ص1      الفهرس     41-50

 

موضوع الاستعمار في الأفلام المغربية

من "الذاكرة 14" إلى "كابوس"

 

أحمد عريب

 

مدخل:

بعد إنجازهم لأفلام ذات طابع اجتماعي مثل "وشمة" و"ألف يد ويد" و"أليام، أليام"، حيث يتبلور الاهتمام إعادة إنتاج الواقع المغربي، وعلى خلاف زملائهم في باقي بلدان المغرب العربي، لم يتناول المخرجون المغاربة في أفلامهم موضوع الاستعمار إلا مؤخرا.

ألا يبحث هؤلاء السيمائيون، بإثارتهم للحقبة الاستعمارية، عن أصل المشاكل التي تنخر جسد المجتمع الراهن؟ سواء تم ذلك عبر أفلام مثل "الذاكرة 14"(1970) لأحمد البوعناني أو "معركة أنوال" (1982) لمحمد العليوي، حيث الجانب الوثائقي ينير هذه الحقبة المظلمة، أو بواسطة أفلام مثل "السراب" (1979) لأحمد البوعناني، "44 أو أسطورة الليل" (1981) لمومن السميحي، "بامو" (1983) لإدريس المريني، "نهيق الروح" (1984) لنبيل لحلو، "كابوس" (1984) لأحمد ياشفين.

أفلام تتميز بسعيها إلى إعادة تركيب هذه الفترة من تاريخ المغرب تحت الهيمنة الأجنبية. بل وحتى عبر أفلام مثل "جرحة في الحائط" (1978) لجيلالي فرحاتي، "الحال" (1981) لأحمد المعنوني، و"حلاق درب الفقراء" (1982)، حيث يثار المغرب المستعمر لتفسير الحاضر، فموضوع الاستعمار حاضر بشكل جلي أو باهت، في جل الأفلام، وذلك لتجسيد ما ألهب طويلا ذاكرتنا، خاصة المظاهرات الشعبية، المقاومة بكل أشكالها، التعذيب، السجن، التضحية من أجل الوطن…إلخ.

"من الذاكرة 14" إلى "معركة أنوال":

منذ سنة 1970، خاض المخرج أحمد البوعناني بنجاح، تجربة في المونتاج الذهني، الذي أبدعه الأستاذ سيرغي ميخالوفيتش إيزانشتاين، مقدما فيلما وثائقيا بعنوان "الذاكرة 14"، يتركب من مشاهد أخذت من أشرطة استعمارية قديمة، فكان هدف البوعناني الوصول إلى حقيقة مغايرة تماما، تلك التي تجعل المشاهد المغربي فخورا بهويته، قادرا على الذود عنها وفرضها، برفضه السينما الاستعمارية، التي تقابل بين نمطين من الحياة، أحدهما تقليدي عتيق، متخلف، والآخر عصري متطور ومتحضر، أقدم البوعناني على معالجة المعطيات ليتناول الواقع المغربي تحت الهيمنة الاستعمارية لكن من منظور مختلف. فهو يبتعد عن صورة المغرب كما ألفناها في السينما الاستعمارية حيث قطاع الطرق ولصوص الماشية، ولا مغرب الرعاة والفلاحين الحفاة.. إنما المغرب الذي عاش التظاهرات الاحتجاجية مطالبا بالحرية والاستقلال، رافضا السلطة المستمدة نفوذها من التواجد الفرنسي.

"الذاكرة 14"، الذي أنجز سنة 1970، في الفترة التي كانت فيها السينما المغربية تخطو أولى خطواتها، كان من المفروض أن تتلوه خلال عقد السبعينات، سلسلة من الأفلام تعالج موضوع الاستعمار، على غرار السينما الجزائرية أو التونسية، مع اعتبار واقع مغاير إلى حدما، لكن السينماتوغرافية الوطنية، انضاف إليها فقط شريط وثائقي واحد، يمكن تصنيفه في خانة "الذاكرة 14"، ويتعلق الأمر بفيلم "معركة أنوال" (1982) لمحمد العليوي وهو أيضا فيلم يعتمد الونتاج.

"معركة أنوال"، يتركب أساسا من صور ثابتة يرافقها نص للمؤرخ المغربي جيرمان عياش، المتخصص في تاريخ الريف. هذا الفيلم يظل، بفضل الإسهام المتين للأستاذ عياش، وثيقة مستحدثة بالنسبة لجميع الذين يرغبون في إعادة بناء التاريخ المجيد والنضالي لشمال المغرب. موضوع الفيلم يبهر بعنف ودقة الأحداث، المكتملة بواسطة تركيب/مونتاج حاذق وتعليق يمنح الحيوية للصورة الجامدة.

الزمان والفضاء الكولونياليان:

معظم الأفلام التي تناولت، من قريب أو من بعيد، الحقبة الاستعمارية لم يفتها تحديد تاريخ ومكان الأحداث. وإذ كانت بعض الأفلام مثل "الذاكرة 14" أو "44 أو أسطورة الليل"، تحكي عن الفترة الاستعمارية من 1912 إلى 1956. فإن أفلاما أخرى، في المقابل، ركزت اهتمامها على فترة جد محددة من هذه المرحلة. إنها حالة "السراب" حيث موضع المخرج أحداث الفيلم في الأربعينات، مرحلة حاسمة من تاريخ المغرب، شهدت المؤشرات الأولى للاحتجاج وحيث الرغبة في الانعتاق أخذت تتبلور بجلاء.

بعد تحديد موقع الأحداث في ضواحي الرباط-سلا، حيث الإدارة الاستعمارية كانت متمركزة بقوة، يتعقب أحمد البوعناني خطوات محمد بن محمد، المنحدر من قبيلة الرحامنة، في مساعيه لمقايضة فلوسه، وأيضا للبحث عن ابنه المفقود في المدينة الثائرة. فالمخرج إذن، يقدم شهادة عن حقبة عاشها المغرب بكل تجلياتها، العلاقة بين المستعمر والمستعمر، المقاومة، المطرب الشعبي الحسين السلاوي، المعارض الجوالة، المخبرون والوشاة المغاربة الذين يترددون على مقاهي المعمرين، باختصار كل ما كانت له علاقة بذلك الماضي المشؤوم، البؤس، الجهل والشعوذة، ميزت هذه الفترة التي أعاد البوعناني تركيبها عبر شخصيات وفضاءات وديكورات تنفرد بمصداقية مثيرة.

أمام تواجد الأجانب، الذين "يجسدهم" محمد للحياة الجميلة التي يحيونها فوق أرض ليست لهم، "هذه الدنيا لا تعطي إلا للنصارى"، يقابل البوعناني مقاومين واعين بواجب تحرير وطنهم.

ذات الحقبة، أي الأربعينات، تناولها أيضا، وبتفصيل أوسع، أحمد ياشفين في فيلمه "كابوس"، في مكان ما من الأطلس المتوسط، يقودنا شخص "مروبص"، بواسطة "تقهقر" (فلاش باك) طويل إلى استعادة مختلف الأحداث التي هزت المنطقة، الحياة اليومية للسكان، عاداتهم، في الأفراح والأتراح، الرقصات، البكاء، وأيضا المقاومة التي أبداها الوطنيون المغاربة.

وإذا كان من اليسير تحديد المكان عن طريق السلسلة الجبلية، الملابس المحلية.. فإن الحقبة الزمنية تظل أكثر دلالة. تجنيد الشباب، القحط، تطبيق سياسة التقنين.. جملة من مؤشرات طبعت هذه الحقبة القاسية والصعبة.

الأطلس المتوسط كان أيضا الإطار الذي ستتحرك فيه شخصيات فيلم "بامو"، المقتبس عن عمل روائي بنفس الاسم للكاتب أحمد زياد، وحيث ستشكل مقاومة أهالي "ويزغت" ضد المحتل الفرنسي.

وبموازاة قصة حب تجمع بين "بامو" و"باسو"، تنمو في الفيلم حركة التحرر التي انبثقت في الخمسينات والتي جاءت كنتيجة للتحالف الحتمي الموجه ضد كل أشكال الارتهان الكولنيالي.

وبالمقابل، نجد المخرج نبيل لحلو، في فيلمه "نهيق الروح" يختار مدينة فاس ليحكي قصة الأحداث التي شهدتها هذه المدينة قبيل الاستقلال، مقدما بذلك تكريما مؤثرا للمقاومين المجهولين خلال فترة 1952-1953، وفي نفس الوقت، رافعا مدينة فاس إلى مستوى المدن المقاومة التي كافحت في سبيل الاستقلال، عبر شخصية عامل التنظيفات، حومان الجيلالي، يفضح نبيل لحلو التعاون المشين الذي كان قائما بين الخونة والمستعمر لإقبار المقاومة.

مدينة فاس كانت أيضا مسرحا لأهم أحداث فيلم "44 أو أسطورة الليل"، هذه المدينة التي يرى مومن السميحي أنها عرفت إلى جانب الريف والأطلسين المتوسط والكبير والجنوب الصحراوي، اضطرابات كبيرة إبان فترة الحماية، 1912-1956. أربعة وأربعون عاما من الكفاح والمعارك الضارية ضد المحتل الفرنسي والإسباني.

لكن، هذا الموضوع ليس جديدا على مومن السميحي، فقد سبق أن تناوله، وإن كان ببعض الاحتشام، في فيلمه السابق، "الشركي أو الصمت العنيف"، حيث موضع مأساة عائشة في الفترة الكولونيالية، آخذا كإطار مدينة طنجة في الخمسينات، ومبررا هذا الاختيار بالوضع الخاص لطنجة كمنطقة دولية خاضعة لسلطة مجموعة من الدول الأوروبية، التي نشاهد في الفيلم أعلامها وجالياتها. إن طنجة هنا صورة من إفريقيا الشمالية المتوسطية.. إنه المغرب الأندلسي بالمقابل مع المغرب الصحراوي والإفريقي.

أشكال الاستعمار:

واعون بالآثار التي ينبغي أن يتركها الفيلم، اهتم السينمائيون المغاربة بتصوير الحقبة الكولونيالية بكامل الواقعية والصدق. هكذا نجد أحمد البوعناني في "السراب" يصور هذه الفترة بكل الويلات التي ابتليت بها البلاد: القحط يصيب الأرض فيقل القمح، مما يدفع المراقب المدني إلى إقرار توزيع الدقيق على المحتاجين بعد اطلاعه على هويتهم. من جهة أخرى، يركز "السراب" على الاستغلال المباشر للإنسان المغربي من طرف المعمر الفرنسي وذلك من خلال شخصية "الهاشمية" زوجة "محمد بن محمد"، وبتركيزه على الخدمات التي قدمتها "الهاشمية" إلى "سيدتها" الفرنسية، يفضح البوعناني استغلالا مماثلا لا يزال قائما. وإن مقولة محمد بن محمد، "كفى غسل ثياب النصارى"، بالإضافة إلى شحنتها الرمزية، فإنها تعبر عن حالة وعي وتكشف عن ذهنية معارضة ورافضة.

أما فيلم "بامو" فيسلط الضوء على مظهر آخر من مظاهر الاستعمار الفرنسي: استبداد المحتل، وبالتحديد الحاكم العام الفرنسي الذي لا يتورع عن امتهاد شرف النساء وإذلالهن. "بامو" يكشف عن الوجه المنتصب للمحتل الذي يلجأ إلى التعذيب والسجون لإسكات صوت المقاومة.

على مستوى آخر، يمكننا موضعة حالة فيلم "44 أو أسطورة الليل" الذي يقابل بين ثقافتين، مفهومين للحياة والزمن سوف يلتقيان. الفيلم يسعى إلى توضيع ازدواجية، استعمار المغرب ناجم عن الجهل وعن استراتيجية المغرب كتاريخ، كبلد، كثقافة.. والتي تحدد وجوده منذ عدة قرون.

أبطال وخونة:

إعادة تركيب التاريخ تظل القضية الرئيسية بالنسبة للسينمائيين المغاربة في تناولهم لموضوع الاستعمار. لكن إعادة التركيب هذه تبقى إجازتها رهينة بمدى تقييمها للشخصيات التاريخية التي صنعت تاريخ المغرب.

في "الذاكرة 14"، لا يفوت المخرج أن يحيلنا، بواسطة الوثيقة، لنشاهد تلك المحاولة البطولية لقتل بنعرفة على يد الشهيد علال بن عبد الله، رمز المقاومة المغربية قبيل بزوغ شمس الاستقلال. علال بن عبد الله، إلى جانب محمد الزرقطوني. سيظلان متوهجين إلى الأبد في ذاكرتنا.

المخرج محمد العليوي في "معركة أنوال"، يحكى عن حقبة من تاريخ المغرب أضحت سبة محرمة اليوم: حرب الريف بزعامة البطل الخالد محمد بن عبد الكريم الخطابي، وجه بارز في التاريخ الثوري للمغرب، الذي لقن للتوسعيين الإسبان، في شمال المغرب، دروسا لم تكن في حسبانهم.

قليلا في اتجاه الجنوب، في الأطلس المتوسط، كانت مقاومة محمد الحنصالي، بفضل ما كان يتمتع به من روح تنظيمية وقت المقاومة، زرع الأشواك في مضاجع الحاكم الفرنسي وزبانيته، خاصة الشيخ الذي لم يجد لانتقامه سوى الأطفال والنساء العزل.

من جهته، مومن السميحي، في تحليله الطويل لوضعية المغرب تحت وطأة الاحتلال من 1912 إلى 1956، يرفع تحية تقدير وإجلال للبطولات المجيدة التي سطرها موحى أو حمو الزياني في الأطلس المتوسط. وعبد الكريم الخطابي في الريف. في مواجهة قوات التحالف الاستعماري الإسبانية-الفرنسية.

إن المخرجين المغاربة، وهم يحيون ذكرى الشخصيات التي طبعت تاريخ المغرب وبدمائها وإيمانها، إنما يرسمون في الواقع صورة أولئك الذين يضحون في سبيل الأجيال المقبلة.

أحيانا، كما في "السراب" مثلا، تتم تورية شخصية البطل، فتظهر كشخصية صموته. ألا يتعلق الأمر هنا بعينة تمثل الآلاف من المقاومين المجهولين الذين كافحوا في سبيل هذا الاستقلال الثمين؟ إنه ذات الكفاح الذي يجرف مصادفة محمد بن محمد، بعد إقناعه لابنه، لكن محمد يفضل إدعاء المرض أمام ألفاظ مثل المقاومة، الاستقلال، الاستعمار.. في فيلم "الحال" لأحمد المعنوني، تبرز شخصية المرأة المقاومة. فعن طريق تراجع سردي (فلاش باك) معبر، واستخدام مجموعة من الصور الملتقطة من الحقبة الكولونيالية، يحيلنا المخرج على الأصل الشعبي لمجموعة ناس الغيوان، وفي نفس الوقت، يدحض الإشاعات الرائجة حول الشخصية الأسطورية، "عائشة قنديشة"، تواجد هذه الأخيرة، الحكايات والخرافات المنسوجة حولها، والتي في نهاية المطاف، تخدم الإيديولوجية السائدة. أما بالنسبة للوطنيين، فعائشة قنديشة امرأة كانت تتحلى بالشجاعة والإصرار على مقاومة العدو الآتي لاغتصاب الأرض، تلك الواقعة في منطقة "جرف الأصفر" قرب الجديدة، من حيث حاول المحتل أن يتسرب.

في "نهيق الروح" أيضا، لا يخلو تصرف عامل التنظيفات: "حومان الجيلالي" من بطولة وشجاعة، هذه الشخصية التي من خلالها يبدي المخرج اهتمامه بالناس البسطاء من الشعب، الذين شاركوا ببسالة وعزيمة، بالتزام وتفاني في مقاومة سلطة الحماية.

في عمله كجامع للقمامة، كان "حومان الجيلالي" يحمل على ظهر حماره الأسلحة إلى المقاومين، لكنه يتعرض لوشاية من طرف زميله في المهنة "بلهادي"، فيقع في قبضة السلطات الاستعمارية. منذئذ وفكرة الانتقام من "بلهادي"، الذي أصبح ثريا كبيرا بفضل تعاونه مع الاستعمار، تستحوذ على "حومان".

فكرة إرجاع مصدر ثروة بعض أغنياء اليوم إلى تعاونهم مع السلطات الاستعمارية، نجدها أيضا في فيلم "حلاق درب الفقراء" لمحمد الركاب، حيث أن "علال" عندما يرسم صورة رفيقه الثري "جلول" لا يتورع عن فضح التعاون الوثيق لهذا الأخير مع أسياده الفرنسيين.

أبطال الأمس، مشردو اليوم:

لا توجد حرب بدون ضحايا، هو المغزى الذي يمكن الخروج به من الأفلام التي تناولت موضوع الاستعمار، فهذه الأفلام عندما تسلط الضوء على مختلف الانتفاضات والمظاهرات الشعبية التي سبقت الاستقلال، على التعذيب الذي تعرض له الوطنيون، على الشهداء الذين سقطوا في ساحات الوغى.. إنما تكون قدمت شهادة واقعية عن حقبة زمنية، لكن أحيانا نجد الضحايا ينتمون إلى الحاضر ويعانون ماديا من خطإ تاريخي، بعدما خاب ظنهم في الحالة الراهنة للأشياء، وبدون أن يقطعوا صلتهم بالماضي، نراهم يعيشون الحاضر بمرارة. الحالة الأكثر جلاء يمثلها ذلك البائس "حومان الجيلالي" في "نهيق الروح"، الذي، بالرغم من مساهمته في إبطال عقد الحماية، استمر يؤدي نفس المهنة التي كان يمارسها قبل الاستقلال، في حين يستأثر عملاء الأمس بثرات المعمرين. إن البورجوازية الوطنية التي بقيت في الظل طيلة مرحلة التحرير، عينت نفسها وصية على ثروات المعمرين، فيلم جيلالي فرحاني "جرحة في الحائط"، يقدم لنا بدوره نموذجا من الحياة التعيسة التي يحياها قدماء المقاومين: جندي، خرج معوقا من الحرب، يهمش في أحد الفنادق، حيث رضيت صاحبته، وهي امرأة إسبانية، على إيوائه. خيبة الأمل هذه، نشعر بها أيضا في نهاية فيلم "44 أو أسطورة الليل"، عندما نشاهد المآل الذي انتهى إليه موسى وهو شحاذ في دروب فاس.