوف بالضرورة؟

إن ما لا جدال فيه هو أنه متكون علميا ومعرفيا في مجال ثقافة تمتح روحها من الثقافة الفلسفية وإن كانت حقوقية في المقام الأول. غير أن الجدير بالذكر هو أن المهم من كل ذلك، هو أن ما يقوم به من يهمه الأمر من تقوية للرافعات التي من شأنها أن تمكن التحويل صوب مجتمع أفضل مما هو كائن، ما هو إلا استجابة لنداء العصر الذي فضل الجميع أن ينعثه اليوم بأنه عصر العولمة. هذا العصر هو ما ينادي جميع المجتمعات بأن تعاصره بمعنى أن تكون عند الموعد لركوب القطار.

تأمل خطاب الدولة في هذه اللحظة بالذات من تاريخ المغرب، وتأمل الألفاظ التي يتكلم بها هذا الخطاب كلفظ الرافعة والإقلاع والتحويل والانتقال والترشيد والعقلنة والحداثة والحقوق والحريات…إلخ يفيد أن الراهن المغربي يعلن عن "قرار" يطمح إلى إحداث تغيير على نسق الدولة، وغلى فك الطوق على المجتمع. ونلاحظ محاولات على مستوى فك طوق العوز الاجتماعي وطوق الأمية ومقاومة الفساد وآفته أو مقاومة ثقافة الزبونية والمحسوبية والمنسوبية.

لا نريد مما تقدم أن يفهم البعض أننا أمام قيام ثورة، وإنما نحن فقط أمام قرار ولغة جديدة. لغة ذات مرجعية ثقافية محددة ينادي بها العصر، كما نتابع تصريف قرار إعادة النظر في بنية نسق الدولة الحالي على مستوى مفهوم السلطة والعلاقة بالمواطن بالدرجة الأولى.

غير أن هذا القرار، وبما أنه استجابة للعصر، لا يمكنه أن يتحقق بالسرعة المأمولة وبشكل جذري، من دون تفكير. بما فيه الكفاية في مبادئه ومفاهيمه وتصوراته، بمعنى في لغته. ويكون التفكير من خارج الموقف التكنولوجاوي أي أن يكون متفلسفا أو فلسفيا. ومسوغ ذلك هو أننا نعتبر المفاهيم والمبادئ والتصورات لغة وليست مجرد ألفاظ فقط. إنها لغة بالمعنى القوي للكلمة لأن بها وفي إطارها يتحدد عالم التصميم والعمل والمسؤولية واتخاذ القرار، أي باللغة وفي إطارها يرتسم عالم حياتنا الفعلية وكياننا. فهم اللغة بهذا المعنى هو ما يجعل كلامنا كلاما بالفعل وليس مجرد هذر.

أما إذا سلمنا بأن العصر هو الذي ينادي من أجل الاستجابة، أي من أجل الانخراط في عالمه الآخذ في التعولم، وإذا سلمنا أنه من المفروض على الراهن المغربي أن يهيئ نفسه بما فيه الكفاية للانخراط، خاصة وأنه لا قوة بعد الآن لمجتمع يمكنه أن يعاند اختراق العصر لحدود ما يعتبره فضاء سيادته، إذا سلمنا بكل ذلك، يكون السؤال:

ما نوع الفكر الذي من شأنه أن يحرث الأرض ويقلب التربة ويهيئ المناخ، كما يفعل الفلاح لما يشق الثلم على سطح الحقل، من أجل استنبات بذور تلك المبادئ والمفاهيم والقيم الحالة في لغة الدولة والمجتمع المدني، إن لم يكن الفكر الفلسفي أو الثقافة الفلسفية؟ ما الذي سيهيئ التربة والمناخ من أجل أن تسخر تلك اللغة من أجل ما هو ذو قيمة للإنسان إن لم يكن درس الفلسفة؟

III - الراهن المغربي والحاجة إلى الفلسفة:

تقتضي مجموعة المبادئ والمفاهيم والقيم والتصورات التي أصبحت تشكل مكونات سدى خطاب الدولة، وهي عاقدة العزم على تحويل ذاتها صوب التحديث والديمقراطية، حضور الدرس الفلسفي بقوة في المنظومة التربوية من الثانوي إلى العالي. ومسوغ ذلك هو أن جل تلك المفاهيم والمبادئ التي أشرنا إلى بعضها، تجد تربتها وجذورها في الفكر الفلسفي ولغته.

وإذا ما اقتنعنا بهذا التأمل لخطاب الدولة الحالي ولغته، لنسأل الفلسفة عن القاعدة التي يمكن أن ترتد إليها تلك المبادئ والمفاهيم والقيم برمتها؟ وهو السؤال الذي يبين من جهة، علاقة التفلسف بواقع المجتمعات البشرية، ومن جهة ثانية يبين ماهية هذا الفعل باعتباره ممارسة نظرية تشتغل بالمفهوم والتصور من أجل بناء المعنى والحكم عليه. أما المفهوم القاعدي لمفاهيم اللغة التي تتكلم بها الدولة في مجملها فهو مفهوم الحرية. وإذا كانت لغة الدولة تتكلم عن الإنسان كمواطن ينبغي أن تصان كرامته، فإن الفلسفة ترى أن القاعدة التي تمجد "إنسانية الإنسان وفردانيته" هي الحرية. ونعرف أن الفلسفة منذ نشأتها لم تعتبر الحرية مجرد مفهوم مجرد فقط، وإنما تفكر فيها، أولا وقبل كل شيء، بوصفها شرطا وجوديا يؤسس لإنسانية الإنسان ولكينونته. وهو ما يعني أن الفلاسفة على مر العصور لم يتخيلوا إمكانية قيام مجتمع أو إجماع بشري يحفظ للإنسان آدميته وكرامته في غياب شرط الحرية، كما كانوا يفهمون اللغة باعتبارها مقطن الوجود، إذ في إطارها وبها يتحدد عالم القرارات والمسؤولية والعمل الذي قد يرهن المصير والكيان وكل ما هو ذو قيمة لوجود الإنسان. إننا قبل أن نعيش واقعنا بالفعل، نحن نسكنه أولا وقبل كل شيء في لغتنا وبشكل رمزي.

على هذا الأساس، ومن هذا المنطلق يدعو الدرس الفلسفي إلى التعامل مع مفاهيمنا ومبادئنا وتصوراتنا الحالة في الكلام. إن اللغة هي أكثر من كونها مجرد كلمات أو ألفاظ، إنها هي مقطن الوجود.

وحيث نفكر في اللغة بهذا المعنى، يمكن أن نفكر في الحرية في بعدها الأنطولوجي أي كشرط أنطولوجي أساسي لإنسانية الإنسان وكينونته. من هنا يكون التفكير الذي يفهم اللغة والحرية بهذا المعنى، ممارسة نظرية فعالة تعمل ضد نزعة التمذهب والتيارات، ويعتبر كل من ينادي بالتمذهب هو شخص يدعو إلى التعصب، ومن تم إلى ممارسة العنف وتخريب ما يمكن اعتباره قاعدة جل لوازم المواطنة الضامنة لإنسانية الإنسان. هذه اللوازم وقاعدتها الوجودية الشارطة للمواطنة، هي ما يطلبه العصر الآن مع أجل معاصرته والانخراط فيه. غير أن الانخراط انخراطات. أما نمط الانخراط كما تريده الفلسفة بالفعل فهو المشاركة بكل ندية وفعالية.

ولكي يتحقق التحويل الديمقراطي للدولة المغربية من أجل الانخراط في العصر بكل ندية وفعالية، فإن الأمر لا تحققه الرياضيات ولا الفيزياء أو حتى التكنولوجيا في حد ذاتها، وإنما العنصر البشري، المتسلح بقوة التفكير الذي تكسبه قدرات تفكيك المعنى والوقوف على منطق بنائه ثم الحكم عليه، هو الرهان. واكتساب هذه القدرات هو من مهمة الدرس الفلسفي. وهذا يعني أن ما يكتسبه المتعلم مع الفلسفة هو القدرة على تركيز التفكير حول موضوع محدد، مع القدرة على تحويله إلى إشكال يستدعي التأمل والمساءلة وتوظيف الحجاج أمام أية مادة معرفية أو أمام أي خطاب.

المواطن المغربي، وبحكم اختراق حدود سيادة فضائه السمعي-البصري، وهو مظهر من مظاهر عصرنا، تتقاذفه الخطابات والصور، فكيف يمكنه أن يحكم عليها ويتباعد معها، إن لم يكن مؤهلا بقدرات فكرية تمكنه من تفكيك معناها وكشف منطق بنائها قبل الحكم عليها؟

هذا السؤال هو ما سيربك دعاة الموقف العلمي-التكنولوجي الذين يرون المجتمع ويختزلونه إلى مجرد مقاولة. ليتيقن أصحاب هذا الموقف من أن مهمة تأهيل الإنسان للانخراط في العصر ليس مهمة تكوين تقني-حسابي، بقدرما هي بالأساس مهمة العلوم التي يمثل الإنسان محورها أي العلوم التي تتنفس هواء الثقافة الفلسفية. وذلك لأن المشكلة ليست مشكلة اكتساب معارف ومعلومات أو تمرينات جبرية، وإنما القضية هي أكثر من كونها كذلك، وهي مسألة مواطن ومواطنة أولا وقبل كل شيء. إن ما ينبغي تأهيله هو الإنسان-المواطن. من هنا فالمواطن لا يتم تأهيله من أجل الاندماج في سوق الشغل وشبكات التجارة العالمية وحسب، وإنما الأهم أيضا هو تهييئه من أجل الانخراط في عصره بكل فعالية وندية وإبداعية.

التأهيل المعني إذن هو ما يهيئ الإنسان كمواطن معاصر للعصر بأسلوب في الحياة متميز على مستوى الذوق والذاكرة والتاريخ والسلوك والمواقف. وهي في مجموعها محددات مواصفات المجتمع الذي نريد أن نقيم فيه ونسكن بشخصيتنا وعبقريتنا. هذه مهمة الثقافة الفلسفية وباقي العلوم التي تهتم بالإنسان بوصفه مصدر العلوم والتكنولوجيا وباقي القيم الاستهلاكية والاستعمالية والروحية وكل ما يشهد على حضوره في التاريخ.

غير أن الجدير بالانتباه، هو أن المواطنة الحقة لا يمكنها أن تستنبت على الأرض شأنها في ذلك شأن الإبداع والثقافة عامة، إلا في مناخ اختلافي قاعدته الحرية. ومن يؤمن بالحرية يؤمن بالضرورة بالتسامح والتقبل الإيجابي للمختلف، كما ينصب نفسه كقوة نابذة لكل سلوك يغذيه العنف والتعصب في مختلف تلويناتهما. وهذه في مجموعها قيم فلسفية، الحرية، التسامح، الاختلاف…إلخ يغذيها الدرس الفلسفي ويرسخها كسلوك للمعاصرة.

IV - الفلسفة في الثانوي، بأي معنى؟

لا يعني هذا السؤال أن هناك فلسفة في الجامعات والمدارس العليا، وفلسفة أخرى في المدرسة الثانوية، كلا، الفلسفة واحدة باعتبارها ممارسة نظرية متميزة. أما مبرر السؤال فهو ما يميز شروط تدريس الفلسفة في الثانوي. حقل العمل بالنسبة للمدرس بالثانوي شبيه لوضع الفلاح في الحقل، يشق الثلم ويقلب التربة تاركا الطبيعة تتفتق. حقل العمل إذن هو الفئة العمرية الأساسية في تركيبة المجتمعات. وهي فئة أساسية وحاسمة بالنظر للرهان عليها في التحولات السوسيوثقافية وكذا في الانخراط في العصر، إنها فئة المراهقين.

إن المراهق في أدبيات العلوم الإنسانية هو الرهان للانخراط في العصر بكل ندية وفعالية. من هنا السؤال، ما الفلسفة التي يتعين أن تحقق هذا الهدف؟ الفلسفة ليست ألفاظا وآراء للفلاسفة. الفلسفة ليست كلاما في كلام. الفلسفة ليست معرفة. الفلسفة تفكير.

فبالنظر إلى العصر وقوته التي اخترقت حدود سيادة جميع المجتمعات بدون ما استشارة من أحد، وبالنظر إلى دفق المعلومات والخطابات والصور والكلام، الذي أصبح يتقاذف الإنسان في المجتمع، إن الفلسفة المأمولة في الدرس بالثانوي هي تلك التي تعتبر نفسها ممارسة نظرية تروم ترسيخ قيمة تعدد المنظورات أو ترسيخ مفهوم المنظورية.

وتفيد قيمة المنظورية، أو تعدد المنظورات إمكانية الحرية في المناقشة والتأويل وما يتضمنه ذلك من قيم أخرى كقيمة الاستماع والتسامح والاختلاف وحرية الرأي، والعمل بمبدأ النسبية فيما يتعلق بالقيم. المواطن المعاصر للعصر بالفعل لم يعد يزعم، أثناء الحوار والمذاكرة، أن للقيم حدودا ونهايات. كل ما هنالك هو أن كل الكلمات قذرة توهم بأنها تتكلم الحقيقة الممتلئة. والحال أن الفكر المعاصر لم يعد يؤمن سوى بمبدأ النسبية.

وعليه، الفلسفة المأمولة ليست هي فلسفة المذاهب أو التيارات، وإنما فلسفة ترى نفسها بوصفها ممارسة نظرية فاعلة تقوم على مبدأ النقد الذي يقاوم مختلف أشكال التمذهب والدوغمائية. وذلك لأن التمذهب الأعمى هو في جوهره إقصاء وعنف وتخريب للوازم مجتمع الحرية، بمعنى إنه إذا كان درس الفلسفة موجه للمراهق، فيتعين أن نتعامل مع هذه الفئة من مواطني المغرب على أنها هي المستقبل وهي الرهان. عليها أن تتهيأ لزمانها إذن، بمعنى أن تكون هي حاملة لوازن المواطنة الضامنة لإنسانية الإنسان. الكل يعرف بأن المراهقة هي المستقبل الواعد. وقد ورد في المأثور: "ربوا أبناءكم تربية غير تربيتكم، فإنهم خلقوا لزمن غير زمانكم". وحكمة هذا القول هي أن نهيء لـ"بيت" الغد انطلاقا مما ينادي به العصر، فإن الممارسة النظرية الفلسفية لإشكالية الحرية هي التي تجعل منها قضية فكرية محورية، علاوة على كونها مطلبا من مطالبنا الملحقة في المجتمع.

إن نصوص عباقرة التاريخ الفلسفي أمثال ديكارت وكانط وغيرهما، ما انفكوا يخوضون فلسفيا في هذه المعضلة التي هي ليست معضلتهم فقط لكونهم فلاسفة. بيد أن أبحاثهم هي التي جعلت الانتباه متواصلا بشدة لقضية ترياق الحياة أي الحرية. وإذا ما استدعينا هؤلاء العباقرة، فذلك لأن القضية التي شغلتهم هي ما يشغلنا الآن نحن أيضا. ومحاورتهم سوف لا تكون من أجل محاورة في ذاتها ولذاتها، بل من أجل فتم الحوار واستئنافه بصدد عين القضية. والهدف هو تهيئ التربة واستنبات القيم التي تحفظ كينونة الإنسان وتلك هي مهمة الثقافة الفلسفية.

V – ما لم يرد بصراحة في موقف الدولة من الفلسفة:

نعم لقد تم تصنيف الفلسفة ضمن المواد الأساسية في الثانوي، وهو ما يعني أنها تعتبر مادة أساسية في التربية والتعليم. ونعرف كذلك قرار رفع الحظر على تدريس الفلسفة في التعليم العالي، وإن كان القرار لم يصبح نافذا بعد بالنسبة لجميع الكليات. كما نتابع وبمرح كبير، المقاومة التي تلاقيها الفلسفة من بعض الجهات موظفة في ذلك حتى "بيوت الله" البريئة من مثل هذه المواقف النابذة للفكر. وهو الأمر الذي يستيقظ من أجله ابن رشد.

إن كان يفيد هذا أنه غدا ظاهرا، أن تدريس الفلسفة أصبح يعتبر مكونا عضويا في السياسة التعليمية، فإن هذا الوضع الذي حازته الفلسفة لا يمكن أن يحقق الرهان إذا لم نتعامل مع الفلسفة بوصفها ممارسة نظرية ناقدة، من شأنها أن تسند "ثقافة فلسفية" تمكن المواطن من الخوض في إشكاليات عويصة لا يفلح في أمر البت فيها بالرياضيات أو التكنولوجيا، وإنما بالتفلسف وحده، كإشكالية الحرية والمواطنة وأخلاقيات العلوم الدقيقة نفسها.

من هنا ضرورة طرح السؤال على من يهمه الأمر بتحويل نسق الدولة صوب الدولة القائمة على قاعدة لوازم المواطنة بالفعل أي قاعدة الحرية: هل الحاجة إلى الفلسفة بعد الآن، هي مجرد حاجة سياسية وقتية، أم أنها حاجة تدخل في إطار استراتيجي-ثقافي عام تمليه تحديات العصر بما هو عصر للعولمة، عالمه آخذ في اختراق الهويات وحدود سيادة الأوطان؟

أما وإن كنت قد افتتحت تأملاتي هذه بقول لديكارت وآخر لكانط فإن هذا لا يعني أنني أتمسح بما يقولان، وإنما المهم في علاقتي بهما ومحاورتي لهما ولغيرهما، هو القضية التي شغلتهم. قضية التحرر والتحضر كإشكالية، وهي أساس الصداقة والحوار. إن بيني وبينهم "الشيء نفسه" الذي ينادي به العصر.

وأختم تأملاتي هذه بقولتين لمفكر عزيزة علي صداقته، قولتان أعرضهما من أجل استئناف التأمل مع صاحبي. هذا المفكر هو مارتن هيدغر، يقول بصدد السؤال: ما هي الفلسفة؟

"إن صوت الوجود إذا ارتفع مخاطبا لنا فهو إنما يدعونا إلى أن نتطابق. وأن "تتطابق" معناه إذن أن تكون مدعوا، وأن تكون متأهبا للإنطلاق".

ويقول عن ماهية اللغة:

"لذلك فاللغة، التي هي أخطر المقتنيات، قد أعطيت للإنسان، لكي يؤكد ما شأنه أن يكون(…) وكينونة الإنسان مؤسسة على اللغة".

بهاتين القولتين أعلن عن الختم لكي تنختم أبواب التأمل من جديد.