ص1      الفهرس     41-50

 

الصورة والمعنى في السينما المغربية

 

فريد الزاهي

حين يتأمل المرء منا وضعية المجال السمعي البصري ببلادنا يجد نفسه أمام مجموعة من المكونات يمكننا تلخيصها في ما يلي:

ـ  كون المغرب قد عرف التصوير الفوتوغرافي والسينما والتشكيل منذ بدايات القرن، وأن مائوية هذا المجال لا تزال تنبئ مع ذلك عن فقر دموي يطال مجمل مكوناته ويعلن عن تخلف أساس في العديد من مجالاته، خاصة السينما والتصوير الفوتوغرافي والصناعة التلفزيونية.

ـ أن الفنون التشكيلية تظل لحد الآن هي الجانب الأكثر تطورا في تاريخ هذا المجال. فقد عرفت هذه الفنون ضربا من العالمية والذيوع والاعتراف منذ بداية الخمسينيات، ولا تزال لحد الآن بالرغم من ذلك فنا يعرف الكثير من التهميش المحلي، سواء من الجانب الثقافي العام، أم من خلال المؤسسات الوصية على الثقافة ببلادنا.

ـ أن الدينامية التي عرفتها السينما والتلفزيون بالمغرب منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي، كانت تنبئ، بالنظر لما كانت تحبل به تطورات، بمستقبل أسرع في وتيرة تناميه وأعمق في ما يقدمه للجمهور والفضاء الثقافي عموما.

تمكننا هذه الملاحظات من الوقوف على طبيعة السياق الذي احتضن السينما المغربية، وفي الآن نفسه من التوكيد على ضرورة ونجاعة هذه النظرة السياقية والثقافية في تحليل معضلات السينما المغربية وقضاياها وقياس مستوى تطورها والوقوف على المعوقات التي تقف في وجه ازدهارها. لذا فإن الأسئلة التالية تفرض نفسها علينا:

هل تعود هذه الوضعية وهذا التفاوت إلى مشكلة تليدة نعيشها في العلاقة بالصورة عموما، وبالصورة التقنية على وجه الخصوص؟ أم أنها تعود إلى مشكلة خصوصية ترجع إلى طبيعة كل فن بصري، بحيث يعتمد التشكيل على العمل الفردي والحرفي، فيما يعتمد التلفزيون والسينما على المؤسسة الجماعية وعلى "الاحترافية"؟ أم أن الرهانات المالية والمؤسسية التي تطبع هذين المجالين، وطبيعتهما الإعلامية (ومن ثم السياسية) وارتباطهما بدعم وتأطير الدولة، وما شاب هذه العلاقة من تأطير وتوجيه ورقابة مباشرة وغير مباشرة لها الدور الأكبر في تحديد معالم هذه الوضعية؟

ليس من شك في أن الطبيعة المركبة للسينما، بكونها كتابة وإخراجا ومكونات تقنية ومهارات احترافية في مجال التصوير والصوت والتوليف والملابس.. يجعل منها الفن الأكثر تعقيدا في ما نسميه عادة بالعملية الإبداعية. وإذا كان العديد من المخرجين المغاربة قد تلقوا تكوينهم السينمائي في الستينيات والسبعينيات فإن العديد منهم لم يجدوا عند عودتهم بشهاداتهم ومهاراتهم الأولية فضاء ممكنا لتطوير ممكناتهم وتحقيق الطموح الذي من أجله غادروا البلد للدراسة. فضاع العديد منهم في دواليب المركز السينمائي الذي لم تتجاوز مهمته تصوير الأنباء المغربية، فيما واجه ما تبقى منهم عالما شحيح الإمكانيات خاليا من أي عشق للصورة، تسوده وضعية سياسية واقتصادية لا مجال فيها لحرية التعبير والمبادرة. وحين استطاعوا بشكل فردي أو جماعي أن ينجزوا أفلامهم الأولى كان عليهم انتظار السنوات الطوال قبل إنجاز مشروعهم الثاني، مما جعلهم يضيعون السنين الطويلة لا في مباشرة العمل السينمائي وإنما في حل المعضلات المستعصية، من تمويل وتقنيات وغيرها.

يثير النجاح الذي يحققه حاليا الفيلم الثاني لنبيل عيوش سواء في المغرب أو في المهرجانات العربية والدولية الكثيرة من الأسئلة على تاريخ السينما المغربية ومن ثم على وضعيتها الحالية. وإذا كان هذا الشريط ليس الوحيد الذي يحظى بقيمة معينة جمالية وتقنية وموضوعاتية فإنه مع ذلك يشكل بمعنى ما الشريط النموذج الذي أفرزته سينما التسعينيات إلى جانب شاطئ الأطفال الضائعين للجيلالي فرحاتي، وحب في الدار البيضاء لعبد القادر لقطع، ونساء ونساء لسعد الشرايبي، والبحث عن زوج امرأتي لمحمد عبد الرحمان التازي. فإلى جانب الخصائص التصويرية والتقنية يطرح الشريط ولادة حساسية جديدة في السينما المغربية تتعلق بقدرتها على خلق المنظور الجمالي والاجتماعي لتناول قضايا حساسة في المجتمع المغربي.

إنه يضع السينمائيين المغاربة أمام سعة طموحهم، ليس فقط لخلق سينما وطنية ذات قيمة فنية وإنما أيضا ذات بعد عالمي. إنها قيمة تنطلق من طبيعة الاشتغال على السيناريو ومن ثم الموضوع السينمائي لتصل إلى التصوير والتشخيص والتوليف وغيرها من العمليات التي تتطلبها العملية السينمائية. من ثم نعتبر أن مشكلات الصورة والمعنى تخترق مجمل مكونات العمل السينمائي، بالرغم من أنها ذات خصوصية مرتبطة أساس بالسيناريو والعمل الإخراجي والتصوير والتوليف حصرا.

الكتابة السينمائية وتكوين المعنى:

بالرغم من أن المشاهد المغربي لا يطلع إلا نادرا على السيناريوهات الأصلية للأعمال التي تتاح له الفرصة لرؤيتها إلا أن ملامح السينارية تظل واضحة في خلفية العمل السينمائي، بحيث يمكنه أن يقدر قيمة وعمل السيناريست بالانطلاقا فقط من المنتوج من المنتوج المرئي. ذلك أن السيناريو وإن كان عملا وسطا بين المكتوب والمرئي إلا أن كل كتابة للسيناريو هي كتابة بصرية باللغة وفيلم مفترض قبل تصويره.

وحتى نتجنب العمومية يمكننا القول بأن الكتابة للفيلم المغربي لم تفرز متخصصين في السيناريو بالقدر نفسه الذي أفرزت به مصورين (رغم قلتهم) أو مخرجين. هل يعود ذلك إلى النقص في الدينامية التي عاشتها السينما المغربية طيلة ثلاث عقود من تاريخها والتي لم تمكن من فرز قطب للتخصصات في المجال البصري السينمائي منه والتلفزي؟ أم إلى هامشية وهلامية هذا المكون وعدم تحدد هويته في العملية السينمائية في الوسط السينمائي المغربي؟ أم إلى غياب التكوين في هذا المضمار؟

فإذا كانت السينما المغربية قد بدأت تاريخها بشكل متذبذب، تعوزه قلة الإمكانات، وطغيان الترميق (البريكولاج) على الاحترافية، فإن ذلك قد أفرز "المبدع" السينمائي الشامل القائم بكل الأعمال، من السيناريو إلى الإنتاج مرورا بالكاستينغ والتشخيص.. وبالرغم من أن هذه الوضعية ليست غريبة على السينما العالمية، إذ كان دائما ثمة كتاب سيناريو يتمتعون بموهبة وتكوين في مجال الإخراج والتشخيص.. إلا أنها تخضع لامتلاك احترافي له مردودية رمزية وسينمائية واضحة. فليس من قبيل الصدفة أن يستمر وودي ألان في كتابة السيناريو والتشخيص لو كان ممثلا فاشلا أو كاتب سيناريو من الدرجة الثانية. أما في وضعنا السينمائي، فإن السينمائيين ليسوا مسؤولين بشكل مباشر عن هذا المأزق. فكونهم يقومون بإنجاز عمل سينمائي كل ثلاث أو أربع سنوات، إن لم يكن أكثر، يفقدهم ويفقدنا معهم القدرة على تقويم أهليتهم لكتابة السيناريو، خاصة وأن ما كتبوه من قبل لا يكون رديئا البتة، ويمتلك أحيانا عناصر جيدة في الخيال والتركيب السيناري.

الأمر إذن يحيلنا على مسلك آخر. ففي غياب متخصصين في كتابة السيناريو، لازال السينمائيون  المغاربة يقدمون سيناريوهات شخصية، أو في أحسن الأحوال يتقاسمون كتابتها مع آخرين. وهو أمر لم يكن ليثير المشكلات لولا الآثار الناجمة عن ذلك، من ضعف في الحبكة، وعدم امتلاك للغة وتكرار للموضوعات وغياب التصور البصري والحركي لمكونات السيناريو، إضافة إلى شحن المشروع الفيلمي بالشخصيات والأحداث. وربما كان هذا العنصر التكثيفي الأخير من أعتى المعضلات التي تعاني منها السينما المغربية. فالكثير من الأفلام تعاني من انعدام التوازن بين الرغبة الفيلمية، إن صح القول، المتمثلة في قول الواقع وحكيه وتشخيصه، والمحددات البصرية والحدود الزمنية للشريط السينمائي. هكذا يتم إثقال الفيلم بالكثير من العناصر التي تجعله "فيلما وصية". وكأن السينمائي يحس أن ذلك هو فيلمه الأخير، وعليه من ثم أن يفرغ فيه كل ما تمتلكه شخصيته الذاتية من مرغوب قوله أو الإفصاح عنه. هذه العلاقة المأساوية مع الشريط السينمائي كمشروع انعكاس واضح للوضع المأساوي الذي عاشته السينما طيلة ثلاثة عقود، ولم يبدأ في الانقشاع إلا في العقد التسعيني من القرن الماضي، مع ارتفاع وتيرة الإنتاج السينمائي الناجمة عن ارتفاع رصيد صندوق الدعم الخاص بالسينما.

بيد أن هذه المعضلات لا تفصح لوحدها عن شساعة المشكلة. فإذا كان المخرجون المغاربة قد تلقوا تكوينا في مجال الإخراج أو التصوير يؤهلهم لممارسة الإخراج، فإن ضعف تكوينهم الثقافي العام، إلا بعضهم، لا يؤهلهم البتة لممارسة الكتابة السينارية. وحين يطرح عليهم النقاد أو المهتمون بالمجال السمعي البصري ضرورة اللجوء إلى الاقتباس فإنهم يتذرعون بعدم معرفتهم بالأدب المغربي المكتوب بالعربية، أو عند معرفتهم به بأنه عبارة كتابة تجريبية لا حبكة فيها ولا حكاية وغير صالحة للاقتباس. والحال أن الاقتباس لا يرتبط بالضرورة بالنص الأدبي، ولا بالنص الروائي حصرا، وليس مفروضا على المقتبس أن ينحصر في ثقافته. فالأدب العربي الحديث والمعاصر يعج بالروائيين والكتابة من الجزائر وتونس ومصر وسوريا والعراق ولبنان، وما على المقبتس إلا أن يكيف النص مع معطياته المحلية ويجعله ملائما في الآن نفسه لمقاصده من جهة وللمجال البصري السينمائي من جهة ثانية. فالاقتباس مجال للقاء الحيوي بين خيالين خلاقين: خيال كاتب السيناريو وخيال الكاتب الأصلي. وهو من ثم قد ينطلق من حدث اجتماعي (fait divers) أو من حكاية شعبية أو ما شابه ذلك.

تعتمد كتابة السيناريو في الفيلم المغربي على موضوعات طاغية تتمثل في موضوع المرأة والهامشيين، ومشكلات الطبقة الوسطى. وهي موضوعات يغلب عليها الطابع الاجتماعي. وكأن قدر السينما المغربية أن تنحصر في هذا الجانب وألا تنفتح على شساعة الأنواع الأخرى. هل يتعلق الأمر بما تتطلبه تلك الأنواع من قدرات تقنية وتمويلية، أم بانطباع هذه الموضوعات على الفضاء التاريخي والاجتماعي للمغرب؟ لماذا لم تنتج السينما المغربية أشرطة فكاهية أو بوليسية أو تاريخية (اللهم إلا بعض النماذج المعزولة)؟

إذا كان السيناريو اللحمة الأولى للعمل السينمائي، فإنه لا يجد في الفضاء التعليمي المغربي، باعتباره فضاء لغويا بالأساس يعتمد على تلقين المعارف الجاهزة، أي مجال أو موطئ قدم. بل إنه من الصعب على المهتمين بالمجال السمعي البصري تأطير أطروحات ورسائل تتعلق بهذا الجانب، خاصة في غياب منشورات تهتم بنشر السيناريوهات، من جهة، والحجب الذي يمارسه العمل السينمائي على العمل السيناري، مقارنة مع علاقة النص المسرحي بالعرض. إن وضعية السيناريو كمجال ملتبس بين الكتابة الأدبية والصياغة السينمائية التقنية والإخراجية يساهم بدوره في هذه الوضعية. من ثم، يدخل هذا المجال من باب ضيق هو مجال العلاقة بين الأدب والسينما، ومسألة الاقتباس، كمبرر لدراسته من قبل بعض المغامرين ولو بشكل عارض.

من ناحية أخرى، يبدو أن الدولة المغربية وهي تعزز من القدرات التمويلية لصندوق الدعم تعبر عن رغبة أكيدة في تعضيد السينما المغربية الفتية، وتسعى إلى الاعتراف بقدرات السمعي البصري على أن يكون واجهة من واجهات التحولات الثقافية والاجتماعية التي تسعى إلى تحقيقها. بيد أن الدعم المالي للسينما لا يمكن أن يكون مكتملا إذا لم يكن مرتبطا باستراتيجية تنمية ثقافية فعلية في المجال البصري. ولن يتم ذلك أصلا من غير تدعيم لتعميم قاعات العرض وقبل ذلك خلق مؤسسة عليا للتكوين في مجالات السينما، وخلق صندوق دعم خاص بكتابة السيناريو. كما أن أهم مدخل لكل ذلك يتمثل في مجال إدخال السمعي البصري والفنون البصرية إلى مجال التعليم العالي والثانوي، ودعم المهرجانات الدولية (مهرجان تطوان ومهرجان خريبكة)، وإنشاء مجلس أعلى للسمعي البصري قصد خلق استراتيجية راهنة في هذا المضمار، وتشجيع العلاقات الإنتاجية بين التلفزيون والسينما، إلخ.

إن الضجة التي نتجت مؤخرا (دورة يونيو 2001) عن قرارات لجنة صندوق الدعم بحجب الدعم عن مشاريع الأفلام الطويلة، تطرح أسئلة كبرى على الطريقة التقليدية التي ما يزال صندوق الدعم يتعامل بها مع السينما المغربية (الدعم انطلاقا فقط من السيناريو)، إضافة إلى نوعية تعامل السينمائيين المغاربة مع هذا الصندوق، ناهيك عن الدور غير الواضح الذي يلعبه السيناريو في هذه العملية. وإذا كان من الصحيح أن المخرج المقتدر كفيل بتحويل هنات السيناريو إلى مواطن قوة من خلال العمل الإخراجي، فإن السيناريو الجيد والمتقن والمحبوك يشكل دعامة أساسية لعمل المخرج وأساسا يبني عليه عمليته الإبداعية. فالتخييل السينمائي نتاج يرتكز على التخييل السيناري. لذا فإن إتقان الكتابة السينارية شكلا ومحتوى، موضوعا وحبكة، اختيارا وجمالية يعتبر مدخلا أساسا لجمالية الفيلم ونجاحه وضامنا أوليا لأفق إبداعيته.

بيد أن عدم أخذ دور السيناريو في هذه الاستراتيجية العامة أشبه ببناء من غير أسس متينة. لذا فإن المطلوب هو تعميم دراسة السينما في التعليم الثانوي، وتشجيع خلق وحدات للبحث والتكوين خاصة بالسمعي البصري، وكذا خلق فضاءات دعم للكتابة السينارية وتشجيع المؤسسات المهتمة بكتابات الشباب في هذا المضمار (وليس لنا هنا سوى أن ننوه بالدور الذي يقوم به نبيل عيوش في هذا الاتجاه).

صناعة الصورة والمعنى:

التخييل السينمائي صناعة بصرية للمعنى والوهم. ومن هذا المنظار، فإن مبدأ الواقع والواقعي ينحجب لصالح الصنعة والاحتراف. لهذا فإن تزاوج الخيال والصنعة هو ما يمكن من إنتاج السينمائي المبدع. ولصناعة الصورة جوانب تقنية وجوانب فنية جمالية. فإذا كانت العيوب الأساسية للفيلم السبعيني والثمانيني تقنية محضة، فإن تلك الهنات التقنية كثيرا ما أسدلت آثارها على الجوانب الفنية الجمالية. من ناحية أخرى لا تتعلق جمالية الصورة فقط بوظيفة المصور ولعبة الالتقاط والتأطير وإنما أساسا بتضافر جهود المصور والمولف ومهندس الديكور والموسيقى..إلخ. بمعنى أن الصورة جماع العمل الجماعي للمتدخلين في مجال صياغتها.

إن عدم  اشتغال السينمائيين المغاربة بشكل كبير على مجال الصورة يرجع في نظرنا بالأساس إلى الأولويات التي شغلتهم طيلة الأربعين سنة الماضية والتي جعلت همهم الأساس يكمن في إخراج منتوج فيلمي إلى الوجود. وإذا كان هذا لا يعني أن هؤلاء لم ينتجوا صورة سينمائية جيدة في بعض الأحيان، فإن تحليلنا يقودنا إلى توكيد أنهم لم يعنوا بها عناية خاصة. فالغالب أن المشاهد يتابع متواليات من اللقطات كثيرا ما تغيب فيها المتعة البصرية لصالح الدلالة الحكائية التقريرية. هذا الخلل يمكن التعبير عنه بالأمثلة التالية:

ـ حدث أن شاهدنا في فيلم مغربي لمخرج وصل شريطه الخامس، مشهدا لمشعوذة معاصرة، وخلفية الديكور والأكسوسوارات من التنافر بحيث إنها تحيلنا على فضاءات ثقافية متنافرة (إفريقيا السوداء، المغرب…). إن عدم التناسق هذا هو ما نلاحظه أيضا في فيلم لمخرج آخر يجعل فتاة من الجيل الثاني تلبس الزي التقليدي في قرية من الجنوب المغربي، وحين تخرج للمدينة القريبة تظهر بزي عصري (الدجين والقميص)، وكأنها ولدت من جديد. وفي شريط آخر يوقف المخرج حركة الكاميرا خارج المدينة، ليدمج توليفا عدة لقطات لنوافذ المدينة، غير مبرر لهذا الانتقال البصري والفضائي سوى بكونه مصورا وعاشقا لهذه الآثار. وكأننا بالمخرجين ينسون التناسق الدلالي الذي تخلقه هذه المكونات البسيطة، والتي تجعل من الدلالة الفيلمية دلالة متنامية وذات بعد سياقي.

ـ في الكثير من الأشرطة السينمائية المغربية، بل في أغلبها هناك عماء بصري واضح يتمثل في استخدام الألوان. وحين يتم ذلك فبشكل رمزي تبسيطي. وبالرغم من الأهمية الدلالية لهذا الجانب الرمزي، ودوره في خلق علاقة عاطفية بين المشاهد والسيرورة الدلالية، فإن الجانب التشكيلي البصري يخلق بدوره تركيبة من الأحاسيس والانفعالات الضرورية للتلقي. إن وظيفة الألوان جمالية وتأثيرية وإدراكية في الآن نفسه، من ثم فإن اختيارها سواء في اللباس أو في الفضاءات يكون له بالغ الأثر في صياغة مستويات من التقبلات للحكاية والأحداث، مثلها مثل الموسيقى، وإن بشكل أعمق أحيانا، باعتبار أن السينما العالمية قد صاغت دلالات معينة للموسقى ومقاصدها.

ـ كثيرا ما يتم تأثيت فضاءات اللقطة بشكل اعتباطي. فالعناصر التي تحتوي عليها اللقطة تؤدي دائما وظيفة إشارية تحيل على حدث سابق أو لاحق. وربما كان الشريط البوليسي أكثر أنواع الأفلام دقة في هذا المضمار، بحيث إن كل مكون من مكونات اللقطة يؤدي وظيفة معينة تستنفر إدراك المتلقي. كما أن الكثير من الأفلام المغربية يغلب عليها نمط من التصوير أقرب إلى التصوير التلفزيوني، من الاعتماد على تأطير نمطي وعلى لقطات مقربة..إلخ. وكأننا ببعض المخرجين يلعبون على تلقي الجمهور للحدث وصورته بالشكل نفسه الذي يلعب عليه المخرج التلفزيوني. إن أمرا من قبيل هذا يفصح عن هشاشة التصور الذي يحمله هؤلاء للعمل السينمائي وخصوصيته الأساسية.

إن هذه الملاحظات وغيرها تحيلنا على سؤال أساس يتمثل في كون السينما المغربية لم ترق بعد لتغدو صورها قابلة للدراسة الجمالية. وإذا كان هذا الأمر ليس مطلقا، فإنه مع ذلك يكشف عن هشاشة السينما المغربية في الوقت نفسه الذي يعني أن جوهر التراكم لا يكمن في الكمي وإنما في التأسيس الكيفي لعلاقة جديدة بالصنعة السينمائية، تنبني على تعميق الاحتراف والتخييل الجديد. وتلك مسألة تتعلق أيضا بالسينمائيين، لا فقط بالشروط الخارجية للإنتاج السينمائي.