ص1         الفهرس      51-60

 

إشكالية تأويل النص الديني

بين الألسنة والأنسنة

 

عمر بيشو

إذا كان التأويل، يأخذ أهميته من خاصيته المميزة، كما يعرف ككلمة حق وصدق، ليست صادقة فحسب، وإنما منحدرة من زمانها (H.Ey) أو ما يسميها تلميذه (Lacan) "الكلمة المؤسسة Parole constituante"، فإن إقامة جسور بين تأويلين ليس إلا وثبا وقفزا على زمانيتين كلاميتين متغايرتين، مما يجعل تطابق المعرفة بالنص المؤول مع الواقع (التاريخي والشعوري) –أي بمعناه التحليلنفسي- والبحث عن المعرفية الخالص، ضربا من اليوتوبيا، كما لا يمكن أن يفرز إلا المفارقات والتناقضات، ما دامت طبيعة اختلاف التأويلين تضاديا لا تنوعيا. وهذا ما وقع فيه بعض محللي الخطاب في دراستهم الاستكشافية لأنماط دلالة النص الديني، مما جعل تأويلهم تاريخيا وليس تاريخانيا، ما دام ينتزع النص من سياقه العام الذي تدوول فيه، ويجثه من مساقه الخطابي العام، الذي يمكن أن يفسر على ضوئه، لصعوبة مناله على مخاطبيه الأوائل، وإنما يمكن أن يفهمه فلاسفة اللغة والهيرمينوطيقا ونظريات تحليل الخطاب، وغيرها من الحقول المعرفية المتقاطعة مع منطلقات وأهداف هذا النمط الخطابي. وهنا ينساب سؤال ملح في هذا الإطار، أليس من المفارقة أن يتم توظيف المنهج "العقلاني" على "الآخر"، في حين يتم إهداره على "الذات"؟ وإذا كانت نهاية تأويل النصوص من الزاوية التاريخية والاجتماعية هي التفرقة بين "الدلالة" و"المغزى" الذي يمكن استنباطه من الدلالة ذاتها (هيرش)، فكيف تم كشف دلالة النصوص التأسيسية من معناها الذي يمنح ثباته لها؟

لم يكن الباحث نصر حامد أبو زيد –المفترى عليه- مخالفا لقضية النزول المقدس المعلومة –لديه كذلك- من الدين بالضرورة، وأن له وجود مفارق لهذا الواقع قبل أن يهبط إليه –وهذا سوء تأويل يحسب على الباحث محمد عمارة، قارئا خطابه النقدي للخطاب الديني[1]- فكل ما في الأمر أن –نصر- قرأ النص الديني من خلال مفاهيم العصر خاصة علم العلامات، واللسانيات وفلسفة النقد الأدبي، باعتبار براعته التأويلية في هذه المجالات بشهادة المفكر الفلسفي حسن حنفي، الذي أعتبره من أحسن من أجاد قراءة أعمال "نصر" بعيدا عن كل تشنج وأحكام مسبقة[2]. فأبو زيد لم يتبن المادية الماركسية –كما زعم محمد عمارة- في دراسته للظاهرة القرآنية بوصفها ظاهرة تاريخية محضة، تهدر السياق الميتافيزيقي المتعالي كما يذهب التيار التاريخاني الجذري، وبالتالي بما أنه "هستر" (أخضعه للتاريخ) النص –إذا كان كذلك- فيجب أن "نمركسه"، وهذا غلط في حق هذا المفكر الناقد/المؤول، الذي لم يختلف مع أحد قديما ولا حديثا في جوهر الإسلام وروحه "لا خلاف أن الإسلام بالفعل حرر الإنسان من سيطرة الأوهام والأساطير على عقله، وحرر وجدانه وعقائده من كل ما يعوق حريته"[3]. وهذا كاف لأن يخرج هذا الباحث من النظرة المغالية المتطرفة في الجرم والنقد إلى درجة Cynisme، أي الكل معاب لا يحتوي على ما هو إيجابي.

إن هذا الخطاب النقدي للخطاب الديني –منظورا إليه تأويليا- إنما هو صوت اجتهادي ناقد، يؤسس البنى التحتية لآلية التأويل والمشروع العقلاني، كامتداد للمعركة الضاربة في القدم، مواجها بذلك مجتمعا يسوده "النفاق" والخطاب المزدوج، كما تشكل أطروحته تحديا تأويليا للخطاب الديني الاجتهادي بعيدا عن كل هذيان تأويلي محموم وبغض النظر عن الخلفية الفكرية التي سكلجت خطابه النقدي. وهل يستطيع من انقطع للبحث والكتابة أن يبقى بدون مشروع للتفكير؟ بعبارة محمد عابد الجابري. وما دام تأويله صادقا ومنحدرا من زمانه (H.Ey) وكذلك قصده، فإن من حقه أن يقول "ولن أتنازل عن أي اجتهاد من اجتهاداتي، إلا إذا ثبت لي بالبرهان والحجة أنني مخطئ"[4]. لا يهمنا هل خطأ الرجل أم أصاب، فله أجره المعلوم، بقدر ما يهمنا أن نناقش الجوانب العقلانية والمشروع النقدي الذي بلور أفكارا سجالية وجدلية حول قضية النص تأويلا وتفكيكا.

يعلمنا الدرس اللساني أن اللغة ليست نظاما فرديا، وإنما نظام جماعي في الذاكرة الجمعية، وإن غايته اكتشاف حكمة واضع اللغة ونظامها، بصرف النظر عن كونها توقيفا أو اصطلاحا، بعبارة أخرى. إن مدلول لفظ من الألفاظ، ودلالة مصطلح من المصطلحات يتحددان بالسياق الذي تم فيه التلفظ بهما واستخدامهما، وهذا ما يبيح الكلام عن دلالية سياقية ترتبط بمقام معين، كما يستفاد من دروس دي سوسير اللسانية، وكما يعزوها "لاكان" إلى "زمانية الكلام بين الذوات"[5].

ويعلمنا الدرس القرآني أن نصوصه ليست من طبيعة واحدة من حيث النزول التشكيلي لمكونات صيغه اللسانية، فمنه "ما نزل ابتداء، ومنه ما نزل عقب حادثة أو سؤال"[6]، هذا النزول التأسيسي سيشكل فيما بعد نصا متعدد الأنماط والدلالة، يمنحه "ذاتا" قريبة من معناها التحليلنفسي، حيث البعد النمذجي والوجودي والاجتماعي والدينامي.

وإذا كان من باب العبث، والخوض فيما لا طائل تحته، الاشتغال في هذا الحقل المعرفي (أسباب النزول) كما ينص عليه بعض دارسيه قديما، من حيث مساهمته في فهم النص الديني نزولا وورودا، وفي الوقوف على جوانبه التأريخية فحسب[7]، فإن هذه الأخيرة أصبحت ضرورة ملحة مع تطور الحقل اللساني وعلوم التأويل عامة في علاقتها بالظاهرة القرآنية، مما يتيح إمكانية الوقوع في صدامات تأويلية، ما دامت دراسة هذه الظاهرة الفريدة، لم تمتح بعد، وبشكل كاف من علوم التأويل القديمة والحديثة، كعلوم القرآن ومقاصده التكليفية، والسميوطيقا في ارتباط الفكر باللغة، والسيميولوجيا الطبعقلية وصلتها بالتحليل النفسي على المستوى الظاهراتي…الخ.

من بين هذه الصدامات، نسجل ذلك الذي ينصرف نحو جعل النص الديني نصا لسانيا محضا، مختزلا إياه ككائن لساني، انطلاقا من تحديد لغوي صرف للنصوص عامة. فـ "النصوص أبنية لغوية، لا تفارق النظام الدلالي للغتها إلا في حدود خاصة مشروعة بطبيعية وظيفتها المقصودة في الثقافة"[8]. اعتبار هذا التعريف المعاصر للنص كعنصر وسيط في البنيوية المعاصرة التي تعزو له وجودا مستقلا كسلسلة من العلامات المنتظمة، في نسق من العلامات تنتج معنى كليا يحمل رسالة سواء كانت تلك العلامات باللغة أي الألفاظ، أو بأية إشارات أخرى[9]- إنما جاء كرد فعل لمفهوم النص في الخطاب الديني الذي انحصر حديثا في "عدم الاجتهاد" تم ذلك بعد سلسلة من التعريفات الكرونولوجية التي قام باكتشافها في بطن النظام البياني العربي، الباحث نصر حامد أبو زيد، متتبعا مراحل تطوره الدلالي، من الحسي إلى الاصطلاحي مرورا بالمعنوي. فالنص عند الشافعي هو أحد أنماط البيان، وعند الزمخشري المحكم الواضح، وعند ابن عربي الواضح الذي لا يحتمل التأويل[10].

هل يمكن اعتبار هذا التحديد للنص بريئا بالمعنى الألتوسيري للعبارة، أو موضوعيا؟ أم أن الموضوعية "ادعاء وضرب من الأسطورة روجها الغرب لإخفاء أبعاده الإيديولوجية، وأحكامه المسبقة، وتابعناها رغبة في البحث عن الخالص والتجرد من الأهواء"[11]؟ كيف يمكن إذن حماية النص من سوء الفهم، وسوء تنزيل المفاهيم المعاصرة وتبيئتها لتجنب الإضفاء السلبي للمعنى ما أمكن، حتى نكون بإزاء تأويل "حقيقي" منسجم عقلاني، مجذرا ومؤطرا في أسسه المادية، يليق بالظاهرة القرآنية؟ سؤال هيرمينوطيقي يستدعي تدخل التأويل سيميولوجيا، أو السيميولوجيا المستعجلة (H.Ey) للوقوف على حقيقة هذه الأعراض الطارئة بعيدا عن كل تفسير سببي (K. Jaspers).

لنرجع إلى طبيعة النزول والتشكيل المميز للنص القرآني، الذي اكتسى منه بناءه اللغوي نمطا خاصا، جعل صيغه اللسانية ذات حمولات دلالية عالية، تقتضي قراءتها تساؤليا واستفهاميا، وإشكاليا. إنه كما قال جاك بيرك "رغم أساسه الواقعي الذي يضاف إلى نداء السماء المتعالية، فإنه يولد مفعولا ديداكتيكيا، أو يحدث صدمة سيكولوجية قد تصل إلى التحويل الكلي"[12]. هذا النداء العلوي أو الذي نزل ابتداء هو ما يشكل البناء الشعوري للنص الديني، بجانب البناء التاريخي على التكامل لا الاستبعاد. فالتاريخ –يقول حسن حنفي- "لا يمكن معرفته خارج الإدراك البشري، سواء النصوص القديمة في مرحلة تدوينها الأول، أو قراءتها في مرحلة إعادة إنتاجها الثاني، التاريخ خارج الشعور ادعاء، ووقوع في النزعة التاريخية، وتشدق بالموضوعية"[13]. ثم ما الذي يبرهن على وجود المعنى في العالم الخارجي؟ إنه لا يمكن ذلك، ما دام يتحدد الشيء في قياسه فيزيائيا، لانتمائه إلى عالم الأشياء، وليس الشعور بما هو وسيط بين النص والواقع. ثم إن اصطلاح الشريعة والعقيدة إنما التجأ إليه الفقهاء القدماء، ديداكتيكيا للفصل بين ما هو شعوري وجداني وما هو تاريخي اجتماعي، مما ساهم في انشطار "النص، وتمفصله موضوعيا يصعب النظر إليه جملة، ولأول وهلة كذات جامعة". "إن علينا جمعه وقرآنه" (17/القيامة)، كيف تم هذا التماس اللحظي، الذي جمع النظام الاجتماعي والنظام الإلهي ("عرف" – "معجزة")، وبين الإدراك المشتت والإبانة الدقيقة ("مخالطة".. "نداء")؟؟

صحيح أن النص الديني بمجرد نزوله "تأنسن" كما يحلو للخطاب النقدي للخطاب الديني، لكن في حدود "التألسن" فقط، وهو ما يسمح به تأويل النص، "وهذا لسان عربي مبين" (103/النحل) و"إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" (كما جاء في الحديث الشريف الذي أخرجه الترمذي) وقد استعملت هذه الكلمة الجعلية بصيغها المتعددة في النص القرآني حوالي 200 مرة للدلالة على تصيير الشيء على حالة دون حالة[14]. فالنص القرآني تألسن عربيا، كما تألسن الوحي سابقا بألسنة أخرى، وهذا موضوع لصيق ببحثنا غير أنه يحتاج تأملا آخر.

إن مبدأ الأنسنة يحيلنا إلى المبدأ التالي وهو "التنميط للنصوص" وبالتالي رفع الطابع القدسي عن النص الديني "المتعبد تلاوة" مبدئيا. وإخلال الزمني والنسبي مكانه، بعبارة أخرى، إقصاء النص الأعلى في مقابل إثباتها للأنا البشرية، أليس في الأنسنة تنميط للذات والأنا؟ هذا التألسن يتمظهر بشكل جلي على مستوى التأنسن –إذا ما اعتبرنا الأمر مجرد مشاحة لغوية- في النص السفلي المتشكلة مفاهيمه اجتماعيا وثقافيا، ومن هنا تأتي خطورة التفسير الحرفي اللاتاريخاني، كما تأتي خطورة التاريخاني في إصدار البعد التعبدي للنص على السواء، وحيث إنه لا يمكن للذات أنتروبولوجيا أن تنخرط في السيرورة التاريخية إلا في إطار خصوصية وضعياتية تضمنها لها الوحدة والهوية، فإن هذه الخاصية تبقى ضرورة وجودية للذات في احتكاكها بعالمها بالمعنى التحليلنفسي للعبارة.

إن النص القرآني ذات بما تحمل الذات من خصائص مميزة، وهو ما أثار الجدل قديما حول حقيقتها الكلامية بين المعتزلة والأشاعرة إبستيمولوجيا في قضية خلقها وقدمها، كما أدخلت عبد القاهر الجرجاني في جدال مع نصوص الكهانة والشعر من خلال قوانين هذا الأخير، وأسرار البلاغة منظورا إليها إعجازيا. هل كان ذلك الجدال طبيعيا سواء أكان من إفراز النص ذاته أم الواقع؟ إن نظرة في التحليل النفسي تجعلنا نقف على حقيقة الكلام المتصدي لهذه الظاهرة بوصف آليته "منهجا لدراسة الجدل بين البشر في الكلام الإنساني"[15] وما دام هذا الجدل الكلامي يعبر عن زمانية كلامية بين الذوات، وما دام –كذلك- يتيح النص/الذات "للرجال" التناظر والكلام "إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق، وإنما يتكلم به الرجال" –وهو النص الذي اعتمده صاحبنا في تأسيس أطروحته المؤنسنة والتي أثارت هي الأخرى جدلا على جدل، كيف ننتقد النص، ونحن لم نتخلص بعد من لغته وسلطته؟- فإن هذه المعطيات تجعلنا ننغمس إذن، في التحليل النفسي باعتبار شعورية ورمزية هذا النص الديني وبذلك التجسيد الإلهي في صورة التماس اللحظي، الذي منح النص ذاتا كما أبرزنا من قبل. فالنص استجابة لواقع بدليل "أسباب النزول"، ولتطور الزمان بدليل "الناسخ والمنسوخ"، كما أنه شعور استجابة للنداء السماوي المتعالي عن مجريات الأحداث وفضاءاتها بدليل التماس اللحظي، الذي يمثل منظومته الرمزية، والصلة الوجودية الأم التي تتفرع عنها الصلات الأخرى، ومن أبرزها الصلة الوجودية العيانية المكونة لحقيقة الذات في مجابهتها لعالمها. ولذلك، فلا المعيار اللساني ولا السوسيولوجي يكفي لتحديد طبيعته ما دام ذاتا، كما يستفاد من الدرس التحليلنفسي وصلته بالسميولوجيا الطبعقلية خاصة فيما يتعلق بحدود الحالات، التي توحي بدورها بحدود التأويل وقيمة المؤول معرفيا وتجريبيا[16]. التجربة بما هي علاقة بينية وتواصل مع الذات، حيث يكون هدف هذه العلاقة أو التجربة سيميولوجيا: الوصف والفهم. نتحدث إذن عن سيميولوجيا التواصل بين الذوات التي تهتم في دراستها بكشف نموذج التواصل ونمطه الخاص، الذي يتمحور في نهاية المطاف حول تقييم التأويل في حد ذاته، وإذا كان الجهاز العلائقي لا ينتظم إلا في ارتباطه النسبي بنظام الحقيقة، فإن تأسيس هذا الأخير لا يتأتى إلا في إيجاد تواصل الأنا أو الوجه الظاهر للذات مع الآخر، وهذا لا يتم إلا عبر اللغة (J. BOBON)، مما يتيح للسيكولسانية كآلية تحليلية أن تنفتح على القنوات الاجتماعية التي تؤسس موضوع "الميكروسوسيولوجيا" أو "المنطق العلائقي" للتفاعلات البينية، وسيبرنتيكا الأنظمة البين-موضوعية (Kurtlevin). ولعل هذا كاف لبيان مدى مساهمة هذه الحقول المعرفية في دراسة الظواهر ذات البعد السميولوجي التواصلي، وأن اضطراب هذا المجال –يضيف (H.Ey)- يتيح فرصة للهذيان "Délire" والتجربة الهذيانية "délirium"، بمعنى التحدث بلسانه ولغته باعتباره ثاويته فيهما. وهنا يمكن الحديث عن التأويل الهذياني في صورته المنتظمة، كـ"العقلانية المعتلة" (Minkowski)، و"التأويل الفيلولوجي" (P.Fersdorff)، حيث يتم اللعب بالقواعد واللغة لتضليل الذكاء وتمويهه[17].

إن النص عندما يتعرض لاستنطاق "الرجال" يصبح "مفهوما"، فيتحرك وتتعدد دلالته، مما ينزع عنه ثباته، ويعرضه للتحول، إلى درجة الاضطراب أحيانا في غياب شروط حقيقية للتواصل/التأويل، المتمثلة في التجربة الحقيقية والمعرفة العميقة. وهنا يتحدد مجال التواصل الذاتي، ويتم تأطير التأويل كآلية تواصلية، ويستبعد بذلك، المعيار اللساني لوحده أن يستحوذ على العملية هاته، باعتباره لا يستوفي أبعادها، ولا يسبر أغوارها ما دام يهدر البعد الرمزي للتجربة الدينية، كما عبر عنها قديما الفخر الرازي بقوله "ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي"[18]. وهذا من مجمل ما وقع فيه الخطاب النقدي للنص الديني لا بوصفه ذاتا (شعور/وتاريخ)، وإنما بوصفه نص لغوي محض، يتمتع بسلطة ما.

إن التأويل لكي ينجز تحليلنفسيا على المستوى الظاهراتي لا بد وأن يكون قريبا من الأنا (Bouvet)، مجال الاحتكاك بالواقع فحسب، وليس في المكونات الأخرى التي تشكل الذات ككل[19]. وهذا ما يفرضه النص الديني –تماما- تجاه التأويل والتجربة التأويلية في استبعاد الخوض فيه خارج حدود دائرة اشتغاله، الذي يسميه "المتشابه"، إذ لا يسمح للتأويل أن ينجز في حقل هذا الأخير، لأنه بعيد من "أنا" النص/الذات، والتي تدخل في مواجهة مع الواقع. بعبارة أخرى، إن التأويل الذي يسمح به النص، هو الذي ينصب أساسا على الجانب النزولي الذي تأسست مفاهيمه اجتماعيا وتاريخيا وثقافيا، وهو ما يشكل "الأنا" مقارنة مع الذات الإنسانية، مجال تقاطع الوجود بالحقيقة أو ما يمثل عالم الظاهر.

إن النص ذات حية لا يمكن الفصل بينها وبين المجال الاجتماعي والعلاقات البينية التي تتشكل الذات عبرها باستمرار، كما تتشكل الذات البشرية على السواء، وبالتالي فكل محاولة تمس هذا البناء النصي بهدف زعزعة مكوناته في الفصل بين مجاله الشعوري ومجاله الاجتماعي والثقافي، إنما هو إضفاء نوعي لطابع الهيستيريا عليه "كنتيجة لصدمة تقع بين الذات والمجال الاجتماعي"[20] كما أولها فرويد. هل نحن –إذن- أمام تجربة لا واعية لعلاقتها بالآخرين؟ لنجعل النص المتعالي –من منظور تحليلنفسي- كإطار لا واعي، والنص الواقعي كإطار واعي، فإن مدلول العلاقات بين هذا الأخير والأول على الاستبعاد لا التكامل يؤدي إلى الخطأ، وهذا ما يتحاشاه الدرس القرآني كذلك في تناوله تأويليا لظاهرته، ليس في البحث عن كيفية تشكيل ذاته، فالكيف هنا معلوم بدليل ما سبق، وإنما المجهول الكيفي في التماس اللحظي، إذ يجوز البحث في مساهمة النص المتعالي في تأسيس شطره التجريدي "اللاتاريخاني" –إن شئت- وهو ما سمح بالتفرقة المعروفة في قضية النزول التي اعتنى بها علماء القرآن قديما، كما نكون قد زحزحنا عن الاستفهام الإنكاري للفيلسوف الفقيه ابن رشد "ومن الذي قال في الإلهيات شيئا يعتد به؟"[21] في أفق الكشف عن حقيقة التأويل وحدوده وما اعتراهما من غموض واضطراب في الثقافة العربية الإسلامية.

نكون إذن أمام قراءة "……" حينما يتم إقصاء السياق الاجتماعي من النص، أو إهدار السياق المتعالي منه على السواء، وهذا ما لا يسمح به الدرس التحليلنفسي والدرس القرآني كذلك، فباعتبار السياق التاريخي المندرج في الشق الثاني من طبيعة النص النزولي ذي الصبغة الثقافية والحضارية، والخاضع لقانون التطور الطبيعي بما فيه اللغوي، هو المعبر عنه بقول الشاطبي "إنا وجدنا الشارع قاصدا لمصالح العباد، والأحكام تدور معه حيث دارت، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز"[22]. وعبارة القرافي "إن الأحكام المترتبة على العوائد، تدور معه حيثما دارت، وتبطل معها إذا بطلت، وعلى هذا القانون تراعي الفتاوي على طول الأيام، فمهما تجدد في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور طول عمرك"[23] وغيرذلك من النصوص التي تقرر هذه الحقيقة الاجتماعية والإيكولوجية، والتي كشف عنها مجموعة من مجتهدي الإسلام قديما وحديثا، انطلاقا من ملاحظة تأثير الظروف الجغرافية البيئية في صياغة الأحكام الشرعية، ومنه كان تقعيدها وتقنينها فقهيا : "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان، وأن الحكم يدور مع العلة والمصلحة وجودا وعدما، كما يمكن تعدية الحكم قياسا واستحسانا..الخ"[24] ما دامت "الوقائع بين أشخاص الأناسي غير متناهية والنصوص والأفعال والإقرارات متناهية، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما يتناهى"[25] كما قال ابن رشد. وإلى هذا جنح ابن خلدون[26] والشهرستاني[27] في اعتبار مسألة الاجتهاد ضرورة عقلية بالإضافة إلى شرعيتها، أخذا بروح العصر، وروح التشريع، وروح التاريخ. فاللغة والعقل والتاريخ تتفاعل وفق أسس بيولوجية من أجل تجديد الخطاب، وتحديث المجتمع "فالقياس مجاز منطقي والمجاز قياس عقلي"[28]، ولا داعي للاستطراد في بيان أهمية هذه الآلية الذهنية في توليد نظريات ومعارف جديدة للإسهام في حل المشاكل، فيكفي أن الشاطبي صاحب نظرية المقاصد التي جعلت منه منعطفا في تاريخ الفكر الإسلامي، بنى "الموافقات" على الظنيات أساسا ثم التي اقتنص القطع واليقين منها فكانت خاصية كتابه المذكور، هذه النظرية التي تمثل وسطا بين طرفين متضادين: التأويلات اللامتناهية التي قد تكون متناقضة ومهدرة لمقاصد الشارع ومعتبرة النص بصلا لا ينتهي من التقشير، كما هو الشأن بالنسبة للتيار التفكيكي الحديث، واتجاه آخر حرفي جامد على المسطور، وبالتالي فالنص –حسب هذه النظرية- ثابت غير متغير من حيث روحه ومقاصده وإنما تختلف التجارب التأويلية باختلاف القراءات، وتبقى مهمة الاجتهاد في تفكيك الأحكام الثانية والأنماط المثالية، لبيان نشأتها الأولى ثم يعاد توظيفها كبنيات ثقافية جديدة ومعاصرة، دونما إهدار لبعديها التعبدي والاجتهادي! وهنا تكمن معضلة التأويل وإشكالية كيف يمكن إضفاء المعنى المقدس على النسبي والمتحول؟ كما تشكل هذه التأويلات مفترق الطرق بين الخطاب الديني والخطاب النقدي له (نصر حامد أبو زيد)، والخطاب العلماني (خليل عبد الكريم..) صاحب "الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية" الذي يحاول هسترة النص الديني في البحث عن اجتثات جذوره التاريخية من نسيجه الذاتي العام والهدف هو الهدم والتفكيك من أجل التفكيك، وهذا مظهر آخر من مظاهر الاضطراب التواصلي الهذياني، كما لا يمكن تسمية هذا الاتجاه "لا دينيا" ما دامت منطلقاته الفكرية التاريخانية النافية لكل محتوى رمزي وأخروي للزمن، والتي تختزل هذا الأخير في حركة مستقيمة، وكمية لا محدودة في الزمان تندرج في المفهوم اللغوي الواسع للدين باعتباره كما قال جيلبير دوران "عبادة التاريخ كوثن"[29]. فالقراءة من أجل التأويل وإعادة البناء لا تتطلب باستمرار التاريخ. البنية شيء، والتاريخ شيء آخر، -يضيف حسن حنفي- فـ"هوسرل، لم يحاول بحث تاريخية نقد العقل الخالص، بل قرأه، أي أعاد بناءه وتوظيفه وتأويله بالتعبير عن المسكوت عنه عند المؤلف، أو عن المرغوب عنه عند القارئ، ولم يحاول هيدجر البحث عن المعنى الموضوعي التاريخ السياقي لنصوص السابقين على سقراط، بل أولها بحيث تكون حاملا لرؤيته"[30].

وبخصوص النص الديني إذا كانت الفلسفة التأويلية التاريخانية المعتدلة لا الجذرية، تروم تحكيم العقل بالرجوع إلى الجذور التاريخية والاجتماعية للمفاهيم كبنيات ثقافية فإن هذا الطرح لا ينكره الخطاب الديني الاجتهادي بدليل طبيعة النص ذاته، شرط ثباته تعبديا ونطوقيا، وبالتالي ينخرط هذا النمط من الخطاب –إلى حد ما- في الأطروحة التأويلية الإسلامية منظورا إليه مقاصديا وتحليلنفسيا g

 



[1] - د.نصر أبو زيد والرؤية المادية للقرآن الكريم، مجلة المنهل السعودية، 1996، عدد536، ص24.

[2] - حسن حنفي، علوم التأويل بين الخاصة والعامة، قراءة في بعض أعمال نصر حامد أبو زيد، مجلة القاهرة، أبريل-ماي-يونيو 1997، ص9.

[3] - نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، سينا للنشر، القاهرة 1992، ص80. وله مطبعة بيروتية أخرى.

[4] - الأهرام في 19/6/1995.

[5] - (مالكون يوي، لاكان والأدب، ترجمة المقصود عبد الكريم)، مجلة القاهرة، 1997، ص81.

[6] - صلاح الدين أرقدان، مختصر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، دار النفائس، بيروت 1987، ص80.

[7] - بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، دار الجيل، بيروت، 1988، ص22.

[8] - نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني،  سينا للنشر، 1992، ص101.

[9] - مجلة القاهرة، 1997، ص36.

[10] - ألف، مجلة البلاغة المقارنة، القاهرة، العدد 12، 1992، ص50-74.

[11] - مجلة القاهرة، 1997، ص32.

[12] - جاك بيرك، الصيغ اللسانية للقرآن، قراءة جديدة للقرآن الكريم، ترجمة مصطفى النحال، جريدة الاتحاد الاشتراكي، ملحق رمضان، 5979.

[13] - مجلة القاهرة، 1997، ص32.

[14] - معجم ألفاظ القرآن الكريم، مصر، مجمع اللغة العربية، الإدارة العامة للبحوث وإحياء التراث.

[15] - مجلة القاهرة، 1997، ص80.

[16]  -HENRIEY, P.BERNARD, CH.BRISSET ; Manuel de Psychiatrie, Masson, p.67.

[17]  - Idem, pp.109, 111. 513, 514. Th. Lemperière, A.Feline, Psychiatrie de l’Adulte, (ABREGES), Masson, 1984, pp.39-275.

[18] - ابن أبي العز الحنفي، شروح العقيدة الطحاوية، المكتب الإسلامي، 1988، ط9، ص208.

[19]  - (L’interprétation dans la psychanalyse), in Manuel de Psychiatrie, Idem, p.1078.

[20] - كاترين كليمان، التحليل النفسي، تعريب محمد سبيلا وحسن أحجيج، منشورات الزمن، مارس 2000، ص131.

[21] - شرح العقيدة الطحاوية، ص208.

[22] - أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات، القاهرة، مطبعة مصطفى محمد، ج2، ص306.

[23] - القرافي، الفروق، طبعة دار إحياء الكتب العربية، 1344هـ، ص176.

[24] - صيحي الصالح، معالم الشريعة الإسلامية، دار العلم للملايين، بيروت 1982، ص70.

وكذلك: عمر الجيدي، التشريع الإسلامي، أصوله ومقاصده، الفصل الحادي عشر، منشورات عكاظ، 1987.

[25] - ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، طبعة الاستقامة بمصر، 1938، ج1، ص2.

[26] - ابن خلدون، المقدمة، ط.التجارية، ص445.

[27] - الشهرستاني، الملل والنحل، تحقيق محمد كيلاني، ط.الحلبي، 1961، ص199، ج1.

[28] - مجلة القاهرة، 1997، ص35.

[29] - (داريوش شيغان، أوهام الهوية) نقلا عن الحداثة، دفاتر فلسفية، إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر ، 1996، ص70.

[30] - مجلة القاهرة، 1997، ص41.