ص1      الفهرس     41-50

 

التجديد في النحو بين ابن مضاء وابن رشد.*

محمد عابد الجابري

1- الظاهر في النحو

عرف الدرس النحوي في الأندلس ازدهارا كبيرا واهتماما واسعا في القرنين الخامس والسادس الهجريين. فقد عرف هذان القرنان اجتهادات نحوية أعطت للدرس النحوي في الأندلس خصوصية تميز بها، تماما كما تميزت الاجتهادات الأندلسية في قطاعات معرفية أخرى. وكما هو معروف فقد كان لابن حزم (384- 456 هـ) قصب السبق في تدشين خطاب جديد في الثقافة العربية بالأندلس، وذلك من خلال مذهبه "الظاهري"، الذي وإن كان مذهبا فقهيا في الأساس فقد امتد إلى العلوم الأخرى ليكرس الرؤية ذاتها والمنهج نفسه.

وفيما يخصنا هنا يمكن القول إن ابن حزم قد دشن، أو على الأقل بشر برؤية جديدة إلى النحو. لقد كان الدرس النحوي قد تجاوز في عهده الناحية التطبيقية لينساق مع تأملات واجتهادات تقع على مستوى من النظر يتجاوز ما هو ضروري في علم عرّفه أصحابه بأنه "انتحاء سمت العرب في الكلام". لقد تأثر الدرس النحوي بمناقشات المتكلمين وأبحاث الأصوليين فمال بدوره إلى التنظير والتأصيل والتفريع، فاختلطت فيه الناحية العملية بالناحية النظرية، وغدت "فلسفة النحو" جزءا من النحو. وهكذا تركز النقاش النظري في الدرس النحوي على القياس والتعليل ونظرية العامل، وهي موضوعات أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ "فلسفة النحو" منها بعلم النحو.

وهنا يبرز اسم ابن حزم كأكبر مندد بهذا "الانحراف" عن النحو العملي والابتعاد عن الغاية التطبيقية منه. إنها النزعة "الظاهرية" الحزمية في الفقه هي التي ستمتد إلى النحو. وهكذا فكما رفض ابن حزم "التعليل" في الفقه رفض كذلك "العلل النحوية"، ولربما بعنف أشد. لقد رفض التعليل في النحو رفضا تاما فقال: إن العلل النحوية "كلها فاسدة لا يرجع منها شيء إلى الحقيقة البتة، وإنما الحق من ذلك أن هذا سمع من أهل اللغة الذين يُرجَع إليهم في ضبطها ونقلها، وما عدا هذا، مع أنه تحكم فاسد متناقض، فهو أيضا كذب، لأن قولهم كان الأصل كذا فاستثقل فنقل إلى كذا (…) شيء يعلَم كل ذي حس أنه كذب لم يكن قط، ولا كانت العرب عليه مدة ثم انتقلت إلى ما سمع منها بعد ذلك"([1]). ولذلك نجده يطالب بالاكتفاء في النحو بما هو ضروري لمعرفة قواعد اللغة العربية. يقول: "وأما التعمق في علم النحو ففضول لا منفعة بها بل هي مشغلة عن الأوكد، ومقطعة دون الأوجب والأهم، وإنما هي أكاذيب. فما هو الشغل بما هذه صفته؟ وأما الغرض من هذا العلم فهو : المخاطبة وما بالمرء حاجة إليه في قراءة الكتب المجموعة في العلوم فقط"([2]).

وحسب ما نعلم، لم يؤلف ابن حزم كتابا في النحو يشرح فيه وجهة نظره هذه ويطبقها على الدرس النحوي. لكن الفكرة، وهي جزء من كامل مذهبه، ستبقى حية داخل هذا المذهب ككل. وعندما قام المهدي ابن تومرت بدعوته الشهيرة التي انتهت إلى تأسيس دولة الموحدين في المغرب والأندلس، والتي وظف فيها جانبا من ظاهرية ابن حزم، خصوصا منها رفض القياس في الفقه، كان من الطبيعي أن تعود هذه الدولة بعد استقرار أمرها إلى الأصول الفكرية التي قامت عليها الدعوة المؤسسة لها، وفي مقدمة ذلك الأخذ بالظاهر في العقيدة والشريعة. هنا، وفي هذا الإطار سيظهر ابن مضاء (أحمد بن عبد الرحمن بن محمد) المولود في قرطبة سنة 512 هـ، والمتوفى سنة 592هـ. لقد عاش في عهد عبد المؤمن المتوفى سنة 558 هـ والتحق ببلاطه حوالي 545 هـ حين وفد إليه من قرطبة ضمن الوفود الأندلسية التي جاءت لتقديم التهاني. واستمر في البلاط الموحدي على عهد يوسف بن عبد المؤمن المتوفى سنة 580 هـ الذي عينه قاضيا للقضاة، وهو المنصب الذي استمر فيه على عهد ابنه يعقوب المنصور، إلى أن توفي سنة 592 هـ قبل ثلاث سنوات من وفاة هذا الأخير. هذا وقد اشتهر ابن مضاء، خصوصا في العصر الحاضر، بكتابه "الرد على النحاة".

2- ابن مضاء : نقد نظرية العامل

يحدد ابن مضاء الغرض من كتابه فيقول: "قصدي في هذا الكتاب أن أحذف من النحو ما يستغني النحوي عنه وأنبه على ما أجمعوا على الخطأ فيه". ثم يشرع في بيان ذلك مبتدئا بنقد نظرية العامل، مطالبا بحذفها من النحو ليس فقط لكون النحو في غير حاجة إليها بل أيضا لأنها مبنية على تصور خاطئ. يقول: "فمن ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا لعامل لفظي، وأن الرفع منه ما يكون بعامل لفظي وبعامل معنوي، وعبروا عن ذلك بعبارات توهم في قولنا "ضرب زيد عمروا" أن الرفع الذي في "زيد" والنصب الذي في "عمرو" إنما أحدثه "ضرب". وهذا في نظر ابن مضاء خطأ، لأن "من شرط الفاعل أن يكون موجودا حينما يفعل فعله"، هذا بينما "لا يحدث الإعراب فيما يحدث فيه إلا بعد عدم العامل، فلا ينصب "زيد" بعد "إن"، في قولنا "إن زيدا…"، إلا بعد عدم "إن"، أي بعد أن لم تعد موجودة في الكلام. هذا إذا اعتبرنا أن العامل الذي نصب "زيداّ" في العبارة المذكورة عامل لفظي ("إن"). أما إذا قيل له إن العامل معنوي وليس لفظيا فإن ابن مضاء يجيب قائلا إن "الفاعل" عند من يقولون بهذا -وهم المعتزلة خاصة- على نوعين: فاعل بالإرادة كالحيوان، وفاعل بالطبع كالنار التي تحرق الخشب. أما ألفاظ اللغة فهي لا تفعل لا بإرادة ولا بالطبع. أما القول بأن المقصود بفكرة العامل في النحو هو مجرد "التشبيه والتقريب، وذلك أن هذه الألفاظ  التي نسبوا العمل إليها إذا زالت زال الإعراب المنسوب إليها، وإذا وجدت وجد الإعراب، وكذلك العلل الفاعلة عند القائلين بها…"، فإن ابن مضاء لا يعترض على ذلك من حيث المبدأ، فهو يرى أنه كان من الممكن التسامح في ذلك "لو لم يسُقهم جعلُها عواملَ إلى تغيير كلام العرب وحطه عن رتبة البلاغة إلى هجنة العي وادعاء النقصان فيما هو كامل، وتحريف المعاني عن المقصود.."([3]).

ويستمر ابن مضاء في نقد نظرية العامل فيعترض على تقدير العوامل المحذوفة، وعلى تقدير متعلقات المجرورات، وعلى تقدير الضمائر المستترة، وعلى تقدير الأفعال. كما يعترض على آراء النحاة في التنازع والاشتغال وفاء السببية وواو المعية، لينتقل إلى الدعوة إلى إلغاء العلل الثواني والثوالث([4])، وإلغاء القياس وإلغاء اختلافات النحاة. يقول: "ومما يجب أن يسقط من النحو الاختلاف فيما لا يفيد نطقا، كاختلافهم في علة رفع الفاعل ونصب المفعول وسائر ما اختلفوا فيه من العلل الثواني وغيرها، مما لا يفيد نطقا، كاختلافهم في رفع المبتدأ ونصب المفعول، فنصبه بعضهم بالفعل وبعضهم بالفاعل وبعضهم بالفعل والفاعل معا. وعلى الجملة كل اختلاف فيما لا يفيد نطقا"([5]).

واضح أننا هنا إزاء رؤية ظاهرية للنحو العربي يسهل ربطها بظاهرية ابن حزم، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن ابن مضاء ألف كتابه بعد سنة 581 هـ([6])، أي زمن يعقوب المنصور الذي تولى الحكم سنة 580 هـ، والذي اشتهر بالمبالغة في الأخذ بـ"الظاهر" واعتماد الأصول وحدها، ونهى عن تقليد أحد من الأيمة القدماء، بل إنه أمر بإحراق كتب المذاهب الفقهية، وقيل في ذلك : "وكان قصده محو مذهب مالك مرة واحدة وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث"([7]).

يمكن القول إذن إن كتاب "الرد على النحاة" لابن مضاء القرطبي يندرج، بكيفية عامة، في نفس الخط الفكري المؤسس للمشروع الثقافي لدولة الموحدين، وأنه منخرط بصفة مباشرة في حملة يعقوب المنصور من أجل تكريس العمل بـ"الظاهر".

نعم، "العمل بالظاهر"، ليس في الفقه والنحو وحدهما بل في جميع العلوم بما في ذلك العلوم الفلسفية. وبدون شك فإن حملة يعقوب المنصور على الفلسفة والفلاسفة، وهي الحملة التي توجت بمحاكمة ابن رشد وغيره من "المشتغلين بعلوم الأوائل"، تندرج من الناحية الفكرية الإيديولوجية في هذا السياق، وإن كانت لها أسباب سياسية خاصة، لأن الانتقال من حملة عامة إلى محاكمة خاصة لشخصية خاصة لا بد أن يكون له أسباب خاصة أيضا([8]). 

والقضية التي تطرح نفسها علينا هنا قضية مزدوجة: فمن جهة كان ابن مضاء كما ذكرنا قاضيا للقضاة (بمثابة وزير العدل) وهو المنصب الذي استمر فيه على عهد يعقوب المنصور إلى أن توفي سنة 592 هـ. ونحن نعرف أن حملة هذا الأخير على الفلسفة والفلاسفة قد بدأت قبل وفاة ابن مضاء بوقت طويل، ونعلم أيضا أن المؤامرة على ابن رشد قد بدأت بشكل علني عام 1991، ونعلم ثالثا أن محاكمة ابن رشد قد تمت في السنة نفسها التي توفي فيها ابن مضاء أو بعدها بقليل. وإذن فالسؤال الذي يطرح نفسه أولا هو: كيف كانت علاقة ابن مضاء بالحملة على الفلسفة والفلاسفة عموما وبنكبة ابن رشد خصوصا؟ إن ما يفرض طرح هذا السؤال هو كونه كان قاضيا للقضاة، وبالتالي فمن المحتمل أن يكون له دور ما في تلك الحملة والنكبة لأنه هو "المرجع" الذي يعتمد عليه الخليفة في مثل هذه الأمور؟

سؤال لا بد من طرحه، وإن كنا لا نملك في الوقت الراهن ما يسمح لنا حتى باقتراح فرضية بشأنه!

كان ذلك عن أحد وجهي القضية التي تطرح نفسها على الباحث بخصوص العلاقة التي يمكن أن تكون بين نكبة ابن رشد وبين ابن مضاء بوصفه قاضي الجماعة أيام تلك النكبة. أما الوجه الآخر فيخص هذه المرة العلاقة بين كتاب ابن مضاء في "الرد على النحاة" وكتاب ابن رشد "الضروري في النحو". وما يبرر طرح هذه المسألة هو أن الرجلين عاشا متعاصرين (ولد ابن مضاء قبل ابن رشد بأربع سنوات فقط وتوفي قبله بثلاث لا غير)، وقد عملا معا منذ شبابهما في بلاط الموحدين، خصوصا مع يوسف بن عبد المؤمن وابنه يعقوب المنصور، وقد توليا في عهدهما منصب القضاء في بعض المدن ثم منصب قاضي القضاة الخ. وأكثر من ذلك –وهذا ما يهمنا هنا أكثر-  ألف كل منهما كتابا في النحو ، وقد أراد كل منهما بكتابه تبسيط النحو العربي وتيسيره -وإن كان ذلك من جهتين مختلفتين تماما. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا سؤال مضاعف: فمن جهة لماذا لم يشر أي منهما، لا من قريب ولا من بعيد، إلى كتاب الآخر، مع أنهما يشتركان في الهدف وإن اختلفا في المنهج والرؤية؟  ثم أي منهما أسبق من صاحبه إلى تأليف كتابه؟ ذلك لأنه إذا كنا نعلم أن ابن مضاء قد ألف كتاب "الرد على النحاة" بعد سنة 581 هـ، أي زمن يعقوب المنصور، فإننا لا نعلم شيئا عن تاريخ تأليف ابن رشد لـ "الضروري في النحو".

يمكن أن نرجع سكوت كل منهما عن صاحبه بكونهما ينتميان، على صعيد كتابيهما على الأقل، إلى بعدين مختلفين في المشروع الثقافي الموحدي: بعد يرتبط بظاهرية ابن حزم على مستوى العقيدة والشريعة، وإلى هذا البعد ينتمي ابن مضاء كما بينا، وبعد يرتبط بفكر أرسطو على مستوى المنطق والعلوم العقلية، وإلى هذا ينتمي ابن رشد كما هو معروف. وهو يرتبط بأرسطو في كتابه "الضروري في النحو" ليس على صعيد ما يسمى بـ "تأثير المنطق الأرسطي في النحو العربي"، بل صعيد منهج التأليف العلمي. أما ارتباطه بالموحدين في هذا الكتاب كما في كثير من كتبه فلم يكن فقط على مستوى "السياسة الثقافية" فحسب، بل أيضا على مستوى الاستجابة للطلب. إن فيلسوف قرطبة يصرح في كتابه هذا –كما فعل في كتب أخرى- أنه ألف كتابه هذا تلبية لأمر صدر به إليه([9]) من أحد أمراء الموحدين، لا يذكر اسمه ولكن يقول عنه إنه هو الذي "أرشد الغاية التي بها استقام نحو هذا النظر وجرى في هذا المسلك"، بمعنى أنه هو الذي اقترح عليه تأليف كتاب في النحو على الطريقة التي سلكها فيه([10]). ويفهم من سياق كلام ابن رشد أن "الغاية" التي طلِب منه تحقيقُها بكتابه هذا هي ما أفصح عنه في مقدمته، حيث كتب يقول: "الغرض من هذا القول أن نذكر من علم النحو ما هو كالضروري لمن أراد أن يتكلم على عادة العرب في كلامهم ويتحرى في ذلك ما هو أقرب إلى الأمر الصناعي وأسهل تعليما وأشد تحصيلا للمعاني"([11]). وإذن فالغاية هي تأليف كتاب في النحو على الطريقة العلمية التي تراعي تنظيم مسائل العلم تنظيما منطقيا يصير به "أسهل تعليما وأشد تحصيلا للمعاني".

الكتابان، كتاب ابن مضاء وكتاب ابن رشد، تجمع بينهما الغاية وهي تيسير النحو العربي، ولكن تفرق بينهما الطريقة والمرجعية : ابن مضاء يتحرك داخل بنية النحو العربي، كما كانت منذ سيبويه، مع "إسقاط كل ما لا يفيد نطقا"، الشيء الذي يربطه بظاهرية ابن حزم. أما ابن رشد فيريد أن يعيد بناء النحو العربي وفق "الترتيب" الذي هو "مشترك لجميع الألسنة"([12]).

3- ابن رشد والتجديد في النحو

وقبل أن ننتقل إلى تقديم عرض موجز عن هذا الترتيب الذي يقترحه ابن رشد لموضوعات النحو العربي ينبغي أن ننوه بأمرين اثنين: أولهما هو أن ما أثرناه أعلاه من أسئلة حول علاقة ابن مضاء بابن رشد ما كان يمكن التفكير فيها قبل العثور على مخطوطة لكتاب ابن رشد وإخراجه إلى الوجود([13]). ثانيهما هو أننا لم نجد في الكتاب ما يمكن أن يساعد على معرفة تاريخ تأليفه. وإذن فسيبقى رأينا في هذه المسألة هو نفسه الذي شرحناه في كتابنا : "ابن رشد سيرة وفكر"([14])، مع التذكير بما قيل من أن عبد المؤمن مؤسس الدولة الموحدية كان قد استدعى ابن رشد إلى مراكش سنة 548 هـ "ليستعين به على ترتيب المدارس التي أنشأها بمراكش" ([15]). وإذا صح هذا فسيكون من المرجح أن صاحب "الأمر" الذي يقول ابن رشد قد صدر إليه لتأليف كتاب في النحو، على النمط الذي سلكه فيه، هو يوسف بن عبد المؤمن، الأمير المثقف المتنور، الذي عينه والده واليا على إشبيلية سنة 548 هـ، هذا إن لم يكن صاحب ذلك "الأمر" هو عبد المؤمن نفسه. وإذا صح هذا فإن المرء لا يملك إلا أن يلاحظ أن "العمر العلمي" للكتاب، موضوع حديثنا، يفوق "العمر الطبيعي"  لابن رشد يومئذ، شأنه شأن كتبه الأخرى التي تعتبر من أوائل ما ألف.

قلنا إن هدف ابن رشد من كتابه هو صياغة النحو العربي على الطريقة الصناعية، وهي الطريقة التي يقول عنها إنها "مشتركة لجميع الألسنة"، بمعنى أنها الطريقة المتبعة في كل علم يستوفي شروط الصياغة العلمية. فما هي هذه الشروط؟ وقبل ذلك لماذا لم يكون النحو العربي علما بهذا المعنى؟

نحن نعرف أن مرجعية النحو العربي الأساسية كانت، وما تزال، كتاب سيبويه الذي قيل عنه إنه "قرآن النحو". وقد استهل المؤسس الأول  للخطاب النحوي المنظم كتابه هذا بالتمييز في كلام العرب بين الاسم والفعل والحرف، ثم أخذ يدرس أحوال كل واحد منها. ومن هنا انقسمت أبواب النحو إلى ثلاثة أقسام رئيسية: باب الاسم، باب الفعل، باب الحرف. بعضهم يبدأ بالفعل، وبعضهم يبدأ بالاسم، أما الحرف فيأتي في الأخير في الغالب. وقد نتج عن هذا النوع من التبويب تداخل وخلط بين الموضوعات والمستويات: فالبحث في الاسم يستلزم في مرحلة من المراحل الكلام عن الفعل في بعض أحواله على الأقل؟ فالكلام عن "الفاعل" و"المفعول" مثلا، وكل منهما  اسم، يتطلب الكلام عن الفعل، خصوصا وكانوا –وما زالوا- يعتبرون الفعل هو الذي رفع الفاعل ونصب المفعول. والكلام في الفعل يستدعي الكلام عن الاسم لنفس السبب (الفعل لا بد له من فاعل). أضف إلى ذلك أن معظم كتب النحو، إن نقل كلها، قد دأبت على الجمع بين الظواهر الصرفية والظواهر النحوية، مما جعل من المتعذر التمييز بدقة بين حدود علم الصرف وحدود علم النحو.

هذا النوع من التداخل بين الموضوعات والمستويات في كتب النحو العربي هو "التقصير" الذي أراد ابن رشد معالجته في كتابه. وهو تقصير يرجع سببه، كما يقول، إلى أن النحاة "لم يستعملوا في إحصاء أنواع الإعراب القسمة الصحيحة التي لا يعرض فيها تداخل. وكل صناعة لم تستعمل فيها بعد القسمة الحاصرة الغير متداخلة فهي صناعة ناقصة"، ثم يضيف: "وهذا هو السبب الذي دعانا إلى وضع شيء في هذه الصناعة، مع توجه الأمر إلينا به، وإلا فما كنا نضعه، لأن الصناعة الموجودة عند نحويي العرب في زماننا هذا قد استوفت جميع أجزاء هذه الصناعة، لكن لا على المجرى الصناعي" (ص75).

هدف ابن رشد إذن ليس تدارك مسألة من المسائل النحوية، فالنحو العربي في نظره كامل لا مجال فيه للزيادة، ولم يكن هدفه حذف أجزاء منه بهدف التخفيف والتيسير كما فعل ابن مضاء، كلا. إن هدفه هو إعادة صياغة مسائل النحو وأبوابه بطريقة علمية. والطريقة العلمية تقوم على "القسمة الصحيحة التي لا يعرض لها تداخل". وإذا كانت القسمة التي تبناها النحاة، بتصنيف كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، قسمة صحيحة، لأن كلام العرب (وغير العرب) ينقسم كله إلى هذه الأقسام الثلاثة، فإنها لم تخل من عيب التداخل خصوصا عند الكلام عن "الإعراب" الذي هو أهم شيء في النحو، هذا فضلا عن تداخل الصرف بالنحو فيها.

ما هي القسمة التي يقترحها ابن رشد إذن؟

قبل الجواب عن هذا السؤال لابد من رفع التباس حرص ابن رشد نفسه على استبعاده. ذلك أن القارئ قد يتوهم أن فيلسوف قرطبة بصدد دمج النحو في المنطق. وهذا في نظره جهل. يقول عن كتابه: "ربما عابه قوم لمفارقته المعتاد وأنكروه لما في طبيعة الأقاويل المشهورة من الاستعباد وربما قالوا: خلط صناعة المنطق بصناعة النحو، وهذا كله جهل بالطريق الصناعي"( ص 142). إن ابن رشد هنا ينبه إلى ضرورة التمييز بين المنطق كعلم مستقل عن النحو، والنحو مستقل عنه، وبين "الطريقة المنطقية" (أو الصناعية) في صياغة أبواب بالنحو، الطريقة التي تجعله "أسهل تعليما وأشد تحصيلا" (ص 26).

إذن لا مجال للخلط بين مشروع ابن رشد في صياغة مسائل النحو صياغة تراعي القسمة المنطقية الصحيحة غير المتداخلة، وبين المسألة المعروفة في تاريخ الثقافة العربية بـ "مسألة العلاقة بين النحو والمنطق" والتي طرحت بحدة في القرن الرابع الهجري خلال المناظرة المشهورة بين أبي بشر متى رئيس مناطقة بغداد وأبي سعيد السيرافي رئيس نحاتها([16]). ولا مجال للخلط كذلك بين مشروع ابن رشد وبين مسألة "تأثر النحو العربي بالمنطلق العربي"، وهي المسألة التي خاض فيها كثير من المعاصرين.

إن ابن رشد لا يخلط بين المنطق والنحو على أي مستوى، وإنما يريد صياغة مسائل النحو كما هي كاملة ومنتهية في كتب النحاة صياغة منهجية ترتفع به إلى مستوى العلم. والعلم كما نعلم يعتمد القسمة الصحيحة غير المتداخلة كما يصوغ مسائله صياغة كلية تجمع شتات الجزئيات في قوانين عامة. ذلك هو شأن جميع مجموعات المعارف التي تستحق أن تسمى علما، بما ذلك "علم النحو" كما هو في "جميع الألسنة".

وهنا لابد من ملاحظتين:

- الأولى تخص إمكانية صياغة قواعد النحو في قوانين كلية. وابن رشد يرى أن ذلك ممكن، ولكن يجب الاقتصار فيه على ما تحتمله هذه الصناعة وبالتالي "التوسط في ذلك". وهذا راجع إلى أن كليات هذا العلم كليات استقرائية، والاستقراء ناقص بطبيعته وبالتالي لابد من استثناءات يجب التنبيه إليها. أما القياس فهو وإن أمكن في بعض المسائل فإن الواجب استعماله بحذر. وهذا راجع إلى "أن جل ما أُثبِت وجوده في هذه الصناعة إنما ثبت بطريق السماع والاستقراء". أما القياس فـقد يستعمله "أهل هذه الصناعة فيما جهل سماعه، [وذلك] أنهم يقيسون المجهول على المعلوم، وهو ضعيف، وربما أفرطوا حتى يردون السماع بالقياس" (ص 29).

- أما الملاحظة الثانية فتخص "الترتيب" الذي يقترحه ابن رشد كقسمة صحيحة يتم بها تجنب التداخل بين مسائل النحو، والذي يقول عنه إنه "مشترك لجميع الألسنة". هنا لابد من الإشارة إلى أن فيلسوف قرطبة يطبق الترتيب نفسه الذي ذكره الفارابي في كتابه "إحصاء العلوم" بوصفه الطريقة العلمية، أو "الترتيب المنطقي" الخاص بعلم اللسان، وفي ما يلي أهم عناصر هذا "الترتيب".

يميز الفارابي في علم اللسان بين علم اللغة الذي غرضه "حفظ الألفاظ الدالة عند كل أمة ما وعلم (=معرفة) ما يدل عليه شيء شيء منها"، وبين علم النحو والصرف وهو "علم قوانين تلك الألفاظ". ثم يصنف "الألفاظ الدالة في لسان كل أمة" إلى قسمين: "مفرد ومركب. فالمفرد كالبياض والسواد والإنسان والحيوان. والمركب كقولنا الإنسان حيوان، وعمر أبيض"([17]).

ينطلق الترتيب الصناعي العلمي في علم النحو من تقسيم الألفاظ إلى بسيط ومركب، وهي قسمة حاصرة غير متداخلة، بدل تقسيمها إلى فعل واسم وحرف التي وإن كانت حاصرة بدورها فإنها متداخلة كما رأينا. ومن هنا يكون الترتيب العلمي هو دراسة الألفاظ المفردة أولا، ثم الانتقال بعد ذلك إلى الألفاظ المركبة (أو الجمل باصطلاح النحاة). وباعتماد هذه القسمة ينقسم "علم اللسان عند كل أمة" إلى "سبعة أجزاء عظمى هي : الأول والثاني هما علم اللغة والأدب (المعجم والنصوص). والأجزاء الخامس والسادس والسابع موضوعها قوانين الكتابة (الإملاء) وقوانين القراءة (الحروف والحركات والتنقيط)، وقوانين تصحيح الأشعار (العروض). يبقى إذن الجزآن الثالث والرابع وهما "علم قوانين الألفاظ المفردةوعلم قوانين الألفاظ عندما تركب"، (الصرف والنحو) وهما موضوع اهتمامنا هنا.

1-أما علم قوانين الألفاظ عندما تكون مفردة (الصرف) : فيدرس تلك الألفاظ من ناحية الكم والكيف: أما  ناحية الكم فتشمل المجرد والمزيد، الأوزان الصرفية، الجامد والمشتق والمصدر، صيغ الأمر والنهي، أصناف الزيادة : التضعيف الخ. وأما من ناحية الكيف فتضم الصحيح والمعتل عند التذكير والتأنيث والتثنية والجمع، وأيضا أقسام الفعل (الماضي والمضارع الأمر) والوجوه، أي تصريف الفعل مع المتكلم والمخاطب والغائب. والقلب والإبدال.

- وأما علم قوانين الألفاظ عندما تركب (النحو): فيدرس قوانين الأطراف وأحوال التركيب. أما علم قوانين الأطراف: فيعطي قوانين أطراف الأسماء والأفعال عندما تركب، سواء كان ذلك في أوائلها مثل أل التعريف للأسماء، أو في أواخرها مثل علامات الإعراب في الأفعال والتنوين في الأسماء، فيدرس المنون وغير المنون من الأسماء، والمعرب من الأفعال. كما يدرس كيفية بناء الحروف. وأما علم قوانين أحوال التركيب نفسه فيبين كيفية تركيب الألفاظ وترتيبها: الجملة المفيدة، البسيطة والمركبة الخ.

ذلك هو الترتيب الصناعي (العلمي) لموضوعات النحو (والصرف) كما يجري العمل به في جميع اللغات حسب الفارابي (ما عدا العربية التي لم يذكر هل تعمل به أو لا تعمل).  فهل أخذ ابن رشد بهذا الترتيب حرفيا أم أنه أدخل عليه تغييرا يناسب اللغة العربية. ثم –وهذا هو الأهم- كيف طبق فيلسوف قرطبة هذا الطريقة العلمية لصياغة القواعد النحوية على صورة قوانين كلية؟

يتبنى ابن رشد بصورة عامة الهيكل العام لهذا النموذج الذي عرضه الفارابي. ولكن هذا لا يعني أنه اكتفى بما ذكره الفارابي من عناصر هذا النموذج بل أضاف إليها أخرى، وقدم وأخر وعدّل، مما يدل دلالة قاطعة على أنه لم يستنسخ النموذج الذي عرضه الفارابي استنساخا، بل الصحيح أن يقال إنه اطلع على ذات المصادر التي أخذ عنها الفارابي، هذا إضافة إلى أن عبارة "كما هو مشترك في جميع الألسنة" تتكرر بصورة توحي بأنه كان على بينة من نحو لغة أو لغات أخرى، مما يطرح مرة أخري ذلك السؤال الذي لم يفصل فيه بعد: هل كان ابن رشد يعرف اللغة اليونانية؟ أما اللغة اللاتينية كما كانت في عهده فقد كانت متداولة في الأندلس بكثرة([18]).

4- ابن رشد : ترتيب مسائل النحو على المجرى الصناعي

ومهما يكن من أمر فابن رشد ينطلق في ترتيبه لمسائل النحو من القضية الفلسفية المنطقية القائلة : "البسيط من كل شيء قبل المركب"، وبالتالي فـ "الترتيب الصناعي يقتضي أن يبتدأ أولا بالألفاظ المفردة، ثم بالألفاظ المركبة ثانيا، ثم باللواحق ثالثا" (ص 29). ويحدد ابن رشد الغاية من النحو بأنها، ليست دراسة الألفاظ المفردة والمركبة كألفاظ، بل دراسة "أشكال" هذه الألفاظ عند النطق بها. ويقصد : الأشكال "التي في بنيتها"، والأشكال الزائدة على بنيتها، سواء منها المتبدلة بحسب تبدل المعاني، وغير المتبدلة"(ص 26). ومعنى "الأشكال" هنا هي ما نعبر عنه اليوم بـ "الظواهر النحوية". والمقصود:

 1) "الصيغ" التي تكون عليها الألفاظ المفردة عندما تضاف إليها أشياء ليست من بنيتها الأصلية، سواء كان ذلك في أواخرها كالإعراب والبناء والتقاء الساكنين والوقف والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والنسبة والتصريف الخ، أو كان في أوائلها مثل "أل" التعريف وهمزة الوصل والقطع الخ، أو في أواسطها كالتصغير الخ.

 2) الصيغ التي تكون عليها "الأقاويل المركبة" -أو الجمل- مثل ما يلحقها من التقديم والتأخير (كتقديم الخبر على المبتدأ) والزيادة والنقصان (كالجمل الشرطية التي تتركب من جملتين الخ) ومعرفة الألفاظ المركبة التي منها تركبت الخ.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالصياغة العلمية لأشكال الألفاظ المفردة والمركبة، تقتضي جمع هذه الأشكال في "معنى كلي" (قانون)، وإن أمكن أن يعطى سبب ذلك المعنى الكلي مع ذلك فهو أفضل". ( ص26). وهكذا فإذا كان شكل الفاعل أن يكون مرفوعا وكان الاستقراء قد أرشدنا إلى القانون التالي وهو : "إن كل اسم يقع فاعلا فهو مرفوع"، فإنه ينبغي أن نبحث عن السبب الذي جعل هذا القانون ممكنا، أي السبب في رفع الفاعل، وبيان هذا السبب كلما كان ذلك ممكنا هو أفضل.   

ومعنى هذا أن ابن رشد يقول بما يسميه النحاة "نظرية العامل"، فهو لا يطالب بحذفها والاستغناء عنها كما فعل ابن مضاء. لماذا؟ لأن غرض ابن رشد ليس مجرد تيسير النحو، بل غرضه أيضا صياغة مسائله على "المجرى الصناعي"، على الطريقة العلمية. ومعلوم أن الطريقة العلمية من شروطها العمل بالسببية. فإذا حكمنا على الفاعل بالرفع دوما فيجب أن نبين السبب، حتى نتمكن من تطبيق هذا القانون فنرفع الاسم كلما وجدناه في منزلة الفاعل أو ما يشبهه (نائب الفاعل). يعترف ابن رشد إذن بـ "العامل" ويعطيه معنى السبب. فما هذا السبب؟ هل هو "الفعل" كما يقول النحاة؟ هل هو لفظي أم أنه معنوي؟

يعترض ابن رشد على النحاة –في شيء من السخرية- عندما يقولون مثلا: إن الفعل "خرج" هو الذي "عمل" الرفع في "الفاعل" "زيد"، في قولنا :"خرج زيد"! يعترض عليهم، لا بما سبق أن اعترض به ابن مضاء الذي بنى اعتراضه على كون "الفاعل" إما أن يكون بالإرادة وإما أن يكون بالطبع، سالكا مسلك المتكلمين في هذه المسألة، مسألة الفعل والفاعل، بل إن فيلسوف قرطبة يدلي في هذه المسألة باعتراض منطقي مفحم ينزع عن لفظ "الفعل" صفة التأثير في الفاعل أو المفعول الخ. وهكذا فإذا قلنا عن "زيد"، في قولنا أكل زيد تمرا، إنه فاعل مرفوع وعن "تمرا" إنه مفعول منصوب، وقلنا إن العامل في رفع الأول ونصب الثاني هو الفعل "أكل"، ، فكيف يجوز أن نقول الشيء نفسه في قولنا "لم يأكل زيد تمرا"؟ إننا هنا ننفي وجود فعل الأكل ("لم يأكل")، فكيف يجوز أن يفعل "الفعلُ" المنفي وجودُه الرفعَ أو النصب أو غيرهما؟!

وإذا نحن سألنا ابن رشد : فمن رفع الفاعل ونصب المفعول إذن؟ أجاب: إن الإعراب على العموم (رفع الفاعل والمبتدأ والخبر ونصب المفعول الخ) "إنما وجد في الاسم المفرد لا من جهة ما هو مفرد، لأنه ليس بمفيد كلاما، وإنما وجد له من جهة ما هو جزء من كلام" (ص74). وإذن فمصدر الإعراب في قولنا "أكل زيد تمرا" أو" لم يأكل زيد تمرا"، ليس هو لفظ "أكل"، بل هو معنى في الجملة، من جنس معنى السببية في الأمور الطبيعية. هنا يوظف ابن رشد مفهوم السببية كما هو عند أرسطو. فقد حصر أرسطو الأسباب في أربعة: المادة كالخشب بالنسبة للكرسي، والصورة وهي شكل الكرسي، والفاعل وهو النجار والغاية وهو الجلوس. وبالنسبة لأبن رشد : اللفظ "زيد" هو المادة (السبب المادي)، والإعراب (رفعُ زيد في قولنا : خرج زيدٌ) هو الصورة أو الشكل (السبب الصوري). أما "الفاعل" أي السبب في رفع زيد فهو معنى آخر يستفاد من التركيب الذي عليه الجملة، مثل معنى الصانع/النجار الذي ينقل الخشب إلى شكل الكرسي، يبقى السبب الغائي وهو قصد المتكلم. يقول: " فإن الجمل هي التي تتنزل من أنواع الإعراب منزلة المواد، والإعراب لها بمنزلة الصورة، والعوامل منه بمنزلة الأسباب المقتضية لوجود تلك الصور في المواد لأنها تفهم المعنى القائم في الجملة". و"لما كان كل موجود مركبا من مادة وصورة، فالمعرفة التامة به إنما تكون بمعرفة صورته ومادته والسبب الواجب لكون الصورة في المادة. فواجب على من أزمع على أن يعرف الإعراب معرفة تامة أن يعرفه من قبل الجمل الواقع فيها لا من قبل الألفاظ المفردة فقط".

ومن هنا كان النحو، -كما يقول- نحوان:  نحو الألفاظ ونحو المعاني.

 أما نحو الألفاظ  فموضوعه معرفة أشكال الألفاظ المفردة ويدخل فيه "العلم الذي يسمونه (=النحاة) بـ "علم التصريف" وغير ذلك مما يتكلمون فيه من أمر الألفاظ المفردة مثل التصغير والنسبة وغير ذلك".  وأما نحو المعاني فموضوعه الأقاويل المركبة "ويدخل فيه معرفة تركيب القول الخبري وسائر الأقاويل المركبة وما يلحقها من التقديم والتأخير والزيادة والنقصان، ومعرفة الألفاظ المركبة التي منها تركبت (ص28).

ولما كان الإعراب هو "أشهر أقسام هذه الصناعة وأكثرها فائدة" فإنه من الواجب "أن تحصر أصنافه من قِبل أصناف الكلام، ويحصر في صنف صنف من قِبل أصناف العوامل الداخلة عليه. مثال ذلك أن يقسم الكلام المركب أولا إلى مفيد وإلى غير مفيد. ثم يذكر الإعراب في كل صنف منها على حدته، وتحصر أنواعه من قِبل أسبابه الخاصة به في ذلك الصنف من الكلام، وهي التي تسمى عوامل. فإنه إذا استكملنا أصناف الكلام على هذه الجهة واستكملنا أصناف الإعراب الواقعة في صنف صنف منه بحسب أصناف العوامل الفاعلة له في ذلك الجنس نكون قد أحصينا الإعراب والمعربات من قبل أسبابها الصادرة والفاعلة الخاصة. مثال ذلك أن نحصر أولا أنواع القول الخبري، ثم نحصر أنواع الإعراب الواقعة فيه بحسب أصناف العوامل الداخلة عليه. وكذلك يفعل في سائر أنواع الأقاويل المركبة، فإنه متى لم يفعل هذا وقع الاضطراب والاختلال في التقسيم" (ص 30).

وبالنظر إلى الاعتبارات التي تقدمت اختار ابن رشد أن يرتب مسائل النحو العربي في كتابه على الشكل التالي: يقول : "وأما الترتيب الذي سلكناه نحن في هذا الكتاب، فإنا رأينا أن نقدم أولا من أمر الألفاظ المفردة ما الاهتمام بمعرفته مساو للاهتمام بمعرفة الإعراب، بل لعله أكثر وهي كالأمور الضرورية في كل مخاطبة وهو مشترك في جميع الألسنة. وهذا هو: شكل الاثنين أو شكل التثنية وشكل الجمع وشكل المذكر وشكل المؤنث وشكل الإخبار على أنواع الضمائر الثلاثة، وهو شكل إخبار المتكلم عن نفسه، وشكل الإخبار عن الحاضر، وشكل الإخبار عن الغائب. ونجعل هذا الجزء الأول من الكتاب"(ص 31). أما الجزء الثاني فقد جعله في الإعراب والمعربات، وفيه يذكر أشكال المركبات وموادها لأنها مواد الإعراب، "وهي أشرف أجزاء هذه الصناعة إذ كانت ضرورية في التخاطب، ولذلك كانت مشتركة لجميع الألسنة"([19])

ويبرر ابن رشد تقديم هذه الموضوعات التي جعلها مسائل الجزء الأول والثاني بكونها عبارة عن "اللواحق العامة للألفاظ المفردة في كل لسان وعند كل أمة: وهكذا فأشكال التثنية والجمع، وأشكال التأنيث والتذكير، وأشكال إخبار المتكلم عن نفسه وعن الحاضر وعن الغائب، وأشكال المركبات وموادها، وهي أشرف أجزاء هذه الصناعة إذ كانت ضرورية في التخاطب، إن هذه الأشكال أو اللواحق الأربعة، هي التي تشكل موضوع النحو في كل لسان ولدى كل أمة، وهي موضوع الجزء الأول والثاني من الكتاب.

ولما كانت هذه الأشكال الأربعة الخاصة بالألفاظ المفردة والمركبة يحتاج النظر فيها إلى ما يجري بالنسبة لها مجرى المقدمات، فقد وجب البدء بهده المقدمات. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لما كانت هناك أشكال أخرى في الألفاظ المفردة وفي أطراف المركبة لا تسمى إعرابا، فقد وجب إدراجها في جزء خاص. ومن هنا انقسم الكتاب إلى أربعة أجزاء: الجزء الأول في المقدمات. الجزء الثاني في أشكال الألفاظ. الجزء الثالث في أشكال المركبات وموادها (الإعراب والمعربات). أما الجزء الرابع فموضوعه الأشكال التي لا تسمى إعرابا (سواء كانت للألفاظ أو لأطراف المركبات).

لنستعرض، باختصار، محتوى هذه الأجزاء الأربعة لنتعرف بكيفية عملية على الطريقة الصناعية العلمية التي رتب بها ابن رشد مسائل النحو العربي. البقية في العدد القادم.

 



[1] - ابن حزم : التقريب لحد المنطق والمدخل إليه. تحقيق إحسان عباس منشورات مكتبة الحياة بيروت. ص 168

[2] - ابن حزم : رسالة مراتب العلوم. رسائل ابن حزم. المجموعة الأولى نشر إحسان عباس ص 64.

هذا وقد استعدنا هذه الفقرة من كتابنا "تكوين العقل العربي." الفصل 12 فقرة 2

[3] - ابن مضاء القرطبي. الرد على النحاة. تحقيق شوقي ضيف. دار الفكر العربي. القاهرة  1947  ص88

[4] -العلل النحوية  ثلاثة : العلة التعليمية، التي يتوصل بها إلى تعلم كلام العرب بقياس بعضه على بعض، والعلل القياسية وهي التي تعلل بها الأحكام النحوية، كتعليل نصب "إن" للمبتدأ بكونها وأخواتها تشبه الفعل المتعدي إلى مفعول، فحملت عليه وأعملت إعماله لما شابهته، فهذه العلل تعلل العلل الأولى التعليمية. أما المستوى الثالث فهو العلل الجدلية النظرية، وهي التي تعلل العلل القياسية فهي علة العلة، أو العلة الثالثة. ولا تقف العلل عند هذا المستوى بل يمكن أن تتسلسل إلى الرابعة والخامسة." انظر: بنية العقل العربي. البيان. الفصل 4 أواخر الفقرة 3.

[5] - ابن مضاء . نفس المرجع. ص 164

[6] - شوقي ضيف في مقدمته لكتاب الرد على النحاة. نفس المعطيات السابقة. ص 15

[7] - راجع تكوين العقل العربي. الفصل 12 فقرة 5

[8] - بخصوص حملة يعقوب المنصور على الفلسفة والفلاسفة وظروف وملابسات محاكمة ابن رشد انظر كتابنا :ابن "رشد: سيرة وفكر". مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. 1999 الفصل الثالث.

[9] - ابن رشد. الضروري في صناعة النحو. تحقيق باب هارون ولد الشيخ سيدي. الشركة الإفريقية الطباعة والقرطاسية (سعيد). أنواكشوط. موريتانيا. 2000، ص 75

[10] - م. ع. الجابري. ابن رشد سيرة وفكر. نفس المعطيات. ص 143. هذا ولا بد من الإشارة إلى أن ابن رشد يشير إلى أن هذا الطلب جاء موافقا لرغبته الخاص في تأليف كتاب في النحو على الطريق الصناعي. وهي رغبة تنسجم مع اتجاه مشروعه الفكري العام الذي لم يتردد في القول عنه إنه يهدف إلى التصحيح والإصلاح : تصحيح العقيدة وتصحيح منهجية التفكير وتصحيح الفلسفة الخ. انظر نفس المرجع الفصل الرابع وما بعده.

[11] - نفسه ص 26

[12] - نفسه ص 31

[13] - سبق أن أخبرنا في مجلة "فكر ونقد" (…..) عن اكتشاف مخطوطة هذا الكتاب في موريتانيا، وقد نشرنا مقالة للتعريف به كتبها أحد الطلبة الموريتانيين في المغرب. وقد طبع الكتاب في السنة الماضية بنواكشوط بتحقيق باب ولد هارون ولد الشيخ سيدي، وتقديم د. محمد ولد عبد الحي. وبما أن المحقق قد اعتمد على النسخة الوحيدة التي تم العثور عليها فقد جاء النص المحقق لا يخلو من عبارات مستغلقة يظهر عليها الحذف والخطأ فضلا عن اللبس الذي ينتاب تنظيم أجزاء الكتاب وأبوابه وفصوله، والإكثار من تقسيم النص إلى فقرات مرقمة حتى صار كل سطر –تقريبا- يشكل فقرة مستقلة في معظم صفحات الكتاب. ولكن ذلك لا ينال من المجهود الكبير الذي بذله المحقق. عسى أن تظهر مخطوطة أخرى أو أكثر  تساعد على تدارك ما يمكن تداركه.

[14] - نفس المعطيات السابقة . ص76

[15] - راجع كتابنا.  ابن رشد: سيرة وفكر. ص 41

[16] بخصوص هذه المناظرة انظر :تكوين العقل العربي. الفصل الرابع فقرة 5، والفصل 11 فقرة 2  وبنية العقل  العربي. قسم البيان. الفصل الأول. آخر الفقرة 2.

[17] - أبو نصر الفارابي. إحصاء العلوم. تحقيق د. عثمان أمين مكتبة الأجلو المصرية. القاهرة1968. ص 58

[18] - يقول ابن حزم  مثلا، بصدد حروف السؤال : "واعلم أن اللغة العربية لم تمكن العبارة فيها بأكثر مما ترى، على أن السؤال بـ "ما" والسؤال بـ "أي" قد يستويان في اللغة العربية وينوب كل واحد من هذين اللفظين عن صاحبه ويقعان بمعنى واحد، ومن أحكم اللطينية (=اللاتينية ) عرف الفرق بين المعنيين اللذين قصدنا في الاستفهام"([18]). مما يدل على أنه كان يعرف اللاتينية. انظر تكوين العقل العربي. الفصل 12 الفقرة 2

 

[19] - ننبه إلى أن هذين الجزأين، الأول والثاني، سيصبحان الثاني والثالث في التقسيم العام للكتاب. كما سيأتي بيانه.