ص1      الفهرس     41-50

الفيلم القصير

ملاحظات ومقاربات .. لتجارب مغربية

 

محمد زهير

ملاحظات تمهيدية:

في المهرجان الوطني السينمائي السادس بمراكش (27 يناير/3 فبراير 2001) كان هناك شبه إجماع من النقاد والمهتمين والمتتبعين لتطورات السينما المغربية، على أن الأفلام القصيرة التي قدمت في المهرجان، تشكل بؤر ضوء في المشهد السينمائي المغربي، لما توفرت عليه من قيمة إبداعية اجتذبت الأنظار إليها، خاصة بالقياس إلى الأفلام الطويلة المعروضة في المهرجان، والتي لم يرتق معظمها إلى مستوى الكتابة السينمائية المقنعة بعمق طرحها، وكفاياتها الإبداعية الضرورية. بل إن بعضها لينحدر إلى مستوى الضحالة الفكرية والجمالية..

ورغم القيمة الملحوظة لأفلام مغربية قصيرة، فإن الاهتمام النقدي بها، يظل محدودا جدا. فالتلقي اعتاد على الفيلم الطويل مشاهدة ومتابعة، وقراءة نقدية.. مما يبقي جغرافية الفيلم القصير في حاجة أكثر إلى التواصل والاهتمام، ليس فقط من أجل الإشعار الدائم بحضور هذا الفيلم، خاصة في إنجازاته المتميزة، بل وكذلك من أجل تكوين بنية تلق له تساهم في تنويع وإغناء الثقافة البصرية، لتشمل –على المستوى السينمائي- الفيلم الطويل والقصير معا. أي من أجل خلق حساسية سينمائية تقبل على الفيلم الطويل وتتذوقه، وتتواصل معه، وتقبل على الفيلم القصير وتتذوقه، وتتواصل معه أيضا، على أساس أنه جنس سينمائي له طبيعته المغايرة لطبيعة الفيلم الطويل. ومن ثمة يقتضي حساسية تلق مغايرة. وبمعنى أدق ثقافة تلق تلائم طبيعته المتميزة بخصوصياتها المفارقة لخصوصية الفيلم الطويل.

وهنا أصل إلى نقطة شديدة الأهمية في اعتباري، وهي أن الفيلم القصير ليس تمرينا أوليا لإنجاز الفيلم الطويل، ليس "بداية" أو "مرحلة" أو "خطوة أولى" في الطريق إلى الفيلم الطويل، بعد "التمرس والتمرن الأوليين" في الفيلم القصير، كما يحسب الكثيرون، ومنهم من يستهين به –مضيا مع هذا التوهم- إذ يعتبره أقل صعوبة إبداعية مما يقتضيه الفيلم الطويل. وهذا نوع من سوء الفهم لهذا الجنس السينمائي الصعب حقا، والذي لا يطاوع أي مجترئ لا يمتلك فهما دقيقا له، وقدرات إبداعية خاصة تساعد على إنجازه. ولذلك تخيب بعض الأفلام القصيرة انتظارات تلقيها، إذ تجيء شبه مشاريع محبطة لأفلام طويلة، أي تجيء فاقدة لمقومات وهوية الفيلم الطويل والقصير معا.

إن الفيلم القصير جنس سينمائي قائم بذاته، له صعوبته النوعية الخاصة. لذلك، فإنجازه لا ينبغي النظر إليه من زاوية "محدودية" المستلزمات المادية، أو من زاوية بيداغوجية مغلوطة تراه "تمرينا أوليا" –كما ذكرنا- لاكتساب مؤهلات لما "يجاوزه" أي لاكتساب مؤهلات إنجاز الفيلم الطويل. وهي نظرة تستسهل الفيلم القصير استسهالا يدل على سوء فهمه. بل على غياب هذا الفهم.

وكما الفيلم القصير ليس مرحلة للفيلم الطويل، فإن هذا ليس تمطيطا لذاك. ولا يتضمن الفيلم القصير الفيلم الطويل بالضرورة. إن لكل منهما عالمه وبلاغته، وتقنياته، ومؤهلاته، ومتطلباته المختلفة..

وعلى هذا الأساس يجدر النظر إلى كل منهما في علاقته مع ذاته، وخصوصيات عالمه، لا في علاقته مع الآخر، إلا في حالة الموازنة الممكنة بينهما بطبيعة الحال.

هذه بعض الملاحظات التمهيدية المبرر بعضها لاختيار أفلام مغربية قصيرة متميزة، للاشتغال عليها في هذه المساهمة –إذا كان الاختيار في حاجة إلى ما يبرره- ومنها ما يحدد نوع النظر إلى الفيلم القصير، الذي لا تتاح له فرص التلقي، مثلما تتاح للطويل. ونحن ننظر إلى حالة التلقي في السياق المغربي تخصيصا، حيث يبقى تلقي الفيلم القصير رهين المناسبة أو المبادرة النادرتين.

تجارب من الفيلم المغربي القصير:

وسنقارب هنا بعض التجارب من متحقق الفيلم القصير المنجز من طرف مغاربة داخل الوطن وخارجه، ويتعلق الأمر بأربعة أفلام هي:

ـ "مولود بدون زلاجتين في القدمين" لنور الدين لخماري.

ـ "الأفق الضائع" لليلى المراكشي.

ـ "حالة طوارئ" لأحمد الإدريسي الطاهري

ـ "مقبرة الرحمات" لعلي الطاهري.

1 – "مولود بدون زلاجتين في القدمين" لنور الدين لخماري:

ابتدع نور الدين لخماري أسلوبا طريفا لطرح قضية معقدة شائكة هي قضية الاغتراب، ومن ثمة قضية الهوية. فأنجز فيلما قصيرا تراجيكوميديا جميلا، يمتلك مقومات الإبداعية السينمائية، والقدرة على النفاذ إلى أبعاد بؤرية في قضيتي الاغتراب والهوية، وهما قضية واحدة، أو قضية تحيل على الأخرى في حال الاغتراب.

ففي عيد وطني لـ"النرويج" قرر مغترب في هذا البلد، الاندماج في أجواء الاحتفال بالعيد وطقوسه، كأي مواطن نرويجي. ولكي يحقق ذلك، صبغ شعره الأسود بلون خمري كالجعة، ولبس أفخر ما عنده، ورشق في السترة على الصدر وسام العيد.. وخرج من مسكنه سعيدا لطيفا، مقبلا على الاندماج في الاحتفال.. لكن محاولته باءت بالفشل جراء ما لقيه من مقاومة وردود فعل ذات أشكال متعددة، من الآخرين، ومن ذاته العميقة نفسها، ومن أعنفها وقعا على نفسها ازدراء فتاة له كانت تراقصه.. إن المهاجر، وهو الشخصية المحورية في الفيلم، يكتشف في غمرة محاولته، أن تغيير مظهره، أو شخصيته الخارجية، لا يستتبعه بالتلازم تغيير شخصيته الداخلية، التي تدل على نفسها حتى وهو منحشر في طقس الاحتفال الصاخب داخل حانة، حيث يخرج عن إيقاع الرقص الجماعي في الحانة، مستجيبا لإيقاع مختلف يسكن أعماقه، رقص عليه بحدة. وتلك كانت إحدى أقوى لحظات هذا الفيلم الجميل الكثيف الدلالات..

يطرح فيلم لخماري قضية الاغتراب والهوية، في أسلوب سهل ممتنع، اشتغلت فيه العلامة الرمزية بنفاذ. ومنها صورة المتزلج على الثلج المعلقة في مسكن المهاجر، وهي ترمز إلى الإنسان النرويجي. في مقابل الموسيقى الحارة التي ترمز إلى انتماء المهاجر-المولود بدون زلاجتين في قدميه، كناية عن اغترابه- وهو ما يرمز إليه أيضا شعره الأسود الذي يصبغه إشارة إلى رغبته الطارئة في الاندماج. وإلى هذه الرغبة تشير أيضا حركة إسكاته للموسيقى "الكناوية" الحارة المنبعثة من آلة التسجيل حين كان يتهيأ في مسكنه للمشاركة في الاحتفال. فبدل هذه الموسيقى يتحول إلى سماع ريبورتاج الاحتفال بالعيد من المذياع قبل الخروج إلى الشارع. فالخماري يحسن استخدام الإشارة الدالة في السياق المناسب، وهو يطرح قضية معقدة دون تشنج أو تقرير، وإنما بممارسة لعبة سينمائية طريفة، نستخلص من مشاهدها أن الاغتراب إحساس داخلي، وأن الهوية قيمة عميقة لا يمكن مداورتها بديكور خارجي، أو رغبة مرتجلة.

إن فيلم لخماري مبني بانسيابية مرنة، وبأدوات سينمائية يحسن استغلالها لتشخيص حالات اختلاف دالة: اختلاف بين خارج شخصية المهاجر وداخله.. اختلاف بين أفعال المهاجر وردود أفعال الآخرين.. اختلاف بين الرغبة والواقع.. شبكة اختلافات تطرح مشاكل حقيقية، أشر عليها الفيلم بتركيز كثيف، وجمالية شفيفة نافذة، كما يقتضي بناء فيلم قصير، متميز بإبداعية كتابته السينمائية، وحيوية طرحه لقضية بالغة التعقيد..

2 – "الأفق الضائع" لليلى المراكشي:

تناول فيلم "الأفق الضائع" موضوع التعلق بحلم الهجرة، والمغامرة باجتراحها مغامرة تؤدي إلى مأساة غرق الشاب عبد السلام، الذي جمعته علاقة حب بالفتاة "رحيمو" الفتاة الوديعة العاملة في دكان لبيع الورد. لكن لوثة التعلق بالهجرة لم تدع لهما لحظة صفاء.. وقد حاولت "رحيمو" أن تثنيه عن الهجرة، ليكونا معا في بلدهما، لكنه يريدها معه هناك، خلف البحر، خلاف ما تريد هي.. وإذ أصر على الهجرة، قصت "رحيمو" ظفيرة شعرها الغزيرة، وأحضرتها له، دليل تعلقها به.. لكنه ركب المغامرة مصطحبا الظفيرة.. وضاع.. وأطلت "رحيمو" على البحر الممتد، من شرفة عالية، وهي في ثوب النوم، وقدماها مخضبتان بالحناء كالعروس.. سافرت بعينيها ومشاعرها، متطلعة إلى امتداد البحر، الذي قربت الكاميرا صورته، فبدا هادئا بعد أن ابتلع الفريسة ولفظ الظفيرة مترسبة في مياهه الشفافة قرب الضفة، كأنما يعيد الظفيرة إلى الفتاة المتطلعة، ويعلن عن المأساة.. لحظة مترعة بالألم، مشحونة بالدلالات، لحظة تلخص كل شيء، وقد تلاشى كل شيء في سراب قاتل..

اعتمدت ليلى المراكشي على الحكي الخطي المتماسك، وعلى تقنية سينمائية بسيطة، لتباشر محكيها السينمائي أكثر من التأشير عليه، أو الإيحاء به. فحركة الكاميرا تحرص على التقاط الصورة ذات الدلالة القصدية، التي لا تحتمل تعدد التأويلات إلا نادرا. مركزة على تعابير الوجه، وعلى الحوار المفصح عما في النفس، وعلى الإشارة البسيطة الدالة، كحلق شارب الشاب المؤشر على الرغبة في التحول من حال إلى حال. وكرمي الشاب لقطعة النقد في الهواء، المؤشر على المغامرة بحياته. وكالحناء في قدمي الفتاة، المؤشر على حلم يسكنها في أن تصبح عروسا لمن تنتظره. وكظهور الظفيرة راسبة في الماء، إشارة إلى ضياع الحلم..

وانبنت درامية القصة على جملة من التعارضات، كالتعارض بين الحب والطموح المجازف. والتعارض بين حركة المدينة (فضاء طنجة) المتفجرة ظاهريا، وانطوائها على جراحها، التي تقربنا ليلى المراكشي من جرح غائر منها، في صيغة فيلم قصير، يتوفر على مقومات الفيلم القصير، خلاف أشرطة سينمائية قصيرة، تبدو كما لو كانت محاولات لأفلام طويلة مجهضة، أي أنها لا تتوفر على مقومات الفيلم القصير ولا الطويل.

وإذا كان فيلم ليلى المراكشي قد وضعنا أمام مأساة ركوب مغامرة الهجرة، حين يكون المصير هو الموت غرقا، فإن فيلم نور الدين لخماري يضعنا أمام مأساة أخرى ترتبط بالهجرة في حال تحققها، هي مأساة إكراهات الاغتراب وتوتراته. وهي ضياع من نوع آخر في حال تحقق العبور إلى الضفة الأخرى.

3 – "حالة طوارئ" لأحمد الإدريسي الطاهري:

مدار فيلم "حالة طوارئ" موضوعة النار، التي كانت الذريعة لالتقاط حالات اختلال من صلب الواقع الشاخص، بطريقة جد مختزلة، لكنها بالغة الدلالة. فالشخصية الرئيسية في الفيلم، شاب مسكون بهاجس الكتابة، يدخن بكثرة سجائر عادية، ويغالب الأرق باحتساء القهوة. يعيش وحيدا في البيت، في مواجهة أوراقه وأقلامه. وفي ساعة متأخرة من الليل، على مشارف الفجر، ينفد عود الثقاب لديه، ويسهو عن مكان القداحة، فيخرج إلى الشارع باحثا عن وقدة لسيجارته الوحيدة. وفي ذلك الوقت المتأخر يصادف صورا لاختلالات اجتماعية مختلفة: زوج في شجار مع زوجته لعودته إلى البيت متأخرا –مشرد طريح ركن، غائب عما حوله في حالة خدر طافح- معتوه يوقد النار هنا وهناك، فيستنفر سيارة الإطفاء، التي تشق الشارع خارقة صمت الليل –مومس على مقعد عمومي في شارع خال- كلبان شرسان يطاردان الشاب فيولي هاربا مرتعبا.. ومع أذان الفجر يعود إلى البيت مكدودا، لتقع عيناه على قداحة النار في مكانها الذي سها عنه.

فيلم مبني بدقة، تذرع بنفاد عود الثقاب للخروج في وقت متأخر من الليل، لالتقاط تلك الحالات التي يمكن أن نجد بينها وبين موضوعه النار علاقة ما: فالشجار بين الزوجين اشتعال انفعالي. والخمر مزيج بين النار والماء، كما يرى "باشلار". والمومس ترد على الشاب الذي لم يجد عندها ما يشعل به سيجارة "الله ايجيب اللي يشعلنا كاملين"، فهي إذن تنتظر لحظة اشتعال، وهي حالة احتراق. والمعتوه يجري هنا وهناك ليوقد النار، التي تسرع سيارة الإطفاء لإخمادها. والكلبان يشتعلان في وجه الشاب فيطاردانه. حالات من مفرزات الليل، يصادفها الشاب في خرجته الليلية، تكشف عن اختلالات في الواقع. لكل حالة منها طبيعتها المفارقة، لكنها تلتقي جميعا في الوطأة والمعاناة.

شريط تتوالى لحظاته بسلاسة مرنة، ينطلق من حادث مفرد، لينتقل إلى المتعدد، من خلال حالات الاختلال الملتقطة.. مصاحبة في رحلة خاطفة، تعبر فيها الحالات كما لو كنا في متتاليات حلم أقرب إلى الكابوس، تشكل فيها موضوعة النار رمزا لمفتقد، رمزا لفقدان التوازن في الحياة. فهناك شيء جوهري ينقص الحياة، فيفقدها توازنها وحرارتها وحميميتها. أو شيء احترق حتى صار رميما كرماد السجائر في منفضة الشاب. هناك احتراق ما، رصدت الكاميرا حالات دالة عليه، نستدرج للاصطدام بها عبر رحلة الشاب القصيرة، لكن المشحونة، حيث تنتقل الكاميرا بدقة وسرعة، ويقتصد في الكلام لتدل الحالة الشاخصة بنفسها على واقعها، فيكشف الليل عن مباذله أكثر مما يكشف النهار. وبلاغة الفيلم في اللعب برمز النار على أكثر من وجه، فتتحقق كثافته الدلالية من متتالية صورية محددة، لكنها بليغة الدلالة.

في نهاية الفيلم، يعود الشاب خائبا مجهدا إلى البيت، ليكتشف قداحته أمامه، لكنه لا يشعل نارها، إحالة على حالة الانطفاء الذي هو نقيض الاشتعال. فهل الحالات التي التقطتها الكاميرا، والتي هي قوام الفيلم، حالات ترمز إلى النار، أم إلى الانطفاء؟ وبعبارة أخرى، هل موضوعة النار في الفيلم ترمز إلى الاشتعال أم إلى الانطفاء؟ إنها حالات محبطة، أعني منطفئة. وهنا تكمن مأساتها. وأتصور أن ما كان يكتبه الشاب في بداية الفيلم، هو حالاتها التي انكتبت شاخصة بعد خروجه من البيت إلى الشارع..

4 – "مقبرة الرحمات" لعلي الطاهري:

اشتغل فيلم "مقبرة الرحمات" على موضوعة الماء، باقتصاد في الصورة والكلام، كما يقتضي فيلم قصير, ومشاهده تبدأ بمشهد لتلاطم البحر، وصيحة "العربي باطما": "يا صاح راني وسط الحملة"، إشارتين إلى الموضوعة والمأساة: موضوعة الماء، الذي لا مكان لوجوده أرحب ولا أغزر من البحر. أما صيحة "باطما" الشجية، فتشعر بمأساة السقاء (الكراب) –شخصية الفيلم الرئيسية- الذي استجمع من مقبرة الرحمات أوعية قصديرية، وانحدر إلى المدينة دافعا عربته المحملة بالأوعية ليستقي الماء من أنابيب عمومية، يصطدم بانقطاع الماء من معظمها. لكن صدمته الأكبر أن جميع المنازل التي توقع أن تستقبل سقايته، أدخلت أنابيب الماء، فلم يجد من يشتري منه حمولته.

هذا الشريط مقتصد جدا في الكلام، غزير العلامات الدالة بالصورة الملتقطة بعناية، خاصة في جولة السقاء في الأحياء، حيث يفاجأ أولا بنضوب أغلب الصنابير العمومية، ثم بالماء في البيوت وخارجها، فتستفزه أصواته وصور استعماله أينما اتجه..

لقد استغنت الأحياء إذن، عن خدمته، ولا أحد استقبل حمولة عربته من الماء، التي يدفعها صعودا وهبوطا في معاناة سيزيفية مضنية.. وفي تيه ضياعه يسمع صوت جنازة. صوت نداء المقبرة. صوت الإعلان عن موته المحتوم بموت حرفته. يتأكد هذا حين يقصد المقبرة، فيفاجأ مرة أخرى، بصف من نظرائه السقائين، لم يجدوا لهم مثله ملجأ سوى المقبرة لبيع الماء. صف طويل من السقائين بحارس صارم ينظم الصف، مناولا كلا منهم ورقة دوره.. سدت الحرفة إذن، بين الأحياء والأموات، وأريقت بذلك حياة السقاء. وقد أشر الفيلم على هذا النزف بتدفيق السقاء للماء على يدي طالب لشيء منه لغسلهما. وهي إحدى اللقطات المعبرة بدقة عن بوار الحرفة، وانتهاء حياة السقاء، إذ أخذ في صب الماء على يدي المغتسل بقوة جعلت هذا الأخير يطلب منه التريث. فكأن السقاء وهو يبادر لتقديم الخدمة بسبب شدة احتياجه، يريق في الآن نفسه حياته. لقد كان الماء المصبوب بغزارة ينحدر إلى حفرة قبر، إشارة إلى مآل حياة السقاء.

ومن أجمل اللقطات في الشريط، وقفة السقاء أمام خابية زيتون ينضج في الماء، وقد انجذب إليه، لولا أن امرأة البيت فاجأته..

اختزل هذا الشريط في جولة كثيفة لحظة نهاية السقاء.. مركزا على حالته النفسية، حيث تتوالى صدماته في زمن يسير، يختصر زمنا مديدا، هو الزمن الذي استغرقه دخول أنابيب الماء إلى البيوت، والاستعاضة بها عن خدمته. فالشريط قصد توا إلى لحظة الذروة، التي عرف كيف يلتقط عناصرها بتواتر سريع، فحركة السقاء تتسارع في الشارع. وهو ينتقل بين الأمكنة، ثم يعود إلى المقبرة، في بناء منسجم يعتمد اللقطة المختزلة ذات الشحنة المركزة.

ورغم أن موضوعة الماء معقدة، فقد تمكن الشريط فعلا من احتوائها في حدود الحالة المركزية فيه، وهي حالة السقاء. فالكاميرا لا تتيه خارج موضوعها أو في هامشه، بل تلتقط ما يتصل بصميمه مباشرة، بانية موضوعها بالتركيز على مكوناته الأساس. فتحقق بذلك الأهم، وهو بناء الموضوع سينمائيا، بناء أتاح تصوير حالة ربما لا نلتفت إليها في خضم حياتنا اليومية، وتبدلاتها، لكن على الفن أن يلتفت ويلفت إليها. وهي حالة تحمل مفارقة غريبة، حيث يؤدي حضور الماء إلى الجفاف، أي إلى جفاف حياة السقاء الجافة أصلا. كما أشرت موضوعة النار في فيلم "حالة طوارئ" على الانطفاء.

***

إن بعض هذه الأفلام اعتمدت على ممثلين غير معروفين، لكن أداءهم كان مقنعا في الغالب، بانسيابيته، وتحكمه في الدور، ومن ثمة بقدرته على تشخيصه بالحركة والصوت والصمت والإشارة.. وإن اختلفت المساحة المتاحة للممثل للكشف عن طاقته من تجربة لأخرى. فالممثل في فيلم "الأفق الضائع" مثلا، يبدو أداؤه محكوما بضوابط إخراجية صارمة، حتى ليكاد يتحول إلى وعاء لدلالة محددة سلفا، وليس شخصا بشريا تتنازعه مشاعر وأفكار متعارضة، فهو "جدي" أكثر من اللازم، مما يضفي على مساحات حيوية من حقيقة بشريته، ودراميته السينمائية. وقد كاد ذلك أن يضفي على دوره جاهزية صارمة.. لكن هذا لا يمس جوهر قيمة الفيلم الأكيدة.

***

هذه أربع تجارب مختلفة، متنوعة موضوعات وإنجازا سينمائيا، تزيح الستار عن بعض من مشهد الفيلم المغربي القصير، الذي تتميز تجاربه بالتنوع، ويتميز بعضها بجرأة الطرح، والإضافة الجمالية النوعية، الدالة على طاقة إبداعية حقيقية، وعلى بحث واشتغال سينمائيين جديين.. أي على ما يستجيب لانتظارات تلقينا المتعطش لسينما وطنية مبدعة.